الاثنين، 16 مارس 2020

جائحة كورونا وانهيار النظام العالمي

   

ها هو العالم الذي طالما ظننا أننا نسيطر عليه تمام السيطرة، وأنه طوع قيادتنا يخرج عن السيطرة، فنتخبط فيه كالعميان أو المجانين.. البناء العالمي الضخم سواء العلمي أو الصحي أو الاقتصادي أو الاجتماعي يثبت لنا أنه مهترئ للغاية، ومن السهل جدا أن يتداعى فوق رؤوسنا في عدة أسابيع.. كل نتاجات الحضارة الانسانية المتراكمة على مر عشرات القرون تبدو الآن هشة جدا ضعيفة المناعة من الممكن أن تنهار في لحظة..

لا يرجع ذلك الضعف والعجز لعظم جائحة الكورونا وسرعة انتشارها فحسب، بل يرجع في الأساس لهشاشة البناء الحضاري الذي ابتنيناه لنعيش فيه معتقدين في قوة امكانياته.. مؤمنين بعظم تحصيناته وقدراته.. أن هذا التمركز الأحمق الساذج حول نتاجات الحضارة لم يورطنا إلا في انتفاخ ذواتنا التي هي في حقيقتها لا تمثل أي شيء..

فعلى الصعيد العلمي أثبتت لنا الجائحة مدى بطىء العلم في مواجهة الكارثة، وعدم قدرته على مجاراة تسارعها بنفس الوتيرة، ناهيك عن فشله التام في التنبؤ.. لا يمتلك الكورونا مؤسسات محكمة ولا أجهزة مسؤولة ولا تمويلات ولا دراسات حين أعلن حربه الضروس علينا.. ها هو يزحف علينا في صمت ويقتلنا كالذباب دون قصد أو إرادة أو هدف.. مجرد كائن دقيق وبسيط ظهر فجأة.. ويخطو أولى خطواته في الوجود دون أدنى وعي منه.. فبماذا فادنا الوعي والإرادة الحرة والعقل والغاية وكل هذه الهراءات التي طالما زعمنا بها لأنفسنا الأفضلية..

أما على الصعيدان الصحي والأقتصادي فكلاهما أسوأ من بعض، ومنهما يفتضح وعي البشر الجمعي بأسره.. العالم البشري مفلس تماما اقتصاديا.. لا تستوعب موارده تنامي سكانه المطرد المهول.. مدين لمستقبله الأغبر بثلاث أضعاف دخله الحالي وناتجه القومي الأجمالي.. بل يهدر موارده في خزعبلات على مر قرون.. فعلى الرغم من عظم الجوائح الوبائية التي واجهها -على الأقل- في الخمسة قرون الماضية لم يتعلم الدرس.. وها هو يواجه جائحة أكثر شراسة وضراوة بنظام صحي فقير الموارد ضعيف الاستيعاب.. حيث لا تستوعب مستشفياته أكثر من ١٥% من سكانه.. ولا تستوعب غرف العناية المركزة فيه فائقة التجهيز أكثر من ١.٥% منهم.. أين كان العالم وهو ينفق أكثر من ربع موارده على اشياء لا تجدي من أنتاج مواد رياضية وفنية و عسكرة و... إلخ.. وربما لهذا يدفع العالم الآن ثمن حمقه واستهتاره.. فترى صناع قراره ملتاعين مثلهم مثل الذي يتخبطه الشيطان من المس.. شيطان الحماقة والغفلة..

