الأحد، 10 سبتمبر 2017

الوجو الأعور


على جثث ما تبقى أريد أن أكتب شيئا لا أعرفه.. حقيقي لدرجة أني لا أجده في اللغة.. صادق لدرجة تتجاوز ألاعيب البلاغة، وحيلها.. موجع بدرجة تشبه صمت الموتى، وخواء الفراغ.. شيء أشعر أنه يفلت مني كلما هممت بالإمساك به؛ لدرجة جعلتني لا أريد حتى أن أعرفه. 


السائل الأزرق قد يغري الحمقى، أما أنا فلم يبق لي شيئا لأمحوه فضلا على أن أكتبه.. بياض.. كفن ناصع من الصفحات.. لا أعرف تحديدا من كتب اسمي في تلك المهزلة؟؟

ما أشبه ما لا أعرفه بما أريده، بل ما أشبه ما لا أريده بكل ما أعرفه.. المكان هنا ينزف وقتا.. وقتا.. ينزف مكانا ما هناك. من حيث تدخل تغلق عليك الدائرة؛ لتبحث عما لا تعرف هربا مما عرفت، وتهرب مما لا تعرف بكل ما عرفت.. هكذا يتلاعب بي الخيال.. تتجاذبني الظلال.. كهوف بعضها من بعض.. كذبة واحدة تكفى جدا لأن نكذب إلى ما لانهاية دون مبرر أو قصد.

العدم أعمى.. أطفأ سيجارته المشتعلة في عين الوجود.. يالها من صدفة.. ياله من سوء حظ تناثر على إثره الرماد بعيدا في وجود أعور.. بعيدا حيث أنفخ الدخان متتبعا أثر ما لا أعرف أثره.. ظنا مني أنه سيؤثرني على نفسه كي لا تمتلأ الصفحة فلا تمتلأ المنفضة.. ظنا منه أنني لن أكتب ما جاء عبثا رماد وهذيان.

السبت، 26 أغسطس 2017

على المحك




(1)

على المحك
ثلاثون دهراً،
والسرابُ كما هو..
غيمتان، وظلٌ واحدٌ،
والأرضُ مرآةٌ..
ترابٌ معتمٌ يعكسُ
عتمةَ الأشياءِ والأحزان.
غموضٌ مربكٌ يشحذُ
إنثلامَ ذهنٍ ثملٍ تشتتهُ
الهلاوسُ والظلال.


(2)

على المحك
أبعثرُ الأيامَ بحثاً
عما لا أعرف.
ألملمُ ذكريات الحلمِ عبثاً،
مع ما تناثرَ من مهملات.
أتركُ أغنيةً في المنتصفِ
مع كوبٍ من الشاي،
وأنهضُ للزحامِ
جسوراً غير عابئٍ
بالضجيجِ وبالرهاب.


(3)

على المحك
أخونُ الوقت
بقدرِ ما تخونني الكلمات.
أكتبُ ما جاءَ عبثاً
وأمحو عن الأوراقِ
كلَ من بددوني،
هكذا أطربُ لفوضايَّ الرتيبة،
وأبتسمُ من اللاشيء..
وأشعلُ سجائري من بعضها
مستهتراً بالعمرِ وبالقلبِ
وباكتشافِ النار.


(4)

على المحك
أقرأ؛ لأنسى.. أعرف؛ لأهذي
لأغضُ طرفي عن عالمٍ
في كل يومٍ
يفيضُ ضجراً بالبشر
يضيقُ ذرعاً بالقدر.
عالمٍ بقدرِ ما أعرفهُ
يوردني الخطر،
فأخذُ من تفاهاتي البسيطة
حكمتي وعبرتي،
وألوذُ بالترحال.
أمرنُ مهجتي وبصيرتي
على ألمِ الضياع/
على طعمِ الوداع
بلا شقاقٍ أو جدال.


(5)

على المحك
أصدقُ من أحبتني
من آمنت بخيباتي
من صدقت بكلماتي،
فسامحتني على البعدِ
والصمتِ واللامبالاة.
أصدقها..
بعدد من خانوا.. ومن هانوا،
ومن لشرورِ كذبِهم استكانوا
أصدقها، وأبرأ إليها
من ضجري، ومن بأسي
ومن نفسي، ومن يأسي
ومن خمرٍ كعينيها
تهادت في رؤى كأسي.


