الجمعة، 10 نوفمبر 2017

رسالة لها

صورة من فيلم One Day

أعرفُ جيدا أن الدنيا أسوأ بكثيرٍ من أن يُصلحها الحب، لكنكِ من خارجِ الدنيا أتيتِ؛ليبقى لي فيما بقى ثَمّة بقاءُ.. كأنكِ سماءٌ هبطَت إلى أرضي المتعبة؛ لتمشي السكينةُ إلى قلبِي المنهكِ بالخيباتِ، ولوعاتِ الشك.. هكذا ودونما أن أشعر في غمضةِ عين صرتِ اليقين.. صرتِ الحقيقةَ كلَها.. سنداً يدفعُني لاحتمالِ نفسي، والعالم.. أتوكأ حبك الصادق؛ لأخطو نحو غدٍ أعرف جيدا أنه لن تكلله الورود، ولن تزينه الزنابق، لكني أصدقُ في عيناكِ عمراً كنتُ قبلكِ لا أريدُ لهُ بأن يطول.. ربما الوجود أقبحُ بكثيرٍ من أن يطاوعنا، لكنني وعداً لأخرِ رمقٍ سأناضل.. فما أهونَ أن أحتملَ عمري لأجلكِ، بل لكم هو قصيرٌ -مهما طالَ- لأحتملهُ من أجلكِ.. وتبقي تستحقين دائماً أكثرَ مما في وسعي، بل أكثر مما في وسعِ الدنيا بأسرها.

الأحد، 22 أكتوبر 2017

خريف الوجود

   

الخريف.. حيث كل شيء مشحون بالخفوت.. مسحة رمادية تعلو ملامح الأشياء والأرجاء.. العام يتقادم باهتا في أخر شهوره.. ما أسوأه من عام، بل ما أسوأ الأعوام.. ها هو العام كما كل شيء ينطفأ وهجه.. تأفل ألوانه.. يعصف به الوقت.. هاهي الأحداث كعادتها تضيق خناقها من حولنا.. تحاصرنا لترغمنا أن نواجه عذابات الحقيقة مَرارًا ومِرارًا.. هاهو عالمنا الصغير يترنح على حبل الخطر المشدود بين السياسة والاقتصاد حيث الجوعى يبكون القتلى، والعدل يلعق حذاء الظلم كي يبقيه في واقع يسوقه الباطل إلى الهاوية.. هاهي حضاراتنا.. حيث النظم تدفعنا للفوضى، والأديان تجبرنا على الكفر، ولقمة العيش تستعبد ما بقى من فتات إنسانيتنا.. ها هو الغد يبصق في وجه الأمل قائلا: أبدا لن أكون أفضل. 

هاهو الوجود على حاله يا سادة يتغير بصخب.. هاهو أهوج نشط.. مصاب بفرط الحركة يضرب هنا وهناك غير مكترث بأمانينا المرتبة ولا ببحثنا على الحقيقة.. ربما المعرفة مستحيلة؛ لأنها غير ذات أهمية..

ماذا نفعل هنا حقا؟؟

نتبدل عصر "الجهل بالجهل" بعصور "العلم الجهل".. نملأ فراغ وعينا هراء.. نحشو خواء أرواحنا بمشاعر غامضة يتسيدها الحزن.. نحمل عبأ الوجود على عاتقنا دون أن يطلب منا، وأيضا دونما أن نريد..  
لربما حقا ما يؤرقني هو مزاج خريفي الطابع والهوى.. لا أستطيع معه أن أتمم عبارة واحدة قبل أن أمحوها.. ولا يسعني فيه أن أتأمل فكرة ما قبل أن يشتتني حدسي.. وربما تلك هي الحقيقة التي لا أقوى على مواجهتها فأعزو ذلك إلى مزاجي..

الأمر هنا أشبه بمتاهة.. كنا نسير فيها، ولا نعرف، ولكن على قدر ما كنا نسير كنا نعرف، وعلى قدر ما كنا نعرف كنا نضل، وعلى قدر ما كنا نضل كنا نكابر خوفا من أن يضيع جهد الماضي هدرا.. هكذا نستسلم للحاضر على أمل زائف بالمستقبل المخيف. 

