ليست القيم مجرد موضوع ضبابي غائم متشابك كونها نتاج عقولنا العاجزة القاصرة فحسب، بل هي موضوع متفاوت ونسبي ومتغير ومتطور بقدر نسبية عقولنا وتفاوتها واختلافها وتغيرها وتطورها وفقا لتطور وعي الإنسان بذاته.. هذا الوعي بالذات الذي كان أول ما نجم عنه هو معرفة الإنسان بمصلحته ومنفعته، واللتان يثبت التاريخ أنهما تتأثران بشدة بديناميكية ظرفية الزمان والمكان.
وبالتالى لا يمكن لأي تصور أو منهج أن يكتسب صفة المطلق كونه يدعو لمنظومة قيمية يفترض في تصوره وسرديته أنها مطلقة. ذلك أن القاسم المشترك للقيم في نفوس البشر، والذي يروج له تحت مسميات مثل -الفطرة الإنسانية وما شابه- ما هو في الأصل إلا نتاج متراكم من اختلاف منافع البشر ومصالحهم على مر تطور وعيهم.. فالقيم في حقيقتها ليست أكثر من محاولة جماعية توافقية لتنظيم هذا الاختلاف وتأطيره وهندسته ليصب في قوالب وآليات تخدم مصلحة الجميع على نحو يرضي الجميع، ويتوافق عليه الجميع بشكل تراكمي وعفوي وتلقائي دون ترتيبات أو توجيهات مسبقة.
فالقيم أذن ليست منظومة منفصلة أو مجاوزة لحركة الإنسان عبر الحياة وووعيه بمصلحته فيها، بل هي ردة فعل تجاه هذه الحركة المستمرة الدؤوبة المتنامية، ولهذا نجدها داخل وعي النفس البشرية المنفردة أكثر ضبابية وتشوشا وارتباكا وتناقضا مما هي عليه، ونرصده منها في الوعي الجمعي للمجتمعات في عصر بعينه أو مكان بعينه.
فمن منحى فرداني، وبنظرة فاحصة نجد الأمر بالغ التعقيد.. ففي داخل كل إنسان بصمة قيمية خاصة به لا تشبه غيره. فكلنا لنا نفس شكل الإبهام، ولكن كل إبهام له بصمة مختلفة التفاصيل. بنفس الطريقة يمكن شرح تباين المنظومات القيمية للأفراد من منحى فرداني وذاتي.. فكلنا لنا نفس أطار القيم الذي نتعاطى به ومعه، ولكن التفاصيل المكونة له متباينة ومختلفة ومتفاوتة حسب الفرد وإمكانيات وعيه وما سبك في نفسه من خصال وطباع وميول مضافا لذلك تفاعل كل ما سبق مع جدليات الزمان والمكان.
ونظرا لهذا التشوش الذي يملأ وعي الإنسان حيال منظومته القيمية داخل نفسه، وهذا التباين في المنظومات القيمية للأفراد مجتمعين داخل هذا العالم مكانيا وزمانيا.. يضرب التناقض صرح القيم المتداعي بلا هوادة، حيث يظل التناقض هو السمة المشتركة والطبع الغالب في كل البشر بلا استثناء، هكذا تتسع الفجوة دائما بمرور الوقت بين ما يعتقده الإنسان، وبين ما يفعله نفس الإنسان في الواقع. وإشكال التناقض هذا سببه في الأساسي من وجهة نظري قصور الوعي الإنساني وعجزه وضعفه، حيث لا أمل للخروج منه إلا بمزيد من تطور الوعي وتحسن أمكاناته وقدراته من خلال تراكم المعرفة ورسوخ التجربة الإنسانية وتحققها بمرور الوقت.
إن كل خطوة تقدم في مسار الوعي الإنساني ما هي إلا خطوة تراجع في مسار التناقض والتشوش والتخبط.. وإن هذه الرحلة الطويلة المضنية الطويلة لتطور الوعي وتقهقر التناقض -والتي لازالنا في أولى خطواتها- ما هي إلا القاعدة الحقيقية الراسخة لبنيان الحضارة الأصيلة التى ننشدها، والتي لن تكون بغير أساس ثابت متماسك من القيم.. ومن هنا يطرح السؤال نفسه على المستقبل.. هل بوسع الوعي الإنساني أن يتقدم بمرور الوقت ليتجاوز تناقضه، أم أن التناقض صفة أصيلة في الوعي لا يمكن تجاوزها أبدا؟؟