(6)

على المحك
تقسو الحياةُ/ أقسى حتى
مما كنتُ أعدُ نفسي له.
تتمادى في عنفوانها
تدفنُ كلَ بقايا المشاعر
في بئر الصبر،
فلا يوخزني قلبي،
ولا يؤنبني ضميري،
ولا ينزغني الألم..
لأعود لحضن أمي
غريقًا يطلب طوقًا..
وليدا ينشد رفقا/
فيطربُ خفقاً في حماه.


(7)

على المحك
لا أدققُ في وجوهِ العابرين
لا أذكرُ الأسماء..
لا أتبين الطرقات..
مشوشاً أتناسى كل شيء،
كي أتلاشى الخوف.
هكذا أهزأُ بالحياةِ
على أملِ الحياة.
وأمضي وقورًا في مشيتي
متمثلاً خطوات أبي،
الذي لطالما عاندتهُ
كي لا أسير على خطاه.


(8)

على المحك
يقينٌ زائفٌ على وَشْكٍ وشكّ
قلقٌ لم يعد يقلق
وسكينةٌ غامضةٌ تعتريني
إتزانٌ ينضجُ على لهبِ الارتباك.
استسلامٌ للأشياءِ يعلن بدايتهُ
لأنتهي لما أنتهى لهُ الجميع.
مجرد وهمٍ أجوف يتباهى
برضاهِ العاجزِ عن نفسه،
أو كذبٍ سطحي ساذج
يصدقهُ المشككُ
صاغرًا وحزين
بانقطاعِ حَيْله وحِيَله.

الاثنين، 21 أغسطس 2017

كابوس لا يمر




دون مبرر.
كحجر يسقط
من قمة الأحلام
إلى هاوية الوهم.
تعدو.. وتعدو.. وتعدو..
وأعدو واقفا في مكاني..
مستسلما ألهث..
أغمغم في لهاثي.
يوشك قلبي أن يتوقف
يوشك أن يصبح
حجرا لامبالي
يسقط من خلفي
دون مبرر
في هاوية نفسي
التي لا تكفي لأي شيء،
ولا حتى لأن أفهمها.
لتعاد الكرة كل مرة
من جديد بشكل آخر..
ككابوس محكم
بحيث لا يمر.
ياللعنة

الأربعاء، 9 أغسطس 2017

في فن اقتناص الذات




قلبي يخفق
في هدوء وحيرة
كنورس يحط
على قارب يتأرجح
مربوطا إلى المرفأ.
كقبو أجلس وحيدا
في ظلام البيت...
بمثل ما يتحسس
الخطوات...
أتحسس الدقات
أمعن فيها،
فتمعن في.
وقع أضيع
على إثره سابحا
فيما قبل البداية،
ليمتصني السواد
عن أخري
عن أخره
عن أخر كل شيء
في ضباب الفكرة،،
كغيمة عابرة
تمتص محاقا وليد
في ليل شتاء
بطيء جدا، وحالك.
كأنه لا شيء إلا النبض
في الخلفية..
صدى يتكرر لذاته
مقيدا في انتظامه،
ساكنا في انتظاره
إلى أن يحين الصمت،
ليغادر هذا القبو بيته
حيث أمواجا أكثر صخبا
تنتظر القارب،
وسماء صحو
تتثاءب عن بدرها،
يجول في مدارها
نورس حر جديد..
كنهاية واقعة
تمعن في بدايتها
فيما قبل البداية.
ليخفت نبضي،
فتسكت عني حيرتي
كي لا أتحسس شيئا..
أو ربما لأتحسس
كل شيء.

