الأحد، 18 يناير 2015

كابوس ‏عندما ‏تصير ‏أنت ‏الآخر (قصة قصيرة)


رجل يجلس خلف زجاج نافذة مقهى شهير في صحبة مشروب دافئ.. يمرر نظره على المارين الذين يسرعون في خطوهم إتقاء للمطر، وبينما هو يمرر نظره على المارة يتوقف بنظره عند أحدهم.. يدقق النظر.. يندهش.. يدقق من جديد.. يحدث نفسه: إنه هو أنا من يمشي بين العابرين، ويسرع في الخطو.. إنها خطواتي.. تأخذه الدهشة، ويصبح المشهد أمامه رماديا باهتا من فرط هولته.. يبهت ويبهت، ليعود من جديد واجداً نفسه يسرع في خطواته، والمطر يصيب رأسه ويديه.. يتوقف.. ينظر على الرصيف المقابل، ليجد مجموعة من المراهقين الذين يلهون ويمرحون تحت المطر.. يجد أحدهم يلوح له.. يتأمله، ويطيل فيه النظر.. ليجد نفسه من جديد.. إنه يلوح لنفسه من الرصيف المقابل بينما بعض المراهقين يلهون تحت المطر بينه، وبين الآخر الواقف على الرصيف المقابل.. يتوقف عقله للحظة، ثم سرعان ما يعود للوعي ليجد نفسه في صحبة هؤلاء المراهقين يشاركهم الصخب، والسخرية من بكاء السماء، ومن فتاة تحتمي بيد فتى يحتمي بالحب.. ووسط النكات والضحكات يصمت، ثم يفكر.. يحدث نفسه ساخرا: لقد كنت يوما أنا ايضا احتمى بالحب.. يغيب في الفكرة.. يشعر بدوار خفيف.. يكاد أن يسقط ليجد يد فتاة تمسك به.. يحملق في وجهها الباسم، ويصمت امام سؤالها: ما بك يا حبيبي.. يبتسم.. تحدثه من جديد: أترى هؤلاء الباعة الجائلين هناك.. أنهم يكدحون ببضاعتهم الزهيدة الفاسدة تحت المطر، ورغم البرد.. إنهم لا يطلبون سوى فتات الرزق الذي لا يجود به سائقي السيارات الفارهة التي تغلق زجاجها بضغطة زر في وجوههم.. إنهم فعلا يستحقون الشفقة.. يحول نظره نحوهم، ليجد أحدهم يقترب منه مبتسما؛ ليبيعه وردة.. يقترب أكثر وأكثر.. يصرخ: هذا أنا من جديد.. هاهنا يصمت الجميع.. يتوجهون إليه بنظرتهم المندهشة من صراخه.. الجميع هم هو الذي ينظر إلى نفسه.. الجميع مندهشين منه بنفس درجة اندهاشه منهم، ومن نفسه.. وعندها تضرب العاصفة من جديد، ويدوي صوت الرعد بقوة في الأرجاء.. فيستيقظ جالسا في سريره.. ينظر إلى ساعة الحائط.. السادسة.. لا يستطيع أن يحدد أن كانت صباحا أم مساءا.. يشعل سيجارة، يقوم إلى نافذة الغرفة ليتبين الأمر ليجد كل شئ على ما يرام.. المطر لازال يتساقط حزنا.. المارة يسرعون الخطو، والفتاة تحتضن ذراع فتاها، والباعة الجائلون يستعطفون سائقي السيارات، والمراهقون يلهون تحت المطر ويسخرون، ويرى من بعيد واجهة المقهى الشهير، ومن خلفها رجل يجلس، لكنه هذه المرة لن يدقق النظر.. لن يفكر.. يعود إلى سريره مسرعا هامسا لنفسه: إنها السادسة مساءا.. السادسة مساءا، وحسب..

