ها هو العالم الذي طالما ظننا أننا نسيطر عليه تمام السيطرة، وأنه طوع قيادتنا يخرج عن السيطرة، فنتخبط فيه كالعميان أو المجانين.. البناء العالمي الضخم سواء العلمي أو الصحي أو الاقتصادي أو الاجتماعي يثبت لنا أنه مهترئ للغاية، ومن السهل جدا أن يتداعى فوق رؤوسنا في عدة أسابيع.. كل نتاجات الحضارة الانسانية المتراكمة على مر عشرات القرون تبدو الآن هشة جدا ضعيفة المناعة من الممكن أن تنهار في لحظة..
لا يرجع ذلك الضعف والعجز لعظم جائحة الكورونا وسرعة انتشارها فحسب، بل يرجع في الأساس لهشاشة البناء الحضاري الذي ابتنيناه لنعيش فيه معتقدين في قوة امكانياته.. مؤمنين بعظم تحصيناته وقدراته.. أن هذا التمركز الأحمق الساذج حول نتاجات الحضارة لم يورطنا إلا في انتفاخ ذواتنا التي هي في حقيقتها لا تمثل أي شيء..
فعلى الصعيد العلمي أثبتت لنا الجائحة مدى بطىء العلم في مواجهة الكارثة، وعدم قدرته على مجاراة تسارعها بنفس الوتيرة، ناهيك عن فشله التام في التنبؤ.. لا يمتلك الكورونا مؤسسات محكمة ولا أجهزة مسؤولة ولا تمويلات ولا دراسات حين أعلن حربه الضروس علينا.. ها هو يزحف علينا في صمت ويقتلنا كالذباب دون قصد أو إرادة أو هدف.. مجرد كائن دقيق وبسيط ظهر فجأة.. ويخطو أولى خطواته في الوجود دون أدنى وعي منه.. فبماذا فادنا الوعي والإرادة الحرة والعقل والغاية وكل هذه الهراءات التي طالما زعمنا بها لأنفسنا الأفضلية..
أما على الصعيدان الصحي والأقتصادي فكلاهما أسوأ من بعض، ومنهما يفتضح وعي البشر الجمعي بأسره.. العالم البشري مفلس تماما اقتصاديا.. لا تستوعب موارده تنامي سكانه المطرد المهول.. مدين لمستقبله الأغبر بثلاث أضعاف دخله الحالي وناتجه القومي الأجمالي.. بل يهدر موارده في خزعبلات على مر قرون.. فعلى الرغم من عظم الجوائح الوبائية التي واجهها -على الأقل- في الخمسة قرون الماضية لم يتعلم الدرس.. وها هو يواجه جائحة أكثر شراسة وضراوة بنظام صحي فقير الموارد ضعيف الاستيعاب.. حيث لا تستوعب مستشفياته أكثر من ١٥% من سكانه.. ولا تستوعب غرف العناية المركزة فيه فائقة التجهيز أكثر من ١.٥% منهم.. أين كان العالم وهو ينفق أكثر من ربع موارده على اشياء لا تجدي من أنتاج مواد رياضية وفنية و عسكرة و... إلخ.. وربما لهذا يدفع العالم الآن ثمن حمقه واستهتاره.. فترى صناع قراره ملتاعين مثلهم مثل الذي يتخبطه الشيطان من المس.. شيطان الحماقة والغفلة..
أما على الصعيد الأجتماعي فالأمر أكثر تعقيدا وسوء.. فبعد أن أصبح كل إنسان منا جزيرة معزولة في ذاتها، لا يربطه بالآخرين سوى بعض نقرات على شاشة ملساء مضيئة في عوالم كلها افتراضية صنعها جميعا باختياره فأحبها وأدمن عليها.. ها هو يرغمه هلعه الآن لينعزل جبرا لا طواعية ليواجه نفسه التي أفسدها بتضخيمها الزائف.. ها هو يرى نفسه بلا أدنى شأن حيث من الممكن أن تتحول لرقم تافه في حصيلة وفيات الجائحة الحالية.. رقم تافه يمر سريعا على شريط أخباري صامت أو كخبر عاجل سرعان ما يختفي ليظهر الذي يليه.. ها هو الإنسان الذي طالما ظن نفسه محور الأشياء يتعارك مسعورا من أجل عبوة من المطهرات أو بضع معلبات من الطعام دون أدنى تحضر أو عقل ظنا منه أنه قد يفر من الموت.. الموت الذي كان قد نساه تماما في خضم حياته المحمومة المتسارعة الأحداث.. ها هو يواجه الحقيقة التي أهدر موارده كلها كي يتلهى عنها ويشوش عليها.. ها هي تظهر أمامه جلية واضحة كالشمس مع كل عطسة أو كحة أو بصقة.. ها هو يواجهها وحده.. وحده تماما كجزيرة منعزلة حيث الآخر هو احتمال للموت لا النجاة..


