في الحقيقة لا تفضي المعرفة إلا لاستحالتها، لكن ما يبقينا رهن المحاولة هو معرفتنا بأن المستحيل قد كان فعلا من قبل، مما سمح بوجودنا على هذا النحو. معرفة كتلك لم تجعل لنا خيارا آخر. ليس بوسعنا سوى أن نضرب رؤوسنا في حائط جهلنا الفولاذي، لا كي يلين، بل لننزف أكثر وأكثر، ويستحيل المستحيل مجهولا على أيدينا كما كان، فتكتمل الدورة.
كل هؤلاء المتراكمة أسمائهم في سجلات الموت.. الممسوحة أسمائهم من سجلات الحياة بممحاة النسيان فعلوا هذا سواء علموا به أم لم يعلموا. نحن ببساطة أبناء المستحيل.. شهداء الجهل.. أسرى النسيان.. يبتلعنا المجهول بشكل لانهائي ليسترد نفسه.
الأشياء مشحونة بمعناها المتوارث بفعل التراكم. متى أفرغناها من معانيها بالبحث والتأمل والتفكير والتجربة سيصعب علينا أن نعيد ملئها بأي معنى من جديد مهما حاولنا. حجم الطاقة مهما بلغ في محاولة كتلك سوف يذهب هدرا؛ لأن حقيقة السراب إذا ما ظهرت، تماما كما الجرة إذا انكسرت لا يمكن أن تعود لما كانت عليه.
يقول الفيلسوف والروائي الإيطالي الشهير -أمبرتو إكو- موجزا هذا الأمر في كتابه -بندول فوكو- العالم لغز أليف، لا أذى فيه. فقط محاولاتنا المحمومة لتفسيره كما لو أنه ينطوي بداخله على حقيقة هي ما تجعله مروعا ومخيفا ولا يطاق.
ربما فعلا لو كانت هناك ثمة حقيقة لما كنا هنا على هذا النحو محاولين رصد وتتبع السراب اللانهائي ويكأنه الحقيقة. لا شك أن غواية التأويل المدموغة في الوعي هي ما تدفعنا لفعل ذلك رغم ما قد يطالنا جراء هذه التأويلات المتباينة المتخبطة من الشر المتمثل في الفرقة والصراع، لكن مع الأسف هذا هو السبيل الوحيد لمعايشة الوجود الذي لا نقوى على استيعابه. ليس بوسعنا حيال هذا الوجود المبهم المستعصي المطلسم سوى أن ننتقم من أنفسنا بالفرقة والتشرذم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق