الأرض من تحتي خطوة.. السماء من فوقي مجرد نقطة، والمدى كل المدى سراب. كافة الأشياء تكف عن كونها نفسها. كأن عقلي أصابه خلل ما.. صدري يضيق، بينما الكون لازال يتمادى إتساعا مثل الأحمق.. ثم سرعان ما أبتسم ببلاهة من المفارقة.. أضحك حتى تتلف أمعائي.. لا تغرك تلك الفرحة الهيستيرية التي تتنامى سريعا بحيث كادت أن توقف القلب.. ها هي انكسرت قشرتها، ففاض الحزن من جديد في كل مكان.. كأن الفرح ممتلأ عن أخره بالحزن.. أو كأني ممتلأ بغيابي.. تنامى الغياب سريعا، وأنكسر ففاضت الروح مني وجودا في كل مكان.
لكن لا ضير.. يمكننا أن نواسي أنفسنا بأشياء بسيطة.. المجهول على رحابته مثلا.. الموت الملطخ بالحياة أو حتى صورا مصغرة للعدم نعلقها في جدار الوعي كي لا ينقض فجأة على رؤوسنا.. قد ترى كلامي يضج بالجنون.. المجنون يفعل الصواب عندما لا يصدق عقله.. هذا لأن الصواب هنا جنوني ونرجسي وأحمق وضجر إلى هذا الحد وأبعد.. الصواب مثلي تماما ممتلأ عن أخره بالخطأ.. الصواب هو هذا الحد الذي بتجاوزه حدث كل هذا دون بداية واضحة وبلا نهاية واضحة وبغير سبب واضح.. الصواب مع الأسف هو خلل نفسه الوحيد.. يمكن أعتباره مختل نفسي يحتاج إلى مصحة مثلنا جميعا رغم كونه صادق وحقيقي جدا غير مصطنع وبعيد.. بعيد جدا..
عن هذا الصواب البعيد الذي انعكس ظله فيَّ، فانعكس من خلفي ظلي يلاحقني بحيث لا أستطيع الفكاك. عن الفكاك، والاشتباك، والارتباك في كل شيء، ومن كل شيء. عن الأشياء، والأسماء، والأعباء التي تتطلبها الأرواح، والأجساد.. عن الأجساد، والأصفاد، والأبعاد، والإبعاد، والقلب الذي لا يحتمل غير الحب في عالم يتنفس كرها، وحقدا، ونفاقا وشرا.. عن الشر.. عن علة كل ما يضر. عن انتظار الحكمة، وحكمة الانتظار.. عن الانتظار والانهيار والانكسار والطريق الذي فرض علينا حتى النهاية.. عن النهاية التي لا نعرف لها بداية، والبداية التي لا نعرف لها نهاية.. عن الضعف، والهباء، والخواء، واللاشيء الذي يحوط كل شيء.. عن هراء الضجيج، وضجيج الهراء.. عن الناس.. عن تعالي الصوت خوفا من سكوت الموت.. وحتى عن الموت.. عن المجهول حيا، وميتا، وحين يبعث كل مرة من العدم؛ لتعاد الكرة من جديد.. عن الضجر كنتيجة محسومة لكل هذا.. عن الاستسلام للاستلام.. عن التكون تدريجيا، والتماهي تدريجيا، والتلاشي تدريجيا.. عن الرغم رغم أرغامنا على الاختيار الذي لم نختاره.. عن الاختيار الذي تركته مرغما نظرا للاجدواه.. عن أخر الشكوى التي تسكت عن الشكوى.. عن تجاوز الكلام.. عن الصمت.. عن أخر، وأول، وأصدق، وأغرب ردة فعل للبعيد الذي أبتدأ منه الكلام، وإليه يعود الكلام بكل الكلام، وبلا كلام.. البعيد المحفوظ بصمته من الكلام والإفهام والأفهام.. البعيد الذي تجاوز الوجود، والعدم.. أيها البعيد أنت وحدك جميعهم، رغم أنك وحدك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق