الأحد، 19 يوليو 2015

الأرق

بجسد نهم لا يشبع، وبقلب متخم ثقيل لا يكاد ينبض، وبروح تتلاشى أو تلاشت أنا هنا الآن عقلي يرتجف كلما حدقت عيناي في فكرة التحلي التي أدرك جيدا أنها لن تفضي إلا لمزيد من التخلي. كلما أرتقيت دنوت في معراج سحيق.. النوم يغلق الأبواب دوني.. أنا لا أود أن أتمادى يقظا حد التهلكة.

الحقيقة أني لا أمتلك سنتيمترا واحدا من هذا الهلام المسمى "نفسي" رغم أني أظن أن هذا الهلام المبهم يمتلك كل شيء مني رغما عني. ربما هذا لا يعني أكثر من أني لست سوى مجرد شخص هوائي مزاجي متقلب ملول طبقا للفحوصات السلوكية التي أخضعتني لها طبيبتي النفسية التي تقتات على أوجاع أمثالي وأوهامهم. ربما درئا للسخط الذي يطاردني أضطر إلى أن أعمل مواصلا الليل بالنهار في سبيل جمع ثروة طائلة أتبرع بها في النهاية لأحدى منظمات الرفق بالحيوان أو حتى أتبرع بها لطبيبتي النفسية مقابل أن تغلق عيادتها، وتكف عن تحمل ثرثرة البائسين اليائسين؛ لأجل بضع ورقات مالية حقيرة من فئة المائة والمائتين.

الليلة سمجة للغاية تتمادى في البطئ، وكأنها وقفت في وجه الزمن لا تريد له أن يمر. مسطحا فوق الفراش متعبا يتملكني أرق قاس لدرجة انني كدت أن أقبل رجل السرير كي يسمح لي بأن أنام، ولكن النوم كان يرفضني بشدة، وكأن بيننا ثأر قديم. كنت كلما بصق الملل في وجهي مستمعنا في أهانتي وإذلالي أشعل سيجارة جديدة إلى أن فرغت العلبة تماما، وامتلأت المطفأة بالأعقاب المنثنية المفروكة بغل.

ولكن ما خطر لي من الذكريات كان يؤكد لي أن الرحلة تمضي، وتلك مواساة عظيمة تجعلني أبتسم كلما صادفتني ذكرى عابرة أو أعترضني ماضي غابر.
على أعتاب انتصاف العمر رغم أمراضي المزمنة وضجري وأرقي وتلاشي صبري ولامبالاتي وخيباتي إلا أني أشعر أنني لا أزال عندي ما يبدده الوقت، وتستهلكه مرارات التجارب.. لا أعرف تحديدا كنه هذا الشيء المتبقي إلا أنه موجود ويحفظ لي شبرا أحجزه بين قدمي في هذه المهزلة التي لا تورق أحد، وتؤرقني.

الاثنين، 15 يونيو 2015

قصة ميلاد ‏العلم ‏

بعد مخاض عسير حفته المكاره والمهالك، وفي غفلة من الزمن أستطاع البشر إنجاب هذا الطفل العجيب المربك المسمى "العلم" أثر زواج عرفي غير مشهر بإمرأة غامضة لم يعرفها الكثير، بل لم يفهموها إلى الآن كانت تسمى "الفلسفة".  والفلسفة هي إمرأة اعتزلت الناس، وخلت إلى تأمل عميق لا ينقطع تقتات فيه على فهم عقلها، وآلية فهمه، بل وآلية فهم كافة الاشياء.. إمرأة غريبة الأطوار ليس كمثلها إمرأة تكفل به أناس بحثوا المعاني ودققوها، وباعوا أنفسهم لعقولهم، ولها دونما انتظار للثمن. 

أخذ طفلنا "العلم" المزعج يكبر يوما بعد يوما مستنزفا مزيدا ومزيدا من خيرة البشر الذين تكفلوا برعايته، ودفعوا أنفسهم فداء له؛ كي يري النور حرا مستنشقا أول أنفاسه بأمان.. وتمر الأيام كثيرة سريعة متلاحقة، ويبدأ رضيعنا الضعيف في أن يحبو صوب مزيدا من المعرفة الغريبة على البشر آنذاك، بل التى فاقت كل خيالهم.. وفي هذه الأثناء كان هناك قلة من البشر يحبون خلفه بل تحبوا قلوبهم خلفه آملين فيه متطلعين إليه، بينما كانت الغالبية يلعنوه ويرونه أبن زنا لا حق له في الحياة.. أمه غامضة، وأبوه ما هو إلا شرذمة قليلة من المنحرفين المجانين المهرطقين.

وعلى هذا النحو سارت الأمور.. كانت الغالبية العظمى من البشر يرونه لعنة يجب حصارها، ووأدها حية في رمال الجهل قبل أن تستشري في عقول الناس، فراحوا يضطهدون من يدافع عنه ويرعاه، ويحاربون كل من تعاطف معه بكل قسوة وفظاظة.. ويستمر الصراع بين الغالبية بجبروتها، والقلة المسكينة بطفلها الرضيع، و يمر الوقت، ويكبر الطفل أكثر، وتبدأ قدمه في تحسس أولى خطواتها.. يفرح القلة بوليدهم النجيب الذي تعبوا عليه ولازالوا، ولكن سلواهم أن الفرحة دوما محفوفة بالألم، والتعب والصعاب.. خطواته غير ثابتة مرتبكة متعثرة بل لازالت تواجه بغباء الأغلبية وحمقهم وإيذائهم، ولكن الوقت دوما كان يسير إلى الأمام ضامنا للطفل عمر جديد بخطوات أكثر ثباتا، وبكلمات أكثر بيانا وتبيانا.. 