السبت، 20 ديسمبر 2014

لا شيء ينجو من الملل، ولا حتى الجنس

     

عن مرارة تلك السيجارة التي تلي ممارسة الجنس مباشرة، وعن هذا الشعور الذي ينتابك بالقرف في تلك اللحظة، وعن محاولة الإستفاقة من غمار تلك النشوة باستجماع نفسك عن طريق هذا السؤال الصادق الصادم.. ما هذا الخراء الذي كنت أفعله؟؟ وكيف سمحت لهذا الشيء أن يقاسمني خصوصية سريري الذي أموت فيه كل ليل وحدي مكتفيا بنفسي حاملا عبأ وجودي جبالا فوق رأسي؟؟ عن تلك المحارم الورقية التي تمسحين بها رذاذي اللزج عن نفسك، وعن تلك الرائحة التي تبقت في جسدي من أثر عطر نهديك، وعن تلك العلامات التي خلفتها يداي على فخذيك، وعن هذا السرير الذي يبدو، وكأنه تبعثرت كرامته بعد ما حدث عليه.. عن كل هذا الهراء الذي يختزل في النهاية في قبلة خاطفة منك، وكلمة هامسة في أذني أحبك، و ردي الخاطف أيضا: أحبك.. وانصرافك متعجلة للحمام.. عن النهاية التي لا تكون أبدا سعيدة كما يروج لها بالأفلام الهابطة.. نهايات كل المشاهد الحقيقية في الغالب تكون وضيعة ومملة وتافهة وحقيرة وعديمة الفائدة، وتنسى.. لكننا لابد أن نعتبرها سعيدة ومرضية كي لا نهدم كل ما سبقها، أو بالأحرى كي لا نهدم كلمة الحب الختامية فيها.. ولكن يبقى السؤال.. ما الذي قادنا لكل هذا؟؟ لماذا سمحنا ﻷنفسنا أصلا أن نقاد هكذا كالسوائم ؟؟ ربما ﻷننا متورطون هنا، ونحاول أن ندعي زورا أننا مستمتعون بورطتنا.. ربما هروبا من الملل ركضنا منه، فاصطدمنا به في النهاية..

الثلاثاء، 25 نوفمبر 2014

العدم ضد كل ضد

بطريقة ما تبدو نفسي لنفسي في أحيان كثيرة كبحر، وليس هذا وصفا بلاغيا أجتره من مطالعاتي الأدبية، إنما هو وصف أعنيه تحديدا.. فكأني فعلا بحر شاسع يفصل بين ضفتين من المتناقضات.. أشد الرحال وأبحر نحو ضفتي الأخرى فلا أجدني تماما، ولهذا أعيد الكرة من جديد نحو الضفة التي قد جئت منها، فلا أجدني أيضا.. هكذا أدور على نحو لا ينتهي.  كلما تأملت حرية رحلاتي تلك أتأكد من حماقتي حين أدعي الحرية.. أنا فعلا حر حين أبحر هنا أو هناك، ولكن الحرية المقيدة بضفتين، وبفعل واحد أسميه الأبحار ليست حرية على الأرجح.. تخيل أن هذه هي أقصى حرية لك.. إنها حريتك أمام نفسك، فما بالك بحريتك أمام كافة الأشياء التي تملأ أصقاع الكون وتتعامل وفق حرية نفسها وقوانينها. 

كل شيء حر ولكن وفق أطاره، والحرية الحقيقية تعني أن تختفي كافة الأطر، ولا شيء  يستطيع أن يتجاوز أطاره.. من قال مثلا أن الشمس ليست حرة.. هي حرة فعلا ضمن أطارها تدور.. تنفجر.. تتشظى.. تتلظى.. تقترب من هذا الكوكب.. تبتعد عن أخر.. وهكذا بنفس الفكرة وتأسيسا على نفس القاعدة تعمل كافة الاشياء من أصغرها إلى أكبرها بما فيها الإنسان.

الأعجب أن كل هذا الوجود بكافة أشيائه على لانهائيتها، ولا نهائية أطرها وقوانينها واختلافاتها وتباينها يقابلهم جميعا ضد واحد هو العدم، ورغم كونه  شيء غير معرف، لكنه يظل هو نقطة البداية، بل هو ضد كل ضد.. بل لربما كونه البداية، وكونه ضد كل ضد، كان لابد له أن لا يكون معرفا. 
ويبقى السؤال المحير إذا كنا نحن الجميع الآن في الوجود وأمامنا طريق واحد لا مفر منه هو الخلود.. أما خلود في العدم، وأما خلود في الجحيم، وأما خلودا في النعيم.. فلماذا نميل للأخير؟
ربما يحدث هذا الآن من جراء أننا لا نملك إلا أطارا واحدا من الشعور لا يمكننا تجاوزه نحو العدم الذي يعني اللا شعور.. فلماذا لا نفكر أذن في أن النعيم مهما بلغ سيظل محدودا في أطار وجوده، لأنه لو تجاوز الأطار والوجود لأصبح عدما هو الآخر؟؟ فالخلاصة هي أن الحرية المطلقة هي العدم المطلق، وكلاهما لا يمكن تصوره في أطار ضيق موجود وكائن كالذي نعيش فيه، بل لا يمكن تصوره أصلا طالما ظلت الأطر حتى لو كانت تلك الأطر هي النعيم بذاته.

