الخميس، 16 أبريل 2020

لماذا ‏تسيطر ‏السردية ‏الدينية ‏على ‏وعي ‏الجموع؟


على الرغم من أن العلم كسردية تحاول شرح الكون والعالم هو أفضل مجتهد يحاول على مر العصور، بل وعلى الرغم من أن ربطه بالفلسفة يجعله أكثر ثباتا ورسوخا وجدية في سرديته تلك للوصول بها إلى معاني أعمق كالإنسان والغاية.. إلا أنه تبقى السرديات الدينية على اختلاف أشكالها وأطورها وتطوراتها، ورغم بساطتها وبدائيتها وافتقارها للأدلة هي السبيل الذي لا تزال الجموع إلى هذا الوقت تسير في رحابه قانعة متشبثة ممسكة بتلابيبه عاضة عليه بالنواجذ، رغم كونه لا يعدو في مضمونه أكثر من افتراضات مليئة بالأساطير والخرافات لا ثمة دليل عقلي أو عملي أو منطقي عليها.

ولفهم هذا التشبث علينا الرجوع للبداية حيث اللحظة التي يعي فيها الإنسان ذاته لأول مرة.. لا يورث الوعي بالذات شيئا أكثر من الخوف.. الخوف من الهلاك.. من العجز.. من الضعف.. من قوى الطبيعة.. من الجهل.. إلخ.. من كل تلك المخاوف بدأت السردية الدينية الأولى في التكون لتطمئن وتهدأ روع هذا الخوف الشديد الذي ألم بالإنسان جراء وعيه. أخذت بالتشكل والتشكيل للإنسان في عملية جدلية طويلة من التطور والأخذ والرد.. هذا التطور الذي في أحدى حقبه ظهرت منه الفلسفة بمباحثها ومعارفها، ليستقل منها مبحث الطبيعيات في حقبة لاحقة ليتحول بدوره إلى العلوم بشكلها الحديث.. وأثناء ذلك كله لم تتوقف السردية الدينية عن الاشتباك مع ما أنجبت من صغار (الفلسفة، والعلم).. وعلى هذا النحو أصبحت السردية الدينية في شكلها الأخير الحالي تحمل فلسفتها الخاصة، بل أصبح لها علومها التي تحتكم إلى بعض قواعد العلم وأنساقه حتى وإن بدا يتضح فيها شيء من التهافت والعوار تحت وطئة مرور الزمن. إلا أنها تتطور تبعا لذلك، ولا تموت.. فلماذا إذا لا تنتهي أو تموت رغم جهد وعناء الفلسفة والعلم في البحث؟؟ وللأجابة لابد أن نفهم سر التشبث الإنساني الجمعي بالسردية الدينية.

بالطبع لا يتشبث غالبية الناس بالسرديات الدينية نظرا لاقتناعهم بتلك الرحلة التاريخية السالفة الذكر، ولا حتى لكون الدين هو نقطة بدء الحضارة مثلا.. ولا شك أيضا أنهم لا يتشبثون بها كونها سردية منطقية أو عقلية قاطعة، فهم يعتقدون فيها ذلك فقط من باب الإيمان الغيبي لا أكثر ولا أقل. 
ولكن ينشأ التشبث من وجهة نظري جراء انعدام البديل، بل واستحالة وجوده.. الأمر محسوم إذا لصالح الدين حيث تشتت العلم وقصوره، وغموض الفلسفة وعجزها يجعلهما لن يستطيعا بأي حال أن ينتجا بديلا منافسا.. فالعلم كعادته شكي المنهج يمضي لهثا وتخبطا هنا وهناك خلف الأدلة المادية التي لم ولن تنتهي، يثبت ما نفاه بالأمس لينفيه في الغد وهكذا.. بل أنه في أحسن أحواله لا يستطيع الوصول إلى كنه الإنسان أو تكوين معنى واضح للغاية من وجوده.. وأما الفلسفة فلا يجد فيها الإنسان العادي غير غموض مربك مرهق يستحيل به إلى احتمالات لا يستطيع معها الإلمام بتباينها أو فهم أنساقها.. وبهذا تبقى السرديات الدينية على اختلاف اشكالها وصورها هي البديل الوحيد المتاح حيث التصور الواضح الكامل البسيط الذي يمكن الإنسان من المرور من حياته في سلام وهدوء دون كثير لغط وتشتت، ودونما محاولات مضنية من الإدراك لا تفضي لشيء بالنهاية. 

