الاثنين، 8 يونيو 2020

أبطال ‏وليم شكسبير ‏الحقيقيين

صورة للأديب الإنجليزي وليم شكسبير

لا أنكر أن أشد ما يستوقفني في مسرحيات شكسبير هي الصياغة اللغوية الشاعرية المحكمة والصور المجازية الكثيفة التي تجري على ألسنة الأبطال، والتي تستطيع أن تحتفظ بنفسها متماسكة ومبهرة وبارقة رغم ترجمتها للغات عدة. بل أنني لا أبالغ إذا قلت أن اللغة هي البطل الحقيقي لشكسبير قبل الشخوص والأفكار والحبكة والترميز والبناء الدرامي، حيث تستطيع أن تخرج من كل مسرحية بعدد كبير من الاقتباسات الملفتة العميقة، والتي من الممكن استخدامها واستداعائها في مناسبات حياتية كثيرة بعيدا عن شخوص قائليها. ولا غبار عندي أن اللغة واللغة وحدها هي من جعلت شكسبير شكسبير.
ولكني رغم أجلالي الشديد للغة شكسبير الجزلة الفخمة وتصويراته البلاغية المحكمة أقف بنفس الأجلال والتقدير لشخوص بعينها من أبطال مسرحياته. والمدهش بحق أن تلك الشخوص التي استوقفتني ليسوا أبطال المسرحيات أصحاب الأدوار الأولى، بل شخوصا من أصحاب الأدوار الثانية والثالثة بل وحتى الثانوية من حيث حجم أدوارهم. ولكني رغم هذا أجد لهم حضورا طاغيا يعكس جهدا فكريا جبارا من حيث التشخيص والكتابة واللغة والترميز جعلهم هم الأبطال الحقيقين للحبكة والموجهين لدفة الأحداث. وتلك أيضا أحد  أهم سمات هذا الكاتب العظيم من وجهة نظري ألا وهي الاهتمام بالشخوص أيا كان حجم أدوارها أو الهدف من استداعائها لتوجيه سير الأحداث والحبكة. ولكي اوضح ما أرمي إليه سأذكر بعض من تلك الشخوص الذين أراهم حاضرين في أشهر مسرحياته كأبطال محركين للأحداث، رغم أنهم ليسوا الابطال الحقيقين لتلك المسرحيات.

وأول تلك الشخصيات هو كاسيوس في رائعة يوليوس قيصر.. ومما لا يخفى على أحد أن مسرحية يوليوس قيصر هي ملحمة تراجيدية تحكي عن تلك المؤامرة التي حيكت لاغتيال قيصر. ورغم أن دور البطل الرئيس الذي تدور حوله الأحداث هو يوليوس قيصر والبطل الآخر المواجه له على الضفة المقابلة للقصة هو بروتوس صديقه زعيم المتآمرين إلا أنني أجد شخصية كاسيوس هي الشخصية التي تحرك الأحداث من أولها إلى نهايتها.. كاسيوس هو صلب القصة تماما وعمود خيمتها بحقده وحسده وحنقه وحيله البليغة في الأقناع، والذي لولاه لما ظهرت المؤامرة بهذا الشكل، ولما خرجت تلك المأساة التراجيدية على هذا النحو من الإحكام والروعة. إن كل كلمة يقولها كاسيوس منذ وسوسته الأولى لبروتوس إلى لحظة انتحاره في النهاية هي الخيط الحقيقي الذي تنتظم فيه كل الشخوص والأدوار لتظهر لنا تلك المأساة بنظمها الفريد المبهر، وبحبكتها المحكمة اللافتة. 

وبنفس الطريقة التي تحدثنا فيها عن كاسيوس في مسرحية يوليوس قيصر نجد شخصية إياجو في مسرحية عطيل.. وإياجو هو صورة مجردة للشر والغيرة من سيده وقائده عطيل ذا البشرة السوداء والغيرة الشرقية الخالصة.. يتلاعب إياجو بجميع شخوص المسرحية بطريقة تسمح للأحداث إن تنساب بسلاسة وفق مخططاته المحكمة.. وبهذا التكنيك المسرحي الذي يستخدمه شكسبير مع شخصية إياجو تكنيك -الحديث إلى النفس- يجعل شكسبير من إياجو هو البطل الحقيقي للأحداث.. ففي كل خطة يسرها إياجو إلى نفسه يتواطئ المشاهد في انتظار تحقيقها من جانب بقية الأبطال على خشبة المسرح إلى أن يسقط ٱياجو في النهاية بيد زوجته التي تكشف حيلته.

أما الشخصية الثالثة وبحجم دور أقل كثيرا مما سبق، رغم أن تلك المسرحية هي واحدة أطول مسرحيات شكسبير على الأطلاق من حيث الحجم نذكر شخصية الشبح في مسرحية مأساة هاملت. حيث أن الدافع الحقيقي لانتقام هاملت من عمه الذي قتل أبيه، وتزوج أمه، واستولى على العرش هو ذاك الشبح الذي ظهر له ليخبره بذلك. من عند هذا الشبح -والذي جعله شكسبير يحمل نفس أسم البطل هاملت- تبدأ ملحمة الانتقام لتنتهي بانتقام كامل لهاملت من قتلة أبيه.ينتهي بموته أيضا. ورغم غياب هاملت الشبح الذي حرك كل هذه المأساة في نهاية المسرحية يبقى حضوره طاغيا  كون هاملت الحقيقي نفسه مات قتيلا مثل أبيه الملك المغدور.

الثلاثاء، 2 يونيو 2020

ضَرْعُ الْحَيَاةِ تَيْبَسَ


أَنَا مِثْلكُمْ يا صَاحُ
أَوْ حَتَّى أَقَل،

فَأَنَا أَهَابُ مِنَ الْخَوَاءِ..
مِنَ الْفِنَاءِ.. وَلَا جَدَل

لِكَنَّنِي طَوْلُ النّوَائبِ
أَوَرَّثَنِي الْخَجَل

مِنَ التَّلَهِيِّ بِالتَّخَوُّفِ،
وَالتَّمَنِّي بِالْأَمَل.

أَنَا مِثْلكُمْ ؟! لَا..
أَنَا طَبْعًا أَقَلّ.

