كأنني أبي، وكأن أبي لم يتزوج أمي، ولم ينجب أخوتي، فكنت طفلا وحيدا قرر عندما يكبر أن يتزوج وينجبني من جديد.. فأكون كأنني أباه الذي لم يتزوج أمه التي لم تنجب أخوته فكان طفلا وحيدا.. وهكذا إلى ما لا نهاية..
الحقيقة أن كل هذا لم يحدث.. تزوج أبي أمي، وكنت أبنهما، وجاء أخوتي من بعدي تباعا.. كبرت وكبروا جميعا، ولا زالت رغم هذا طفلا وحيدا يأبى أن ينجب عندما يكبر كي لا تتكرر نفس المأساة.
مرة أخرى.. كل هذا لن يجدي نفعا.. نقطة مثلي لن تستطيع أن توقف سيل العبارات المتكررة المتتابعة التي تتلاحق كل لحظة. المأساة مستمرة بشكل لا نهائي.. أنا وحدي.. كل منا وحده.. الوحدة عدد لا نهائي من الدوائر التي تدور داخل بعضها إلى أن تتلاشى وحدتي تماما، وأجد نفسي في النهاية وحيدا من جديد بدرجة تسمح لي أن أكتب كل هذا.
ربما يحدث كل هذا ﻷني أبحث عن أنا محددة أريدها ولا أعرفها من بين كل الأنا التى أتشتت فيها كي تهدأ من روع أنا أخرى تسكنني بشكل لحظي الآن فأستكين وأهدأ ﻷجد نفسي وحيدا.. إلى أخره.. إلى أخره..
وكأن شبها ما قد دب فجأة بين ما أملكه من أنا، وضبابية هنا على نحو لا يشبه الآن في أي شيء. أشعر أنني والجميع لسنا سوى صورة لانهائية كثيرة التفاصيل من مشهد مفبرك، يدرك أي عاقل أنه ليس حقيقيا على الإطلاق. جميعنا ممثلون فاشلون في التمثيل، وفي حفظ النصوص، ولهذا يبدو الواقع كمسرحية هزلية تطفح بعض مشاهدها بكوميديا سوداء دون أدنى قصد من المؤلف الذي يجهل الجميع دوافعه لكتابة كل هذا القدر الهائل من الهراء. كل ما يبقى هو الاستغراق في التفاصيل، وتفنن كل شخص في تأدية دوره المحدد حيث ذلك هو أسلم الطرق للخروج من المسرحية بأقل قدر من الخسائر، لهذا سوف تجد أن الغالبية العظمى من البشر يحاربون ويقاتلون.. كل منهم يدافع عن التفاصيل التي تخصه، ويستميت من أجل دوره حتى وإن لم يقتنع به. لابد لنا جميعا ان نخوض تلك الحرب، ولا مفر من ذلك. فما الدنيا إلا مشهد لقتال ضاري كالذي تشاهده في إحدى أفلام هوليود المبهرة ذات الميزانيات الضخمة. قتال ضاري عنيف وقاسي وقبيح رغم أنه مزيف وغير حقيقي.
القبح جتى لم يختر أن يكون قبحا كي نستقبحه، ولا حتى الجمال اختار أن يكون جمالا كي نمدحه، حتى نحن لم نضع في أنفسنا معاييرا لفهم القبح والجمال. نحن وجدنا أنفسنا هكذا نستقبح أشياء، ونستحسن أشياء أخرى.. نعم، الحياة تبدو في غاية الحبكة، لكن نظرا ﻷن كل أشيائها أرغمت على ما هي فيه على النحو الذي هي له، فهذا يؤكد أنها في غاية العبث.. تماما مثل مدينة جميلة بناها طفل بالمكعبات.. مهما بدت المدينة جميلة ومبهرة هذا لا يغير أنها بنيت من لهو طفل يلعب.