الثلاثاء، 8 أغسطس 2017

المعلوماتية والبرجماتية وحتمية الانكباب على الذات

في خضم هذا الزخم المعلوماتي العملاني التكنولوجي المادي المحموم هل في وسع الإنسان العادي شيء سوى الإنكباب بذاته على ذاته؛ ليلبى متطلباتها المادية النهمة بعملانية نفعية بحتة متناسيا عمق وجوده، والبحث عن مغزاه، بل ومتجاهلا تطوير مسلك وعيه، وتأصيل فلسفته في الحياة؟؟ هل بوسع شخص عادي أن يلم بكل تلك المعلومات والأخبار والمآسي أصلا وهو يدور كثور معصوب العينين في ساقية تسليع كل شيء، وتقنين الحياة في ذهنه كمصلحة، وتأطيره كمجرد مستهلك؟؟ هل بوسع أي عقل أن يفند كل هذا القدر الهائل من التراكم والتضارب بين نفسه وبقية البشر، وبين البشر والعالم، وبين العالم كوجود والعالم كماهية، وهو يدرك تدني قيمته من الأساس في خضم تلك الفوضى الحادثة؟؟ هل بوسع أي قلب أن يتعاطف أو يحب أو يتحمس أو يدعم أي فكرة مجردة لذاتها دون أن تثنيه مصلحته، أو انشغاله، أو حتى لا مبالاته وعدم قدرته؛ نظرا لاستشراء نسبية كل شيء وفقا للعلم والحاجة؟


أعتقد أن الانانية هنا، وتضييق دائرة المصلحة والمنفعة والتي يتقلص معاها أيضا ما تبقى من دائرة منظومة القيم والمبادئ المثالية القديمة أمر يفرضه الواقع لا خيار للناس فيه، لكن تكمن الخطورة من وجهة نظري في امرين..

أولهما:- التناقض الحالي
حيث كم يستطيع أن يصمد الإنسان بين مثالية الماضي التي لازال يدعيها؛ لتحفظ للحياة ماء وجهها كفضيلة، بينما مادية الواقع تتفاقم في تسارع محموم؛ لتنتزعنا مرغمين من رحابة المعاني الفضفاضة للحياة؛ لتوردنا مقهورين محدودية الحسابات الدقيقة المجردة وضيقها، وكأن الوجود يعمل كآلة بلا أدنى هدف؟؟ هل يستطيع الإنسان أن يحتمل تناقضا كهذا تهرول فيه نفسه إلى كهف الماضي المثالي خوفا من انصهارها وانحلالها، بينما جسده يندفع كسهم في عالم المستقبل المتسارع ماديا ورقميا ليضمن لنفسه مكانا تحت مظلة العلم بينما يظل واقعه ديستوبيا غرائبية مريرة إلى ما لانهاية؟؟

ثانيهما:- التمادي المستقبلي
حيث ماذا يبقى للإنسان من قيمته الأخلاقية أصلا حين يصبح أناني نفعي مادي عملاني أجوف مفرغ من أي معنى بتلك الدرجة من السوء الذي يتمادى؟؟ وهل بهذا التدافع نحن بصدد تشكل إنسان جديد تماما بمعايير قيمية وأخلاقية جديدة؟؟ وإذا كانت فلسفتنا المثالية الطفولية اللطيفة البريئة أوصلتنا إلى هذه النقطة السوداء، فإلى ماذا سوف تصل بنا تلك المنظومة القادمة عند اكتمالها ورسوخها في العالم وفي نفوس البشر؟؟ هل ينتظرنا فعلا ما هو أكثر رفاهية، ولكن أكثر مللا وضجرا واكتئابا وجحيمية؟؟ هل سيكون انقراضنا بإيدينا حيث ينتظرنا في النهايه انتحار جماعي عظيم نستخدم فيه منتهى ما وصلنا إليه من تكنولوجيا لننهي هذا الأمر؟؟

الجمعة، 4 أغسطس 2017

مرآة مثلما تريها تريك



يقول: أشعر وكأن هذا الوجه الغامض الذي يطل في المرآة لينظرني خلفه الكثيرمن الفراغ البشع الذي يخفيني كلما أخفيه. 
يرد: أذن لا تحملق فيه كي لا تتيه.. هون عليك.. أن ما يحدث حولك ليس نهاية العالم.

يقول: تلك هي المأساة تحديدا.. العالم لا ينتهي.. لا يتحسن، ولا يسوء بينما كل شيء يتآكل.. 
يرد: لماذا أنت هكذا؟؟ أقصد لماذا أشعر كأنك تبالغ؟؟

يقول: أبالغ!!  كل شيء وارد.. الاحتمالات لانهائية لدرجة تنعدم فيها كل الاحتمالات ليبقى ما ترى.. فهل حقا يعجبك ما تراه؟؟ كن حياديا، ودع واقعك يجيب عنك.
يرد: نعم، أنا أيضا مثلك حياتي ليست جيدة بالمرة.. حياتي رديئة مملة وكئيبة ولكن...