أما على الصعيد الأجتماعي فالأمر أكثر تعقيدا وسوء.. فبعد أن أصبح كل إنسان منا جزيرة معزولة في ذاتها، لا يربطه بالآخرين سوى بعض نقرات على شاشة ملساء مضيئة في عوالم كلها افتراضية صنعها جميعا باختياره فأحبها وأدمن عليها.. ها هو يرغمه هلعه الآن لينعزل جبرا لا طواعية ليواجه نفسه التي أفسدها بتضخيمها الزائف.. ها هو يرى نفسه بلا أدنى شأن حيث من الممكن أن تتحول لرقم تافه في حصيلة وفيات الجائحة الحالية..  رقم تافه يمر سريعا على شريط أخباري صامت أو كخبر عاجل سرعان ما يختفي ليظهر الذي يليه.. ها هو الإنسان الذي طالما ظن نفسه محور الأشياء يتعارك مسعورا من أجل عبوة من المطهرات أو بضع معلبات من الطعام دون أدنى تحضر أو عقل ظنا منه أنه قد يفر من الموت.. الموت الذي كان قد نساه تماما في خضم حياته المحمومة المتسارعة الأحداث.. ها هو يواجه الحقيقة التي أهدر موارده كلها كي يتلهى عنها ويشوش عليها.. ها هي تظهر أمامه جلية واضحة كالشمس مع كل عطسة أو كحة أو بصقة.. ها هو يواجهها وحده.. وحده تماما كجزيرة منعزلة حيث الآخر هو احتمال للموت لا النجاة..

الأحد، 15 مارس 2020

مبدأ تضارب المصالح.. لا يمكن أن تحب نفسك والآخر..


وكأن الأمر بأكمله قائم على مبدأ تضارب المصالح.. المصلحة هي المحرك الأول لكل شيء،  والتي هي أيضا بتزايدها واستشرائها سوف تعطل كل شيء.. فمثلا لابد أن أكون إنسانا بكل ما تحمل الكلمة من سوء في تعاملاتي معكم؛ لأظهر في صورة جيدة تلبي رغباتي واحتياجاتي.. ولو صرت على النقيض إنسانا بكل ما حمل الكلمة من لطف وجمال في أعينكم.. فإن هذا لا يمكن له أن يحدث إلا بأن أتجاهل رغباتي واحتياجاتي، بل أحيانا بأن أحمل نفسي فوق ما تطيق. 

لفظة الانسانية محتملة ومتضاربة ومختلة فلا أحد هنا يستطيع إرضاء نفسه والآخر معا.. لاشك أن هذه الفكرة بحد ذاتها في تلك الصورة تبدو متضاربة ومختلة، ويمكن الطعن فيها.. فأنا مثلا بنسبة كبيرة أشعر أن المشكل الحقيقي في حياتي أني منعدم المصلحة.. لا أنشد غاية أو هدف من وراء ما أقول أو أكتب أو أفعل أو أحس.. رغم هذا أبدو في نظر كثيرين حيوانا مملا لا يطاق، وفي نظر آخرين شخصا يستحق الشفقة، وفي نظر آخرين مثيرا للأعجاب والدهشة.. وفي نظر نفسي أبدو في كل هذه الصور على تضاربها.
ربما كثير ممن يحبونني الآن يحبونني ﻷني لا أحب.. أعرف أنهم ينتقدون وحدتي بشفاههم طوال الوقت، ولكني أتفهم أيضا أن وحدتي تلمع في عيونهم، وتغريهم.. الغريب أن تصبح مثيرا فقط ﻷنك صادق الألم..

أما عن الحب.. فمن سنوات قليلة مضت كلما كان يسكرني الحب بنشوته كان التفكير في الغد وملله لا يمهلني ﻷنتشي.. كان ينقض على قلبي سريعا، ولا يتركني إلا وقد أستفقت تماما.. نعم.. أستطيع أن أصف نفسي بأني كنت خياليا يقبع على خلفية واقعية لا تدع للخيال فرصة ليستمر، ولا حتى تدع الواقع ينتصر.. هكذا فعلا عشت سنين لا أعرف معنى التضارب، ولا أفهمه.. ربما الآن كبرت وفهمت واستفقت ولم أعد أقوى على سكر مشين كهذا.. ولكنني لازالت متورط في عالم المخمورين السكاري بوجودي بينهم كل ما تطور في الأمر أني متضارب، وأعرف بذلك.. لا أبرر تضاربي أو تضاربهم، بل وأعتبر التضارب شئ عادي، بل أظنه هو طبيعة الأمر كله.. ولربما نظرا لهذا التطور أصبحت أكثر تأقلما مع أشياء كثيرة منها مثلا عبارات والدي القاسية من عينة  "لقد أنفرط عقدك" أو "أنت قضيتي الخاسرة"  أو "لم أنصف بك يوما". أتفهم جدا قساوة تعبيراته، ومدى الحب الصادق الذي ينبض في حروفها.. أن أبي ببساطة يريد أن يعبر عن رسالة ملحة داخله، وهي أنه ليس سعيد؛ لأني لست سعيد.. أتفهم أنه لن يكون سعيدا إلا إذا رآني سعيدا بالطريقة التي يريدها ويرضاها.. وهذا ايضا تضارب آخر يطعن في كل الاشياء..