ضَرْعُ  الْحَيَاةِ تَيْبَسَ
وَجَرَّارُنَا اِنْكَسَرَتْ
مِنْ فَرْطِ التَّعَب

فَمَا أَجْدَى الْبُكَاءَ
عَلَى الْحَلِيبِ إِذَا اِنْسَكَب

وَمَا أَجْدَى الْجَرَّارَ
لَوِ الضَّرْع اُنْتُهِب

تَقْسُو السَّنُونُ بِفُوَّتِهَا
وَكَأَنَّهَا نَارٌ..وَكَأَنَّنَا
نَحْنُ الْحَطَب

الأربعاء، 13 مايو 2020

وما تبقى سوى الألم

صورة من فيلم الجوكر


سئلَ الصدى: أينَ الفتى؟
أينَ الذي ألقى الصراخَ، وغاب؟
أين هو؟؟ 
لأردَ عنه صراخهُ بصراخي..
صرخَ الألم:
كان الفتى شبحاً هناكَ، وذاب،
أما أنا أبداً هنا.. يطفو بكائي بالغنا،
ويموت في فرحي الشباب.
لا تسئلنَّ عن الفتى،
غابَ الفتى من قبلِ حتى صراخهِ،
كان الفتى رغمَ الوجودِ غياب.
قد رأهُ الدمعُ يومًا
يرسمُ بالرملِ وجهاً ضاحكاً
و الوجهُ يبكي راسمًا
بالدمعِ نظرات العتاب.
غابَ الفتى، ذابَ الصدى،
وما تبقى سوى الألم.
ذكرى لوجهٍ ضاحكٍ 
يبكي عذاب.

الخميس، 7 مايو 2020

فيوضات العبث

نظرة الأديب الإيرلندي صمويل بيكيت المفعمة بالعبث

(١) الكون خرب بطبيعته.. قصر ذاكرتنا، ومحدودية أعمارنا هما ما يجعلاه كما نراه أكثر ثباتا واتزانا وضبطا وانتظاما ومنطقية.

(٢) الوجود معضلة ذاته التي لم ولن تحل، والإنسان قضية نفسه الخاسرة التي منها يكل، والوعي في أقصى درجات تجليه لا يمكنه استيعاب شيء أكثر من ذلك. الوعي مجرد طفرة تطورية من أجل البقاء، لا من أجل الفهم والإدراك.

(٣) مآلات الأشياء المخزية ما كانت لتسمح أبدا ببدئها، لكن مع الأسف لا يوجد ثمة علاقة حقيقية تربط بين الأسباب والنتائج. السببية مجرد حمق بدائي لا يوجد ثمة داع لبقائه.

(٤) لا ثمة رابط بين الإنسان ووعيه، ولا بين الوعي والوجود، ولا بين الوجود "كمعني" والكون "كمادة"، ولا بين كل ما سبق ومسوغ نظري افتراضي كالعدم. تسلسل هذه الأشياء مجرد ميكانيزم إدراكي يخص عقولنا فقط، ولا ثمة دليل عليه خارجها. 
      
(٥) كل السرديات الكبرى سواء كانت تفسيرات فيزيقية خالصة أو حتى تأويلات ميتافيزيقية خالصة مجرد حيل تعايش وقتية تراكمها لا يعني الوصول بها لشيء في النهاية. رحلة الحضارة الإنسانية لهاث محموم خلف سراب لا يظهر إلا ليختفي.

(٦) هشاشة ما أنجزناه من ملهيات مادية بتراكم الوقت مع سفاهة ما طورناه من حيل معنوية أو قيمية توافقنا عليها.. هو ما يرسم تصورنا الحياتي المؤقت الذي يبدو منضبطا في حينه.. متضاربا متخبطا هشا على طول رحلته.

(٧) الآخر عبء، لكنه هو العبء الوحيد المتاح هنا لنتبادل الأعباء معه حيث أعباء الوجود ساحقة متنامية، ولا تنتهي حيث اللغة في أحسن أحوالها ليست أكثر من فخ على هيئة سلوان عظيم. 

(٨) ربما يتوسع المكان زمانا، وربما يتمادى الزمان مكانا كبعد واحد مدمج بعده الآخر المُلح هو الرصد.. الزمكان والرصد وجهان لعملة واحدة، لا يمكن التحقق أصلا من وجودهما.

(٩) المعرفة الإنسانية في خلاصتها ليست أكثر من أسطورة تتطور، وخرافة تتحور من أجل تبديد الفراغ، وإثبات وجودنا لأنفسنا. 

(١٠) لا يمكن معرفة الحياة بممارسة الحياة، ربما نعرفها بشكل أدق بممارسة الموت.. حيث الموت هو كل ما لا نعرف عن الموت.

(١١) تسعة أعشار السعادة في الجهل، والعاشرة في الوهم.. والجنون هو سيد الوهم والجهل معا، لهذا لا يكون النعيم إلا من نصيب المجانين.

(١٢) الخيال خيبة رحبة ممتعة تفسد الواقع الذي يدفعنا بخيباته وفساده إلى الهروب مجددا إلى الخيال.

(١٣) سياط الألم ستلاحقك من كل إتجاه؛ لتجبرك على الهروب في طريق الملذات الحسية. في نهاية هذا الطريق المزين بالمتع لا شيء  ينتظرك سوى الملل.

(١٤) المجهول يحيط بنا من كل الجوانب.. المجهول محتمل، والاحتمال لا يثير شيئا سوى المخاوف، والخوف من الألم أشد ألمًا من الألم ذاته؛ لهذا تبدو الحياة صعبة إلى حد لا يطاق.

(١٥) نحن كبشر نعظم من شأن محاولاتنا التافهة التي لا جدوى منها، فقط لنظل نحاول حيث أنه ليس بوسعنا هنا شيء آخر غير ذلك.

(١٦) الخلل يطفو في كل شيء. الأشياء لا تستطيع أن تشعر بخللها الذاتي كما أن الخلل لا يستطيع أن يصحح من وضعه من تلقاء نفسه.

(١٧) لا أحد يستطيع أن يعرف نفسه التي تدفعه دفعا للتعرف على الأشياء، هكذا تصير كل معارفنا عبارة عن جهل مركب علينا أن لا نأخذه على محمل الجد كون المتاح هزلي وبجدارة.

(١٨) بشكل واقعي محض ليس بوسعنا مواجهة كل ما سبق إلا من خلال قاعدتين مجردتين فيهما من العزاء ما فيهما من المأسأة.. الأولي: لا توجد خسارة أكبر من كونك موجودا أصلا لتخسر. الثانية: هناك دائما ما هو  أسوأ ليحدث.

(١٩) بشكل براجماتي أقل حدة ودقة، وأكثر عملانية وفرادنية يمكننا العيش طبقا لمبدأ بسيط للغاية هو.. عش بالطريقة التي تريحك.. هذا إن وجدتها.. فإن لم تجدها فأبحث عنها حتى تجدها أو تموت.. أيهما أقرب.