ويمضي الوقت رغم أنف الجميع، وتدور عجلة الزمن داهسة كل من يعترضها، وهاهو يشتد عوده، وينطلق لسانه، وتقوى أركانه، ويصبح صبيا ملهما بارعا براعة لم يعرفها احد قبله، والقلة حوله في تزايد تملأ قلوبهم الحفاوة والفخر يتوسمون فيه خير عوض عن كل من أفنوا أنفسهم ﻷجله.. وهنا تتصاعد وتيرة الأحداث.. يصطدم الصبي اليافع بعجوز طاعن في العمر أسمه "الوهم".. عجوز شكل عقول الناس منذ الأزل بأساطيره وخرافاته.. عجوز مهترئ يراه الناس حكيما جدا في يده خلاصهم وملاذهم رغم أنه يفرقهم يوما بعد يوم، ويحرضهم على أنفسهم باختلاف صورته هنا وهناك.. ربما فعلا تعددت صوره، وتفاصيله وأساطيره، لكنه في الحقيقة واحد.. مجرد وهم يريد في النهاية قبل أن يردي نفسه أن يردي الجميع.. تتوالي المصادمات والجدالات والمناقشات والمناظرات بينهما.. وكان الصبي رغم حداثة سنه ينتصر في كل مرة انتصارا مدويا يزيد الناس من حوله، بل يزيد الإيمان به في قلوبهم، وكانت هنا الغالبية تستشيط غضبا، وتصبح أكثر قسوة وفتكا، والصبي لازال يكبر داحضا كل معاني الوهم بثبات مبددا خرفاته بيقين ساطع ساخرا من أساطيره التي ظنها الناس في وقت سابق منبع كل حكمة وعلم.. 

وفجأة وفي أيام بسيطة جدا ينقلب الأمر رأسا على عقب.. وبين ليلة، وضحاها يصبح الصبي شابا مراهقا قويا يسحق الوهم بيديه، ويفرض نفسه على الساحة بقوة أفعاله، وبدحضه لكل أساطير الوهم وخرافاته التي ملأت الكون آلاف السنين.. ولكن الغباء فكرة، والفكرة على كل حال لا تموت.. يتحيز طائفة من البشر في بقعة من العالم للوهم.. يدافعون عنه متمسكين به بعصبية جاهلية غير مبررة يقاتلون كل شئ بأسم الوهم: لدرجة أنهم جن جنونهم، وأصبحوا يقاتلون أنفسهم.. بينما الشاب المراهق لا يزال على قمة القمم.. يجول ويصول هنا وهناك.. أنه بالفعل، وبعد هذه الرحلة كلها يحكم العالم.. يسيطر على كل الأمور التي تجري على وجه البسيطة.. يبر البشر جميعا برا لم يعهدوه.. ليس فقط من تحيزوا له، وأمنوا به بل حتى هؤلاء الذين لا يزالون متمسكين بالوهم فتجدهم تارة يستخدموا وسائله المبتكرة في دحضه بترويج اساطيرهم، ولكنه مع مرور الايام كان يجبرهم على توفيق أوهامهم معه.. أنهم ينحسرون أمام طغيان منطقه، وجبروت حجته .. أنه بالفعل يغير الصورة تماما، ولكن رغم كل هذا على كل ما فيه من نجاح لا يمكن أن ننفي عنه كونه لازال مراهقا له سقاطاته واخفاقاته، بل كل هذا لا ينفي عنه طيشه وتخبطه.. نعم النهايات السعيدة لا تحدث إلا في الأفلام على شاشات السنيمات..أنها المراهقة يا سادة بكل ما فيها .. بكل ما لها من حيوية وقوة وقدرة وذكاء وحيلة، وأيضا بكل ما عليها من طيش وتخبط واندفاع ومزاجية وهوائية وانفعال وتهور، وأحيانا حمق وتسرع وجنون.

وإلى هنا تبقى النهاية مفتوحة بسؤال صارخ.. هل يصبح هذا العلم كهلا يوما ما كي يصبح أكثر استقرارا وثباتا واتزانا؟؟ وهل يجود الزمن بفرصة أعظم فيمنحه عمر أطول كي يكبر أكثر وأكثر؛ ليصبح شيخا أكثر حكمة كي يحل لغز الوجود، ويحيل البشر إلى يقين بحقيقة واحدة ثابتة لا غبار عليها ؟؟ لربما هذا فعلا ما سوف يعرفه أحفادنا في القرون القادمة من الزمن بعدما نتلاشى نحن من هنا بعد قليل مستمتعين بهذه القصة اللطيفة التي حدثت، وتحدث، وستظل تحدث إلى النهاية.. أنها بحق قصة الطفل ابن المرأة الغامضة.. أنها بحق رحلتنا للبحث عن الحقيقة.

الجمعة، 29 مايو 2015

رسائل اللاجدوى

 
لا أنكر أن اللاجدوى أخرستني، لكني برغم هذا لم أجد في طول الصمت سوى الكلام.. في كل مرة أنجو بنفسي صامتا يجرني الفراغ مجددًا إلى نفس ذات البذاءة "مستنقع الكلام".   مع الصمت لا يزداد يقيني بشيء سوى جهلي حد ظني أنه سيكون يومًا قاتلي، وحتى إن لم يقتلني فالمهزلة كفيلة بفعل ذلك.. فما بين عجزي عن رؤية عمق المجهول الذي أتيت منه، والذي سوف أذهب مضطرا إليه أقف هنا مكذبا كل ما رأيت مستسلمًا للعمى الأكثر صدقا من كل ما أراى.. كلُ الحروف هنا مريرة في فم العميان، ولكن أغلب الظن أنه لا أحد هنا يستطيع أن يقاوم إغراء العبث الذي يدفع الجميع للهذيان والهلوسة. 
قد لا نختلف كثيرا على أن الرسائل التي لا تعني شيئا، ولكنها تصلك خير ألف مرة من الرسائل التي تعني الكثير، لكنها أبدا لا تصل.. ولهذا سأحاول اجترار بعضها بصيغ مختلفة، وبعبارات باهتة جديدة..

