الخميس، 23 أبريل 2020

عن الشك والوحدة والذاكرة


في الذاكرة تدمج الأعوام في حيز ضيق تختلط فيه كافة الحواس دون حدود فاصلة بينها؛ ليبقى من الصوت بقايا عطر، ومن العطر بقايا نكهة، ومن النكهة بقايا لون، ومن اللون بقايا ملمس لنسمات خفيفة تلفح عقولنا بحيث نتمكن من أن نسترجع كامل حياتنا جميعها في لحظة.. خاصة تلك التي تسبق خروجنا من الحياة.. تلك اللحظة التي عندها نشك أصلا في مدى حقيقة وجودنا وذكرياتنا، بل وحقيقة صنعنا لها، وصنعها لنا.

شك وجودي جدلي كهذا أفهمه جيدا الآن على أعتاب الكهولة غير مكترث أن يفاجئني بغتة لحظة الرحيل، ولكن يبقى أشد ما يحزنني بحق سؤال ملح لا يمكنني تجاهله.. هل كنت حقا بحاجة لثلاثين عاما من الشك؛ لأتيقن أنه لا شيء مما سبق كان قد سبق ومنح اليقين؟؟ هل فعلا نهدر كل هذا الشك في الشك لنشك هادئين متقينين مطمئنين في النهاية؟؟ يا له فعلا من عبث مطلسم..  يا لها مرارة.. مرارة تملأ حلقي في كل مرة أستقيظ فيها من جديد لمواجهة نفس الشكوك.. يا له من جفاف يشق حلقي كل صباح كتحذير مسبق من جفاف كل ما سوف أراه من جفاف الطباع والحظوظ والأيام والأقدار، وحتى المخاوف والشكوك.. يا له من سوء يمارس الشك، وشك يتمادى في السوء.. هل بوسعنا صنع أي شيء هنا غير الشك؟؟ هل بوسعنا هنا أن نشعر إلا بالاستياء جراء هذا الشك؟

الأحداث هي من تصنع لنا ما نصنعه حيث ليس بوسع هنا أن يكون أفضل من ذلك على أية حال.. حيث نحن لا مكان للخير ولا للحق ولا للعدل.. مجرد ادعاءات فارغة، وشكوك مريبة، وأماني واهمة نخفي بها سوءة العالم، وسوءة قهرنا فيه.. العالم الذي لا يستحق شيئا سوى أن نستمني في وجهه كل يوم هباء كي نحفظ النسل الجديد من معضلة الشر الكبرى التي ورطتنا فيها "التجربة" عن طريق الشك.

حتى الوحدة لم تعد ملاذا آمنا.. مجرد بركة آسنة من الشكوك والأسئلة التي لا تجاب.. الآخرين وحل أوساخ يتمادى قبحا.. الحياة طريق ممتد من الحظ العاثر الممتد بين تلك البركة الآسنة، وهذا الوحل القذر.. حتى محاولات الفهم والمعرفة المجردة بائسة.. العلم رغم تراكمه الذي يصعب الإلمام به، ليس أكثر من نور عود ثقاب ضئيل يجابه ظلام لانهائي ممتد.

قد ترى كل ما سبق مأساوي النزعة.. يهدر قيمة الحياة اللطيفة التي نتمناها جميعا، ولكن بنظرة أخرى أكثر تفحصا ستجد في كل ما سبق سلوان عظيم يثمن قيمة الموت الذي يتهيبه الجميع. تلك هي معضلة الوجود المفرغة. الفكرة التي تجرحك تطببك، كي تجرحك من جديد، لتطببك.. وهكذا يصير الشك هو مدخل اليقين بالشك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فيوضات العبث