الأربعاء، 15 يناير 2020

عصر ولكن

لاشك أن عصر الحقائق الثابتة والأفكار المطلقة، والمعني ذا المقصد الواحد، والطرق ذات الإتجاه الواحد ينحسر يوما بعد يوم. فلا يغفل مبصر أن عصر الاستمبة والقالب والنموذج والقواعد والأصول والموروث يحتضر في سرير الموت. 

نحن الأن ببساطة نقف على باب عصر جديد اسمه "عصر ولكن".. عصر قوام أيدولوجيته هو الجمل الأعتراضية، والجانب الأخر من كل شيء، ومقابلة الضد بالضد، وأحترام الارتباك الذي يسببه التناقض، بل واعتباره صورة من صور الفهم. عصر تفهم الفوضى التى ينتجها الأختلاف، بل وتذوق الاضطراب الناتج عن المنهج الفرادني في التفكير. بحيث لا يستطيع عاقل متفهم اليوم أن يغفل الجانب الآخر من رؤيته أو فكرته أو موضوعه. 

ربما الصراعات الدائرة أصلا هي صراعات وجود بالنسبة للجهلاء والحمقي والأغبياء من المتجمدين، بل لربما هي صراعاتهم الأخيرة التي تزداد بها خسائرهم يوما بعد يوم وصولا إلى أن يتلاشوا للأبد. أعتقد أن البشر سيمرون قريبا إلى هذا العصر الذي سيتغير فيه كل شيء.. ففي الغالب مسيرة البشر تتعقد معنويا كلما تشيب، بينما تصبح أكثر أريحية ماديا على الجانب الآخر من الصورة. ولا أعرف ما إذا كان هذا التوازن سيكون كافيا في العصور المقبلة بما يضمن بقائنا أم أن الجانب المعنوي سيتقعد جدا ويتأزم تماما بحيث لا تستطيع ماديات الحياة من رفاهية وتطور وراحة وسهولة أن تجابهه. 

لكن تخيل أن تصبح الثوابت على الأرض بعدد البشر وتصبح الأفكارفي مثل ذلك. تخيل أن يصل بنا الحال يوما أن نتوافق على أنه لا حاجة للتوافق على أي شيء، و نقدم الفرد على الجماعة، بل ونقدس الاختلاف على حساب التوافق. ربما حينها تصبح الأمور فوضوية للغاية بحيث تصبح الحياة غابة من جديد محركها هو توافر القوة مع المصلحة، وربما تنتظم الحياة بسقوط فكرة القوة والمصلحة معا في خضم الأفكار التي تسقط يوما بعد يوما. ربما تدفعنا الفرادنية لحيوانية بدائية همجية، وربما تفتح لنا أفاق جديدة نحو عالم جديد تصبح فيه نفوسنا معقدة جدا بحيث تسقط غرائزها الحيوانية تلك، فنصبح كائنات جديدة تدور في دورة جديدة من التطور. 

علينا فقط أن لا نستهين بالتطور.. فالتطور أنتج وعيا يكتب لك هذا الكلام لتجد نفسه تفهمه. فربما تسير عجلة التطور نحو الأفضل، ونصبح كائنات أرقى مع الوقت بحيث يختفي القتل والعدوان ومحرك المصلحة المقيت. ولكن أعتقد أن هذا الرقي المنشود لا علاقة له بالسعادة التي تصبو إليها البشرية، لأنه ربما نصبح كائنات أرقى، ولكن أكثر حزنا وضجرا ومللا واكتئابا. ربما ليس كحزن اليوم ولا كملل اليوم الحاصلان بفعل ضغوط الواقع. ربما عندما يزيد وعينا بأنفسنا لدرجة أن نكسر فيها دوافعها الغريزية الحيوانية. ربما تصبح نفوسنا هكذا عبأ وحزنا واكتئابا ووجعا بذاتها.