الرسالة الأولى ولنسميها "اليأس"
يأس عاشق يتوسل محبوبته التي آثرت الرحيل: "أن تكوني موجودة، وتقتليني خير لي من أن أموت دونك". الموت للموتى سواء.. الموت فعلا لا يتنوع إلا في عيون الأحياء.. تلك هي مع الأسف الحياة.. وهذا هو الحب فيها.. مجرد يأس ناجم عن الضعف والعجز.

الرسالة الثانية ولتكن "الهروب"
خبر انتحار هامشي في أحد الجرائد يعزز موقف مكتئب آخر في الانتحار.. وكأن ملاكا ما يحض شيطانا ما آخر على الكفر، أو أن شيطانا ما يدعو ملاكا ما آخر للإيمان -و بداخل كل منا الحالتين- ولكن يبقينا سؤال.. لمن ستترك كل هذا الإرث الهائل من العناء؟؟ من سيقتسمه من بعدك؟؟ فالعناء لا يذوب بذوبان روحك في الهروب.. هو إرث يربو حزنا في قلوب من أحبوك.

الرسالة الثالثة ولنعتبرها "الرغم"
ماذا تقول عندما يتحول أحد رموشك من دور المدافع عن عينك إلى دور المهاجم لها؛ لدرجة تزعجك وتؤلمك وتشوش بصرك فترغم فيها على الدموع؟؟ في كل مرة كان يتوجب عليك أن تهدم كل شئ بنيته فقط؛ كي تستمر وتبدأ في البناء مرغما من جديد.. الحلقة مفرغة.. عبثية ضديتها أفقدتها مغزاها فأصبحت لا تفضي لشيء.

الرسالة الأخيرة من الممكن أن نسميها "المعاني"
هاهي الدنيا أمامك.. مجرد بركة راكدة.. تلقي فيها الكلمات حجرا حجرا؛ لتستقر المعاني جميعا في غياهب الأعماق، وتعكس البركة ساكنة من جديد وجه السماء الغامض.. ولكن نحن نعيد الكرة لتظهر لنا تلك الدوائر الصغيرة التي تكبر وتكبر إلى حد التلاشي.. أعرف أننا نعرف المغزى تماما ونفهمه.. نعم كل الدوائر كانت فعلا كلام.. كل الدوائر بدأت فعلا صغيرة.. كبرت، وكل كبير نهايته التلاشي.. كل المعاني في العمق باتت بلا أي معنى.. هكذا ببساطة تدفعنا اللاجدوى للجلوس على الضفة صامتين..  فلا نجد في الصمت شيئا سوى الكلام، وهذا فعلا هو الحال الذي انطلقت منه لكتابة كل ما قرأت.

الاثنين، 25 مايو 2015

لا خير لنا في الموائمات



في نفس اللحظة التي تنتهي فيها صرخات المخاض، تبدأ صرخات الوليد. ليست تلك إذن صرخات ﻷمٍ ووليدها، لكنها مجرد حياة.. مجرد صرخة واحدة متصلة مستمرة مدوية لا تنتهي. مجرد لغز لا نستطيع أن نواجهه إلا بالصراخ. قد تظن أنني أحاول أن أغرد خارج السرب، والحقيقة هي أنني أنا وأنت والجميع من حولنا لسنا أكثر من قطيع من الخنازير الذين يرتعون في الوحل، ولا يعرفون أي شيء عن الطيران. فحتى اعتبار الحياة مجرد بروفا قصيرة لحياة ما بعد الموت، لن يغير أي شيء عند من لا يجيد التمثيل أو حتى عند من يجيده، ولكن لا يستهويه الدور الذي قد قد كتب من أجله.  ربما ألقى بنا العدم واحدا تلو الآخر إلى هذا الجحيم المؤقت من باب الرحمة، فقط كي يشتد عودنا؛ لنصبح قادرين على تحمل جحيم الخلود.

لا خير لنا في كل تلك الموائمات، أما السعادة المطلقة أو الحقيقة أو الموت.

تخيل أنك تصعد على سلم عدد درجاته لانهائية، بينما هو يهبط بكامل درجاته اللانهائية للأسفل بنفس مقدار صعودك.. كلما تصعد، السلم يهبط.. هكذا تسير الحياة في المجمل. كل ضد خلق لضده حيث كل ضربة كان يضربها الفأس على الحجر كانت تكسر جزء من كلاهما.. كل معول هدم يهدم نفسه بالنهاية. في الحقيقة نحن لا ننحاز لمبحث العلم لأنه الحل المطلق للغز، ولكن نظرا لأنه أفضل من يحاول.. بمعني أدق أنه نتاج تراكم محاولات الفهم الإنساني علي سطح تلك الكرة المترنحة المصابة بالدوار. الكون في مجمله فوضى لا يمكن ترتيبها إلا بمحدودية عقولنا، ولهذا هناك أجابة واحدة صحيحة وحقيقية تصلح لكافة الأسئلة وهي لا أعرف. ستجد علوما في شتى المجالات، ولكن لن تجد علما واحدا في مجال الجهل رغم أنه أوسع المعارف التي يمتلكها البشر على الأطلاق.

ولكي نكون متصالحين مع ذلك.. لابد أن نترك الإحتمال القائل: بعدم وجود حل من الأساس، بل بعدم وجود لغز أصلا بديلا مطروحا للقضية. ذلك كونه احتمال لا يمكن دحضه نظرا لجبرية الورطة التي تورطناها هنا، وقصورنا في التحرر منها، أو الخروج من إطارها من أجل رؤية أفضل. وعلى هذا النحو تنسف الموائمة نفسها بتقارب الضدين وتعانقهما إلى هذا الحد، بحيث يصبح اللا اكتراث بالقضية بأكملها فيه قدر كبير من الحكمة والوعي بلاجدوى البحث والسؤال والإجابة، بل وتفاهة الباحثين، ومدى سذاجة النتائج التي يرزحون تحت وطئتها. 

