بينما كنت وحيدا أتلوى على السرير ألما؛ بحيث ملني السرير، ولفظني إلى الوقوف تجاذبتني ذكريات ترقد على بعد عشرين عاما مني خاشعة في قبور النسيان.. هكذا على حين غرة من الألم تذكرت سؤالي ﻷمي، وأنا صغير عن سر الصدى الذي أسمعه لصوتي في الحمام.. لماذا الصدى في الحمام فقط؟! لماذا لا يوجد منه في الصالون أو حتى في غرفتي؟! لكن أمي لم تجبني حينها.. رمقتني ببسمة خاطفة، وانهمكت في كوب الشاي، وأحداث المسلسل العربي الذي لم يلبث أن ابتدأ حتى قاطعه أذان المغرب مباغتا الحبكة.
واقفا كان الألم لا يزال يداعبني بلعبة المفاجأة السخيفة جرتني الذكريات نحو سؤال آخر وجهته لأمي، وأنا أصغر سنا.. لم تمنحني أمي فرصة حينها كي أكمل السؤال.. أغلقت التلفاز، وتركت كوب الشاي على الطاولة؛ ليبرد، وفرشت سجادة الصلاة، ثم قالت: لا تخف، ثم اعتدلت في وقفتها، وكبرت.. كان سؤالي أبعد ما يكون عن الصدى، وعن السؤال أيضا.. كان مجرد شغف طفولي مشاغب، ولكن كان الوقت مصادفة هو وقت صلاة المغرب أو وقت المسلسل.. لكن أمي هذه المرة لم تكترث كثيرا ﻷمر المسلسل، كعادتها أنهمكت في الصلاة، وتركتتي وحيدا من خلفي "لا تخف".. و أمامي كوب الشاي الذي برد، لدرجة أنها لم تشربه، فشربه حوض المطبخ.
على أية حال.. أنا لست خائفا يا أمي.. صدقا أنا لم أعد خائف.. ضاع خوفي، وفقد سؤالي عن الصدى بريق لغزه، ومعناه، وشغفه، ومغزاه في خضم الأسئلة الكثيرة التي لم تجاب.. حتى الألم لم يعد يعنيني كثيرا.. بكل بساطة أترك له نفسي؛ ليحدث ضوضاءه كاملة كما شاء؛ ليسكت عني فجأة من تلقاء نفسه قبل أن يغمى علي. اطمئني لم أعد أفكر يا أمي في أي شئ.. فأنا لا تدركني الإجابات، ولا تنفعني الأسئلة.. ففي كل مرة أحاول أن أفكر ينقلب تفكيري إلى صفر كبير.. صفر كبير مكتوب بالإنجليزية.. صفر كبير بحجم دماغي، أو بالأحرى صفرين متماسين في نقطة واحدة هي عقلي؛ ليشبها معا علامة اللانهاية.
ربما هكذا أتفهم جيدا الآن أنني لست سوى صفرين.. صفر أتى من الأزل عدما؛ ليتحول إلى صفر آخر سيذهب إلى الأبد فناءا، لكنهم على حين غفلة أجتمعوا هنا الآن -مصادفة دون قصد- فبدوت هكذا أمام الجميع، وأمام نفسي لغزا لانهائيا غير مبرر لطفل شغوف مشاغب مثلي.. تماما كلغز صدى صوتي الذي لازالت أسمعه في الحمام، ويصمت في غرفتي دون مبررات؛ ليعلو ضجيج الألم الذي أعتدته منذ الصرخة الأولى لدرجة تجعله أصبح لا يعنيني هو الآخر.




