إنه لتصور سيء هذا الذي يفترض أنك سوف تموت، ويتعفن جسدك ويتحلل، بينما تبقى روحك موجودة لتتابع هذا المشهد، ولكن ما أمر به يجعلني لا أكترث لكل هذا الهراء؛ ﻷنني في السنوات القليلة الماضية مررت بما هو أسوأ، حيث أنني عشت نفس التصور بشكل معكوس. مت وتعفنت روحي، وتحللت بينما بقى جسدي حاضرا فقط ليتابع المشهد. وبرغم مأساوية طرح كهذا إلا أنه يبقى للموت مزايا كثيرة تستعصي على الحصر.
إن من صفاء لون الموت، ونقاء خامته، وجودة معدنه أنه هو الشيء الوحيد الذي لا يُحسد رغم كل هذا التناحر الذي يملأ العالم، وبرغم كل هذه الضغائن التي تضج بها النفوس. فحتى وإن كنت محموما بالحياة لدرجة تتمنى من فرطها راحة الرحيل. أو أعياك الوجود لدرجة أنك ترى في العدم نعيما مطلقا لا يضاهى. أو أصبحت الدنيا فوق صدرك حجرا جاثما لا تستطيع إزالته ولا تجد حيلة مع مسببه، ولا تستطيع موتا تحته. حتى وإن أصابك ما أصابك من عذاب، ومهما لحق بك من أذي لا يطاق جعلك تتوق إلى نعمة الموت.
إذا أختطفت راحة الموت روح أحدهم أمامك دونك. لن يستطيع سهم الموت الطائش على قربه منك حينها أن يحرك في نفسك شيئا من الحسد تجاه من فاز بمقعد الموت دونك أو أن تتحرك في قلبك ضغينة لمن تقدم عنك لتتأخر. إن أقصى شعور ممكن أن تفعله مع الموتى هو أن تغبطهم على فوزهم دون فوزك وعلى راحتهم دون راحتك؛ لأنك مهما حاك في نفسك من زوال نعمة الموت عنهم، فإن الموت لا يزول. إن الموت يا عزيزي هو النعمة التى لا تحسد والتى غفل عنها البشر وكرهوها نظرا لأنها الحق. وما أكره البشر للحق، وما أبعدهم عنه وعن رحابه. إن الموت هو الفوز العظيم الذي يعلمنا دروس الغبطة رغما عن سوءة نفوسنا وسوءها وضغائنها.
فأعلم أن الموت هو الحق الذي يفتح به باب كل حق، وهو الصدق الذي يفر منه الكذبة اللاهون الملتهون عنه بقبح زيف معناه، وبزيف حسن حياة عاهرة تنضح بالقبح، وتصرخ بالبذاءة والدناءة.








