الجمعة، 13 يوليو 2018

إشكال التناقض والوعاظ الجدد


إن التناقض بين المظهر والجوهر سمة بشرية تكاد تكون مطلقة. فلو اطلعت على نفوس أرقى الناس من داخلها لوليت منهم فرارا، ولملئت منهم رعبا. وليس هذا لسوء طباع البشر، وتدنيها، وحسب؛ بل نظرا لشناعة كذب الإدعاء الذي يملأ أقوالهم. ستظل مثاليا طالما كنت تتحدث عن أفعال الآخرين، فأذا ما تورطت في مواقفهم كنت أسوأ منهم جميعا.. نعم.. جميعنا مدعون سيئون على قدر تناقضنا بين ما نظهر، وما نبطن. 

الأسوأ من تناقضنا هم هؤلاء الذين ينكرون في نفوسنا مكون التناقض الذي ينبني عليه وعينا، ويحاولون جاهدين تبريره كذبا، وزورا، وبهتانا.. المتوافقون مع تناقضهم دونما محاولة للتبرير هم الأصلح، والأنفع، والأكثر خيرية، وجدوى. 

الداعية معز مسعود ليس بدعا من البشر.. هو مجرد انسان عادي كسائر البشر متورط بين نفسه، وأفكاره، وبين أقواله، وأفعاله.. ربما لو صمت بعد واقعة زواجه من الفنانة الشابة السافرة الحاسرة الرأس، ونأى بجانبه عن الخوض في تبرير أفعاله، لكان خيرا له رغم أن أشك في ذلك نظرا لكونه يقتات أصلا من عمل أعلامي خطابي وعظي هش يحتاج لأن يتمثل صاحبه دور الملاك المثالي المنزه عن كل نقيصة، وتناقض من أجل الحفاظ على جمهور المهللين مهلهلي الفكر. 

أن المثالية ذاتها المبنية على قيم مطلقة ما هي إلا فكرة بدائية طفولية تآكلت مع الوقت نظرا لتراكم الوعي، وارتفاع سقفه الذي جعل من نسبية كل فكرة، ومعنى، وقيمة هي المطلق الوحيد الآن الكفيل باستمرار العيش من الأساس، ولهذا ستجد من يعتلون عرش الإنسانية الآن تعايشا، وتحضرا هي الحضارات العملانية التى لا تقيم للمثالية وزنا، ولا أعتبارا.. بينما من لازالوا يتمسكون بقيم مثالية لا يقومون بمثاليتهم المدعاة تلك إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس مسوخا سلطت عليهم نفوسهم، وأرهقهم إدعائهم، وبددهم تناقضهم بحيث لا يستطيعون لسلام العيش، ولا للتحضر سبيل.

والخلاصة أنه لا يوجد في العالم الآن ثمة مساحة للوعاظ، والخطباء، ومن على شاكليتهم ذلك لأن الإنسان اليوم أصبح يدرك بديهية بسيطة جدا، وهي أنه لن يدرك العالم، ونفسه إلا من خلال معايشته لنفسه وللعالم بتناقضهما، ونقائصهما قبل مثاليتهما، وكمالهما، وفي تجربة ذاتية كتلك لا حاجة لأحد في من يتمثل دور المرشد والدليل خاصة وإن كان هو نفسه متخبطا في نفسه بحيث لا يستطيع أن يدلها أو يرشدها أو أن يرغمها على ما يريد أرغام الناس عليه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فيوضات العبث