يقول: معذرة على المقاطعة، لكني أبغض المواساة تماما كبغضي للوعظ والنصح، وأبغض "ولكن" أكثر من كل ما سبق، ولكن.. أسمع نصيحتي.. لا تشكو السيء إلى الأسوأ لأنه لن يرحمك.. أنا أسوأ من حياتك بكثير.
يرد: لا بأس، قل لي أذن ماذا تريد؟؟ ربما يكون في وسعي مساعدتك.

يقول: ربما أريد أن أفعل ما يحلو لي في عالم هادئ وجميل، لا أريد أن أعمل.. أريد ثروة طائلة، لا..لا.. لا، أريد المعرفة، أقصد الخلود.. ليس الخلود تحديدا فقط السكينة الناتجة عنه.. الرضا مثلا أو الحب.. ربما فعلا أريد أن أحب.. بالأحرى أن يحبني الجميع..... في الحقيقة أريد أن أكون حرا من كل ما سبق.. أريد أن أعرف تحديدا ما أريد، لا أن أحاول.
يرد: عذرا، ولكن كيف لي ان أعرف ما تريد، وأنت نفسك تحاوله، ولا تعرفه؟؟

يقول: فقط لا تكن مثلي ولا مثلك.. لا تكن مثل الجميع حينها حتما ستعرف.
يرد: وكيف لي ذلك؟
يقول: في الحقيقة لا أعرف طريقة، ولكن كمخرج مبدئي مؤقت..تجاهل المرايا.. لا تحملق فيها.. أنها دوما تعج بالأسئلة..
نهاية المناقشة... 
شظايا مرآة مبعثرة تملأ الأرجاء...

الأحد، 30 يوليو 2017

عن نشأة اللغة، وفجائيتها عند نعوم تشومسكي..

صورة للفيلسوف نعوم تشومسكي

مقدمة:
عندما سئل الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي عالم اللسانيات المشهور، كيف نشأت اللغة؟
أجاب باختصار أن طفرةً جينية ما حصلت عند إنسان سماه بروميثيوس Prometheus قبل حوالي 100,000 سنة كانت السبب الذي ظهرت به اللغة فجأةً.. ولا شك أن كلمة "فجأة" لا يمكن فهمها بسهولة احتكاما لفكرة التطور والطفرات التي هي قائمة أصلا على مبدأ التراكم.. نعم الطفرات تظهر فجأة.. ولكن كيف نطق الإنسان الأول أول مرة، وكيف فهمه إنسان آخر أيضا فجأة.. وكمحاولة لفهم هذا التصور اعتقد أنه علينا الاحتكام إلى آلية داخلية تعمل داخل الإنسان إلا وهي المشاعر.. وهذه الكلمات التي سوف تقرأها هي محاولة متواضعة مني لفهم هذا الفجائية من باب أن المشاعر الإنسانية تطورت في الإنسان قبل ظهور اللغة.

لا شك أن أي مصادفة مهما كانت درجة استحالتها تظل أحتمالا يقيني الحدوث في حال لانهائية الاحتمالات، ولانهائية المقياس الذي يتم به حساب عدد المحاولات. وطالما ظل هذا المقياس مفتوحا بشكل لا نهائي، فإن تراكم نتاجاته، وتعقيد مخرجاته يقلل بطريقة ذاتية من احتمالية إيقافه.

بشيء مما سبق أعتقد أنه يمكن إثبات وجود مستحيل كالعدم نظريا، وتبرير وتفسير الوجود كنتيجة تفاعلية له، بل واعتبار الوعي كحتمية وجودية لهذا التراكم. باعتبار أنه مع كل احتمال يحدث تزيد فرصة هذا التغيير المطرد وتصارعه وتسارعه وتطوره وتعقيده.

لكن رغم كل هذا تبقى اللغة الناجمة عن الوعي صعبة التصور والتفسير أكثر من الوعي ذاته، حيث أنه لولا ظهورها من الوعي لتدنى الوعي، بل وتبدد بمرور الوقت. فكيف إذن طور الوعي مصادفة هذه الأداة التي تحفظه من التراجع والتدني؟؟

وفي محاولة للإجابة.. أعتقد أنه لا يمكن تفسير ظهور اللغة بمعزل عن المشاعر.. أو بالأحرى وعي الإنسان بالخوف، حيث أن الخوف كماهية إدراكية بدائية تجتمع فيه عموم المشاعر البدائية للإنسان من حيرة ودهشة وألم.. وكي أكون أكثر تحديدا لم يكن الخوف ذاته هو الدافع الأصلي للكلام، بل كان شعورا مركبا أكثر تعقيدا نجم عنه ألا وهو "الحزن".