إن تراكم التغييرات ليس شرطا أن يمضي بنا للأمام خاصة، وأن التغييرات تمضي وفق قوانين لا نسيطر عليها، بل حتى لا نفهمها، ولانعرف أبعادها؛ ولهذا نجد أنه في أحيان كثيرة تتعقد تلك التغيرات، وبدلا من أن تدفعنا للأمام تعيدنا للخلف، وكأن الأمر يمضي بعشوائية لا يمكن ضبطها، ولا حتى توقع ما قد تؤول إليه. ففيما نرى نجد مثلا أن الإرادة الحرة -الناتجة أساسا عن ظهور الوعي- تبدو الآن بعد تعقيدها وتحميلها بأفكار كثيرة معيبة أصبحت رادع للإنسان بدلا من أن تكون دافعا له، لدرجة أنها أصبحت تهدر قيمة الوعي ذاته.

الاثنين، 9 ديسمبر 2019

عن الضحك والسخرية


الضحك واحد من أهم الظواهر الإنسانية في مواجهة الإنسان لوجوده. يفسره سقراط مثلا كظاهرة نابعة من تجاهل الذات. ويذهب به هيغل إلى أنه مفارقة ناجمة من تناقض بين المفهوم الأولي والمعنى الحقيقي المستدرك. وينتهي به إميل سيوران إلى أنه أكبر ظاهرة عدمية في الوجود.

ولا شك أنه لم يكتمل نضج الوعي الإنساني في بدايته إلا حينما مارس الإنسان ميكانيزم السخرية حيال وجوده، وكافة المشكلات التي نجمت عن هذا الوجود. فالسخرية برأيي هي أكثر ردة فعل جادة وحقيقة ومثمرة قام بها الإنسان على مدار وجوده ووعيه، حيث أنها بمعناها الجوهري ما هي إلا سخرية الإنسان من نفسه.. من عجزه ويأسه، بل وحتى من دهشته وخوفه.

إن السخرية تنزع عن الإنسان تلك العدسات المكبرة التي يرى بها نفسه محور الوجود ومنتهاه، فتزيل عن عقله ثوب قدسيته، وتنزع عن إداركه قناع هيبته التي يختال بها على سائر الكائنات؛ ليرى أفكاره هزلا عاريا تماما بكل سوءاتها فتعود أمامه لحجمها الطبيعي المخزي المثير للإستهزاء في خضم هذا الكون اللانهائي.

السخرية هي المفارقة الناتجة من التناقض الذي هو الخام الأولي الذي تنبني عليه الحياة.. المعادل الحقيقي لمحاولة الإنسان للحرية، وكسر القيود باعتراضه على مكون التناقض الذي ينبني عليه كل شيء. إنها بلا ريب معول هدم بناء يكسر قيد الحياة فينا؛ ليطهر الأفكار من تضاربها من أجل تنقيحها وتطويرها وتحسينها. إنها واحدة من أهم صور الجدل الإنساني مع وجوده.. محاولة لتجاوز المحدود المتضارب بالتعالي عليه والاستهزاء به كونه على حالته هذه يعد هزلا لا طائل منه. ردة فعل تجتهد في التسلق صوب ما هو أرقى بنقدها ونقضها للحالي. طموح في اللانهائي.. ديالكتيك ناجم بالأساس من الإستهزاء بالمأساة عن طريق تحويلها لملهاة ترسم البسمة على الوجوه، وتحرك الأفكار في العقول.. نتألم لنسخر فنضحك لنستطيع أن نتألم من جديد.