(٢٠) كل ما دون ذلك تفاصيل فارغة.. تأتي لترحل معنا.. لا نعرف من أين؟؟ ولا إلى أين؟؟ ولا يمكن حتى أن نعرف بشكل قاطع.. لماذا تمضي بنا وفينا على هذا النحو؟؟

الثلاثاء، 5 مايو 2020

كيف تحولت مأساة جورج كليمنصو الجادة إلى ملهاة تافهة على يد القرموطي؟؟

صورة لرئيس وزراء فرنسا جورج كليمنصو

جورج بنيامين كليمنصو -لمن لا يعرفه- هو واحد من أعلام السياسة في تاريخ فرنسا الحديث. فهو رجل دولة من طراز رفيع، وسياسي مخضرم متمكن، وقائد حرب لا يشق له غبار. اختطفه العمل الصحفي شابا من مهنة الطب التي تعلمها في جامعة باريس المرموقة، ليسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1865، ليعود إلى فرنسا بعد ذلك بعدة أعوام كصحفي متمرس يقيم قلمه أوساط السياسة ويقعدها، ليتدرج بعد ذلك في المناصب السياسية.. فمن رئيس بلدية أحد المقاطعات، إلى عضو بارز بالبرلمان، ثم وزيرا للداخلية، ثم وزيرا للدفاع، ثم رئيسا لوزراء فرنسا لمرتين بالانتخاب، أحداهما قاد فيها فرنسا في الحرب العالمية الأولى، وخرج بها منتصرا حيث كان من أقوى المساهمين في معاهدة فرساي التي أسدلت الستار بشكل رسمي على وقائع الحرب العالمية الأولى بين دول الحلفاء ودول المركز. 

أذن نحن بصدد شخصية تاريخية فارقة فذة، ومن ورائها حياة إنسانية عامرة تذخر بالكثير والكثير من التجارب التي جعلت الرجل يترك كل هذا في سنواته الأخيرة، ليركن إلى كوخ صغير معتزلا العمل العام؛ ليتفرغ للتأمل والقراءة والتأليف، ليترك لنا قدرا لا بأس به من الكتب، ربما من أهمها عمل أدبي يعد من روائع المسرح العالمي هو مسرحية "قناع السعادة".

و"قناع السعادة" هي مسرحية تراجيدية تدور أحداثها في بكين بالصين لشاعر وحكيم صيني يسمى "تشنجآي" وهو رجل ضرير قد تصالح مع عماه برضا بالغ قانعا بما عنده من زوجة حانية محبة، ومن ابن طيب مطيع، ومن أصدقاء أوفياء، بل أنه كان يعتبر أن تلك الزمرة المحيطة فيها من التعويض ما هو أكثر بكثير من خسارته لنور عيناه.. لكنه وفي خضم الأحداث يهديه أحد أطباء البربر الأجانب أكسيرا سحريا في مقدرته أن يعيد البصر بثلاث نقط في كل عين، ولكن عليه استخدامه بحذر شديد، حيث أن عشر نقط من ذلك الاكسير كفيلة بأن تيبس في الحال محاجر العيون.. ورغم عدم اقتناعه إلا أنه ظل يستخدم هذا الاكسير مداوما عليه.. حتى ذات مرة أخيرا وفي نهاية أحداث المسرحية يستطيع هذا الأكسير السحري من أن يعيد إليه بصره، ليكتشف أن الحقيقة الجميلة التي لطالما عاش قانعا راضيا بها كانت محض أكاذيب ووهم حجبها عنه عماه.. فزوجته المحبة تخونه مع صديقه الوفي.. أما صديقه الآخر الذي لطالما أبدى المودة قد سرق ديوانه وأرسله للامبراطور كاتبا عليه أسمه.. أما أبنه المطيع فلا يفعل شيء غير الاستهزاء به.. هنا يدخل الحكيم "تشنجآي" في لوثة من الهستيريا.. يكتشف فيها أن العمى كان هو قناع السعادة الذي يحجب عنه فداحة وبشاعة الأشياء والأشخاص.. فيتشكك في كل شيء.. في الصداقة والوفاء والحكمة وفي كافة القيم والأعراف والتقاليد، حتى يصل به الأمر في أن يتشكك في تلك الوصفة التي ردت عليه بصره، بل ويعتبرها سحرا شيطانيا من صنع ذلك الطبيب البربري.. وعلى وقع تلك الصدمة يسكب كل ما في القارورة في عينيه لتتيبسا تماما وتحترقا، ويعود أعمى من جديد.

وكم من الملهم أن نذكر بعضا من تلك العبارات اللافتة التي جرت على لسان البطل "تشنجآي" عند اكتشافه لتلك الحقائق المروعة البشعة بعد أن أرتد إليه بصره كي تكتمل الصورة.. يقول:

"هل حقيقة أن في تلك اللحظة التي أعود فيها لرؤية هذا العالم ينهار فجأة صرح سعادتي؟؟"
"أن ظلمة عيني كانت تنشر على الدنيا حجابا براقا من الهناءة العميمة.. لكني أبصرت فجأة، فإذا الحجاب تمزق، والحقيقة تعرت.. الاعتراف بالجميل.. احترام الوالدين.. الوفاء.. الصداقة.. الحب.. العادات.. التقاليد.. الثواب.. العقاب.. الحكمة.. أباطيل.... أكاذيب.... وأوهام.... ما دام لم يعد شيء صادقا في العالم فما الحياة سوى أكذوبة كبرى"
"لتكن ملعونا أيها الطبيب الأجنبي الذي اختطف سعادتي حين وهبني النور.. أي نور؟! نورك أنت يا شيطان جهنم.. فهل يمكنني الآن النجاة من سحر تعاويذك؟؟ لما لا يكون ما أراه وهما من عمل الجن؟؟ لما لا يكون ما أراه إلا وهما وخبالا وأحاجي أبالسة؟؟ كم كنت غبيا حين سمحت له أن يجرب في شعوذته.. أين كانت حكمتي حين خضعت لسحره الأثيم؟؟"
"كم من أفراح أنا مدين لك بها يا عيوني المغلقة، وكم من أرزاء أصبتني بها يا عيوني المبصرة".
"يحتاج المرء لتحقيق سعادته إلى قناع يحجب عنه حقيقة الأشياء".
"كم كنت تسارع لتهتك عن نفسك الحجاب لتعتاض عنه بماذا أيها التعس؟! 
إنما السعادة الكاملة كانت في عماك، أما بصرك ففيه شبح الشقاء.. أريد العمى الذي يمنحني الحقيقة السعيدة".

ترجمت تلك المسرحية إلى عدد كبير من اللغات من بينها العربية، ليتم تقديمها بالإذاعة المصرية من خلال برنامجها الثقافي الزاخر بروائع المسرح العالمي، حيث أخراجها للإذاعة المخرج الإذاعي القدير: الشريف خاطر، ثم تم بعد ذلك تقديمها على التلفزيون كسهرة تلفزيونية من بطولة محمود المليجي وإخراج محمد عبدالسلام. وكلا العملين السابقين تناولا المسرحية بلغة فصحى تحفظ قدرا من الهيبة للنص الأصلي الذي ترجمتا عنه، وأوردا أسم مؤلفها على تترات البداية والنهاية. 