لا تبكوا من أجل الموتى.. ما يحدث لا يصلحه الحزن، ولن تسترحمه الدموع مهما كانت صادقة.. الحياة موتة صغرى مضنية، بينما الموت جوهر يتنفس أرواحنا معنا.. يحصيها أكثر منا.. هي لنا نتنفسها حينا، بينما هو يتنفسها للأبد.. المعضلة أكبر من تفاصيلها، وتفاصيلها أكبر منا بكثير.. قدرنا أن نتخبط في المأساة إلى ما تشاء دون مشيئة أو إرادة أو خيار منا.. عزوا أنفسكم بالعجز.. روحوا عن نفسكم بالتجاهل، واعتصموا باللامبالاة ما استطعتم لذلك سبيلا.

الجمعة، 20 أكتوبر 2017

رذيلة الفضيلة



لا يوجد مبادئ على الأطلاق، بل ولن توجد مبادئ على الإطلاق -مهما بلغ التحضر- إلا من باب الإدعاء.. فالحضارة في ذاتها ليست أكثر من خدعة نستعلي بها على الحيوانات التي لا تفهم هرائنا، ولا تكترث لتعجرفنا الهش، حيث أنها تعيش الغريزة كما وجدت فيها بهدوء، وتموت في سلام دون كثر لغط أو ضجيج.

نعم كل أصحاب المبادئ من البشر مدعون ومزيفون منذ الأزل، وإلى الأبد.. ففي رأيي لا شيء أفسد الكون أكثر من وضع المبادئ وادعاء المثالية، وزحف البشر الوضيع حبوا في ركابها كونها هي الحقيقة.. أن أقذر رذيلة يرتكبها الإنسان هي إدعائه الفضيلة في حين تمضي الحياة بقوانين أكثر صرامة لا تكترث لمثل هذا الهراء الذي يملؤها بكل هذا الضجيج.

الآن يسقط الليبراليون المدافعون عن الحريات والمبادئ واحد تلو الآخر تماما كما سقط قبلهم من سنوات رجال الدين حماة الأخلاق والفضيلة.. وكأن الشأن العام للبشر نبع آسن لا يورده سوى القذارى المقززين، وهاهو الواقع في تفاصيل مجرياته يثبت ذلك طوال الوقت هنا في الشرق حيث التخلف أو حتى في أقصى بقاع الغرب راعي حمى الحرية والديمقراطية الحديثة المصطنعة.

من بضع سنوات واقعة لشيخ معمم وعضو برلماني عن التيار السلفي المحافظ يمارس فعلا فاضحا على طريق عام، بعده بأسابيع يطل علينا شيخا يخطب الجمعة باكيا متأثرا، ليظهر له بعدها سيلا من الأفلام الأباحية مع نساء متزوجات.. تتنتشر المقاطع هنا وهناك، ثم تتوالى من بعد ذلك مثل تلك الوقائع، بعدما ألتفت إليها الجميع، وأولاها المجتمع اهتماما.

هكذا سقطت العمائم البيضاء الناصعة في وحل الرذائل الدنيوية.. وهكذا أيضا سقطت من عيون الناس.. ومن أجل حفظ ماء وجه ما تبقى من مبادئ الدين والأخلاق تم تبرير مثل تلك الأوضاع على أنها مجرد حالات فردية تخص أصحابها، ولا تمثل الدين الصحيح..حينها صب المجتمع جام غضبه على هؤلاء كونهم اتخذوا الدين والفضائل ستارا للوصول إلى الحكم لتحقيق مصالحهم الدنيوية القميئة، وغرائزهم الشيطانية الوقحة، ليتم اسقاط التيار الأسلامي كله من سدة الحكم بعد أن كان قد وصل إليها بالكاد. 