إن الحزن كسمة خاصة جدا وفريدة ومتطورة للأنسان دون غيره من الكائنات هو ما أنطق الأشياء في وعيه؛ لينطق بها دفعة واحدة كطفرة لم يسبقها الكثير من التفاصيل والتغييرات. فرسوخ الحزن كمعنى أصيل في نفس الإنسان -حتى وإن لم يعي عمق فلسفته حينها- كان هو النقطة التى أبتدأ منها ضجيجه بالكلام كسلوان وعزاء.. ومنه تطور وعيه متسارعا وصولا للتدوين، ومنه لما نحن عليه الآن من تراكم المعارف.

نعم تبدو مآلات الأشياء أكثر تعقيدا من كونها وليدة الاحتمال والتراكم.. ولكن بتتبع دؤوب صبور للعدد اللانهائي للاحتمالات ولانهائية مقياس عدد المحاولات حيث أزلية الوقت والمكان.. يمكن فك التشابك، وبناء تصور طبقا لمنهجية العقل في حدود قدرته وإمكاناته وسقفه.. وتبقى مثل هذه التصورات هي أفضل محاولات التفسير الممكنة رغم قصورها وعدم تماسكها، ولكن مع الأسف لا سبيل سواها.

الجمعة، 28 يوليو 2017

مناجاة




معذرة،،
ولتغفر لي فجاجتي وقلة حيلتي،
لكنني لم أعد أعتد 
بهذا الحب المسجي بالسحاب
لا، ولا بتلك الورد المبتلة بدمع نداها،
ولا حتى بهذا الليل الوقور
الذي يتمعن في سيره.
لم تعد تبصر عيناي شيئا؛
لترى الحقيقة فيه أو به.
ربما فقد السؤال شغفه
بطول البحث عن الجواب.
ربما حتى أموت..
قبل أن يصادفني اليقين.
تعبت، ولم يعد في مقدوري
أن أتجسس خلسة على الصمت،
أو حتى أن أتتبع عورة الكلام.
المعاني جرار فارغة..
أكسرها واحدة تلو الأخرى؛
لأهدأ من روع ظمأي.
فلا تترك خديعة ابتسامتي
تمكر بي عندك فتصدقها.
لا، ولا تدع صبري يبهرك بجماله.
هذا ليس صبرا.. أنه محض عجز
عجز تام.. استسلام لا قبل لي به،
ولا خيار لي فيه.
نعم، لست نبيا لأفهم المغزى،
لكنني أيضا لست غبيا لأصدق
أن القدر تفرغ لي وحدي؛
ليمارس مؤامرته المحكمة ضدي.
ربما كل ما حدث ليس أكثر
من سوء حظ صادف سوء حظ.
شرك نصبته الظروف من حولي
كي لا أستطيع الفكاك، ولا الهرب.
فلا تتفحص قلبي غيبا..
أنه هش.. هش جدا..
أفسدته التجارب بالخيبات..
بدده الماضي بذكرياته،
والحاضر بوحدته،
والمستقبل
بخوف مرتعش من المجهول.
الخذلان يطوقني،
والشامتون يتخذون من مأساتي
ملهاة يسرون بها عن أنفسهم.
حتى نفسي خرجت عن طوعي..
تمردت علي مللا ويأسا،
وضاقت بي على حين غرة.
هل هكذا فعلا تختبرني لأنك تحبني،
وتريد مكافأتي
أم تختبرني لأرسب،
وتجد مبررا لتغضب مني وتكرهني؟؟
قل لي ماذا بوسعي أن أفعل،
وأنا لا أملك شيئا،
ولا أعرف شيئا
سوى الحزن والحيرة ؟؟

