الغرفة باردة (درجة الحرارة على الشاشة الصغيرة لجهاز التحكم عن بعد لمكيف الهواء تكتب بوضوح 16 درجة سليزية). المكيف يعمل بكامل طاقته.. يجأر، وكأنه يقول: أغيثوني.. يسحب برئته الخارجية شهيقا من الهواء الخارجي الفاتر؛ ليمنح الغرفة زفيرا محملا بهواء بارد كثيف جعل منها أشبه بالثلاجة (على حد وصف أمي). لكن ما لا تعرفه أمي أني أجلس في ظلمة حالكة من جحيم الذكريات.. نار الذكريات أحمرت، فأبيضت، فأسودت، فأصبحت ظلاما حالكا (أو كما قالوا). أجزم أن نار كهذه لا ينفع معها أي مكيف.. نار كهذه لا يمكن أن تخمد حقيقة إلا في ثلاجة الموتي.
على صعيد آخر أكاد أشك في أن دولاب ملابسي ليس جمادا كما يبدو للجميع. أشعر بأن له عينان يتابعان خلسة كل ما أفعل، لكنني كلما التفت إليه يعود جمادا كما كان. وهكذا لا أستطيع أن أثبت عليه تهمة التجسس. الأرضية باردة إلى حد كبير أيضاً، لكن أرجوك لا تسئ الظن في تصرفاتي، فأنا بالطبع لم أخالف نصيحة أمي الأولي، ولم أنساها.. أنا لا أمشي حافيا مهما كانت الظروف، حتى على شط البحر اجتهد أن لا أكون حافيا حتى، وإن كلفني هذا ساعات طويلة في تنظيف حذائي من الرمل. لقد عرفت ببرودة الأرضية؛ لأني رأيتها تقلص أطرافها، وتنكمش تحت قطعة السجاد الباهتة.
وبينما يستمر الدولاب في ملاحقتي خلسة، والسجادة في تقمص دور البطانية، والمكيف في ضجيجه، وفي شهيقه، وزفيره.. أستمر أنا بكاملي أنانيتي، وغطرستي، وغلبي أيضاً في سحب الهواء البارد، ونفث الشهيق الساخن المحمل بدخان السجائر الذي يحتضن فراغ الغرفة شوقا، ثم يذوب فيها عشقا؛ لتبقى غرفتي متشبعة بعبق هذا الحب، وعطره الأبدي الذي لا يزول مهما أفرغت أمي من زخات المعطرات، ومهما فتحت من شبابيك لفوضى الهواء، والتراب.. نعم.. فرائحة الحب أبقى من النسيم العابر، و أمضى من كل رائحة الورود.. وأكثر فعالية من كل تراب الأرض.. أما أنا فلازالت في عتمة ذكرياتي أشعر أنني مضطر أن أبقى.. رغم ان الظلمة لا تزال حالكة، ولا تزال أيضا جحيم، ولا أزال لا أستطيع أن أستجمع سطرا واحد مفيدا من أي ذكرى (و لو حتى عابرة)، و لا حتى صورة مشوشة لأي ماضي. وكأنني وصلت لهذا النقطة، وقد نسيت أن أصنع ذكريات يمكن أستعادتها. ذاكرتي فعلا جحيم بظلمة حالكة لا يري منها أو فيها أي شئ.. بعد كل هذا ماذا عساي أن أفعل غير أن أقتل سيجارة جديدة في المنفضة؛ لتطول قائمة القتلى؛ ليستمر العبق، ويتناثر الرماد حرا في كل مكان.







