الجمعة، 20 يوليو 2018

قيثارة تلهو

قِيثَارَةٌ تَلْهُو، وَيَرْتَجِلُ المغني:
مَا أَبْعَدُ الأفراح وَالْأحْزَانَ عَنِّي!!
مَا أَوَجَعَ الشَّعْرَ الْجَمِيل..
لَوْ خَيَّبَتْ عَيْنَاكِ يَوْمَ الْوَصْلِ ظَنِّي.
عَيَّنَاكِ حُلُمٌ مُسْتَحِيل،
وَمَا نَيْلُ الْمَطَالِبِ بالتمني.
عَيَّنَاكَ تَلْمَعُ فِي وَرِيدَي،
وَيَوْمَ وَصْلِكَ لَوْ تُرِيدِي
لِوَجَدَتْهَا تَلْمَعُ بِعَيِّنَي
.
 لَا تتركيني لِلسَّرَابِ فَرِيسَةً
بِقَدْرٍ مَا أَخْطُو إِلَيْهِ يَلْتَهِمُ الْخُطَى
كَيْمَا تَكِلْ خُطَّاي، وَيَلْتَهِمُنِي.
مَا أَضِيعَ الْعَمْرَ الْمُبَدِّدَ فِي اِنْتِظَارٍ
يَأْبَى الْوُصَّالَ، وَيَحْتَرِفُ التجني.

مَا أقْبَحَ الصَّبِرَ الطَّوِيل..
لَوْ ظَلَّ يَمْتَحِنُ اِحْتِمَالِيَّ، ويمتهني..
الصَّبْرُ يُلَقِّي بِي شَرِيدَا فِي الْعَذَابِ
يَخْنُقُ دُموعُي حَسْرَةً، وَيُعْمِي عَيِّنِي
لَا تَحْسَبِي صَبْرَي جَمِيلَا لَوْ بَدَا
ضَجَرَي يُرَافِقُنِي عَلِيلَا سَاخِطَا
مَا عُدْتُ اِحْتَمَلَ اِعْتِلَالَيْ كَيْ يَحْتَمِلَنِي

أَنَا الْمُسَجَّى بِالسُّكُوتِ مَهَابَةً
وَلِرُبَّمَا عَجْزَا سُكُوتِي، أَوْ لِأَنِي..
لَا شَيْءَ أعْرَفِهِ يَقِينَا غَيْرُ حُبُّكِ..
لَا الْمَعْنَى يَقْصِدُنِي، وَلَا الْكَلَاَمُ يَدْلُنِي،
وَلَا الْأَفْكَارُ عَادَتْ تستبنِي

أَنَا لَسْتُ مَني فِي غَيَابَكِ..
هَكَذَا الْأَوْجَاعُ تَكْسُونِي هَبَاءً
لِأَبْدُو غَيْرَ آبه.. أَوْ كَأَنَّيْ..
الْوَجْدُ يأكلني عَلَى مَهْلِ التَّلَذُّذِ شَاهِدًا
طَعْمَ الْجَوَى مَرٌّ، وَالْقَلْبَ يُؤَلِّمُهُ التأني
الشَّوْقُ بَعْثَرَنِي غياما بِالسَّمَاءِ،
وَالْبَيِّنُ فَرَقَنَيْ شَتَاتًا مَا بَيْنَ بَيِّنَي

هَوَاَكِ نَاصِيَةُ اِشْتِغَالِي، وَاِنْشِغَالَي،
وَالْحَقِيقَةُ، وَالطَّرِيقَةُ، وَالْهَوَى
أكرم بِحَبٍّ رَغَّمَ زُهْدِيَّ فِيهِ
ظَلَّ مُرَابِطَا حَرَا شجَاعًا.. لَمْ يَبِعْنِي