إن آلية عمل العقل والحواس حيال البيانات الأكثر ضخامة وتعقيدا تدفع الناس رغما للتمسك بالسرديات الدينية المبسطة.. فبنفس الطريقة التي تتجاهل بها الحواس المعطيات المعقدة الضخمة المتابينة نظرا لقصورها فتركز فيها على جانب واحد في الغالب يكون هو الجانب الأبسط فيها.. يعمل العقل بنفس الميكانيزم على تبسيط البيانات المعقدة الضخمة فيحولها إلى بيانات أقل تعقيدا وتضخيما وأكثر سطحية وتبسيطا ليتمكن من استيعابها.. فالبشر يستطيعون مثلا استيعاب تطبيقات العلوم المعدة وفقا لقدرات عقولهم للاستفادة منها، رغم أنهم في الغالب لا يفهمون العلوم التي أنتجت هذه التطبيقات أصلا.. وفي نفس الصدد قد يستمتع الإنسان بمعزوفة موسيقية تملأ روحه بالنشوة رغم جهله التام بمبحث القيم الفلسفي أو علوم الجمال والاستاطيقا.. من هذا المنحى نجد أن السردية الدينية على بدائيتها هي الأكثر ملائمة للعقل البشري الجمعي من حيث ميكانيزم عمله وتفاوت قدراته في استيعاب نتاجاته الحضارية.

شيء آخر من الممكن أن يشرح هذا التشبث بالسرديات الدينية ألا وهو قصر أعمار الإنسان ونمط معيشته حيث الإنسان ليس بوسعه من خلال عمر قصير كهذا مليء بالعمل والكد من أجل تكسب الرزق، أن يتفرغ لوقت كاف ليجد ويكد ويجتهد لتكوين تصور يخصه عن نفسه والعالم.. ولهذا يكتفي بالتصور الموروث.. أو حتى في أحسن في الأحوال يعدل عليه بعض الأشياء البسيطة بما يوافق عقله وبيئته وعصره.. ويمضي به مطمئنا قانعا هادئا، حيث السردية الدينية في أغلبها مطاطة وفضفاضة تتحدث أصلا إلى العاطفة التي تداعب روح الإنسان وخيالاته بعيدا عن قوانين الكون الجامدة، ومحركات الحياة الجافة.. إنها ببساطة تشكل اليد التي تربت على كتف الإنسان في خضم واقع قاس موحش يتمادى سوءا وصعوبة على قدر إدراكه.
إن الجموع بطبيعتها كسولة وغير مبدعة ومتواكلة ومن يحملون عبء التفكير وعناء التأمل شرذمة قليلة جدا في كل عصر.. وبهذا يعيش اللاحقون من الكسالى في هناءة ما مهده السابقون بعنائهم وأفكارهم.. وهذا ليس عيبا في الجموع، بل هو حيلة جماعية ملحة تتطلبها الحياة كوسيلة للاستمرار والبقاء فيها.. فطالما أن عناء التفكير لا يصل بنا في النهاية لبناء تصور قاطع عن أنفسنا وعن الوجود.. فإن اشتغال الجميع بهذا العبء لهو سفاهة لا تسمن ولا تغني من جوع.. لا شك أن ما ينفقه البعض في الاجتهاد في العلوم والفلسفة ينعكس على حياتنا بشكل يجعلها أفضل وأرقى وأكثر رفاهية وسهولة، لكنه برغم هذا الكد وثماره لن يستطيع -من وجهة نظري- أن يقضي على الدين بإجاباته البسيطة الشافية الوافية التي ترضي الجموع وعواطفهم خاصة تلك العاطفة الطامحة في السعادة الأبدية المتمثلة في جنة الخلود، حيث أنه ليس بإمكاننا بناء تصور كامل مبسط قطعي وعقلي عن الإنسان والوجود عن طريق الفلسفة والعلم.. ناهيك على أن يكون هذا التصور تصورا عاطفيا ينتهي بمكافأة الخلود.

ومما يجدر ذكره أيضا أنني لم أتحدث عن القيم بكونها سببا لتشبث البشر بسردياتهم الدينية.. ذلك أن القيم في حقيقتها ليست حكرا للسردية الدينية كما يروج أو يشاع، بل هي في حقيقتها نتاجات معقدة لتدافعات وتعاملات البشر مع بعضهم البعض وفق تفاعلهم مع متطلبات ومتغيرات واقعهم.. فهي نسبية متغيرة مدفوعة للتطور بما يسهل على البشر حياتهم، حيث الإنسان كائن اجتماعي رغم أنفه.

وفي الختام من الممكن أن نخلص إلى أن السردية الدينية بكل أساطيرها وخرافاتها باقية بقاء الإنسان، ربما تتطور أو تتحور مدفوعة في ذلك بتفاعلها مع النتاجات الحضارية الأخرى، لكنها أبدا لن تختفي أو تضمحل.. كون المباحث الجادة للحضارة مثل العلم والفلسفة ليس بمقدورهما أنتاج بديل يتضمن تصور شامل كامل عن الوجود والإنسان ليس فقط لقصورهما ولعجزهما، بل لاستحالة وجود هذا التصور من الأساس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فيوضات العبث