الأحد، 24 نوفمبر 2019

التعافي ‏باللامبالاة



لا أعرف تحديدا إلى متى ستظل تلك الأوراق مكفنة في بياضها، وتلك الأقلام متناثرة منكتمة الصرير.. ربما سكينة حقيقية هي ما احتوت روحي على حين غرة فاغتالت الوحي في عقلي.. فنضبت فيه الكلمات، وجفت منه العبارات، وتداعت عليه كل الصياغات فأردته قتيلا تحت ركامها لا يؤمل منه حراك، فتسيد الصمت الحال هكذا دونما نزاع أو وقاع. 

أشعر وكأنه لا شيء أخفيه كي أبديه، ولا شيء أبديه كي أخفيه.. هكذا استسلم قانعا لخواء الخاطر، وهباء السامر، ولا جدوى الحديث بكل صوره وصنوفه. بل ربما هكذا صرت على بعد خطوة واحدة من رفض تام بات لسلوان الكلام، ويكأني لن أقبل عزاء في وجودي غير صمتي، وتلاشي صوتي، وانعدامي من منطق المعاني قبل هرطقة المباني. ينكتم ضجيج سخطي في، ويخبو صريخ غضبي بعيني؛ ليعلو رثائي لنفسي صامتا بابتسامة بلهاء أسخر بها من نفسي، ومن المحيطين، ومن العالم بأسره، بل من الوجود ذاته.. حيث لا شيء فعلا يستحق أي شيء. 

هكذا أدركت ببساطة بعد كل هذا اللغط الكثير الذي لطالما أنهكني.. أن الحياة لا تراني -ولن تراني- فأصبحت لا أحملها ما يفوق طاقتها، التفت عنها متغاضيا - كما تفعل- كأنها لم تكن؛ لأن هذا هو فعلا أصدق ما ينتظرني فيها بالنهاية.. إن التغاضي عن الحياة، وعدم أخذها على محمل الجد يورد قدمي دربا جديدا لسعادة مختلفة الطابع أنتشي فيها باعتيادي على الأحزان.. دربا آمنا أخطوه.. يقتل في قلبي الخوف من فرط تمرسه بالخيبات والعثرات.. دربا مريحا واضحا من اللامبالاة بعد وعثاء سفر مزر طويل في دروب الأمل المبهرجة المظهر خاوية الجوهر.. هكذا اتعافى من كل العلل دفعة واحدة بيقين مطمئن في الموت الذي أنزهه بنفس حال التغاضي هذا عن كل تصور أو رأي أو اعتقاد.. وأراه مجرد مجهول لا يستحق الانتظار، ولا حتى التأمل.. مجهول لا يستحق إلا أن يكون حين يكون.. هكذا ينجو الموت أيضا من حيرة وهم الأماني، وتخبط أضغاث التصورات، وهواجس اكتمال النقص، وخلود الفناء.. هكذا يقبع هادئا قريرا في مكانه دونما نباح شرس يخيف، ولا مواء مستعطف يغري. مجرد موت سيكون كما يكون؛ لأكون فيه كما أكون.

الخميس، 14 نوفمبر 2019

السكينة الناجمة عن عدم الإدراك وعدم قصدية الوجود

 
                                         
وها نحن الآن أكثر هدوء وسكينة ورضا.. نفرح بالحزن.. ننتشي بالأوجاع.. نطرب حتى بالملل.. نقابل المتاعب بصدر رحب.. نحسن ضيافة مشاكلنا.. نتفهم عجزنا.. نتصالح مع ضعفنا وتناقضنا.. نمر من أنفسنا مرور الكرام، ولا نحمل الدنيا جبالا فوق رؤوسنا.. نبتسم في وجه الحمقى والمزعجين.. لا نكترث لجرح المسيئين.. لا تستدرجنا حيل الطيبين التي سرعان ما تنكشف.. لا نلوم الشر، ولا نعول كثيرا على الخير.. نتجاهل اللامعنى الصارخ في كل شيء، ونضرب الذكر صفحا عن كل دعاوى المعاني والقيم المثالية الواهية..