الخميس، 29 يونيو 2017

حديث الثلاثين


لم أكن أعد الأعوام.. وُلدت لبيت واقعي لا يعيرون فيه اهتماما كبيرا لتواريخ الصدف.. صدفة أتت بي يوما ما إلى الدنيا دون قصد.. بها أيضا منحت عرضا مجانيا مؤجلا للموت، وهذا أمر جدا عادي لا يستدعي الاحتفال. لا أعرف حقيقة كيف صرت ما أنا عليه الآن؟؟ كهلا بثلاثين دهرا من السراب.. بعقل يعربد فيه الشك والشك في الشك كطفلين متشاكسين، وبقلب ترتع فيه الخيبات كل ليل مرحة.. لا أدري أيضا كيف صار الليل صديقا مخلصا إلى هذا الحد.. يربت على كتفي كل ليل، بينما الحزن صار  منقذي الوحيد الذي يمد لي كلتا يديه؛ لينتشلني من غياهب نفسي؟؟

لقد كانت الحياة كعادتها تمر مني إلى شأنها في هدوء؛ لتتركني وشأني في النهاية -كما كل السابقين- حفنة تراب هادئة.. لم يستوقفني أي شيء فيها.. كنت مثل الغالبية مستسلم للحياة كرحلة، وللعمر كسفر محدد الوجهة.. بكل جسارة كان الطريق يمشيني لنهايتي، وأنا في غاية اليقين والثبات أنني من أقطعه بخياري إلى نهايته.
مستسلما للقطارات التي كنت أركبها واحدا تلو الأخر.. لم يفوتني أي شيء.. دوما في الصف الأول في كل القطارات.. كنت أبذل قصارى جهدي كي أكون أول الراكبين.. وفي خضم هذا السعي المحموم، لم أعرف أي شيء عن نفسي.. ربما لأني كنت أعتبرني مُسلَمة لا تستدعي الفحص، وأعتبر النهاية بديهية لا تسترعي التدقيق والسؤال.
نعم، كنت مغفلا مجتهدا يحفظ فروضه المدرسية أول بأول دون أن يفهمها.. مغفلا لا يتخيل أبدا سؤالا دون جواب، ولا جوابا من الممكن أن يخلق من خلفه ألف سؤال.. كنت مغيبا بقناطير منقطرة من الإجابات الغير منطقية والتصورات الخرافية عن نفسي، وعن الأشياء، وعن البداية والنهاية.
ثم فجأة وجدتني مضطربا شاردا على أحدى الأرصفة في أحدى المحطات.. أتلفت من حولي.. كمن استفاق لتوه من كابوس.. أتأمل وجوه من يمرون.. أتسائل عن جدوى السفر، وعن جدوى الوصول.. لا أعرف تحديدا سببا لما حدث، بل حتى ربما إلى الآن لم أحاول.. لكنني أعرف جيدا هذا الشعور.. شعور الانعدام واللاقيمة واللاوزن الذي يشعر به شخص يفتح عينه لأول مرة على دُمى مسيرة تحركها الأقدار، والصدف، والحظوظ، والظروف، والغيب المبعثر هنا وهناك.. قطعان من الدُمى وعرائس الماريونت يمضون إلى حيث يأمرون؛ لأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان.. يغضون الطرف عن المجهول الذي يحدق بهم، بل يغضون الطرف عن كل شيء.. يتعامون.. بل هم في سكرتهم يعمهون.. إنهم ببساطة نتاج خوفهم من المجهول.
المجهول.. هذا المارد الذي أختبرته لاحقا فعرفت بأنه مشنقة الحياة المزركشة التي يشدها الموت بغتة.. رباط عنق حريري مزركش بالأمل ومرصع بالأماني، لكنه يضيق بالوقت؛ ليفضي إلي الموت.. من يخلعه من عنقه يرمي بنفسه تحت عجلات أول قطار يصادفه في ثبات.
حينها فقط أدركت أن الحقيقة -أو ما كنت أعتقدها الحقيقة- ملت من كونها حقيقة فاستحالت زيف فكنا هنا على نحو بصق فيه العدم وجودا قميئا كهذا مجرد ردة فعل خزعبلاية لا فائدة منها، كمن تتفل في صدرها فزعا من اللاشيء.. حينها خلعت الرباط عن عنقي، ولم ألقي بنفسي إلى العجلات.. رأيت الانتحار تماما كالاستمرار مجرد أمل زائف في الموت بدلا عن أمل زائف في الحياة.
الحياة ملطخة بالموت.. والإنسان جدل الله والشيطان الذي لن ينتهي أبدا.. الفضيلة محاولة بائسة لإيجاد مغزى في عالم عاهر يتعرى يوما بعد يوم دون حياء.. والدنيا بكل ما فيها أدنى من أن نتأملها.
هكذا وجدتني فجأة على أحد الأرصفة في أحد المحطات في أحد الأماكن لا أعرف شيئا سوى أني ذرة في غبار في هباء.. صرخت فلم يكترث أحد.. بح صوتي، وانصرف القطار، وتركني من خلفه وحيدا.. وحيدا يحرس وحدتي ظلي بشك نهم يبتلع كافة الأشياء؛ ليتقيأ نفسه في وجوهها من جديد.
رغم هذا كنت أشعر أن المعادلة بعد لا تساوي صفرا، حتى وإن كانت تبدو كذلك.. كان صوت أبي لازال يتردد في أذني بنبرته الصوفية الخالصة: "يا بني أركب معنا.. يا بني من تلفت تشتت، ومن تشتت تفلت، ومن تفلت سقط". اخترت السقوط.. وها هي الأعوام تمضي.. وأنا لازالت أسقط.. وكأن الهاوية بلا نهاية.. أسقط دون موت، ولكن دون حياة أيضا.. أرى العالم آيلا للسقوط، لكنه ليس مثلي.. إنه عاجز لا يستطيع أن يسقط لأنه الهاوية التي لا قرار لها.
كون بأكمله كما غرفة باردة مظلمة تغلق بابها بإحكام شديد على من هم في داخلها، وكأنه لا شيء خلف الباب.. وكأنه لا شيء خلف الباب من الجهتين.. يتلاشى قلبي وحشة مع كل لحظة تمر بحيث لم يعد في وسعي أن أستمني حب أي شيء.. شبق البقاء والخلود تبدد يأسا في كل شيء، ومن كل شيء.. أملي دهسته عجلات القطار ليفتديني، ويتركني حيا من خلفه بلا أمل.. وحيدا على الرصيف ينهكني صوت خطوي المنهك، وأنا أتجول الحقائق لأحيلها إلى حقيقتها أوهام وزيف.. كل الحقائق متضاربة هنا؛ لتصبح جميعها صحيحة متسقة هناك!! حتى هناك لم يعد يغريني هكذا لم أعد أتذمر من نقمتي على الحياة، ولا حتى من نقمتها علي. يمكنني إيجاز حياتي في تساؤل واحد لا يحتاج إلى إجابة.. كيف لمن لا يقوى على الحياة أن يقوى على الموت؟؟