والآن ينقلب الوضع على الليبراليين والنخبة المثقفة.. منذ عدة أيام فيمنست شهيرة من أولئك الداعمين لفكرة -الاسترونج اندبندنت وومن- تتسول على الملأ وتجمع التبرعات من أجل نفقاتها الشخصية، وبعدها مثقف ومتحرر يتضح بأنه متحرش مدعي جبان.. بعدها يتهافت المثقفون الأفتراضيون واحدا تلوا الآخر هلعا على صفحاتهم لتبرئة ساحاتهم من تهم التحرش.. ولتبرئة ما تبقى من مبادئ الحرية تخرج الفيمنست المتسولة ببيان توضيحي توسلي يستجدي شفقة المتابعين شارحة فيه صعوبة الظروف، وقصر ذات اليد..  ويخرج المتحرش الجليل باعتذار مقيت يتصارع على آثره آخرون دفاعا وهجوما كون هذا الشخص المتحرر المتنور لا يمثل حقيقة الحرية النبيلة، ولا كنه الليبرالية السمحة، ولا روح الثقافة الناضجة، وأن قلة مندسة مدعية كاذبة قد تستخدم تلك الأمور ستارا للوصول إلى غرف النوم أو للشحاتة.. وأن الخطأ على كل حال وارد، ويترك الجميع أصل الفكرة، ويهرعون إلى الأختلاف حول قيمة الأعتذار وجدواه.. وتفاصيل البيان الآخر ومنطقية وصدق ظروفه.

وها هي الحقيقة في رأيي تتضح جلية -ما بين طرفي النقيض في المجتمع يمينا ويسارا.. حفاظا وتحررا- وهي أنه لا توجد مبادئ.. لا يوجد شيء أصلا سوى افتضاح حقيقة النفس الإنسانية بمرور الوقت أكثر وأكثر.. تلك النفس التي تجيد الحديث عن المبادئ -أيا كانت سواء كانت أصولية رجعية أو تحررية تنويرية أو حتى فلسفية منطقية مجردة- فقط لتصل الى مصالحها، وتلبي حاجة غرائزها، وتجمل بشاعة طباعها الأنانية الفجة.

نعم الكل يتحدث عن المبدأ، وهو في قرارة نفسه يتمنى لو كان بوسعه أن يكسره، بل هو في كل الأحوال سرا يكسره.. فها نحن البشر منذ القدم نضع القوانين لنتحايل عليها.. نجتمع على قيمة الفضائل؛ لنبقي للرذيلة وهجها وجمالها بالتجريم، ونزكي قيمتها بالمنع وعدم الإتاحة.. نعم نحن الممعنون في تناقضنا المهوسون بأنفسنا المستغرقون في تحسين صورة الحياة، ونحن أقبح وأقذر ما فيها.. لم نرتضي بحيوانيتنا فلم ترتضينا؛ لنصبح في النهاية مسوخا تضيق بنا أنفسنا، ونضيق بها في وجود لا يستحق عناء المعرفة لاستحالتها وعدم أهميتها.. وتبقى قذارة النفس البشرية وتناقضها التي ابتدعنها بوعينا نبراسا في كل مكان وزمان للهراء والإدعاء واللاطائل واللافائدة واللاجدوى في خضم وجود هو رذيلة العدم الكبرى التي لا يستطيع أن يمحوها بكل فضائله التي لا يعلمها هو نفسه.

السبت، 16 سبتمبر 2017

خوارزمية الجنون


عمر الكون يساوي تقريبا ٧٠ ألف ضعف عمر البشرية على الأرض، ويساوي أيضا حوالي ٢٠٠ مليون ضعف لأعلى متوسط عمر بلغه الإنسان في خضم كل هذا التقدم العلمي والطبي الحالي.  إذا ما كانت تلك للأرقام حقيقة خلاصة ما اكتشفنا بوعينا، وبرغم هذا لا نفهمها، ولا نشعر بها على حقيقتها نظرا لضخامة تصورها على إدراكنا.. فما بالك بالوضع معكوسا كيف يرانا الكون داخله على هذا النحو من الضآلة التي تؤول للا شيء تقريبا؟؟ هذا على فرض صحة الأرقام من الأساس. 

أعتقد أنه من جهة الكون الأمر أشبه أنك تضيع مثلا نصف دقيقة خلال خمس سنوات للتفكير في تفاهة لانهائية التفاصيل، ليست ذات معنى أو شأن.. تماما محض لحظة عابرة تمر عليك تشتت تركيزك دون جدوى؛ لتسهو عنها فتنساها، لتبدأ شيء جديد. أما من جهتنا ليس بوسعنا إلا أن نبالغ في الاحتفاء بالعلم؛ لنواري سوءة جهلنا بالحقيقة رغم كونه ليس أكثر من آلية رصد حسية ظاهرية، ومجرد محاولة عقلية منهجية قاصرة للتفسير.. لكنه يعد مع ذلك آلية هروب جيدة نسبيا من مرارات الخواء واللا معنى. 