السبت، 15 نوفمبر 2014

التشكك في الحب بين الجهل المطلق ومثالية النقص



كلام كثير أنتجه الوقت الماضي؛ ليأكل كل ما سوف يأتي من الوقت. أمام الوقت والكلام لم أجد لي دورا مقنعا أتقمصه سوى الشك. أنا بكل صراحة أشك في الأثنين معا، بل وأشكك فيهما.. أمقتهما معا، وأسخط عليهما معا سخطا يوازي يقيني الصادق يوما ما. يقيني الذي أوردني بحار الشك ﻷثبته. ولكن الشك الصادق تماما كالملل المطبوع فينا كلاهما لا يفضي إلا لنفسه.

ربما الشيء المثالي الوحيد الذي أصدق مثاليته هو النقص. إنه الشئ الوحيد المكتمل بمثالية. طموحي في المثالية أورثني رفض كل شيء عدا النقص. النقص بدوره ألزمني بالغرور المفضي إلى النرجسية المفضية للزهد.

القيمة المطلقة الوحيدة التى تأكدت لي من كل هذا هي الجهل. الجهل الذي يجبرني على أن أسخر من كلمة العلم سخريتي من حظي التعس الذي جعل مني موجودا في تلك اللعبة المزرية دون أختيار مني للهو.

كل ما سبق تركني أمام خيارين: أما أن أقتنع بالحب، فأحب نفسي أكثر من الجميع كي أتمكن من حبهم، وأما أن أكره نفسي، فأنفي عن نفسي صفة الحب رغم يقيني من حب البعض لي فأبدو غير مكترث، وفي الحالتين سيدهسني قطار الموت. فلو بقيت سيدهسكم قطار الموت أمامي واحد تلو الآخر، ولو رحلت سيدهسكم قطار حبكم لي الذي أتيقن منه. ولهذا سوف تجدوني مُتعَبا مُتعِبا إلى هذا الحد؛ ﻷني في الحقيقة لا أقدر على الاثنتين.

الأربعاء، 5 نوفمبر 2014

ضربة شمس


خمسة أشياء من وحي ضربة الشمس والصداع وهدة الحيل والتعب ليس شرطا أن يعنوا الحقيقة الغائبة، لكن الصدفة واردة.. ولهذا تأملها على سبيل أن يحالفك الحظ.

أولا: لتعرف أن البحر كائن مناعته ضعيفة جدا.. لدرجة أنه يعاني من نزلات البرد الشديدة طيلة العام، ولهذا سوف تجده طوال الوقت يعطس في وجه الجميع عطسة محملة بالملح وبالرذاذ، بل ومحملة أيضا برائحته التي لا نعرف لها اسما أو وصفا.. أنفلونزا البحر مستمرة، كأنه خلق ليعطس..

ثانيا: فلتكن الراحة مجرد صوت ماء يتدفق منك ساخنا بشدة في حمام عمومي رطب، بعد أن أمسكت الماء في مثانتك لأكثر من ثلاث ساعات في ظل برد قارس.. لا تراعي أحدا، وانشر صفرة رذاذك كما شئت متدفقا كما شاء بكامل الضجة والخرير.. الصوت هو الدليل والراحة معا..

ثالثا: عندما تفكر في الحب كأمنية لطيفة.. تذكر أن نفس الحب هو أحد الأمنيات المأساوية التي قد تمر في مخيلة وردة تفكر في الانتحار، ولا تقدر عليه.. تتمنى يد عاشق تقطفها مصادفة؛ لأجل حبيبة عشقها مصادفة.. هذا هو أحد أقصر الطرق التي قد تتمنها وردة كئيبة تريد الانتحار، وتخشى من الموت كافرة إن هي فعلت.. نعم، تبدأ نهاية الحب عندما تقطف وردة، ولكن أستمر في تجربة الحب؛ كي تساعد الورد المكتئب على الانتحار..

رابعا: (أن تبقى) هو يعني بالضرورة أنك نسيت أن ترحل و (أن تخلد) فهذا يعني بالتبعية أنك نسيت أنك نسيت.. أن تتذكر كل شيء، فهذا حتما لا يعني إلا الفناء.. الذاكرة هو عيب الصناعة الذي لحق بنا.. حاول أن لا تعدل من نفسك؛ كي لا تخرج من الضمان الوجودي.. احترم عيوبك.