الأحد، 24 مايو 2015

الحب والسقوط في هاوية بلا قاع


تقـول: كيف تريد مني هكذا أن أسقط في حبك؟؟
فأقول: ليس لي حب كي تسقطي فيه.

تقـول: هل من الممكن أن أسقط فيك دون أن أموت؟؟
فأقول: أنا لست أكثر من فراغ منعدم الجاذبية.. من يسقط في لن يسقط أبدا..

تقـول:  مغرور؟!
فأقول:  كيف من الممكن أن أغتر بمأساتي؟!
          كل ما في الأمر أني أنقل لك تجربتي..سقطت في نفسي طوال عمري، 
          ولم أسقط إلى الآن.. لا شيء صادفني.. لا أرض، لا سماء،لا شيء.

تقـول:  لا تقوى أي امرأة على رجل لا يؤمن بالحب
فأقول:  لا يقوي أي رجل على أي امرأة على الإطلاق..
         ولهذا دعيني أنسحب معلنا الهزيمة.

تقـول:   ولكني أردتك أن تنتصر..
فأقول:   هزيمة أستحقها خير لي من نصرلا أقوى على تبعاته.

تقول:  كل حيلي تتكسر على صخرة عقلك.
فأقول:  بل على صخرة يأسي.

تقول:  أنت فعلا فراغ يائس كما قلت، ولكن من يسقط فيك يظل يسقط للأبد.. 
         أنا لا أستطيع الخروج من هاويتك..
فقلت:  وتلك لعنة أخرى،،