الاشكال من وجهة نظري يكمن في كون الإنسان يرى الأمور من جهته فقط، ولا شيء في الكون يراجعه في تلك النظرة.. ربما لا يراجعه أحد لسفاهته، وقلة شأنه، وغباء تصوره.. وربما يكون لا شيء أصلا يكترث، والإنسان هو من يتعب نفسه دون جدوى.

بناءا على ما تقدم وعلى مستوى وجودي مجاوزا للكون والإنسان.. لا يمكن اعتبار الوجود حدثا مدهشا حيث أن ذلك مجرد افتراض يدحض نفسه، ذلك لأننا ببساطة في خضم الوجود لا يمكننا اختبار العدم الذي ربما يكون مدهشا بطريقة أكبر وأعظم.. بمثل تلك الفكرة يمكن دحض كل ادعاءات الدقة والنظام والأبداع في الكون، بل وكل تلك الصفات العظيمة التي نلصقها به حيث لا يمكننا تصور أي شيء خارج عن وجودنا فيه.

فالوجود بشكل عقلي مجرد يطفو على سطح بحر هائج من الأضداد بطريقة مريبة نرى فيها جواهر الأشياء مبعثرة جدا، بحيث لا يمكن ترتيبها إلا إذا أنتظمت في خيط عقل كادح يتهيب أصلا من حقيقة إنفراط عقده عبثا.

وكنتيجة لذلك لا يمكننا غير الاستسلام لفكرة أن الحياة ليس بوسعها أن تكون أفضل نظرا لوجودنا، وليس بوسعنا أن نكون بحال أفضل من ذلك نظرا للحياة.. جدلية تتغذى من نقيضيها.. نظام معزول ومحكم.. آلي الحركة.. ذاتي التأثير والتأثر.. ثابت السوء.. يتمادى في الحفاظ على نفسه.. الحياة محنتنا الأولى، وفي نفس الوقت هي عزاؤنا الوحيد في تلك المصيبة.. نحن أبنائها العاقين الذي تبقي عليهم حبا فيهم تحت وطئة الأمومة، وعقابا لهم بداعي العقوق.. خلل جذري ضارب في عمق كل الماهيات نظرا لاستقرارها رغم تضاربها.. ونظرا لتضاربها المؤدي لاستقرارها.. خوارزمية جنون معقدة تستعصي على الجنون فضلا على العقل.

الخميس، 14 سبتمبر 2017

مكتسبات ما بعد الثلاثين


لازالت هناك أشياء جيدة في حياتي.. يكفي جدا أنني في الثلاثين، لكن مازالت بصحة جيدة.. نظري ليس حادا، لكنه إلى الآن لم يرغمني لارتداء نظارة.. ألتقط صورا ضبابية مشوشة، ولكن هذا يقيني الأثار السلبية للتدقيق في الوجوه العكرة.. أسناني منتظمة بيضاء تميل إلى الاصفرار مع ضروس جميعها محشوة بحشو صناعي له نفس اللون المصفر. اقتلعت منهم ضرسين للعقل؛ لتخفيف حدة التفكير، وتجنبا لحشو العصب.. أمتلك أيضا ظهرا خربا أفسدته "عفشة" سيارتي التي أفسدها الصنايعية حينما حاولوا مرارا إصلاحها بعدما أفسدتها الحفر والمطبات المنتشرة في طرقات ربوع هذا الوطن المتآكل.. لا أنكر أن ظهري يفسد علي كل شيء تقريبا.. يقض مضجعي.. يقاطع أحلامي؛ لأستيقظ منها متألما فزعا.. لكن لا ضير أيضا يكفي أنه صديق صدوق تصاحبني آلامه الحادة في الليالي الهادئة كي لا أبقى وحدي أمام آلام تذكر خيبات الوطن، وخيباتي.. لازال جهازي التنفسي جيدا نسبيا يتجاهل ثلاثين لفافة من التبغ يوميا لمدة تتجاوز العشرة أعوام.. لازال يعمل بكفاءة مع أعطال بسيطة تظهر من حين لأخر رغم أجواء هذا الوطن الغارقة في العوادم، والتراب الناعم المثير للحساسية.. جهازي الهضمي حوله الكثير من علامات الاستفهام التي لم يجد الأطباء لها تفسيرا.. وجبة واحدة تكفي في اليوم دون مشاكل، وهذا شيء يضمنه لي عدم حبي لتكرار فقرة الأكل المملة ثلاث مرات يوميا.. شعري يتساقط بانتظام مع تناثر أعداد بسيطة من الشعرات البيضاء في الأرجاء.. أيضا وفي هذا السن لازالت بعض البثور تظهر في وجهي تاركة من خلفها ندوبا لطيفة، لكنني أعتبر ذلك تنفيسا جيدا لحالتي النفسية المزرية، وتقلب مزاج هرموناتي.. كما قلت لك في حياتي لازالت هناك أشياء جيدة.. ما أروع أن تعيش ثلاثين عاما في الجحيم، وتظل بصحة جيدة لتصلح للألم.