خامسا: فليذهب الذهب إلى الجحيم، لأنه لو كان لونه فضيا لكانت الفضة أغلى منه بكثير.. ولو كانت السماء بلون فضي ربما أسمينا لون معدن الفضة باللون السماوي.. الألوان ليست حقيقية.. مجرد خداع بصري.. إذا افترضنا أن ما نملكه يسمى بصر من الأساس.

الاثنين، 27 أكتوبر 2014

كاهل الانتظار المثقل بأمثالنا


كان الهواء غريقا بما يكفي؛ ﻷن يطفو في رئتي ويمحوني.. وكان الصمت يكفي؛ ﻷن أعيش مرة أخرى، ليقاطعه كلامي فيثبتني.. لن أتغابى وأسأل: ماذا يحمل لي الغد في طياته؟؟ بذراعين متدليتين، وقلبٍ سئم، وعينين تقاوما سخافة ضوء الوقت الصارخ كنت كمن كانوا في استقباله، ومر هناك الهواء ثقيلا.. ومر وقت الصمت طويلا؛ فتكلمت بكل ما سبق.. ربما كان الكلام معاد، لكن في الإعادة كل مرة يبدو الغد وكأنه أمسٌ جديد.

كم مرة فاتني قطار الوقت؟؟ وعندما حاولت لحاقه دهسني قطاره المقابل بالذكريات.. في محطة الصمت لم يبق غير الهواء الغريق في إنتظاره، وأنا ضيئل بحيث يمحو وجودي هواء غائب لا يُرى ولا يرى غير ملله في انتظاري.. لم تبتسم لي الذكرى يوماً رغم أني طالما بها، ولها ابتسمت..
الوحدة قد تجبرك على أن تبتسم لفتاة ليست جميلة، ولكنها وحدها هناك على الرصيف المقابل تشاطرك الانتظار.. ليس شرطا أن تنتظرا نفس الشئ.. كفي جدًا صفة الإنتظار لتحبها وتحبك، وتقاسمها ليلة ممطرة تمطرك فيها بوجعها وتمطرها أنت بوابلك المحتدم، فيكون من بعدكما كونا كاملاً بما فيه من بشر يقتسمون أيضاً نفس صفة الإنتظار.
كل شئ منتظر لضده، وبهذا تصير الدائرة أزلية أبدية إلى ما لا نهاية.. صغيرة كبيرة إلى ما لانهاية.. بسيطة ومعقدة أيضا إلى ما لا نهاية.. ربما لست عبأ على نفسي، رغم أن هذا في محل شك، لكن المؤكد أن نفسا واحدا لي بعد موتي سيكون عبأ على الجميع.. تلك هي الحقيقة.. جميعنا أثقلنا كاهل الانتظار.. الانتظار ببساطة مثلنا ينتظر.. ينتظرنا ألا ننتظر.

الأحد، 14 سبتمبر 2014

ليس بوسعك إلا أن تضل


على قدر وضوح تفاصيل المشهد أمامك على قدر ما هو يضللك.. كل تفصيل بسيط يسكن خلفه تفاصيل أخرى مختفية وخلف كل واحد منها تختفي ملايين التفاصيل الأخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية.
المكان أيضا يضللك.. الزمان أيضا يضللك؛ لأنك عليهما ستبني بعقلك معاني لا تمت للمشهد بصلة.. المكان والزمان خارج التحكم، وخارج الحصر والحساب.
حتى عقلك الذي يستنتج المعانى، ويستنبط المغزى يضللك؛ ﻷنه ليس شرطا في كل ما نراه وندركه ونسمعه أن يعني شيئا أو أن يكون له مغزى يدرك، لكن العقل لا يسمح أن تمر عليه مشاهد دون أن يأولها ويجد لها تفسير ومبرر حتى وإن كانت تفسيراته وتأويلاته في غاية السذاجة والحمق.. هذه هي سمة العقل وآلية عمله وهذا أكبر عيب فيه، حيث أنه لابد له أن يتدخل في الأحداث ويعطي فيها رأيه حتى وإن لم يطلب منه.
الحواس تضللك فهي لا تنقل الحقيقة كما هي، بل تنقل ما استطاعت أن تنقله منها طبقا لأمكانياتها وحدودها وقصورها وعجزها. حتى الأحاسيس تضللك.. نظام كيميائي معقد يتلاعب بك.. قلبك واقع تحت تأثير مركبات كثيرة لا تعرف الكثير عنها.. الكيمياء تظل صعبة وسخيفة وتفعل بنا الأفاعيل سواء في اختباراتها أو حتى في حياتنا. اللغة أيضا تضللك.. الكلام هو الشرح الزائف الذي نهرب به من لامعنى دواخلنا.. المعنى الذي نخلقه من اللامعنى الذي يسكننا.

