الجمعة، 9 مارس 2018

فرضية اللاحقيقة



في المتاهة لا ثمة داع للتذمر والسخط.. جل خيبات العالم أوهام.. هاهو العالم منزو في الوجود، ويكأنه صفر.. هاهو الوجود بأسره منزو في العدم، ويكأنه بلاجدوى.. هاهو العدم منزو في قلبي ويكأنني تبلدت.. أنكسر كأس الحياة فارغا في يدي.. لم يسقط، ولم أسقط حين أُسقط في يدي.

سيقولون العدم نقيض الوجود بنقيضيه الحياة والموت، وأقول المستحيل هو الحقيقة.. حقيقة بلا نقيض. مالنا نحن والحقيقة والضد يملأ عيوننا زيفا ووعينا نزفا؟! ما أبعد الحقيقة عن دائرة العدم والوجود.. ما أبعد الحقيقة حتى عن ما هو أبعد من كل هذا.. ما أبعد الحقيقة عن الحقيقة.. ما أعصاها حتى على نفسها.

كل هذه الأسئلة.. كل هذه الإجابات.. هي محاولات للإنشغال عن مرارات الحقيقة الأم، حيث الإجابة هي السؤال بصيغة أخرى، والسؤال هو العدم دائما. الوجود استقراء فاسد لعدم غير موجود بالأساس، ولهذا فالحياة لن تلائمنا، ولن نلائمها مهما حدث. هناك خلل ما ضارب بين السبب والنتيجة.. فالنتيجة أكثر تأثيرا في السبب المحرك لها منه في تسبيبها. النتائج بتراكمها وتداخلها وتفاعلها بوسعها أن تلاشي الأسباب الأولى كونها تصبح بحد ذاتها أسباب مستقلة مع الوقت، بل مع الوقت أيضا تلاشيها نتائجها، وهكذا هلم جرا. 

السببية ليست القانون الوحيد كما يوهمنا الوعي كي ينطلق بنا زمرا في الشتات.. العلية بذاتها هي جدلية وعينا المفرغة التي تجبرنا على الاستسلام لها، والتأقلم مع العبث كونه المنطق الوحيد المتاح. المتأقلمون مع هذا الهراء جبناء يخشون مواجهة الحقيقة؛ لأن المواجهة والاعتراف أيضا لا ينتج عنهم أي شيء سوى هراء كالذي تقرأه.. اللاجدوى هي الحقيقة؛ لأن الحقيقة بلا أي جدوى.

الضفة التي تقف عليها ليس بالضرورة أن تعني وجود ضفة أخرى مقابلة، طالما لم تصل إليها. محاولتك لإيجاد رابط يجمع شتات ما تناثر في وعيك من أفكار سيشتتك أكثر مما تتصور، بل ستتيقن من هذا أكثر عندما تكتمل محاولتك. المشكلة تكمن فينا؛ لأننا صدقنا عقولنا التي لا نمتلك عليها أي دليل.. لا وجودها يعني أنها صادقة، ولا تكذيبها حتى يؤدي بنا إلى دليل بديل. ربما ما كان بعد لم يكتمل، ولازال في طور التكوين، بل ربما التكوين ذاته لا ينتهي أبدا ليكتمل، بل ربما يكون لم يبتدأ أصلا ليكون. من يستطيع أن يثبت أن الوجود هذا ليس عدما محضا، أو العكس؟! هذا على أفتراض أن العدم والوجود منتهى أضداد الحقائق كما نتصور. فما بالك بفرضية أن الحقيقة متجاوزة أصلا كل ما هو عدم وكل ما هو وجود؟! ماذا لو كان لا يوجد حقيقة في الأساس؟! إلى ماذا كنا سنصل لو كنا أبتدأنا بحثنا أصلا بفرضية "لا حقيقة".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فيوضات العبث