الأحد، 10 سبتمبر 2017

الوجو الأعور


على جثث ما تبقى أريد أن أكتب شيئا لا أعرفه.. حقيقي لدرجة أني لا أجده في اللغة.. صادق لدرجة تتجاوز ألاعيب البلاغة، وحيلها.. موجع بدرجة تشبه صمت الموتى، وخواء الفراغ.. شيء أشعر أنه يفلت مني كلما هممت بالإمساك به؛ لدرجة جعلتني لا أريد حتى أن أعرفه. 


السائل الأزرق قد يغري الحمقى، أما أنا فلم يبق لي شيئا لأمحوه فضلا على أن أكتبه.. بياض.. كفن ناصع من الصفحات.. لا أعرف تحديدا من كتب اسمي في تلك المهزلة؟؟

ما أشبه ما لا أعرفه بما أريده، بل ما أشبه ما لا أريده بكل ما أعرفه.. المكان هنا ينزف وقتا.. وقتا.. ينزف مكانا ما هناك. من حيث تدخل تغلق عليك الدائرة؛ لتبحث عما لا تعرف هربا مما عرفت، وتهرب مما لا تعرف بكل ما عرفت.. هكذا يتلاعب بي الخيال.. تتجاذبني الظلال.. كهوف بعضها من بعض.. كذبة واحدة تكفى جدا لأن نكذب إلى ما لانهاية دون مبرر أو قصد.

العدم أعمى.. أطفأ سيجارته المشتعلة في عين الوجود.. يالها من صدفة.. ياله من سوء حظ تناثر على إثره الرماد بعيدا في وجود أعور.. بعيدا حيث أنفخ الدخان متتبعا أثر ما لا أعرف أثره.. ظنا مني أنه سيؤثرني على نفسه كي لا تمتلأ الصفحة فلا تمتلأ المنفضة.. ظنا منه أنني لن أكتب ما جاء عبثا رماد وهذيان.

السبت، 26 أغسطس 2017

على المحك




(1)

على المحك
ثلاثون دهراً،
والسرابُ كما هو..
غيمتان، وظلٌ واحدٌ،
والأرضُ مرآةٌ..
ترابٌ معتمٌ يعكسُ
عتمةَ الأشياءِ والأحزان.
غموضٌ مربكٌ يشحذُ
إنثلامَ ذهنٍ ثملٍ تشتتهُ
الهلاوسُ والظلال.


(2)

على المحك
أبعثرُ الأيامَ بحثاً
عما لا أعرف.
ألملمُ ذكريات الحلمِ عبثاً،
مع ما تناثرَ من مهملات.
أتركُ أغنيةً في المنتصفِ
مع كوبٍ من الشاي،
وأنهضُ للزحامِ
جسوراً غير عابئٍ
بالضجيجِ وبالرهاب.


(3)

على المحك
أخونُ الوقت
بقدرِ ما تخونني الكلمات.
أكتبُ ما جاءَ عبثاً
وأمحو عن الأوراقِ
كلَ من بددوني،
هكذا أطربُ لفوضايَّ الرتيبة،
وأبتسمُ من اللاشيء..
وأشعلُ سجائري من بعضها
مستهتراً بالعمرِ وبالقلبِ
وباكتشافِ النار.