كل ما تظنه أنه سبيل أدراك وفهم ووصول ما هو إلا شيء وجد ليضللك.. الوجود ما هو إلا أحد مرادفات الضلال ومفرداته.. الضلال هو الحكمة من كل هذا، بل هو السبب الذي سبق البداية والنتيجة التي تلي كل نهاية.. الضلال أنتجك لأجل الضلال، لتصل إلى الضلال. العدم ذاته ما هو إلا ضلال ضل نفسه، فأوجد بدلا منها ضلالا مضادا هو وجودنا الذي ضللنا فيه، هذا إلى حد جعل شخصا مثلي يقدس الضلال، ويكتب كل هذا الضلال الغير متسق والغير مفهوم والغير مجدي، فقط كي لا يضللك، فتضل.

الجمعة، 5 سبتمبر 2014

الذكريات التي بلا ذكريات


الغرفة باردة (درجة الحرارة على الشاشة الصغيرة لجهاز التحكم عن بعد لمكيف الهواء تكتب بوضوح 16 درجة سليزية). المكيف يعمل بكامل طاقته.. يجأر، وكأنه يقول: أغيثوني.. يسحب برئته الخارجية شهيقا من الهواء الخارجي الفاتر؛ ليمنح الغرفة زفيرا محملا بهواء بارد كثيف جعل منها أشبه بالثلاجة (على حد وصف أمي). لكن ما لا تعرفه أمي أني أجلس في ظلمة حالكة من جحيم الذكريات.. نار الذكريات أحمرت، فأبيضت، فأسودت، فأصبحت ظلاما حالكا (أو كما قالوا). أجزم أن نار كهذه لا ينفع معها أي مكيف.. نار كهذه لا يمكن أن تخمد حقيقة إلا في ثلاجة الموتي.

على صعيد آخر أكاد أشك في أن دولاب ملابسي ليس جمادا كما يبدو للجميع. أشعر بأن له عينان يتابعان خلسة كل ما أفعل، لكنني كلما التفت إليه يعود جمادا كما كان. وهكذا لا أستطيع أن أثبت عليه تهمة التجسس. الأرضية باردة إلى حد كبير أيضاً، لكن أرجوك لا تسئ الظن في تصرفاتي، فأنا بالطبع لم أخالف نصيحة أمي الأولي، ولم أنساها.. أنا لا أمشي حافيا مهما كانت الظروف، حتى على شط البحر اجتهد أن لا أكون حافيا حتى، وإن كلفني هذا ساعات طويلة في تنظيف حذائي من الرمل. لقد عرفت ببرودة الأرضية؛ لأني رأيتها تقلص أطرافها، وتنكمش تحت قطعة السجاد الباهتة.

وبينما يستمر الدولاب في ملاحقتي خلسة، والسجادة في تقمص دور البطانية، والمكيف في ضجيجه، وفي شهيقه، وزفيره.. أستمر أنا بكاملي أنانيتي، وغطرستي، وغلبي أيضاً في سحب الهواء البارد، ونفث الشهيق الساخن المحمل بدخان السجائر الذي يحتضن فراغ الغرفة شوقا، ثم يذوب فيها عشقا؛ لتبقى غرفتي متشبعة بعبق هذا الحب، وعطره الأبدي الذي لا يزول مهما أفرغت أمي من زخات المعطرات، ومهما فتحت من شبابيك لفوضى الهواء، والتراب.. نعم.. فرائحة الحب أبقى من النسيم العابر، و أمضى من كل رائحة الورود.. وأكثر فعالية من كل تراب الأرض.. أما أنا فلازالت في عتمة ذكرياتي أشعر أنني مضطر أن أبقى.. رغم ان الظلمة لا تزال حالكة، ولا تزال أيضا جحيم، ولا أزال لا أستطيع أن أستجمع سطرا واحد مفيدا من أي ذكرى (و لو حتى عابرة)، و لا حتى صورة مشوشة لأي ماضي. وكأنني وصلت لهذا النقطة، وقد نسيت أن أصنع ذكريات يمكن أستعادتها. ذاكرتي فعلا جحيم بظلمة حالكة لا يري منها أو فيها أي شئ.. بعد كل هذا ماذا عساي أن أفعل غير أن أقتل سيجارة جديدة في المنفضة؛ لتطول قائمة القتلى؛ ليستمر العبق، ويتناثر الرماد حرا في كل مكان.