الثلاثاء، 14 أبريل 2015

القصيدة المأساوية


الليلة بكر بنت بنوت
ساذجة بريئة مش عارفة مين هيفتحها
يجيها الصبح كلب وابن كلاب
في دخلة بلدي بنور الشمس يفضحها
يا عاشقين الليل في صحبة المواويل
عندي شوية حاجات بدي أوضحها
سواد ليلي حبر القصيدة بتـنـكـتـب
ويجي الصبح على سهوة ويمسحها
ياكل كلامها ويهضمني مع المعنى
آلهي يارب يطفحني ويطفحها
ملقتش غير العتمة ممكن تتمدح
فوهبت الشعر ليها يشكرها ويمدحها
يا سواد مغطي بيوت الخلق بالعتمة
ساتر همهم بالنوم /خدر جراحهم وريحها
يا هدوء يا واهب لقلب صبية حلم الحب
ليه يجي الصبح هاجم يفوقها ويجرحها
من طلة الصبح فيا بلاقيني بشخر لوحدي
أما عن نبض قلبي فتملي يدق بالأحا
دخان سجايري من كتر شرب الليل
لا يسلكه الينسون ولا تسلكه الكحة
صدري ملبش بالوجع..
و الضحكة من فرط الألم..
تتوه في الصوت مع البحة
لو كانت الدنيا بعوضة كما قالوا
فأعلم بإن الملل هو الهوا
اللي بتفرد عليه جناحها
عشان خاطر تعب الحياة ارتحت في تعبها
فتعبت مني وملتني عشان غرضي اريحها
وأنا اللي بكتب كلامي من غير هدف
لا عندي جموع تصقفلي ولا انصحها
حيران بين المعاني عشان
مش لاقي لنفسي معنى
مشغول بطعم الكلام
وكل كلمة في ذاتها لعنة
أهلي جابوني من العدم دنيا الألم على ملو وشي
ولما جيت انتحر.. قالوا هتسيبنا لمين وتمشي..
جبناك عشان تتوجع، فتخف في وجعنا
ننسى الوجع بالوجع
ونلاقي جوا الوجع عزوة تجمعنا
ياللي معدتش تطيق نفسك
نفسك دي فرض عليك
لا اختارتها بنفسك..
ولا نفسك دا كان بايديك
أدي البشر حواليك راضين بعيشة المجهول
وحتى لو أعترضت هتفضل زيهم مخبول
الدنيا متفبركة والحق باب مقفول
والكون على حبكته كائن، لكنه مش معقول
فاسمع يا عمي القول.. وركز بصبر حمول..
لو ع الوطن.. فـ أبيح..
بنفس أباحة الظابط اللي سحلني عشان يحميه
ولو ع البشر.. تماسيح..
هيبرروا دمي ونفسهم أخفيه
ولو ع الزمن فـ شحيح..
هوا كدا مفيش حاجة تحوء فيه
عهر الوجود مفضوح، وفجره شيء باين
فمتنتظرش الأمانة من دهر كان خاين
والموت جبان ما بيزورش غير الجبنا اللي بيخافوا
ولو صادف شخص مستبيع بيكش منه وبيخافه
ويلتفت عزرائيل عنه ويعمل نفسه ولا شافه
يا بايعين الوهم مش هتلاحقوا على سوقه
مطلوب بشكل كبير برغم عيوبه وبسوئه
وكل صاحب أمل.. أمله راكبه و بيسوقه
فأعلم يا صاحب السراب
بأن الحياة دي عذاب
وأعلم بأن الأمل
وسخ عشان محتمل
وكل ناقص جميل
ينقص جماله إذا اكتمل
أنجس ما فينا الأمل
ونجاسته هيا أسمى ما في طباعه
ساعات يشاور من بعيد
وساعات يبقى قريب، ويطلعلنا بتاعه
خاذوق كبير أسمه الحياة
مهما حذقت واتسع خرمك بردو لن تساعه
وأنا خاذوق الحالمين
وكل حالم يروح يتنيل على خيبته
الملل هو سيد المشهد
قبل وجودنا سبقنا ونصب خيمته
فمتتفائليش خيرغير بالموت
وأفرح بكل يوم يجري عليك ويفوت
يا زفرة صاهدة في تنهيدة
طالعة بتهد في الملكوت
يقيني بالله يقيني أم يقيني باللا يقينِ؟
صرح اليقين خايخ اساسه الجهل
والشك دايخ وبايخ وآخرته توهة
لو كنت تايه وأنتا مش عارف
أو حتى عارف كانت هتفرق أيه؟
يا واخد الشك في الطريق عنوان
العتمة زي النور طالما كل البشر عميان
الشك بردو على مرارته مبيوصلش
والمعجزة اللي بيحكوها حتى لو حصلت
فـ ليه دلوقت مبتحصلش؟؟
فأعلم يا راعي الدين بإنك خنيق وبضين
وأعلم بإن الجهل بيقلب ساعات ليقين
فكفاية بيض ع الناس الخلق مش ناقصين
مش كل من خانوا الرسول يبقوا كفرة ومنافقين
شوية من ولاد الوسخة أتباعه كفيلين يهدوا الدين
زمن النفاق ولى لما الايمان خامه بقى طعمه كله نفاق
ومفيش سكينة في خوف، ولا في اله بخناق
وأعلم بإن آلهك لا يقم ولا يأخر
كل اللي آمن بالإله بيجي في أخر السكة متأخر
والحكاية كلام كتير..
ربما.. لعل.. وإذا..
وهكذا.. وهكذا.. وهكذا..
بتلهيني زحمة الناس وحكاياتهم
عن زحام الروح
ويشاغلني صوت ضجيجهم في خناقاتهم ..
عن خناقة دايرة فيا في نهايتها ديما جروح
فبكون في عز قلب الزحمة فاضي
ناسي نفسي، وناسي بكرا، وناسي ماضي
ولما بتعب من قرفهم، ولما بقرف من تعبهم
بختلي بنفسي لنفسي، وبعدها يبدأ زحامي
الخلوة هيا الزحمة عندي
واللي منها بيتولد تلتارباع كلامي
ملقتش نعمة في الهدوء
ملقتش ألفة في الزحام
ملقتش هدنة في السكوت
ملقتش راحة في الكلام
هتعيش شجاع هتعيش تكش
جربتها على كل وش
وعرفتها دنيا تغش
تبان لطيفة وهيا أصلا مقرفة
وتبان حقيقة، وأصلها وهم وصفة
ناقصة لكن نقصها غاية التمام
وعرفت بردو بإنها شمال مش تمام
وعشان كدا بكون في عز الزحمة فاضي
وفي عز قلب الفضا مزحوم
جمال الحاجة عندي في غيابها
عشان في حضورها ديما بسيبها وأقوم
شعوري بير مهجور كبير
والشعر طير حواليه يحوم
الكلمة شخص غرق خلاص
والمعنى فيه لازال يعوم
فتشوفه طافي رغم إنه ميت
تفهم آوام.. آخر الكلام..
تكذب عينيك وتقول في سرك
مفيش غرقان ممكن يعوم
ومفيش أي شيء ممكن يدوم
بعدها تسئل عينيك الكدابين
الموت دا وحدة واغتراب، ولا وصول
فتزوغ النظرة فيهم أكمن السؤال مجهول
اللي انتا عارفة كويس وحدتك
الوحدة زهد ووجع وترف وصوم
ومفيش زحمة باقية
عشان تبقى فيه وحدة ممكن تدوم
فكل ما يزورك سؤال جاوبه ديما بانشغال
احمي نفسك منه بإنك تلهي نفسك بالخيال
المستحيل الصعب جدا يبقى بردو احتمال
والجواب اللي أنتا عايزه هو موتك
فيا ترى موتك محال؟؟
ع الرف هناك فيه لسه مكان لسنين جايين
ولحتى سنين لسه مجتشي لكنهم شبه الفايتين
ولحد الآن رصيت ع الرف ستة وعشرين
وسع يا بني ع الرف مكان باقي من المهلة
إذ ربما خمسة وتلاتين
دا لو يعني كنت طبيعي
وهموت من بعد الستين
أما لو انجزت بسرعة
فأعلم يا شقيق..
إن الحظ ساعات بيواتي
فبيكرم وبيدي المجانين
أمتى أطلع منها في نص المدة
زي ما بتقول القوانين
لكن أضمن أرص كويس
محدش عارف هيموت أزاي أو أمتى وفين؟؟
طالت أو قصرت يا صديقي
أهي دنيا الرغم وأدينا عايشين
وأيام بتروح وأيام تيجي بردو ما بكبرش
أنا أصلي عجوز من يوم ما أمي صرخت فيا
ورمت بيا بعاشر طلقة في قلب الدنيا
موجوع من لحظتها، لكن مبعيطش
والدنيا تدربك تتسهدم أو تلطش لطش
أنا ساكت بردو مبنطقش
فتزهزه وتبرجس نرجس
وتفكرني ههيس وأرقص
لكن أنا صامد ومبفرحش
سايب للعمر الوقت المر
وسايبلي الحبل على الغارب
ما أنا أصلا حر
والحبل طويل كما حبل غسيل
متلعبك مع خيط تسجيل
مهما شدته مبيقطعش ..
كم قصة وحدوتة عاشتني
وأتصدقت كأني رسول
وأيه يعني كان آخرتها
بعد الحكبة وسبك الدور
ضحك الكومبارس عليا
وقال في خياله دا واد مخبول
وفي ناس بردو دخلوا وخرجوا
وكتبوا عليا كلام بيقول
اللعنة.. اللعنة على المجهول
محبوب من يومى لحد الكره
وعشان كدا كاره نفسي بكل الحب
عذبة يا روحي زي النيل
ماشي عشان في البحر يصب
وأنا أمتى هطب؟؟
وتزعل كل حاجاتي عليا
ويودعني اللاب توب
أنا عارف إني مش عارف
إن كنت عرفتني، ولا بخطرف
زهق القرف الساكن فيا
أكمني مبعرفش أقرف
لكن على كلن يا حبيبي
وسعلي مكان ع الارفف
وسعلي مكان لسنين ماسخة
بايخة وجايلي بتستظرف
مهما استظرفتي يا سنيني
يفضل في عيوني الموت أظرف
شايف روحي في الموت لايق
وأكيد في نهايتي هكون ألطف
وأكيد في نهايتي هكون ألطف

