من بوسعه أن يعرف إذا ما كانت الحياة فرصة عظيمة أم ورطة مزرية؟؟ من باستطاعته أصلا أن يفرق بين ما هو نقمة، وما هو نعمة؟ مشكلة الإنسان أنه يعظم دائما من شأن محاولاته، وهذا فقط من أجل أن يظل يحاول، حيث الحياة بمجملها ليست أكثر من محاولة مرهقة وجبرية لا فكاك منها.
مآلات الأشياء المخزية كانت لتجعلها لا تبدأ من الأساس، لكن شيئا ما سبب خللا شديد سمح بحدوث ما يحدث على نحو ما هو حادث. ربما فضل الهوموسبين الإنقراض الطوعي لو علم بهذا الموئل الذي نحن فيه الآن.. الوجود ذاته ربما تعطلت أسبابه فيه لو كان على علم بنتائج تلك الأسباب. ربما العدم الآن يدمي أصبعه ندما كونه تفلت منه هذا الوجود عبثا. ولكنه العمى المسمى الغيب هو دافعنا جميعا لنكون، حيث لا يفيد الندم، ولا يجدي الألم.
والغيب لا يعني المجهول كما قد يشاع، إنه ببساطة لا يعني شيئا سوى الاحتمال.. الاحتمال الذي نتفائل فيه دائما بأن يكون على قدر آمالنا وأحلامنا وطموحاتنا، لكنه بمرور الوقت لا يكون، ولا نكون، بل يستحيل مثلنا إلى هاوية لا قرار لها من السوء المفعم باليأس والخيبة والإحباط الملغم أيضا بمزيد من الغيب المستغرق في الاحتمال.. هكذا تستمر اللعبة.. هكذا تبوخ، ورغم ذلك أبدا لا تتوقف حيث الخلل الذي أحدثها لا يستطيع أن يصحح من نفسه.
يقولون في الأثر لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع.. وهذه عبارة أفعوانية بامتياز لأن دلالتها الحقيقة لا تنبأ إلا بسوء الطالع وفداحة المستقبل واللذان يجبرانا على اختيار الواقع حتى وإن لم يكن على مستوى الطموح.. ولكن عكس ذلك تستدعيها الألسن، وتلوكها الأفواه، وذلك على نحو ميتافزيقي يجعل الغيب احتمال مدرك من وراءه حكمة ومغزى وغاية.. وأنا لا أريد أن أنساق نحو جدل يحوم حول وجود حكمة لا نعرف منها غير غيابها، وغاية لا يستيبنها أحد، ومغزى لا يمكن الوصول إليه.. ولكن يبقى سؤال ما قيمة الحكمة طالما لا نعرفها؟ وما جدوى الغاية إذا لم نستيبنها؟ وما نفع المغزى إن لم ندركه؟