ولكن في عام 2007 تم إنتاج نفس المسرحية مع كثير من التشويه والاستظراف المبتذل في فيلم كوميدي تجاري تحت أسم " صباحو كدب"  من بطولة أحمد آدم وقصة نهى العمروسي -والتي ربما يحق لنا أن نشير أنها سبق اتهامها في قضية تعاطي مخدرات-  وسناريو وحوار أحمد عبدالله.. تم انتحال القصة دون أي تنويه عن تلك المسرحية ونصها الأصلي، والذي تم تشويهه وإفساده بمعالجة رديئة، وبسيناريو وحوار فشل رغم ركاكته حتى أن يكون مضحكا.. وهكذا تحول "تشنجآي" الشاعر والحكيم الصيني  بطل المسرحية على يد نهى العمروسي المؤلفة المنتحلة إلى "نعناعة" مدرس الموسيقي الذي يغني في الأفراح الشعبية. هذاالدور الذي فشل فيه أحمد آدم هو الآخر فشلا مدويا في إداء دور البطل الكفيف. وهكذا تحولت رائعة جورج كلمينصو  التراجيدية الخالدة والتي تنعكس فيها خلاصة خبرته الفلسفية والحياتية العارمة إلى مهزلة فنية على يد القرموطي "أحمد آدم" والحرامية "نهى العمروسي" منتحلة القصة، والتي وإن كان برئها القضاء من تهمة تعاطي المخدرات، فلا يمكن لمنصف من أن يبرئها من السرقة الأدبية، والتشويه الفني الذي هو في تداعياته وآثاره أخطر بكثير من المخدرات وتعاطيها.. ففي واحدة من أسوأ السرقات والانتحالات الأدبية -والتي مع الأسف تزخر بها السينما المصرية- تم إلقاء "قناع السعادة" جانبا؛ ليظهر لنا فيلم في منتهى القبح والدمامة أسمه لا يصف إلا حال أصحابه ومؤلفيه.. فصباحهم كدب في سرقة في كدب.

الجمعة، 1 مايو 2020

القيم هي منتج الحضارة الأهم


صورة للمطرب أحمد عبدالقادر والفانوس مع جدارية 
طرد الهكسوس من مصر على يد القائد أحمس

مصر تلك البلد التي لاح فيها فجر الضمير فبزغت منها شمس الحضارة إلى العالم، فهوت إليها الحضارات والثقافات من كل حدب وصوب؛ ليتشكل فيها أرث ضخم عتيق من تداخل أطياف الحضارة والثقافة الإنسانية على اختلاف مشاربها. وعلى الرغم من كل تلك الرحلة الطويلة لازالت آثار هذا الأرث الضخم تلمع بين حين وآخر في ملامح الشخصية المصرية الطاعنة في القدم رغم ما لاقت من قسوة المستعمرين، وفساد ولاة الأمر على مر العصور والحقب.

أن تكون مصري لهو عبء ثقيل وشعور مربك للغاية، حيث ستحمل على كتفيك عبء تاريخ طويل يصعب عليك التعاطي معه، فضلا عن الإلمام به خاصة في هذا الزمن الذي وصلت فيه مصر إلى القاع، ولازالت تواصل السقوط تحت وطئة الجهل والفساد والظلم والفقر والقهر.. ولكن يبقى للذهب بريقه ولمعانه مهما طالته الأدناس، وتقادم عهده. فالشخصية المصرية والتي هي من وجهة نظري تعد خلاطا ثقافيا بامتياز، حيث لها القدرة على أن تمزج كل أبعاد الشخصية الإنسانية على تبايناتها على مر عصورها في خليط واحد في قمة التجانس والروعة وبمنتهى البساطة من خلال الوجدان الشعبي البسيط، بل تستطيع بما يستدعيه هذا الوجدان أن تؤرخ بكل يسر وسهولة لعبقرية الأرث والأثر متجاوزة حدود الزمن.

فهل لأحد أن يتخيل أن هناك ثمة رابط بين أحمس طارد الهكسوس، والشيعة الفاطمية، ومطرب وملحن من أربعينيات القرن الماضي لم ينل كثير شهرة أو ذيوع صيت هو (أحمد عبدالقادر)؟؟ 

في الحقيقة لا يستطيع عاقل أيا كان أن يجد ذلك الرابط دون فهم عميق لعبقرية الوجدان الشعبي للمصريين، والذي يعد كما قلت آنفا خلاطا ثقافيا بامتياز يستطيع أن يمزج بين الشرق والغرب والماضي والحاضر ليخرج لنا مزيجا عبقريا يصعب فك شفرته للوهلة الأولى.
 فأغنية مثل -وحوي يا وحوي إياحة- والتي لحنها وغناها للأطفال المطرب والملحن أحمد عبدالقادر لتكن هي النشيد الرسمي للعب بالفانوس، والذي هو الشعار الشعبي الأكثر شهرة لشهر رمضان الكريم، والذي ظهر في مصر لأول مرة في عصر حكم الدولة الفاطمية الشيعية التي أولت اهتماما بالغا للاحتفالات الدينية في محاولة منها لتشييع مصر السنية لهي خير دليل على ما تقدم من هذا المزج العبقري للمنتجات الحضارية على اختلاف منابعها وعصورها.. فعند البحث عن معنى -وحوي يا وحوي إياحة- تكتمل الصورة تماما حيث تلك كلمات احتفالية باللغة المصرية القديمة -الهيروغلفية- غناها المصريون أنفسهم قبل نحو ما يزيد عن أربعة وعشرين قرنا من ظهور الفاطميين في مصر للملكة (إياح حتب) أم الملك المصري الشاب إنذاك (أحمس) احتفالا بها وبأبنها لطرده الهكسوس من مصر.. هكذا صمدت تلك العبارة والتي تعني -أفرحي يا إياح- أكثر من أربعة وعشرين قرنا من الزمان في الوجدان الشعبي للمصريين ليتم استدعائها، وتظهر كواحدة من أشهر أغاني الاحتفال بشهر رمضان الكريم والتي يتغنى بها الصغار والكبار.

هذه الحكاية والتي تعبر بجدارة عن طريقة معالجة واستدعاء وتعاطي الوجدان الشعبي البسيط للمصريين للتاريخ والحضارة فيها من الدلالة والعمق ما يجعلها من وجهة نظري أكثر فخارا وعظمة من الأهرامات أو معبد الكرنك.. ذلك أن المصريين على بساطتهم وضيق أحوالهم وفقرهم وانتكاساتهم في هذه العصور المتأخرة لازال يلمع فيهم بريق هذا الأرث الطويل المتراكم من حضارة أجدادهم. فالحضارة في مضمونها وعمقها ليست في عظمة الأهرامات ولا في روعة بنيان المعابد التي تقف في أمكانها متحدية الزمن، بل في القيم الحقيقة للإنسان كما يشرح جميس هنري برستيد في كتابه الشهير فجر الضمير. إن الوفاء الإنساني للأسلاف الأوائل، والتقدير لحربهم الشريفة لدفع العدوان، وتخليد ذكرى انتصارهم لاسترداد أرضهم وحقوقهم المغتصبة لهو التحضر الفعلي كما أفهمه من خلال نظرة مؤرخ كبرستيد لمفهوم الحضارة والقيم، ففيه بقاء قيم الأجداد التي بها بُنيت الحضارة، وبها نفسها لا غيرها ستبنى كل حضارة على مر التاريخ.. حيث الإنسان بقيمه دائما وأبدا سابقا عن البنيان مهما جل أو عظم.