السبت، 23 أغسطس 2014

وأصابتني القشعريرة


ربما مررت بمواقف كثيرة زلزلت صخرة قلبي الذي تجمد، وحركت في أحاسيس غامضة لا مسمى لها، ولا وصف لحالاتها. لكن ربما تلك المواقف الثلاثة التي سوف أذكرها فيما يلي هم أشدهم على الأطلاق، فعندما جلست بيني وبين نفسي أنفض تراب العمر عن ما مضى لم يتبادر إلى ذهني بوضوح صارخ وبسرعة كبيرة سوى تلك المواقف.

الموقف الأول: الإيمان
أذكر أنني عندما كنت أمر ببدايات مراحل العصف الفكري بين هراء ما تباين وتراكم من الأفكار والفلسفات المختلفة جلست مع والدي في جلسة نقاشية طويلة أستمرت لأكثر من أربع ساعات متصلة.. حينها قد نفيت له صراحة معنى كل ما يرتبط بالدين أي دين، وبالعلم أي علم، وبالمنطق أي منطق..  نفيت كل الأشياء بجسارة، ووضعته وجها لوجه أمام ردي الممل الكئيب.. أنا لا أعرف، وأعرف أنني لا أعرف، ولن أعرف.. بل صرت أصلا لا أري أن أعرف.. فسئلني بهدوء: ولا حتى ترى معنى لفكرة الله على اطلاقها.. فقلت: وحتى تلك، فأنا لا أعرف.. حينها بكى والدي بكاء لم يطول، و قال لي: ثق في كلامي أنا أعرف أنه موجود.. أنا أعرفه منذ ستين عاما، ومع هذه الدموع التي لا أشك في صدقها تملكتني القشعريرة.

الموقف الثاني: العجز
خالي.. لم يكن خالي فحسب، بل كان صديقي إلى حد كبير رغم فارق السن الذي يجاوز الثلاثين عاما.. خمسة أعوام أو يزيد نعيش حياة العزاب معا بمعنى الكلمة.. نختلف على غسيل الصحون، وعلى نظافة البيت.. وكلانا هارب ووحيد.. هارب أنا كعادتي من أشياء كثيرة لا مجال لذكرها وخاصة بعد سفر أهلي عني مجتمعين.. وهو أيضا ربما كان هاربا من أشياء مغايرة ولكن في ظل ظروف مماثلة.. فلقد كان وحيدا هاربا من سوء زوجته وعقوق أبنائه.. وكان على عكس ما أنا فيه الآن تماما.. مهندسا ناجحا.. مسئولا حكوميا مرموقا.. متواضعا بسيطا شريفا.. دخل المنصب فقيرا، ورحل منه فقيرا، في حين خرج آخرين أعرفهم بملايين مُمَلينة.. كنا أصدقاء جدا نذهب لمناسبات العائلة معا.. نرتدي رباطات العنق المبهجة في الأفراح، ورباطات العنق السوداء في المآتم..  ونعكف سويا على حل مشكلات العائلة وخلافاتها .. كنا فعلا صديقين متفاهمين جدا لدرجة أننا كنا نرتب حياتنا لعشر سنين قادمة.. نتكلم عن مكتب الاستشارات الهندسية الذي سوف نفتحه سويا بعد تخرجي.. هو بخبرته ومعارفه وعلاقاته.. وأنا بجهدي وطموحي حينها.. ولكن بعد كل هذا ظهر المرض ثالثا بيننا فجأة.. مرض خالي مرضا شديد.. سرطان في مرحلة متقدمة.. ليالي من القلق.. مستشفيات.. استماتة .. تشجيع.. أدوية.. مستشفيات.. تحفيز.. وبعد شهور تحسن مفاجئ ومدهش.. تحسن خالي وشعرت، وكأننا أنتصرنا للأبد.. و قرر خالي حينها الذهاب للحج، ففرحت أكثر كون الكابوس انتهى.. وذهب فعلا للحج، لكنه عاد منتكسا، وبدأت الرحلة ذاتها من جديد.. الإستماتة والصبر والتشجيع والتحفيز والأدوية.. ولكن السرطان هذه المرة كشف عن أقبح ما عنده.. الألم.. وكأن وحشا شرسا يأكل إنسانا وهو حي.. هذا تعبير حقيقي وليس بلاغي على الأطلاق لما رأيته في الشهر الأخير قبل وفاة خالي.. رأيت وحشا يأكله بتمعن، وهو حي يتألم.. كان يهذي طوال الوقت من شدة الألم، بل كان في بعض الأوقات يهذي بأسمي.. وفي أحدى الليالي الأخيرة كان يهذي بأسمي هامسا بينما الغرفة ممتلئة بالزائرين، وإذا به يصرخ ألما.. كانت الغرفة ممتلئة.. أمي وأخوتها وزوجته وأبنائه.. وإذا به يصرخ جادا لا هذيانا تلك المرة.. يا خالد أخرج الجميع.. أخرج الجميع.. أريدك وحدك.. فعلا أخرجت الجميع وعدت مرتبكا.. صرخ مجددا.. أغلق الباب.. ظننت حينها أنه ربما يهذي كعادته من الألم.. لم أكن أعرف أنه سوف يضعني أمام قطار عجزي الذي سوف يسحقني بلا هوادة.. عدت وبعدما أغلقت الباب وإذ به يمسك بيدي ويبكي ويهمس لي بصوت أرداه الألم.. أنا تعبت، لم أعد أطيق.. تصرف.. أفعل أي شيء أرجوك، أفعل أي شيء.. حينها ضربتني قشعريرة بقوة أعصار، ونضح الماء تلقائيا من عيني عجزا، وربما كان هذا لقائي الأول مع دموع العجز.