للاستماع إلى تلك القصيدة أضغط هنا

الجمعة، 6 مارس 2015

هواجس ‏اللا ‏معنى

           

لا أستطيع أن ألتقط أول الخيط.. مشوشا يأتي الكلام، وينتحر.. هنا أموت.. لم أمت بعد، فيا ليتني أموت.. بئس الوجود إن لم أمت.. بئس العدم إن مت فعلا، ولم أمت.. من قال إن الموت موت، أو حياة هو كاذب.. وأنا كاذب أيضا أفتري حديثا كاذبا على الموت.. لم تقنعني حياة منتهاها الموت، ولا حتى موتا سيفضي لمنتهى الحياة.. مجهول أنا لنفسي تماما كالموت الذي يجهل نفسه، لكني مثله أجيد العبث.
إن لم يتلعثم حبر القلم على الأوراق.. إن لم أشطب كلمة واحدة.. فتلك نبوءة، وكل نبوءة تصدق اليوم ستكذب غدا بنبوءات جديدة.. والقديم والجديد كله كلام.. والكلام يفر من المعنى إلى المعنى إلى النسيان ليولد من جديد.. الكلام لا يفنى؛ لأنه مستحدث أصلا من العدم.
ليس معي من المعانى ما يكفي لكل هذا الذي لا أفهمه، ولا أعرفه، ولا أحدده.. من قال أصلا أن المعاني من الممكن لها أن تسع كل هذا الجهل.. تبقى المعاني دليلا دامغا على الجهل، لكنها على كل حال رغم هذا أبدا لن توافيه أو توفيه.

قطرة في بحر تعلو لتصبح غيمة، وتسقط في محيط الأحتمالات.. الحيرة تماما كضوء الشمس الذي يضرب في وجهي فلا أستطيع أمامه إلا أن أغمض عيني.. اقول في العتمة الحالكة حتى وإن فتحت عيناك لن ترى إلا سوادا صارخا.. وفي الضوء الساطع حتى وإن أغمضت عيناك لن ترى إلا بياضا صارخا.. وأنت في الحالتين أعمى.. لا يمكن أبدا ﻷعمى أن يحتار في الألوان.. ليقول هذا أبيض صارخ،  وهذا أسود صارخ.. السواد والبياض سواء.. السواد والبياض عمى..

قلت يوما لنفسي ربما ينبغي عليَّ أن أحتفظ لنفسي بشيء من الوجود الذي فرض عليَّ، ﻷكون موجودا أو حتى ﻷكون نفسي.. كنت أعرف أن كلا الأمرين حتما سيسقيني الأمرين.. متقمصا شخصا ليس أنا مرارا راودتني نفسي "لن أترك ارادتي تتفتت كل يوم حتى لا أكون مسخا مشردا يفر من نفسه فيها.. أذن ﻷبقى أي شيء.. لأبقى سماء وحيدة تطل على زحام ما تحتها دون أن تشارك فيه.. ففيَّ ما فيها من العلو والرحابة و التكبر واللامبالاة والغموض واللانهاية والتقلب.. كذبت رغم أني لم أكذب.. في كل يوم كان يأكلني زحام الأرض.. وزحامهم حولي يزيد الأمر تعقيدا و إرباكا.. في كل مرة كانوا يرفعون أعينهم إلى السماء كانوا يرفعونها فيهم بلا عمد أو سند.. من قال أن سماء كتلك ستكترث ﻷمر التافهين من أمثالنا الذين يرفعون ذكرها وشأنها.. إذا رفعت قدر شيء أعلى من قدره،  كنت بالنسبة له في قدر أحط من قدرك.. هم لا يزالون يمسكونها بأعينهم لتبقى فوق.. كم مرة قلت لهم.. ترانا السماء ضئيلين جدا نظرا ﻷننا نراها عظيمة جد.. كذبوني، وصدقتني، وبقيت الأرض مرتحل الناظرين تدهسها الأقدام بالأحذية.. من الواضح أنه لابد للميزان أن يستمر مقلوبا فقط؛ لكي يستمر..

يقول لي الوجود.. أنا يعني أنك هنا.. دع الكلام على سيجته، ودع المعاني تذوب معنى معنى في ضرام الحرب.. ولا تسئل متى تزول الحرب.. فالسلام لن يحل إلا على العمي البكم الصامتين الذين لا ينتظرون السماء، ولا حتى ينظرونها.. الكلام هو السماء، والعراك سيستمر.. أعلى سقف لكم هو الكلام.. لا يمكن تخيل سقف بعده.. ستستمر الحرب طالما ظلت السماء تمطر بالكلام.. ستستمر الحرب إلى أن تنطبق السماء على الارض من فرط الكلام.

من فوق عرشه يناديني بصمته ولامبالاته.. أو هكذا أزعم.. حملني بكل هذه العوارات، واستتر عني، وهو بلا عورة.. ربما منطق كهذا الذي حدث يجبرني على القول بأنه ليس موجودا؛ لأني لو قلت بغير هذا لخالفت عقلي وجننت.. حينها يرفع عني القلم، وأسقط في عالم الدراويش المجاذيب الذين يرددون الحقائق على المسامع، ولكن لا يلتفت إليهم أحد.. فقط لأنهم خالفوا ناموس العقل الذي يراه الجميع ناقصا عاجزا قاصرا لابد أن يخالف؛ ليأتي بالجديد، ولكنهم رغم هذا، وكالعادة يرفضوا جديده في البداية بمنتهى الفزع.. ربما يفعلون هذا ليمنحوا أحفاد أحفادهم فرصة ليعتبروا هذا الجنون في عصور لاحقة منتهى العبقرية والعقل.. يستمر العقل قاصر كي يستمر الجنون هو عقل الغد.. ويستمر هو فوق عرشه صامتا لامبالي.
لو أني فعلا أعرف ما أريد قوله لمت من فرط الزهو بنفسي، ولكنى لا أعرف.. ورغم هذا لا أكف أبدا عن الكلام.. ربما نظرا لهذا أبعثر في وجوهكم ما يجود به العبث، وما ألتقط أشارته من أرسال الهذيان، حتى وإن كان لا يعني شيئا؛ لأن اللا معنى بذاته يعني الكثير والكثير..

