![]() |
| صورة لرئيس وزراء فرنسا جورج كليمنصو |
جورج بنيامين كليمنصو -لمن لا يعرفه- هو واحد من أعلام السياسة في تاريخ فرنسا الحديث. فهو رجل دولة من طراز رفيع، وسياسي مخضرم متمكن، وقائد حرب لا يشق له غبار. اختطفه العمل الصحفي شابا من مهنة الطب التي تعلمها في جامعة باريس المرموقة، ليسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1865، ليعود إلى فرنسا بعد ذلك بعدة أعوام كصحفي متمرس يقيم قلمه أوساط السياسة ويقعدها، ليتدرج بعد ذلك في المناصب السياسية.. فمن رئيس بلدية أحد المقاطعات، إلى عضو بارز بالبرلمان، ثم وزيرا للداخلية، ثم وزيرا للدفاع، ثم رئيسا لوزراء فرنسا لمرتين بالانتخاب، أحداهما قاد فيها فرنسا في الحرب العالمية الأولى، وخرج بها منتصرا حيث كان من أقوى المساهمين في معاهدة فرساي التي أسدلت الستار بشكل رسمي على وقائع الحرب العالمية الأولى بين دول الحلفاء ودول المركز.
أذن نحن بصدد شخصية تاريخية فارقة فذة، ومن ورائها حياة إنسانية عامرة تذخر بالكثير والكثير من التجارب التي جعلت الرجل يترك كل هذا في سنواته الأخيرة، ليركن إلى كوخ صغير معتزلا العمل العام؛ ليتفرغ للتأمل والقراءة والتأليف، ليترك لنا قدرا لا بأس به من الكتب، ربما من أهمها عمل أدبي يعد من روائع المسرح العالمي هو مسرحية "قناع السعادة".
و"قناع السعادة" هي مسرحية تراجيدية تدور أحداثها في بكين بالصين لشاعر وحكيم صيني يسمى "تشنجآي" وهو رجل ضرير قد تصالح مع عماه برضا بالغ قانعا بما عنده من زوجة حانية محبة، ومن ابن طيب مطيع، ومن أصدقاء أوفياء، بل أنه كان يعتبر أن تلك الزمرة المحيطة فيها من التعويض ما هو أكثر بكثير من خسارته لنور عيناه.. لكنه وفي خضم الأحداث يهديه أحد أطباء البربر الأجانب أكسيرا سحريا في مقدرته أن يعيد البصر بثلاث نقط في كل عين، ولكن عليه استخدامه بحذر شديد، حيث أن عشر نقط من ذلك الاكسير كفيلة بأن تيبس في الحال محاجر العيون.. ورغم عدم اقتناعه إلا أنه ظل يستخدم هذا الاكسير مداوما عليه.. حتى ذات مرة أخيرا وفي نهاية أحداث المسرحية يستطيع هذا الأكسير السحري من أن يعيد إليه بصره، ليكتشف أن الحقيقة الجميلة التي لطالما عاش قانعا راضيا بها كانت محض أكاذيب ووهم حجبها عنه عماه.. فزوجته المحبة تخونه مع صديقه الوفي.. أما صديقه الآخر الذي لطالما أبدى المودة قد سرق ديوانه وأرسله للامبراطور كاتبا عليه أسمه.. أما أبنه المطيع فلا يفعل شيء غير الاستهزاء به.. هنا يدخل الحكيم "تشنجآي" في لوثة من الهستيريا.. يكتشف فيها أن العمى كان هو قناع السعادة الذي يحجب عنه فداحة وبشاعة الأشياء والأشخاص.. فيتشكك في كل شيء.. في الصداقة والوفاء والحكمة وفي كافة القيم والأعراف والتقاليد، حتى يصل به الأمر في أن يتشكك في تلك الوصفة التي ردت عليه بصره، بل ويعتبرها سحرا شيطانيا من صنع ذلك الطبيب البربري.. وعلى وقع تلك الصدمة يسكب كل ما في القارورة في عينيه لتتيبسا تماما وتحترقا، ويعود أعمى من جديد.