للاستماع إلى أغنية وحوي يا وحوي أضغط هنا

الخميس، 30 أبريل 2020

صوفية الروح المنهزمة


كقائد حربي حاصره أعدائه، فتمرد عليه جنوده، فكفر بالحرب، وفكر بالانتحار.. أو كفاصلة بين جملتين من الهراء، أتمنى نقطة لتنتهي المهزلة.. مهزلة الأسئلة الملحة التي تنكأ الروح والجروح.. أي حيلة بارعة تلك التي تجعلنا نكذب الموت الصادق؛ لنصدق الحياة الخادعة؟؟ ما قيمة الحكمة من الحياة طالما لم نعرفها فيها؟؟ ما قيمة الحقيقة إذا ظلت مستحيلة؟؟ ما قيمة أي شيء غير موجود؟؟

ربما فقط في النهاية يكون بوسعنا أن نفهم أن أكبر خطأ أرتكبه الإنسان في الحياة كان إصراره على معرفة الصواب من الخطأ فيها.. ففي حروب الحق والباطل السرمدية.. هل يعقل أن نطلب من الحق أن لا يكون مكيافيليا، بينما الباطل يعربد مستخدما كل الوسائل؟؟وهل الحق الذي نصل إليه بطريق الباطل يظل حقا؟؟ وهل يوجد أي حق مطلق هنا أصلا غير الباطل؟؟ كلها أسئلة إجابتها أسئلة إلى ما لانهاية.. 

إن الزيف الذي يملأ نفوسنا، هو الذي يودي بنا.. كأن شيئا لن يحدث برغم كل ما حدث حيث الحياة هنا تعاملنا باستخفاف منقطع النظير. 

بحس صوفي خالص أُهمهم راضيا أو لامبالي: ألا رحم الله رجلا سخر من عجزه وقلة حيلته، فضحك حتى فاضت عيناه.. يراودني العطب مشككا في إبتسامة حزني: هل تنتشي حقا ببكاء كمنجة حزينة أم أن نشوتك في أصلها مجرد شماتة؟! يصمت قلبي إنهزاما من جديد.. يحدثني عقلي: كم تبدو عظيما وفخما وصادقا حين تهزم.. أقول: حتى عندما يبدي المنتصر تقديرا واحتراما للخاسر المنهزم، لا يكون ذلك من باب مواساته، ولكن من باب تضخيم خصمه؛ لتعظيم انتصاره.

الخميس، 23 أبريل 2020

عن الشك والوحدة والذاكرة


في الذاكرة تدمج الأعوام في حيز ضيق تختلط فيه كافة الحواس دون حدود فاصلة بينها؛ ليبقى من الصوت بقايا عطر، ومن العطر بقايا نكهة، ومن النكهة بقايا لون، ومن اللون بقايا ملمس لنسمات خفيفة تلفح عقولنا بحيث نتمكن من أن نسترجع كامل حياتنا جميعها في لحظة.. خاصة تلك التي تسبق خروجنا من الحياة.. تلك اللحظة التي عندها نشك أصلا في مدى حقيقة وجودنا وذكرياتنا، بل وحقيقة صنعنا لها، وصنعها لنا.

شك وجودي جدلي كهذا أفهمه جيدا الآن على أعتاب الكهولة غير مكترث أن يفاجئني بغتة لحظة الرحيل، ولكن يبقى أشد ما يحزنني بحق سؤال ملح لا يمكنني تجاهله.. هل كنت حقا بحاجة لثلاثين عاما من الشك؛ لأتيقن أنه لا شيء مما سبق كان قد سبق ومنح اليقين؟؟ هل فعلا نهدر كل هذا الشك في الشك لنشك هادئين متقينين مطمئنين في النهاية؟؟ يا له فعلا من عبث مطلسم..  يا لها مرارة.. مرارة تملأ حلقي في كل مرة أستقيظ فيها من جديد لمواجهة نفس الشكوك.. يا له من جفاف يشق حلقي كل صباح كتحذير مسبق من جفاف كل ما سوف أراه من جفاف الطباع والحظوظ والأيام والأقدار، وحتى المخاوف والشكوك.. يا له من سوء يمارس الشك، وشك يتمادى في السوء.. هل بوسعنا صنع أي شيء هنا غير الشك؟؟ هل بوسعنا هنا أن نشعر إلا بالاستياء جراء هذا الشك؟

الأحداث هي من تصنع لنا ما نصنعه حيث ليس بوسع هنا أن يكون أفضل من ذلك على أية حال.. حيث نحن لا مكان للخير ولا للحق ولا للعدل.. مجرد ادعاءات فارغة، وشكوك مريبة، وأماني واهمة نخفي بها سوءة العالم، وسوءة قهرنا فيه.. العالم الذي لا يستحق شيئا سوى أن نستمني في وجهه كل يوم هباء كي نحفظ النسل الجديد من معضلة الشر الكبرى التي ورطتنا فيها "التجربة" عن طريق الشك.

حتى الوحدة لم تعد ملاذا آمنا.. مجرد بركة آسنة من الشكوك والأسئلة التي لا تجاب.. الآخرين وحل أوساخ يتمادى قبحا.. الحياة طريق ممتد من الحظ العاثر الممتد بين تلك البركة الآسنة، وهذا الوحل القذر.. حتى محاولات الفهم والمعرفة المجردة بائسة.. العلم رغم تراكمه الذي يصعب الإلمام به، ليس أكثر من نور عود ثقاب ضئيل يجابه ظلام لانهائي ممتد.

قد ترى كل ما سبق مأساوي النزعة.. يهدر قيمة الحياة اللطيفة التي نتمناها جميعا، ولكن بنظرة أخرى أكثر تفحصا ستجد في كل ما سبق سلوان عظيم يثمن قيمة الموت الذي يتهيبه الجميع. تلك هي معضلة الوجود المفرغة. الفكرة التي تجرحك تطببك، كي تجرحك من جديد، لتطببك.. وهكذا يصير الشك هو مدخل اليقين بالشك.