الجمعة، 20 فبراير 2015

أنموذج الرقص على السلم


20 فبراير 2015
الواحدة بعد منتصف ليل القاهرة، درجة الحرارة 7 مئوية.
"ربما الشتاء يحاول أن يقدم أفضل عروضه قبل أن يرحل"

رائحة أنفاسها تملأ أنفي. ربما نسيت عطر أنفاسها بأنفاسي. طعم قبلتها يصرخ في فمي المتورم قليلا من فرط شغفنا معا بالقبل وبالهروب. هنا والآن بعد واحدة من أهدى وأعتى محاولة للهروب من حصار أوجاعنا وأوجاع الإنسانية بأسرها، والتي تتكالب علينا معا كل على حدة منفردا. 
من على مسرح الوجع، وتحت بقعة الضوء المزعجة أحدث نفسي فيكم من جديد. المآسي لا تزول بقبلة، ولا حتى بمليون.. واللامعنى لن ينبض فيه معنى، ولو حتى بمليار حضن رحب يتوهج حبا صافيا كالماء.. إنعدام الغاية يأكل كل شئ.. يأكل نفسه للحظات على هيئة النشوة، كي يولد من جديد.

لا بأس عندي أن أتعرى أمام الجميع، ولكني أدرك بأن الجميع لا يهمهم الأمر. فلو حتى ألتفتوا إليه، فأن غالبيتهم يلتفتون من باب الفضول المتسم أيضا بالهروب من حكاياتهم، والقلة الآخرون يلتفتون من باب التأويل والتفسير، وربط ما أكتب بما أفعل؛ كي تظهر لهم حقيقتي ليهاجموني أو حتى ليدافعوا عني. ليس لي حقيقة.. أنا أكتب أي شيء، وأفعل كل شئ بلا أي غاية. لو كانت لي غاية لكان من السهل فهمي بسلاسة ويسر منذ البداية، ولو حتى فقط لنفسي، ولكني فعلا لا تحركني أية دوافع لقول ما أكتب، أو لفعل ما يحدث.. أنا منعدم الغاية تماما كإنعدام الغاية من الوجود.

أنا لست أي شيء.. لست عالما يفهم صنوف العلوم وقوانينها، ولا فيلسوفا يجيد بحث البحث أو فهم الفهم، ولا وجدانيا خالصا منبهرا بحيوية ضوء الشمس، وجنون البحر، وهدوء الليل الذي يضج بالسكون، ولا صاحب دين يحيل الحكاية برمتها إلى عالم ماورائي فيه من العجائب والحلول ما يجعله ملاذا آمنا من شقاء الحياة وهوانها، ولا فنان تناديه جنية موهبته فيسبح في موج بحرها اللجي بقارب إبداعه وتفرده، ولا حتى مثقفا متعمقا له دراية رحبة تسمح له أن يكون وجهة نظر منطقية تربط بين كل ما سبق. أنا ابسط من كل هذا.. أنا بكل بساطة شخص ملول، اندفاعي لإنهاء أي شيء يعادل اندفاعي للبدء فيه.. لم أكمل شيئا واحدا في حياتي. أنا أسرع من يدخل، لكني أيضا أكون دوما أول الخارجين.. أنا أكفأ من ينهي الأشياء قبل حتى رسوخ بدايتها. كل ما فعلته بكل هذا العمر أني تصفحت الوجود بأكمله سريعا كمن يتصفح جريدة كاملة في خمس دقائق. فكرة عامة عن كل شيء، ذلك أن داء السأم الذي يصيبني لن يسمح لي بأكثر من ذلك.

أنا مثال صارخ لفكرة " اللي رقصت على السلم " المعنى الحقيقي لكلمة "شوشرة" كما كان يطلقها علي أبي منذ الصغر. ليس في وسعي أكثر من ذلك.. أن أكون مجرد شوشرة أفكار لشخص يرقص على إحدى درجات سلم في برج مكون من ملايين الطوابق.. أرقص على كل درجة دقيقة، وأنتقل إلى أخرى دون حتى أن أتم الرقص.. كنت شيخا ناسكا، ولم أكمل.. متعلما متفوقا، ولم أكمل.. فنانا ملهما، ولم أكمل.. وجدانيا صوفيا، ولم أكمل.. منطقيا متفلسفا، ولم أكمل.. عبثيا متخبطا، ولم أكمل.. كنت كل شيء بدرجة لم تسمح لي بأن أكون أي شيء.. هكذا أنا وجدت نفسي لسوء الحظ، أو لحسنه.. لا أدري.  ولهذا أعذروني أو فليكن ما يكون على نحو ما قد كان سلفا حيث لم يتغير فيَّ أي شيء، ولو حتى تغير كل شيء.

الثلاثاء، 10 فبراير 2015

الموت


إنه لتصور سيء هذا الذي يفترض أنك سوف تموت، ويتعفن جسدك ويتحلل، بينما تبقى روحك موجودة لتتابع هذا المشهد، ولكن ما أمر به يجعلني لا أكترث لكل هذا الهراء؛ ﻷنني في السنوات القليلة الماضية مررت بما هو أسوأ، حيث أنني عشت نفس التصور بشكل معكوس. مت وتعفنت روحي، وتحللت بينما بقى جسدي حاضرا فقط ليتابع المشهد. وبرغم مأساوية طرح كهذا إلا أنه يبقى للموت مزايا كثيرة تستعصي على الحصر. 