إنْي أحبك يَا مُرِيبَةُ الْعَيْنَيْنِ،
وَالْحَبُّ مِثْلُ الْمَوْتِ لَا يُكَرِّرُ مرَّتَيْن
فَقَري عَيْنِيَّ بِالْوِصَالِ،
وَقَرِّي عَيِّنَا، وَاِطْمَئِنِّي
أَوْصِلِينِي كَيْ يَتَّصِل
قَلْبَي الْمُمَزِّق بِالْجَوَى قِيثَارَةً
تَشْدُو بِلَحْنٍ مِنْ قَبْلَ حَتَّى 
سَمَاعِهِ يَعْلُو بِروحَيْ يَفْتَتْنِي
وَاصِلِينِي وَوَاصِلِي لِي الصَّلَاَةَ
لِيُسْتَجَابَ دعَائهَا كَيْمَا أَعَوَّدَ أُغْنِي

الجمعة، 13 يوليو 2018

إشكال التناقض والوعاظ الجدد


إن التناقض بين المظهر والجوهر سمة بشرية تكاد تكون مطلقة. فلو اطلعت على نفوس أرقى الناس من داخلها لوليت منهم فرارا، ولملئت منهم رعبا. وليس هذا لسوء طباع البشر، وتدنيها، وحسب؛ بل نظرا لشناعة كذب الإدعاء الذي يملأ أقوالهم. ستظل مثاليا طالما كنت تتحدث عن أفعال الآخرين، فأذا ما تورطت في مواقفهم كنت أسوأ منهم جميعا.. نعم.. جميعنا مدعون سيئون على قدر تناقضنا بين ما نظهر، وما نبطن. 

الأسوأ من تناقضنا هم هؤلاء الذين ينكرون في نفوسنا مكون التناقض الذي ينبني عليه وعينا، ويحاولون جاهدين تبريره كذبا، وزورا، وبهتانا.. المتوافقون مع تناقضهم دونما محاولة للتبرير هم الأصلح، والأنفع، والأكثر خيرية، وجدوى. 

الداعية معز مسعود ليس بدعا من البشر.. هو مجرد انسان عادي كسائر البشر متورط بين نفسه، وأفكاره، وبين أقواله، وأفعاله.. ربما لو صمت بعد واقعة زواجه من الفنانة الشابة السافرة الحاسرة الرأس، ونأى بجانبه عن الخوض في تبرير أفعاله، لكان خيرا له رغم أن أشك في ذلك نظرا لكونه يقتات أصلا من عمل أعلامي خطابي وعظي هش يحتاج لأن يتمثل صاحبه دور الملاك المثالي المنزه عن كل نقيصة، وتناقض من أجل الحفاظ على جمهور المهللين مهلهلي الفكر. 

أن المثالية ذاتها المبنية على قيم مطلقة ما هي إلا فكرة بدائية طفولية تآكلت مع الوقت نظرا لتراكم الوعي، وارتفاع سقفه الذي جعل من نسبية كل فكرة، ومعنى، وقيمة هي المطلق الوحيد الآن الكفيل باستمرار العيش من الأساس، ولهذا ستجد من يعتلون عرش الإنسانية الآن تعايشا، وتحضرا هي الحضارات العملانية التى لا تقيم للمثالية وزنا، ولا أعتبارا.. بينما من لازالوا يتمسكون بقيم مثالية لا يقومون بمثاليتهم المدعاة تلك إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس مسوخا سلطت عليهم نفوسهم، وأرهقهم إدعائهم، وبددهم تناقضهم بحيث لا يستطيعون لسلام العيش، ولا للتحضر سبيل.

والخلاصة أنه لا يوجد في العالم الآن ثمة مساحة للوعاظ، والخطباء، ومن على شاكليتهم ذلك لأن الإنسان اليوم أصبح يدرك بديهية بسيطة جدا، وهي أنه لن يدرك العالم، ونفسه إلا من خلال معايشته لنفسه وللعالم بتناقضهما، ونقائصهما قبل مثاليتهما، وكمالهما، وفي تجربة ذاتية كتلك لا حاجة لأحد في من يتمثل دور المرشد والدليل خاصة وإن كان هو نفسه متخبطا في نفسه بحيث لا يستطيع أن يدلها أو يرشدها أو أن يرغمها على ما يريد أرغام الناس عليه.

