في خضم هذا الزخم المعلوماتي العملاني التكنولوجي المادي المحموم هل في وسع الإنسان العادي شيء سوى الإنكباب بذاته على ذاته؛ ليلبى متطلباتها المادية النهمة بعملانية نفعية بحتة متناسيا عمق وجوده، والبحث عن مغزاه، بل ومتجاهلا تطوير مسلك وعيه، وتأصيل فلسفته في الحياة؟؟ هل بوسع شخص عادي أن يلم بكل تلك المعلومات والأخبار والمآسي أصلا وهو يدور كثور معصوب العينين في ساقية تسليع كل شيء، وتقنين الحياة في ذهنه كمصلحة، وتأطيره كمجرد مستهلك؟؟ هل بوسع أي عقل أن يفند كل هذا القدر الهائل من التراكم والتضارب بين نفسه وبقية البشر، وبين البشر والعالم، وبين العالم كوجود والعالم كماهية، وهو يدرك تدني قيمته من الأساس في خضم تلك الفوضى الحادثة؟؟ هل بوسع أي قلب أن يتعاطف أو يحب أو يتحمس أو يدعم أي فكرة مجردة لذاتها دون أن تثنيه مصلحته، أو انشغاله، أو حتى لا مبالاته وعدم قدرته؛ نظرا لاستشراء نسبية كل شيء وفقا للعلم والحاجة؟
أعتقد أن الانانية هنا، وتضييق دائرة المصلحة والمنفعة والتي يتقلص معاها أيضا ما تبقى من دائرة منظومة القيم والمبادئ المثالية القديمة أمر يفرضه الواقع لا خيار للناس فيه، لكن تكمن الخطورة من وجهة نظري في امرين..
أولهما:- التناقض الحالي
حيث كم يستطيع أن يصمد الإنسان بين مثالية الماضي التي لازال يدعيها؛ لتحفظ للحياة ماء وجهها كفضيلة، بينما مادية الواقع تتفاقم في تسارع محموم؛ لتنتزعنا مرغمين من رحابة المعاني الفضفاضة للحياة؛ لتوردنا مقهورين محدودية الحسابات الدقيقة المجردة وضيقها، وكأن الوجود يعمل كآلة بلا أدنى هدف؟؟ هل يستطيع الإنسان أن يحتمل تناقضا كهذا تهرول فيه نفسه إلى كهف الماضي المثالي خوفا من انصهارها وانحلالها، بينما جسده يندفع كسهم في عالم المستقبل المتسارع ماديا ورقميا ليضمن لنفسه مكانا تحت مظلة العلم بينما يظل واقعه ديستوبيا غرائبية مريرة إلى ما لانهاية؟؟
ثانيهما:- التمادي المستقبلي
حيث ماذا يبقى للإنسان من قيمته الأخلاقية أصلا حين يصبح أناني نفعي مادي عملاني أجوف مفرغ من أي معنى بتلك الدرجة من السوء الذي يتمادى؟؟ وهل بهذا التدافع نحن بصدد تشكل إنسان جديد تماما بمعايير قيمية وأخلاقية جديدة؟؟ وإذا كانت فلسفتنا المثالية الطفولية اللطيفة البريئة أوصلتنا إلى هذه النقطة السوداء، فإلى ماذا سوف تصل بنا تلك المنظومة القادمة عند اكتمالها ورسوخها في العالم وفي نفوس البشر؟؟ هل ينتظرنا فعلا ما هو أكثر رفاهية، ولكن أكثر مللا وضجرا واكتئابا وجحيمية؟؟ هل سيكون انقراضنا بإيدينا حيث ينتظرنا في النهايه انتحار جماعي عظيم نستخدم فيه منتهى ما وصلنا إليه من تكنولوجيا لننهي هذا الأمر؟؟