الموقف الثالث: الحب
في فترة سابقة بينما كان الاكتئاب يتلاعب بي لدرجة أن أعتى مضادات الاكتئاب لم تجدي نفعا، وأقوى أنواع المنومات أصبحت تنام وديعة معلنة استسلامها أمام ما بي من الأرق.. كان وجهي ينضح كآبة تزيد عن الحدود رغم البسمة البلهاء التي ألبس قناعها طوال الوقت.. أتذكر يوما لا ينسى خلال تلك الفترة حيث كنت في صالة المطار أقف تائها مشوشا جدا أسمع صوت صفير يشبه الريح يمر في أفكاري من شدة فراغ عقلي وزحامه.. في صفوف المنتظرين كنت أقف في استقبال أخي الذي لم أراه لمدة تزيد عن العام.. وإذ فجأة أجده يهزني من كتفي.. فلقد مر بي ولم أراه، وبعدما تبادلنا القُبل والعناق والأسئلة والأجوبة التي تقال في مثل هذه المناسبات أصطحبته في السيارة متجها إلي بيت الأسرة.. كنت صامتا لا أجد ما أقول، ولهذا رفعت صوت المذياع كي يملأ فراغ هذا الصمت، لكنه بعد حوالي عشر دقائق خفض الصوت.. وسألني بجديته وبساطته المعتادة: ما بك؟؟ تبدو كأنك قد تغيرت كثيرا.. أشعر أنك في خطر ما.. أخبرني ماذا حدث في العام الفائت لتصير هكذا؟؟ لم أفكر في إجابة، لكني فكرت في أنه ربما تكون أمي قد نقلت له بعد الأخبار عني.. ثم قلت لا شيء.. فعلا لا شيء.. أنا أفكر في أن أصير لا شيء.. وكي أوفر عليك طول تفاهة التفاصيل.. أنا طوال الوقت أفكر في شيء واحد هو الانتحار.. لم يقاطعني بالكلام، لكنه أنهمر في البكاء، وقال بكلمات موجزة من غير تفاصيل ولا سؤال.. أرجوك لا تفعل.. فأنا أحبك.. وحينها أنتابتني قشعريرة شعرت من شدتها بأن مقعد السيارة يهتز من تحتي.

الخميس، 14 أغسطس 2014

عن نسيج الحياة وحتمية الميتافزيقا



تخيل كرتين من خيط الصوف الأسود، وكرة واحدة من خيط الصوف الأبيض خصصوا لحياكة ثوب ما. مما لا شك فيه أن الثوب الناتج من نسيج هذه الكرات الثلاث سيكون مائلا للسواد.  بنفس هذا الأسلوب، و بذات تلك الطريقة حيكت خامة الحياة التي نعيشها.. حيكت من ضدية متناقضين "أبيض وأسود" بنسبة تميل إلى أسودهما، ولكن على عكس ما جرت حياكة الثوب جرت حياكة ذوق صاحب الثوب ونفسه.. فكان مطلبه أن يكون ثوبه قد حيك مائلا للبياض، وهنا ظهرت المشكلة بين الثوب وصاحبه "إشكال الحياة".