(4)

على المحك
أقرأ؛ لأنسى.. أعرف؛ لأهذي
لأغضُ طرفي عن عالمٍ
في كل يومٍ
يفيضُ ضجراً بالبشر
يضيقُ ذرعاً بالقدر.
عالمٍ بقدرِ ما أعرفهُ
يوردني الخطر،
فأخذُ من تفاهاتي البسيطة
حكمتي وعبرتي،
وألوذُ بالترحال.
أمرنُ مهجتي وبصيرتي
على ألمِ الضياع/
على طعمِ الوداع
بلا شقاقٍ أو جدال.


(5)

على المحك
أصدقُ من أحبتني
من آمنت بخيباتي
من صدقت بكلماتي،
فسامحتني على البعدِ
والصمتِ واللامبالاة.
أصدقها..
بعدد من خانوا.. ومن هانوا،
ومن لشرورِ كذبِهم استكانوا
أصدقها، وأبرأ إليها
من ضجري، ومن بأسي
ومن نفسي، ومن يأسي
ومن خمرٍ كعينيها
تهادت في رؤى كأسي.


(6)

على المحك
تقسو الحياةُ/ أقسى حتى
مما كنتُ أعدُ نفسي له.
تتمادى في عنفوانها
تدفنُ كلَ بقايا المشاعر
في بئر الصبر،
فلا يوخزني قلبي،
ولا يؤنبني ضميري،
ولا ينزغني الألم..
لأعود لحضن أمي
غريقًا يطلب طوقًا..
وليدا ينشد رفقا/
فيطربُ خفقاً في حماه.


(7)

على المحك
لا أدققُ في وجوهِ العابرين
لا أذكرُ الأسماء..
لا أتبين الطرقات..
مشوشاً أتناسى كل شيء،
كي أتلاشى الخوف.
هكذا أهزأُ بالحياةِ
على أملِ الحياة.
وأمضي وقورًا في مشيتي
متمثلاً خطوات أبي،
الذي لطالما عاندتهُ
كي لا أسير على خطاه.


(8)

على المحك
يقينٌ زائفٌ على وَشْكٍ وشكّ
قلقٌ لم يعد يقلق
وسكينةٌ غامضةٌ تعتريني
إتزانٌ ينضجُ على لهبِ الارتباك.
استسلامٌ للأشياءِ يعلن بدايتهُ
لأنتهي لما أنتهى لهُ الجميع.
مجرد وهمٍ أجوف يتباهى
برضاهِ العاجزِ عن نفسه،
أو كذبٍ سطحي ساذج
يصدقهُ المشككُ
صاغرًا وحزين
بانقطاعِ حَيْله وحِيَله.

الاثنين، 21 أغسطس 2017

كابوس لا يمر




دون مبرر.
كحجر يسقط
من قمة الأحلام
إلى هاوية الوهم.
تعدو.. وتعدو.. وتعدو..
وأعدو واقفا في مكاني..
مستسلما ألهث..
أغمغم في لهاثي.
يوشك قلبي أن يتوقف
يوشك أن يصبح
حجرا لامبالي
يسقط من خلفي
دون مبرر
في هاوية نفسي
التي لا تكفي لأي شيء،
ولا حتى لأن أفهمها.
لتعاد الكرة كل مرة
من جديد بشكل آخر..
ككابوس محكم
بحيث لا يمر.
ياللعنة

الأربعاء، 9 أغسطس 2017

في فن اقتناص الذات




قلبي يخفق
في هدوء وحيرة
كنورس يحط
على قارب يتأرجح
مربوطا إلى المرفأ.
كقبو أجلس وحيدا
في ظلام البيت...
بمثل ما يتحسس
الخطوات...
أتحسس الدقات
أمعن فيها،
فتمعن في.
وقع أضيع
على إثره سابحا
فيما قبل البداية،
ليمتصني السواد
عن أخري
عن أخره
عن أخر كل شيء
في ضباب الفكرة،،
كغيمة عابرة
تمتص محاقا وليد
في ليل شتاء
بطيء جدا، وحالك.
كأنه لا شيء إلا النبض
في الخلفية..
صدى يتكرر لذاته
مقيدا في انتظامه،
ساكنا في انتظاره
إلى أن يحين الصمت،
ليغادر هذا القبو بيته
حيث أمواجا أكثر صخبا
تنتظر القارب،
وسماء صحو
تتثاءب عن بدرها،
يجول في مدارها
نورس حر جديد..
كنهاية واقعة
تمعن في بدايتها
فيما قبل البداية.
ليخفت نبضي،
فتسكت عني حيرتي
كي لا أتحسس شيئا..
أو ربما لأتحسس
كل شيء.