وكم من الملهم أن نذكر بعضا من تلك العبارات اللافتة التي جرت على لسان البطل "تشنجآي" عند اكتشافه لتلك الحقائق المروعة البشعة بعد أن أرتد إليه بصره كي تكتمل الصورة.. يقول:
"هل حقيقة أن في تلك اللحظة التي أعود فيها لرؤية هذا العالم ينهار فجأة صرح سعادتي؟؟"
"أن ظلمة عيني كانت تنشر على الدنيا حجابا براقا من الهناءة العميمة.. لكني أبصرت فجأة، فإذا الحجاب تمزق، والحقيقة تعرت.. الاعتراف بالجميل.. احترام الوالدين.. الوفاء.. الصداقة.. الحب.. العادات.. التقاليد.. الثواب.. العقاب.. الحكمة.. أباطيل.... أكاذيب.... وأوهام.... ما دام لم يعد شيء صادقا في العالم فما الحياة سوى أكذوبة كبرى"
"لتكن ملعونا أيها الطبيب الأجنبي الذي اختطف سعادتي حين وهبني النور.. أي نور؟! نورك أنت يا شيطان جهنم.. فهل يمكنني الآن النجاة من سحر تعاويذك؟؟ لما لا يكون ما أراه وهما من عمل الجن؟؟ لما لا يكون ما أراه إلا وهما وخبالا وأحاجي أبالسة؟؟ كم كنت غبيا حين سمحت له أن يجرب في شعوذته.. أين كانت حكمتي حين خضعت لسحره الأثيم؟؟"
"كم من أفراح أنا مدين لك بها يا عيوني المغلقة، وكم من أرزاء أصبتني بها يا عيوني المبصرة".
"يحتاج المرء لتحقيق سعادته إلى قناع يحجب عنه حقيقة الأشياء".
"كم كنت تسارع لتهتك عن نفسك الحجاب لتعتاض عنه بماذا أيها التعس؟!
إنما السعادة الكاملة كانت في عماك، أما بصرك ففيه شبح الشقاء.. أريد العمى الذي يمنحني الحقيقة السعيدة".
ترجمت تلك المسرحية إلى عدد كبير من اللغات من بينها العربية، ليتم تقديمها بالإذاعة المصرية من خلال برنامجها الثقافي الزاخر بروائع المسرح العالمي، حيث أخراجها للإذاعة المخرج الإذاعي القدير: الشريف خاطر، ثم تم بعد ذلك تقديمها على التلفزيون كسهرة تلفزيونية من بطولة محمود المليجي وإخراج محمد عبدالسلام. وكلا العملين السابقين تناولا المسرحية بلغة فصحى تحفظ قدرا من الهيبة للنص الأصلي الذي ترجمتا عنه، وأوردا أسم مؤلفها على تترات البداية والنهاية.
ولكن في عام 2007 تم إنتاج نفس المسرحية مع كثير من التشويه والاستظراف المبتذل في فيلم كوميدي تجاري تحت أسم " صباحو كدب" من بطولة أحمد آدم وقصة نهى العمروسي -والتي ربما يحق لنا أن نشير أنها سبق اتهامها في قضية تعاطي مخدرات- وسناريو وحوار أحمد عبدالله.. تم انتحال القصة دون أي تنويه عن تلك المسرحية ونصها الأصلي، والذي تم تشويهه وإفساده بمعالجة رديئة، وبسيناريو وحوار فشل رغم ركاكته حتى أن يكون مضحكا.. وهكذا تحول "تشنجآي" الشاعر والحكيم الصيني بطل المسرحية على يد نهى العمروسي المؤلفة المنتحلة إلى "نعناعة" مدرس الموسيقي الذي يغني في الأفراح الشعبية. هذاالدور الذي فشل فيه أحمد آدم هو الآخر فشلا مدويا في إداء دور البطل الكفيف. وهكذا تحولت رائعة جورج كلمينصو التراجيدية الخالدة والتي تنعكس فيها خلاصة خبرته الفلسفية والحياتية العارمة إلى مهزلة فنية على يد القرموطي "أحمد آدم" والحرامية "نهى العمروسي" منتحلة القصة، والتي وإن كان برئها القضاء من تهمة تعاطي المخدرات، فلا يمكن لمنصف من أن يبرئها من السرقة الأدبية، والتشويه الفني الذي هو في تداعياته وآثاره أخطر بكثير من المخدرات وتعاطيها.. ففي واحدة من أسوأ السرقات والانتحالات الأدبية -والتي مع الأسف تزخر بها السينما المصرية- تم إلقاء "قناع السعادة" جانبا؛ ليظهر لنا فيلم في منتهى القبح والدمامة أسمه لا يصف إلا حال أصحابه ومؤلفيه.. فصباحهم كدب في سرقة في كدب.