نطوي الماضي بالحاضر، والحاضر بالمستقبل فقط، لأننا آمنا بالموت كونه الحياة التي بكونها لا تكون إلا به.. أرتضيناه كشرط من شروط اللعبة، فلا نكرهه، ولا نخافه، ولا نفر منه، ولا حتى نتعجله.. 

أحترمنا المجهول فيه حين لم تعد بهرجة ملهيات الوجود التي أختلقناها تلبي شغفنا.. لمسنا فيه سنا نور العدالة الغائبة في ظلمة ظلم الدنيا الطافحة بالحضور.. لم نرى الصورة على جزئين منفصلين موت وحياة، بل شيء واحد لا ينفصل.. شيء واحد لا يتجزأ يقع برمته خارج التأويل والتفسير والتحليل والوصف.. شيء واحد يكون فينا دون أن يقصد، لنكون فيه دون أن ندرك.. ألا يكفي هذا ويزيد؛ لأن نطمئن دون أن نفهم؟! وأن نهدأ دون أن نعرف؟! وأن لا تجرنا الاحتمالات لمرارة السأم ومتاهة الألم؟! ألا يكفى هذا ليكون كل هذا أو حتى لا يكون دون أن ننقم دون جدوى، ونسخط بلا هدف ونضجر بلا نهاية جراء شيء لا ندركه؛ لأنه لا يقصدنا؟!

الاثنين، 4 نوفمبر 2019

المغزى الضائع

لا أعرف، ولا أريد أن أعرف، وأصبحت مؤخرا لا أبالي بمن يعرفون تماما كلامبالاتي بمن لا يعرفون. لن أنزلق إلا لما أنزلق له الجميع، ولهذا لن يحركني سؤالي الغبي -الذي أردت في البداية أن أكتبه وحده؛ كي يظهرني أكثر غموضا و حكمة- ماذا يفعل هنا من لم يجد في الحب نفعا؟؟

أنا أدرك إجابته التافهة، لن يفعل شيئا ﻷنه سيفعل تماما مثل فعل الآخرين.. كلنا سواء مفعول بنا.. لن تتغير فينا حقائقنا إذا ما أفلست. لابد لنا أن نقترض وهما طوال الوقت؛ كي لا نبيع أرواحنا بالمزاد العلني ﻷبخس سعر فقط لكي نعرف. 
أذن أنا نجوت من شغف المعرفة، ولن أبيع نفسي، وحتى لن أفكر بالأمر.. عموما لا أحد يملك صك ملكية نفسه، وهذه الحقيقة أفلست هي الأخري، ولكن لابد أن نواجهها بالغرور. نعم، أنا مغرور مثل الجميع في المتاهة لا أضل ولا أتوه ولا أصل، ولكني أستطيع أن أتكلم مثلكم.. في مقدرتي أن أهذي هروبا من تلصصي على نفسي فقط؛ لكي أكمل الهراء السابق على أكمل وجه.. أعرف أن الكمال للفوضى، ولهذا سأملئ لك السطور القادمة بعبارات قصيرة رنانة فوضوية فضفاضة حقيقية ليس لها معنى غير مترابطة وبلهاء تستدعي عمقا يغطي ضعفها. الحقيقة لن تكون عباراتي التالية هكذا.. فقط سأكتب ما يمليه علي هذا الشيء الذي لا أعرفه، فليكن ولتعذرني..

حيرة الخريف/لعنة سيزيف/الشك/مصباح ديوجين/المكاشفات/المخاطبات/طنين ذبابة سقراط/رعشة الجنس/كفر الجن بالأنس/كاليجولا/دسم العدم/عدم السأم/دهشة عين الدرويش/موت يأبى إلا أن يعيش/الدخان/أول سورة الأنسان/موعد الصدفة/صدفة الميعاد/داء الاتحاد/الأموات/الأصفاد/من يستثمرون أنفسهم في الصمت/كل أنا انكسرت لتصبح أنت/الهفوات في الصلوات/الصلوت في الهفوات/الخسران/رائحة الألوان /ظلم الميزان/صرير الأسنان/الملل /الجدل/عوارت الأمل/المتشائمون من تفاؤلهم/المتفائلون على حساب المتشائمين/ .. ..