الخميس، 16 أبريل 2020

لماذا ‏تسيطر ‏السردية ‏الدينية ‏على ‏وعي ‏الجموع؟


على الرغم من أن العلم كسردية تحاول شرح الكون والعالم هو أفضل مجتهد يحاول على مر العصور، بل وعلى الرغم من أن ربطه بالفلسفة يجعله أكثر ثباتا ورسوخا وجدية في سرديته تلك للوصول بها إلى معاني أعمق كالإنسان والغاية.. إلا أنه تبقى السرديات الدينية على اختلاف أشكالها وأطورها وتطوراتها، ورغم بساطتها وبدائيتها وافتقارها للأدلة هي السبيل الذي لا تزال الجموع إلى هذا الوقت تسير في رحابه قانعة متشبثة ممسكة بتلابيبه عاضة عليه بالنواجذ، رغم كونه لا يعدو في مضمونه أكثر من افتراضات مليئة بالأساطير والخرافات لا ثمة دليل عقلي أو عملي أو منطقي عليها.

ولفهم هذا التشبث علينا الرجوع للبداية حيث اللحظة التي يعي فيها الإنسان ذاته لأول مرة.. لا يورث الوعي بالذات شيئا أكثر من الخوف.. الخوف من الهلاك.. من العجز.. من الضعف.. من قوى الطبيعة.. من الجهل.. إلخ.. من كل تلك المخاوف بدأت السردية الدينية الأولى في التكون لتطمئن وتهدأ روع هذا الخوف الشديد الذي ألم بالإنسان جراء وعيه. أخذت بالتشكل والتشكيل للإنسان في عملية جدلية طويلة من التطور والأخذ والرد.. هذا التطور الذي في أحدى حقبه ظهرت منه الفلسفة بمباحثها ومعارفها، ليستقل منها مبحث الطبيعيات في حقبة لاحقة ليتحول بدوره إلى العلوم بشكلها الحديث.. وأثناء ذلك كله لم تتوقف السردية الدينية عن الاشتباك مع ما أنجبت من صغار (الفلسفة، والعلم).. وعلى هذا النحو أصبحت السردية الدينية في شكلها الأخير الحالي تحمل فلسفتها الخاصة، بل أصبح لها علومها التي تحتكم إلى بعض قواعد العلم وأنساقه حتى وإن بدا يتضح فيها شيء من التهافت والعوار تحت وطئة مرور الزمن. إلا أنها تتطور تبعا لذلك، ولا تموت.. فلماذا إذا لا تنتهي أو تموت رغم جهد وعناء الفلسفة والعلم في البحث؟؟ وللأجابة لابد أن نفهم سر التشبث الإنساني الجمعي بالسردية الدينية.

بالطبع لا يتشبث غالبية الناس بالسرديات الدينية نظرا لاقتناعهم بتلك الرحلة التاريخية السالفة الذكر، ولا حتى لكون الدين هو نقطة بدء الحضارة مثلا.. ولا شك أيضا أنهم لا يتشبثون بها كونها سردية منطقية أو عقلية قاطعة، فهم يعتقدون فيها ذلك فقط من باب الإيمان الغيبي لا أكثر ولا أقل. 
ولكن ينشأ التشبث من وجهة نظري جراء انعدام البديل، بل واستحالة وجوده.. الأمر محسوم إذا لصالح الدين حيث تشتت العلم وقصوره، وغموض الفلسفة وعجزها يجعلهما لن يستطيعا بأي حال أن ينتجا بديلا منافسا.. فالعلم كعادته شكي المنهج يمضي لهثا وتخبطا هنا وهناك خلف الأدلة المادية التي لم ولن تنتهي، يثبت ما نفاه بالأمس لينفيه في الغد وهكذا.. بل أنه في أحسن أحواله لا يستطيع الوصول إلى كنه الإنسان أو تكوين معنى واضح للغاية من وجوده.. وأما الفلسفة فلا يجد فيها الإنسان العادي غير غموض مربك مرهق يستحيل به إلى احتمالات لا يستطيع معها الإلمام بتباينها أو فهم أنساقها.. وبهذا تبقى السرديات الدينية على اختلاف اشكالها وصورها هي البديل الوحيد المتاح حيث التصور الواضح الكامل البسيط الذي يمكن الإنسان من المرور من حياته في سلام وهدوء دون كثير لغط وتشتت، ودونما محاولات مضنية من الإدراك لا تفضي لشيء بالنهاية. 

إن آلية عمل العقل والحواس حيال البيانات الأكثر ضخامة وتعقيدا تدفع الناس رغما للتمسك بالسرديات الدينية المبسطة.. فبنفس الطريقة التي تتجاهل بها الحواس المعطيات المعقدة الضخمة المتابينة نظرا لقصورها فتركز فيها على جانب واحد في الغالب يكون هو الجانب الأبسط فيها.. يعمل العقل بنفس الميكانيزم على تبسيط البيانات المعقدة الضخمة فيحولها إلى بيانات أقل تعقيدا وتضخيما وأكثر سطحية وتبسيطا ليتمكن من استيعابها.. فالبشر يستطيعون مثلا استيعاب تطبيقات العلوم المعدة وفقا لقدرات عقولهم للاستفادة منها، رغم أنهم في الغالب لا يفهمون العلوم التي أنتجت هذه التطبيقات أصلا.. وفي نفس الصدد قد يستمتع الإنسان بمعزوفة موسيقية تملأ روحه بالنشوة رغم جهله التام بمبحث القيم الفلسفي أو علوم الجمال والاستاطيقا.. من هذا المنحى نجد أن السردية الدينية على بدائيتها هي الأكثر ملائمة للعقل البشري الجمعي من حيث ميكانيزم عمله وتفاوت قدراته في استيعاب نتاجاته الحضارية.

شيء آخر من الممكن أن يشرح هذا التشبث بالسرديات الدينية ألا وهو قصر أعمار الإنسان ونمط معيشته حيث الإنسان ليس بوسعه من خلال عمر قصير كهذا مليء بالعمل والكد من أجل تكسب الرزق، أن يتفرغ لوقت كاف ليجد ويكد ويجتهد لتكوين تصور يخصه عن نفسه والعالم.. ولهذا يكتفي بالتصور الموروث.. أو حتى في أحسن في الأحوال يعدل عليه بعض الأشياء البسيطة بما يوافق عقله وبيئته وعصره.. ويمضي به مطمئنا قانعا هادئا، حيث السردية الدينية في أغلبها مطاطة وفضفاضة تتحدث أصلا إلى العاطفة التي تداعب روح الإنسان وخيالاته بعيدا عن قوانين الكون الجامدة، ومحركات الحياة الجافة.. إنها ببساطة تشكل اليد التي تربت على كتف الإنسان في خضم واقع قاس موحش يتمادى سوءا وصعوبة على قدر إدراكه.
إن الجموع بطبيعتها كسولة وغير مبدعة ومتواكلة ومن يحملون عبء التفكير وعناء التأمل شرذمة قليلة جدا في كل عصر.. وبهذا يعيش اللاحقون من الكسالى في هناءة ما مهده السابقون بعنائهم وأفكارهم.. وهذا ليس عيبا في الجموع، بل هو حيلة جماعية ملحة تتطلبها الحياة كوسيلة للاستمرار والبقاء فيها.. فطالما أن عناء التفكير لا يصل بنا في النهاية لبناء تصور قاطع عن أنفسنا وعن الوجود.. فإن اشتغال الجميع بهذا العبء لهو سفاهة لا تسمن ولا تغني من جوع.. لا شك أن ما ينفقه البعض في الاجتهاد في العلوم والفلسفة ينعكس على حياتنا بشكل يجعلها أفضل وأرقى وأكثر رفاهية وسهولة، لكنه برغم هذا الكد وثماره لن يستطيع -من وجهة نظري- أن يقضي على الدين بإجاباته البسيطة الشافية الوافية التي ترضي الجموع وعواطفهم خاصة تلك العاطفة الطامحة في السعادة الأبدية المتمثلة في جنة الخلود، حيث أنه ليس بإمكاننا بناء تصور كامل مبسط قطعي وعقلي عن الإنسان والوجود عن طريق الفلسفة والعلم.. ناهيك على أن يكون هذا التصور تصورا عاطفيا ينتهي بمكافأة الخلود.