السبت، 24 يونيو 2017

زهرة الخشخاش

لوحة فان جوخ الشهيرة


النشوة مقلوبة رأساً على عقب..
العدم على بعد خطوتين،
لكنك لا تكاد تطاله حتى يفلتك.
الوجود يحترق من خلف رأسك
كقبس مفعم يأخذك للنعيم.
أي نعيم يكفي؛
ليمطر جحيم مأساتك؟!!
أي نعيم هذا الذي
يرغمك أن تستسلم للاشيء؟!!
هاهي السعادة تغمز لك أخيرا..
هل تراها؟؟
هاهو الحزن نائم ثمل قتيل..
هل يراك؟؟
غفا عنك الوجع..
أسقطك الألم من حسبته..
أي فردوس هذا الذي يلوح
في أعماقك؟!
النشوة تضرب من جديد
خلل ما يعبث في خلل الوقت
أطرافك منغمسة في الثلج
المواضيع تتشعب من بعضها
في بعض بلا نهاية.. بلا بداية
لا تستطيع اللحاق بالأفكار
هاهي تمضي سكرى
في كل اتجاه
تبعثرك من خلفها
كورقة مزقها الشك
ثم ألقاها من شباك
سيارة تفكيرك المسرعة
الكرسي يحتضنك
كمومس محترفة
يهدهدك بتمرس
يدللك.. لتسأل..
عرش من هذا؟؟
جدية منقطعة النظير
على نحو هزلي منقطع النظير
النشوة تتغلغل فيك.. تتغلغل فيها..
صوت الكمانجات يغرق في أذنيك
النايات تذوب كالسكر في روحك
الأيقاع يقذف بك إلى السماء؛
لتسقط كريشة على سماء رحبة
من ريش النعام.
ما جدوى زهرة شبابك
لولا زهرة الخشخاش؟؟

فيوضات العبث