لم أنتهي بعد لكني لن أكمل فلا تفكر بالأمر أكثر مما ينبغي أنا مثلك تماما حر، وحريتي كذبة. تستطيع الآن أن تسب هرائي وتعتبرني جاهل مجنون أو حتى تعتبر كلماتي تلك محض نص مقدس أنقطع فيه الوحي. أما أنا فيكفيني أني مارست شهوة الكتابة ولو على قارئ واحد أستطاع أن يقرأ هذا الهراء إلى النهاية واقعا تحت تأثير البحث عن مغزى. وحتى أن لم أفعل فيكفيني جدا أني سأنام الآن قرير العين بلا أي مغزى؛ ﻷعيد نفس البلاهة في وقت لاحق رغما عني مستسلما للداء؛ ليقتلني دون مغزى أو ربما لمغزى لا أعرفه، ولا أريد أن أعرفه، ولا أبالي بمن يعرفه تماما كلامبالاتي بمن لا يعرفه.

السبت، 5 أكتوبر 2019

دجل الاحتمالات




هنا والآن.. عالق في المنتصف. كلما يممت صوب بدايتي أبتعدت.. أبتعدت، وحين انتهيت وجدتني هنا والآن أمضي صوب نهايتي حيث البداية من جديد هنا والآن.

أدير ظهري للوجود الذي لطالما أدار ظهره للجميع. بعدما يزول صخب الافتتان لا نرى إلا انسياب العمر. الوقت يحفر قبره بيديه طوال الوقت، بينما العالقون لا يزالون يحاولون جبر شرخ حقائقهم المتآكلة بالإيمان. لا يوجد ثمة حقيقة واحدة سلمت من هذا الشرخ الضارب في أعماق أعماقها، ولكن كل يختار السردية التي يظن أنها من اختياره.. يصلحها ببعض من الإيمان، يخفي شرخها بشيء من يقين الجهل، ويمضي كما الجميع حيث اللاسردية.. بعيدا بعيدا داخل أعماق هذا الشرخ الكبير، فلا يعود. لا ثمة شيء في وجه هذا العبث العابس يشفي الغليل سوى خرافات تزيد العطش، وتدفع بالأقدام طوعا لتوردها حيث فرت.. لا شيء يستطيع أن يخرج من الدائرة، ولا حتى اللاشيء ذاته.

في الحقيقة لم أعد أكذب أيًا من الروايات، ولا حتى تلك المفرطة في خزعبلاتها. ربما تبعثر طالعي المتعثر في ثفل قهوتي المبعثر على جدران فنجان مقهى مزدحم شرب منه قبلي ملأ عظيم. ربما تكدست كل دروبي المضنية في خطوط كفيَّ المتعرقة. ربما حتى ضجري ناجم عن دوران نجم ما لا يدري عني أي شيء. الراوية الوحيدة التي لا أستطيع أن أستسيغها هي أنني سوف أحاسب على  هذا العذاب الوجودي الدنيوي الذي ألاقيه هنا. سأحاسب على صراخي منه، وألمي فيه مرة أخرى؛ لكي أعذب من جديد، وكأن المطلوب أن أعذب هنا راضيا مطمئنا خاضعا دون ثمة ضجر أو تأوه أو سخط أو حتى تأمل أو سؤال.

الأحد، 15 سبتمبر 2019

الثورات ‏المحكومة بالفشل



لا أدري لماذا كلما مرت الأعوام بصق القدر في وجه الثورة متشفيا، وكأنه يسخر من المحاولة. إنه يحيل كل محاولة للخروج من قدر المأساة المحتوم إلى قدر أكثر مأساوية وخرابا. 

يبدو أن الحرية والعدل وكافة تلك القيم المزركشة بالنبل والسمو ليسوا أكثر من سذاجة طفولية بريئة تخص أمثالنا من الحالمين الهاربين من حقيقة الواقع بأمانيهم المستحيلة.