ومما يجدر ذكره أيضا أنني لم أتحدث عن القيم بكونها سببا لتشبث البشر بسردياتهم الدينية.. ذلك أن القيم في حقيقتها ليست حكرا للسردية الدينية كما يروج أو يشاع، بل هي في حقيقتها نتاجات معقدة لتدافعات وتعاملات البشر مع بعضهم البعض وفق تفاعلهم مع متطلبات ومتغيرات واقعهم.. فهي نسبية متغيرة مدفوعة للتطور بما يسهل على البشر حياتهم، حيث الإنسان كائن اجتماعي رغم أنفه.

وفي الختام من الممكن أن نخلص إلى أن السردية الدينية بكل أساطيرها وخرافاتها باقية بقاء الإنسان، ربما تتطور أو تتحور مدفوعة في ذلك بتفاعلها مع النتاجات الحضارية الأخرى، لكنها أبدا لن تختفي أو تضمحل.. كون المباحث الجادة للحضارة مثل العلم والفلسفة ليس بمقدورهما أنتاج بديل يتضمن تصور شامل كامل عن الوجود والإنسان ليس فقط لقصورهما ولعجزهما، بل لاستحالة وجود هذا التصور من الأساس.

الجمعة، 3 أبريل 2020

أين سيذهب العالم بعد كورونا؟



بعد أن تخطي العالم حاجز المليون حالة من الأصابة تقف الحكومات والأنظمة عند الاختيار بين أمرين أحلاهما  مر. الأول: مزيد من إجراءات العزل الصحية المشددة في مواجهة الوباء. الثاني: إجراءات اقتصادية سريعة تدفع بالجميع إلى الشوارع؛ ليديروا عجلة الإنتاج التي أوشكت بتوقفها أن تسحق من تحتها الجميع. فهل نضحي بحياة الأم من أجل الجنين أم نضحي بالجنين من أجل حياة الأم؟ والحقيقة التي يفرضها كل من نظامنا الاقتصادي المثقل بالديون، وأنظمتنا الصحية المهترئة تؤكد على أننا اخترنا مسبقا من قبل الأزمة بوقت طويل التضحية بكليهما معا، حيث كل ما يحدث الآن ليس سوى حصادا مأساويا لما زرعناه سابقا طيلة عقود متلاحقة من السفه والحمق والخبل، بل وأحيانا الغباء.

فهل كان ينتظر اقتصاد العالم -الغير مقتصد بالمرة- فيروس كورونا المستجد كي ينهار؟؟ في الحقيقة يعرف الاقتصاديون أن الأزمة كانت ستحدث في هذا العام حتى وإن لم يخرج هذا الفيروس إلى حيز الوجود. فالاقتصاد على شكله الحالي يمر بدورات متعاقبة من الانتعاش والركود بمرور الوقت. مدة الدورة فيهم تتراوح بين ثمانية أعوام إلى اثنتي عشر عاما.. فإذا كانت أخر أزماتنا الاقتصادية الحادة قد حدثت عام ٢٠٠٨ إذا فعام ٢٠٢٠ كان هو موعد التكرار الموسمي للأزمة التي ربما استطاعنا تأجيل حدوثها بشق الأنفس في الأعوام التي سبقته. لا شك أن الوباء قد فاقم من سرعة تأزم الأمور واحتدامها، ذلك أن المصائب كعادتها لا تأتي فرادى، لكن ماذا بوسع العالم أن يفعل الآن بعدما صار الوباء من خلفه، والإفلاس من أمامه؟؟ لا شك أنه لا مندوحة عن التغيير الشامل للنظام حتى يحق لنا شيء من الأمل في المستقبل؟؟

ولكن يتأتى الإشكال من أن التغيير الذي ننشده في محاولة منا لبعث شيء من دم الحياة في جسد هذا العالم المحتضر، لا تكمن صعوبته فحسب في وضع مقوماته وأسسه وأطره وسياساته، ولا حتى في توافق دول وحكومات العالم عليه.. قد يستطيع خبراء العالم صياغة ذلك الأمر وإعداده على أحسن ما يكون، بحيث يكون شأن توافقي لا تجد الدول والحكومات بديلا له للخروج من تلك الأزمة. ولكن يكمن الإشكال من وجهة نظري في أمور أكثر تعقيدا وصعوبة من ذلك. 
أولها: أن التغيير سيواجه بعنف شديد من أصحاب رؤوس الأموال الحاليين، بل لن يسمح به أصلا من قبل تلك الزمرة التي تدير كل شيء في العالم إبتداء من السياسات العليا، وأنظمة الحكم.. انتهاء بأصغر تفصيل يخص أبسط فرد في المنظمومة. إنهم وبكل وضوح وبساطة يمتلكون كل شيء في العالم.. العلم.. التكنولوجيا.. الاكتشافات والاختراعات.. ديون الحكومات.. القوانين والتشريعات.. الصناديق والانتخابات.. وربما حتى الأديان والروحانيات، بل وحتى أبسط العادات اليومية التي يمارسها شخص ما مهمش يعيش على أطراف العالم يسيطرون عليها.. يمتلكون ساندوتش الهامبرجر رخيص الثمن المعد في خمس دقائق.. يمتلكون الإنترنت.. يمتلكون الترفيه.. وسائل النقل.. شبكات الكهرباء والمياه والغاز.. حتى المصنع الذي ينتج ملابسك الداخلية.. وفوق هذا كله يمتلكون الوظيفة التي تعطيك ثمن هذا كله. من الحمق أن نظن أن تخلي أصحاب رؤوس الأموال عن هذا النظام الحالي الذي أصلوه في العالم على مدار عقود سيكون طوعيا ولحظيا وبسهولة، فالعالم بفطرته مجبول على الصراع حيث لا عزاء للضعفاء المتواكلين، ولا دايم إلا رأس المال.  لهذا ربما نحتاج إلى عدة كوارث متلاحقة على مدار عقود متوالية عل ذلك يثني الرأسمالين عن غيهم، ويفيق المستضعفين من سباتهم، وعل هذا الوباء الحالي كشف للأغنياء درسا بسيطا مفاده: أن عشرة أصفار على يمين الواحد في حساب بالدولار في أحد بنوك سويسرا قد لا يعني الكثير حين يداهمنا فيروس مميت حيادي عادل ونزيه، لا يهتم كثيرا لأمر الثروة، ولا يلقي بالا بالملايين المكدسة هنا أو هناك. 