الثلاثاء، 8 أغسطس 2017

المعلوماتية والبرجماتية وحتمية الانكباب على الذات

في خضم هذا الزخم المعلوماتي العملاني التكنولوجي المادي المحموم هل في وسع الإنسان العادي شيء سوى الإنكباب بذاته على ذاته؛ ليلبى متطلباتها المادية النهمة بعملانية نفعية بحتة متناسيا عمق وجوده، والبحث عن مغزاه، بل ومتجاهلا تطوير مسلك وعيه، وتأصيل فلسفته في الحياة؟؟ هل بوسع شخص عادي أن يلم بكل تلك المعلومات والأخبار والمآسي أصلا وهو يدور كثور معصوب العينين في ساقية تسليع كل شيء، وتقنين الحياة في ذهنه كمصلحة، وتأطيره كمجرد مستهلك؟؟ هل بوسع أي عقل أن يفند كل هذا القدر الهائل من التراكم والتضارب بين نفسه وبقية البشر، وبين البشر والعالم، وبين العالم كوجود والعالم كماهية، وهو يدرك تدني قيمته من الأساس في خضم تلك الفوضى الحادثة؟؟ هل بوسع أي قلب أن يتعاطف أو يحب أو يتحمس أو يدعم أي فكرة مجردة لذاتها دون أن تثنيه مصلحته، أو انشغاله، أو حتى لا مبالاته وعدم قدرته؛ نظرا لاستشراء نسبية كل شيء وفقا للعلم والحاجة؟


أعتقد أن الانانية هنا، وتضييق دائرة المصلحة والمنفعة والتي يتقلص معاها أيضا ما تبقى من دائرة منظومة القيم والمبادئ المثالية القديمة أمر يفرضه الواقع لا خيار للناس فيه، لكن تكمن الخطورة من وجهة نظري في امرين..

أولهما:- التناقض الحالي
حيث كم يستطيع أن يصمد الإنسان بين مثالية الماضي التي لازال يدعيها؛ لتحفظ للحياة ماء وجهها كفضيلة، بينما مادية الواقع تتفاقم في تسارع محموم؛ لتنتزعنا مرغمين من رحابة المعاني الفضفاضة للحياة؛ لتوردنا مقهورين محدودية الحسابات الدقيقة المجردة وضيقها، وكأن الوجود يعمل كآلة بلا أدنى هدف؟؟ هل يستطيع الإنسان أن يحتمل تناقضا كهذا تهرول فيه نفسه إلى كهف الماضي المثالي خوفا من انصهارها وانحلالها، بينما جسده يندفع كسهم في عالم المستقبل المتسارع ماديا ورقميا ليضمن لنفسه مكانا تحت مظلة العلم بينما يظل واقعه ديستوبيا غرائبية مريرة إلى ما لانهاية؟؟

ثانيهما:- التمادي المستقبلي
حيث ماذا يبقى للإنسان من قيمته الأخلاقية أصلا حين يصبح أناني نفعي مادي عملاني أجوف مفرغ من أي معنى بتلك الدرجة من السوء الذي يتمادى؟؟ وهل بهذا التدافع نحن بصدد تشكل إنسان جديد تماما بمعايير قيمية وأخلاقية جديدة؟؟ وإذا كانت فلسفتنا المثالية الطفولية اللطيفة البريئة أوصلتنا إلى هذه النقطة السوداء، فإلى ماذا سوف تصل بنا تلك المنظومة القادمة عند اكتمالها ورسوخها في العالم وفي نفوس البشر؟؟ هل ينتظرنا فعلا ما هو أكثر رفاهية، ولكن أكثر مللا وضجرا واكتئابا وجحيمية؟؟ هل سيكون انقراضنا بإيدينا حيث ينتظرنا في النهايه انتحار جماعي عظيم نستخدم فيه منتهى ما وصلنا إليه من تكنولوجيا لننهي هذا الأمر؟؟

فيوضات العبث