أن جوهر خامة الحياة ما هو إلا نتاج إجتماع ضدية المتناقضات، لكنه بنسبة كبيرة مال عن التوازن بين الأضداد والمتناقضات لصالح كل ما هو أسود من شر وقبح وظلم وباطل على عكس خامة جوهر نفس الإنسان التي تستحسن كل ما هو أبيض من خير وجمال وعدل وحق.. ولربما لهذا السبب تحركت الإنسانية منذ بداية وعيها إلى ما تريد، فظهرت محاولات معادلة الأمر لإقرار الخير والجمال والعدل والحق؛ كي تصل الإنسانية إلى بياض يرضي رغبتها وغايتها التى طبعت فيها.. ولكن كل المحاولات الإنسانية لم تغير من سوء الحال، ولم تعدل من جور هذا الميل نظرا ﻷن الخلل كان ساكنا في الأساس بحيث لا يمكن تغييره أو تعديله. لقد كان الخطأ مطبوعا في أصل الخامة بحيث لا يمكن معالجته أو تصحيحه. 

وهنا كانت فكرة الله هي المخرج الذي لا فرار منه أو عنه "على اختلاف تفاصيله بين المعتقدات". هكذا كان الله كما أتفق الجميع عليه "دون أن يتفقوا" هو منتهى ومطلق كل خير وجمال وعدل وحق. هكذا كان الله على عظم شأنه وقداسته في العيون والعقول ليس سوى محاولة من صاحب الثوب كي يقتنع بثوبه بدلا من أن يظل عاريا يلسعه قيظ الصيف، وتكويه بردوة الشتاء.

إن الله بصفاته تلك كان ببساطة هو السبب الذي به أرتضينا بالثوب الذي لم يعجبنا، بل ولن يعجبنا. كان الحلم الذي طمحنا إليه ﻷننا لم نجد فيه ما نريد. إنه الجنة التي نتمناها بعيدا عن جحيم الحياة التي لم نقبل بخامتها، ولم نرضى بقوانينها. ولهذا توجب أن تكون مطلقاته تلك هي منتهي ما ينقصنا. ولكن بمرور الوقت،  ولما كانت فكرة الله أيضا لم تصل بنا إلى ما نصبو إليه ونرجوه.. أفترضنا له حياة ثانية وعوالم غيبية ماورائية يقبع فيها كي يعادل الأمر ويوازن هذا الطغيان. هكذا أوصلنا عدم رضانا عن الثوب إلى فكرة الله التى أوصلتنا بدورها إلى فكرة الحياة الأخرى.  

هكذا عاش أكثرية منا هنا راضيين عن هذا التسلسل في انتظار حياة أخرى لا يعلموا عنها أي شيء سوى أنهم سوف يجدوا فيها الثوب الذي تمنوه. لكن نظرا لتباين العقول ظهرت طائفة أخرى من الواقعيين الخائفين على أنفسهم من الإنزلاق في هوة التمني واللهث خلف الأوهام، ووجدوا حلا أخرا طويل الأمد.. ألا وهو محاولة تعلم الحياكة من أجل تصليح الثوب وتعديله وتطويره بالصورة التي ترضينا أو بالصورة التي تُوصلنا إلى معرفة الغاية من قصة الثوب وصاحبه، لكن أيضا لم يصلوا لشيء، بل أشعر أنهم لن يصلوا لشيء فتعلم الحياكة لن يغير شيء. ﻷن الخلل كما قلنا سابقا هو خلل في الخامة وليس في الحياكة. أما صناعة النسيج فهي المستحيل الذي لن يوردنا إلا طريق الجنون الحتمي.
إذن دعونا نعترف جميعا أن الحياة ملائمة جدا لوجود الله بصفاته المطلقة تلك، بل وملائمة أيضا لفكرة وجود حياة أخرى.  دعونا نعترف بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، ولكن سيبقى السؤال الصعب جدا بعد كل هذا.. هل سيأتي يوم ويرضى صاحب الثوب عن ثوبه؟

فيوضات العبث