والأمر هذا لا يتعلق فقط بالثورة أو بالشأن السياسي أو بالوطن أو حتى بالوضع الاجتماعي. أعتقد أن هذه الفوضى مجرد سنة كونية، وطبع دنيء من طباع الحياة المدموغة فيها، حيث كل محاولة لتحسينها لا تزيدها إلا سوءا وخرابا. 

خيالات اليوتوبيا اللطيفة تلك مجرد معضلة تخص أصحابها لا علاقة للواقع ومعطياته وتفاعلاته بها. ففي وجود يغرق في الفشل لن يُسمح إلا بثورات فاشلة تضر أكثر مما تنفع. تلك هي الحقيقة القدرية للوجود. وإذا كان القدر أرعنا مخنثا مثقوبا إلى هذا الحد فبما يجدي النفخ، وبما تجدي المحاولة؟!

الحياة سباق محموم في القذارة. تمارس فيه جموع المدنسين الغفيرة كل حيل قذارتهم على حفنة الطيبين المشرذمة، فقط ليكونوا مثلهم، كي لا يعلو صوت فوق صوت الدنس.

فطوبى إذن لمن يمرون من الحياة، وكأنهم لم يمروا. حيث لا أثرا تركوا، ولا بدنس خرجوا. والويل كل الويل للملطخة قلوبهم بالحياة.. المتكالبين على الهباء، وهم هباء.

السبت، 3 أغسطس 2019

مفارقة ‏مينو



ما أشبه كل مساعي الحياة بمفارقة "مينو" الشهيرة.. حيث أننا فعلا لا نبحث عما نعلم، ولا نستطيع أن نبحث عما لا نعلم. حيث في الحال الأول لا ثمة داعٍ للبحث، وفي الحال الثاني لا جدوى من البحث حيث كيف لنا أن نعرف أن ما وجدناه هو ذاته الشيء الذي لم نكن نعلمه؟؟

إذن كل ما تراكم من معارف هو ملهيات عن إجابات الأسئلة الوجودية التي دفعتنا أصلا للتساؤل، بل أنه هناك أصلا سؤال سابق حتى على على كل أسئلة مبحث الوجود الرئيسية.. وهو سؤال يختص بمبحث المعرفة ذاتها.. وهو سؤال إمكانية المعرفة من عدمها.. فلو كانت المعرفة غير ممكنة  فإن كل هذا البنيان المتطاول ما هو إلا هباء أساسه الخواء. ويبقى الإشكال أن الإجابة القائلة حتى بإمكانية المعرفة لا تستطيع أن تدحض الاحتمال الأول القائل بعدم امكانيتها واستطاعتها، حيث إن الإجابة بالإثبات ما هي في أحسن أحوالها سوى فتح باب للأسئلة التي لا تنتهي. إنها لا تستطيع بأي حال أن تنفي إجابة النفي الصارخة تلك بشكل قاطع. إنها ببساطة فقط مجرد أجابة على هيئة تساؤل لا نهائي ممتد لا جواب قاطع عليه، ولا هدف منه، ولا طائل منه أو فيه.. محض عودة جبرية للوقوف في الرمادي اللانهائي بين لا ونعم.

إن حجم الأشياء التى لا نفهمها في الكون يتناسب طرديا مع حجم محاولات فهمنا الجاد لنفس ذات الأشياء. كلما حاولت أن تفهم وأجتهدت في ذلك لن تفهم أي شيء، بل ستخسر ما فهمته قديما عندما كانت محاولاتك للفهم أقل دقة، وأكثر سطحية.. ولذلك ستجد أكثر الناس راحة هم من لا يحاولون الفهم من الأساس. هؤلاء الناس يظنون أنهم يفهمون كل شيء بطبيعة الحال.. رغم أنهم بالأساس خارج دائرة الفهم، ولم يحاولوا دخولها قط. 

إن محاولاتك الجادة لفهم الأمور هي الوجه الآخر من تصميمك الجاد على أن لا تفهم أبدا. باختصار أنت لست أكثر من مجرد ساذج مدفوع بفضوله. فحتى لو عرفت الحقيقة؛ لظللت تبصق في وجهها حتى مت عطشا. 

فيوضات العبث