الإشكال الثاني هو الصين.. وما أدراك ما الصين.. حيث أنها ولا شك سوف تستخدم تغييرا كهذا لصالح حلم تسيدها للعالم. إن تغييرا كهذا سيتداعى على إثره بنيان الولايات المتحدة الأمريكية وقوتها وسياساتها ونظمها، وعليه تتقدم الصين لتصبح هي واجهة العالم بسياساتها ونظمها ونظامها، وبناء على ذلك سوف يتغير شكل العالم متأثرا بسيده الجديد سياسيا واجتماعيا، وذلك على نحو فيه مزيد من الشمولية والاستبدادية والقمع مبتعدا بهذا كل البعد عن كل طموحات الديمقراطية أو أحلام الحرية أو أي شيء يتعلق بحقوق الإنسان. إن تسيد الصين للعالم لا يمكنني أن أراه إلا بمثابة خطوة للوراء في ما كل يتعلق بالقيم الإنسانية الحديثة، وبديهيات حقوق الإنسان. يمكن لأي شخص ببحث عابر على الانترنت عن حقوق العامل في الصين، أو عن الخصوصية في الصين، أو عن أي شيء يتعلق بحقوق الإنسان في الصين أن يفهم جيدا ما أعنيه، لأنه وبكل تأكيد سوف يجد ما لا يسره، بل أحيانا ما لا يتوقعه حتى. الصين أصلا ككيان شمولي لا تعترف بأية حقوق سوى حقوق النظام، فلا قيمة لفرد أو لفكرة أو لمعنى أو لقيمة أو لشيء في العموم طالما لا يخدم النظام. وعلينا أن لا ننسى أن نهضة الصين الاقتصادية الحالية، وتقدمها التقني الفائق اليوم ما هو إلا نتاج عقود  منصرمة من الغش التجاري، وسرقة حقوق الملكية الفكرية للاختراعات، واستعباد مروع للعمالة، وإفساد ممنهج للبيئة ذلك من أجل الوصول إلى كم هائل من المنتجات المضروبة ذات الأسعار الزهيدة التي لا يمكن منافستها. 

هكذا نخلص إلى أن التغيير على الصورة التي ينشدها أمثالنا من العاديين المتكئين على آرائكهم ينظرون حيث العدالة، والتوزيع المنطقي للثروات، والسعادة للجميع بلا استثناء، وكل تلك الأحلام الوردية الساذجة هو درب من دروب المستحيل، ذلك أنه حتى وإن حدث التغيير بشكل جذري، وانهارت الرأسمالية على رؤوس أصحابها ستسوء الأمور بشكل أكبر بصعود الصين لتعتلي القمة، ليتحول العالم بدوره إلى سجن قمعي كبير لا يملك فيه الفرد أبسط قدر من الحرية، ولا حتى أدنى قدر من  القيمة. 


ورغم هذا التصور، لا شك أن تغييرا ما يصعب التكهن بشكله ومضمونه وبجدواه الآن سوف يطرأ على العالم بعد مرور تلك الأزمة، لكنه كما قلت سابقا لا علاقة له بأحلام الفقراء الساذجة حيث السماء سوف تمطر ذهبا، أو أننا سوف نصادف الفردوس الضائع منا في الرماد الذي خلفته المحنة، أو أن العالم سوف يذهب نحو الأفضل هكذا من تلقاء نفسه. فلازال العالم والإنسان من ورائه في طور التجريب.. التجريب الذي لم يطال بعد عمق النفس الإنسانية في كينونتها وذاتيتها وتفردها، ومن هنا يتبدى إشكال آخر أكثر عمقا وصعوبة من كل مقومات الواقع الآنية وتفاعلاته اللحظية مما ذكرناه سابقا. هذا الإشكال هو إشكال يتعلق بمفاهمية الإنسان الفرد ووعيه بذاته وإدراكه لعالمه المحيط وقدرته على تغيير معنى الحياة في نفسه كي تنصلح له الحياة في معناها بعيدا عن خرافات أساطير الماضي، وسذاجة أحلام المستقبل. فها هو الإنسان الذي أغتر زيفا بقدرته على قياد وتطويع الطبيعة، وما فيها من ظروف لا يستطيع أن يحتمل مواجهة نفسه لعدة أسابيع في حجره المنزلي حتى يصبح في مكنة وسائله العلمية الهشة القدرة على الوصول إلى لقاح يحميه. أنه ببساطة لا يجد في مجالسة نفسه غير الملل والضجر.. فأنى لحياته أذن أن تكون سوى مجرد ملهيات خداعة أو أوهام براقة يهرب بها من نفسه؟؟ وأنى لعلمه ومعرفته اللذان يفاخر بهما أن يكونا سوى غرور زائف وتيه فج يواري بهما ضعف علمه ومعرفته بنفسه؟؟  ورغم أنني أدرك جيدا أن الإنسان لازال رغم كل هذا الصخب والزخم الذي يثيره حوله نفسه يخطو أول الخطوات في مسار وعيه وتطوره وحضارته إلا أن الأمل سيظل منعقدا دائما في المحن والمصاعب والكوارث والنقم في أن تسرع من وتيرة تطوره ووعيه وتحضره فبها وحدها لا غيرها من الممكن أن يأمل بحق في مزيد من الترقى في رحلة وعيه وحضارته. أن المحن والمصاعب هي الأثمان الحقيقة لأي تقدم أو رقي بعيدا عن أساطير الماضي الخرافية، وأحلام المستقبل الواهمة. فلا شيء في الوجود يأتي بلا ثمن. 
ولهذا ربما تكون المحنة القادمة -وأقصد بها الأزمة المناخية- والتي يتوقع الكثير من الخبراء بداية تأثيرتها القوية في نهاية العقد القادم هي السبيل نحو إنسان يستطيع أن يعي ما حوله من خلال وعي حقيقي بذاته، لأنه إن لم يفعل ذلك بكل الصدق والعزم والجهد والوسع، فلربما تسدل تلك الكارثة المناخية الستار على فصيلته، فلا تبقي لها أثرا.

فيوضات العبث