إن من صفاء لون الموت، ونقاء خامته، وجودة معدنه أنه هو الشيء الوحيد الذي لا يُحسد رغم كل هذا التناحر الذي يملأ العالم، وبرغم كل هذه الضغائن التي تضج بها النفوس.  فحتى وإن كنت محموما بالحياة لدرجة تتمنى من فرطها راحة الرحيل. أو أعياك الوجود لدرجة أنك ترى في العدم نعيما مطلقا لا يضاهى. أو أصبحت الدنيا فوق صدرك حجرا جاثما لا تستطيع إزالته ولا تجد حيلة مع مسببه، ولا تستطيع موتا تحته. حتى وإن أصابك ما أصابك من عذاب، ومهما لحق بك من أذي لا يطاق جعلك تتوق إلى نعمة الموت.
إذا أختطفت راحة الموت روح أحدهم أمامك دونك. لن يستطيع سهم الموت الطائش على قربه منك حينها أن يحرك في نفسك شيئا من الحسد تجاه من فاز بمقعد الموت دونك أو أن تتحرك في قلبك ضغينة لمن تقدم عنك لتتأخر. إن أقصى شعور ممكن أن تفعله مع الموتى هو أن تغبطهم على فوزهم دون فوزك وعلى راحتهم دون راحتك؛ لأنك مهما حاك في نفسك من زوال نعمة الموت عنهم، فإن الموت لا يزول. إن الموت يا عزيزي هو النعمة التى لا تحسد والتى غفل عنها البشر وكرهوها نظرا لأنها الحق.  وما أكره البشر للحق، وما أبعدهم عنه وعن رحابه. إن الموت هو الفوز العظيم الذي يعلمنا دروس الغبطة رغما عن سوءة نفوسنا وسوءها وضغائنها.

فأعلم أن الموت هو الحق الذي يفتح به باب كل حق، وهو الصدق الذي يفر منه الكذبة اللاهون الملتهون عنه بقبح زيف معناه، وبزيف حسن حياة عاهرة تنضح بالقبح، وتصرخ بالبذاءة والدناءة.

الأحد، 18 يناير 2015

كابوس ‏عندما ‏تصير ‏أنت ‏الآخر (قصة قصيرة)


رجل يجلس خلف زجاج نافذة مقهى شهير في صحبة مشروب دافئ.. يمرر نظره على المارين الذين يسرعون في خطوهم إتقاء للمطر، وبينما هو يمرر نظره على المارة يتوقف بنظره عند أحدهم.. يدقق النظر.. يندهش.. يدقق من جديد.. يحدث نفسه: إنه هو أنا من يمشي بين العابرين، ويسرع في الخطو.. إنها خطواتي.. تأخذه الدهشة، ويصبح المشهد أمامه رماديا باهتا من فرط هولته.. يبهت ويبهت، ليعود من جديد واجداً نفسه يسرع في خطواته، والمطر يصيب رأسه ويديه.. يتوقف.. ينظر على الرصيف المقابل، ليجد مجموعة من المراهقين الذين يلهون ويمرحون تحت المطر.. يجد أحدهم يلوح له.. يتأمله، ويطيل فيه النظر.. ليجد نفسه من جديد.. إنه يلوح لنفسه من الرصيف المقابل بينما بعض المراهقين يلهون تحت المطر بينه، وبين الآخر الواقف على الرصيف المقابل.. يتوقف عقله للحظة، ثم سرعان ما يعود للوعي ليجد نفسه في صحبة هؤلاء المراهقين يشاركهم الصخب، والسخرية من بكاء السماء، ومن فتاة تحتمي بيد فتى يحتمي بالحب.. ووسط النكات والضحكات يصمت، ثم يفكر.. يحدث نفسه ساخرا: لقد كنت يوما أنا ايضا احتمى بالحب.. يغيب في الفكرة.. يشعر بدوار خفيف.. يكاد أن يسقط ليجد يد فتاة تمسك به.. يحملق في وجهها الباسم، ويصمت امام سؤالها: ما بك يا حبيبي.. يبتسم.. تحدثه من جديد: أترى هؤلاء الباعة الجائلين هناك.. أنهم يكدحون ببضاعتهم الزهيدة الفاسدة تحت المطر، ورغم البرد.. إنهم لا يطلبون سوى فتات الرزق الذي لا يجود به سائقي السيارات الفارهة التي تغلق زجاجها بضغطة زر في وجوههم.. إنهم فعلا يستحقون الشفقة.. يحول نظره نحوهم، ليجد أحدهم يقترب منه مبتسما؛ ليبيعه وردة.. يقترب أكثر وأكثر.. يصرخ: هذا أنا من جديد.. هاهنا يصمت الجميع.. يتوجهون إليه بنظرتهم المندهشة من صراخه.. الجميع هم هو الذي ينظر إلى نفسه.. الجميع مندهشين منه بنفس درجة اندهاشه منهم، ومن نفسه.. وعندها تضرب العاصفة من جديد، ويدوي صوت الرعد بقوة في الأرجاء.. فيستيقظ جالسا في سريره.. ينظر إلى ساعة الحائط.. السادسة.. لا يستطيع أن يحدد أن كانت صباحا أم مساءا.. يشعل سيجارة، يقوم إلى نافذة الغرفة ليتبين الأمر ليجد كل شئ على ما يرام.. المطر لازال يتساقط حزنا.. المارة يسرعون الخطو، والفتاة تحتضن ذراع فتاها، والباعة الجائلون يستعطفون سائقي السيارات، والمراهقون يلهون تحت المطر ويسخرون، ويرى من بعيد واجهة المقهى الشهير، ومن خلفها رجل يجلس، لكنه هذه المرة لن يدقق النظر.. لن يفكر.. يعود إلى سريره مسرعا هامسا لنفسه: إنها السادسة مساءا.. السادسة مساءا، وحسب..

فيوضات العبث