الثلاثاء، 10 يوليو 2018

أنت وحدك جميعهم، رغم أنك وحدك

الأرض من تحتي خطوة.. السماء من فوقي مجرد نقطة، والمدى كل المدى سراب. كافة الأشياء تكف عن كونها نفسها. كأن عقلي أصابه خلل ما.. صدري يضيق، بينما الكون لازال يتمادى إتساعا مثل الأحمق.. ثم سرعان ما أبتسم ببلاهة من المفارقة.. أضحك حتى تتلف أمعائي.. لا تغرك تلك الفرحة الهيستيرية التي تتنامى سريعا بحيث كادت أن توقف القلب.. ها هي انكسرت قشرتها، ففاض الحزن من جديد في كل مكان.. كأن الفرح ممتلأ عن أخره بالحزن.. أو كأني ممتلأ بغيابي.. تنامى الغياب سريعا، وأنكسر ففاضت الروح مني وجودا في كل مكان. 

لكن لا ضير.. يمكننا أن نواسي أنفسنا بأشياء بسيطة.. المجهول على رحابته مثلا.. الموت الملطخ بالحياة أو حتى صورا مصغرة للعدم نعلقها في جدار الوعي كي لا ينقض فجأة على رؤوسنا.. قد ترى كلامي يضج بالجنون.. المجنون يفعل الصواب عندما لا يصدق عقله.. هذا لأن الصواب هنا جنوني ونرجسي وأحمق وضجر إلى هذا الحد وأبعد.. الصواب مثلي تماما ممتلأ عن أخره بالخطأ.. الصواب هو هذا الحد الذي بتجاوزه حدث كل هذا دون بداية واضحة وبلا نهاية واضحة وبغير سبب واضح.. الصواب مع الأسف هو خلل نفسه الوحيد.. يمكن أعتباره مختل نفسي يحتاج إلى مصحة مثلنا جميعا رغم كونه صادق وحقيقي جدا غير مصطنع وبعيد.. بعيد جدا..

عن هذا الصواب البعيد الذي انعكس ظله فيَّ، فانعكس من خلفي ظلي يلاحقني بحيث لا أستطيع الفكاك. عن الفكاك، والاشتباك، والارتباك في كل شيء، ومن كل شيء. عن الأشياء، والأسماء، والأعباء التي تتطلبها الأرواح، والأجساد.. عن الأجساد، والأصفاد، والأبعاد، والإبعاد، والقلب الذي لا يحتمل غير الحب في عالم يتنفس كرها، وحقدا، ونفاقا وشرا.. عن الشر.. عن علة كل ما يضر. عن انتظار الحكمة، وحكمة الانتظار.. عن الانتظار والانهيار والانكسار والطريق الذي فرض علينا حتى النهاية.. عن النهاية التي لا نعرف لها بداية، والبداية التي لا نعرف لها نهاية.. عن الضعف، والهباء، والخواء، واللاشيء الذي يحوط كل شيء.. عن هراء الضجيج، وضجيج الهراء.. عن الناس.. عن تعالي الصوت خوفا من سكوت الموت.. وحتى عن الموت.. عن المجهول حيا، وميتا، وحين يبعث كل مرة من العدم؛ لتعاد الكرة من جديد.. عن الضجر كنتيجة محسومة لكل هذا.. عن الاستسلام للاستلام.. عن التكون تدريجيا، والتماهي تدريجيا، والتلاشي تدريجيا.. عن الرغم رغم أرغامنا على الاختيار الذي لم نختاره.. عن الاختيار الذي تركته مرغما نظرا للاجدواه.. عن أخر الشكوى التي تسكت عن الشكوى.. عن تجاوز الكلام.. عن الصمت.. عن أخر، وأول، وأصدق، وأغرب ردة فعل للبعيد الذي أبتدأ منه الكلام، وإليه يعود الكلام بكل الكلام، وبلا كلام.. البعيد المحفوظ بصمته من الكلام والإفهام والأفهام.. البعيد الذي تجاوز الوجود، والعدم.. أيها البعيد أنت وحدك جميعهم، رغم أنك وحدك.

فيوضات العبث