الخميس، 1 أغسطس 2013

لكن الورد مات


لم يجد غيرَ الرسالةِ عندَ بابِ البيت
وجارهُ العجوزُ مبتسمٌ كعادتهِ، ويسقى الورد
يلوحُ لهُ، ويذهب من حيثُ جاء.
صفحةٌ بيضاء
في أسفلِ الصفحة، وبخطٍ منمق
أنا.. أنت.. من أنت؟؟
أنصرف لتعرفني،
تعالي إليَّ، أو أذهب لنفسك
ربما تجد الجواب.
لم يلقي بالاً بالرسالةِ،
لم يحركه الفضول،
وانصرف مبتسماً يقول:
ها أنا أنصرفتُ يا هذا السخيف
كم غبيٌ أنتَ كـ ليلِ الخريف.
يضع الرسالة في صندوقهِ الخاص،
ربما تركها ليتأملها..
إذا منحهُ وقته المشغول بعضَ الوقت.
لكن، لم يمنحهُ الوقت وقت.. مات..
وبقيت رسالته،
فـظنها أبنه وصيتهُ،
وراح يبحث عن جواب.
وحينما صادفَ جارَ والده العجوز
أخبرهُ بأن الوردَ مات.

الأربعاء، 3 يوليو 2013

عن ديوجانس العظيم

لوحة تخيلية للقاء ديوجين بالأسكندر الأكبر

ديوجين
أستحلفك بمصباحك المضاء
في وضحِ النهار
أن لا تغيبَ في عتمةِ الحياة
غيبني عن كلِ شيء.. غيب كلَ شيء،

ولتبقى أنتَ حيثُ لا أنت

حيثُ لا معنى يؤرقُ معناك البعيدَ
النائمَ الهادئَ خلفَ أكاذيب الحياة.

ديوجين
لا أحدٌ سعيد..
كذبوا علينا لفرطِ غبائهم..
فأبتسم عدمًا،
وأثأر لنفسكَ ساخراً بالحياة.
وأصرخ لا سعيد.. لا حزين..
أفيقوا من سكرةِ الغي المشين.
وليبقى أسمك قديسَ العدم
في اللا شيء عندي معنى اللا معنى،
ولتبقى رغمَ أنفِ الواهمين
عدما أثمن من كل أباخسِ الوجود،
ولا معنى يعلوعلى كل معنى
فلا يغيب رغم الغياب.

ديوجين
لم أخسر بك حوارا قط
فلما تخسرني دوما عند بدايات اللانهاية،
وعند نهايات اللا بداية.
أخبرني كيف أخسرك
علَّني أحياك موتا كي أعيش.
كي ما أزيح أسكندرَ المعنى العظيم
و أرى بريق هذا الضي
يعلو من خلف السديم.
فيستوي عندي النعيم
بلظى لظى نار الجحيم.

الأحد، 9 يونيو 2013

تأملات في المواقف والمخاطبات للنفري- موقف البحر




يقول النفري في "موقف البحر"
وقال لي خاطر من ألقى نفسه في البحر، ولم يركب. وهلك من ركب، وما خاطر. المخاطرة جزء من النجاة.

التعليق:
بحر المعرفة زاخر طامي تضرب أمواجه المتلاطمة المتجددة العقول يوما بعد يوم مزلزلة سفن الوعي الإنساني الباحث عن استقرار المرسى وهدوء الميناء. ورغم عمق هذا البحر السحيق واتساعه الذي لا يحده بصر ولا تصور، إلا أن ركوبه يعد ضرورة لا مناص عنها، كونه هو أفضل آليات البحث التي أنتجتها الحضارة الإنسانية بتراكمها. وهذا تحديدا ما يشير إليه  "النفري" في معرض حديثه عن المخاطرة والنجاة.

فهؤلاء الذين احتموا بسفينة ما وجدوه من أرث هادئ مستقر مربوط بحبال الماضي إلى مرفأ الاستقرار والسكينة، وحاربوا الجميع كي يحتموا بتلك السفن التي ورثوها -سواء كانت هذه السفن دينا أو معتقدا او تصور- لا يعرفون من بحر المعرفة غير ما يروه من على سطح سفينتهم حيث أمواج تضرب، وقاع عمقه لا يدرك، ونهاية لا نهاية لها. هكذا أجبرهم الخوف من المخاطرة وعظمها على تقديس السفينة، فآثروا السلامة على ركوب البحر واكتشافه، متناسيين أن السفينة لا تمثل للبحر شيء، وأنها رهن إرداته لو شاء أغرقها بمن فيها.

وهنا يقرر "النفري" النتيجة لصالح المخاطرة كونها جزء أصيل من النجاة لا محالة.. فكيف تستقيم النجاة أصلا دونما مخاطرة؟؟ وكيف تدرك سفينة مربوطة إلى المرفأ ما تدركه سفن المخاطرة في مواجهة هذا البحر الهائج؟؟ 
إن للمعرفة عدالة لا تساوي بين مخاطر ومتواكل حيث النجاة كحقيقة طويلة الأمد لا تكون من نصيب إلا من غامر وخاطر.. فكل يلقي جزائه على قدر عمله ومحاولته.. ويبقى المتواكل المتخاذل المتكاسل مربوطا إلى سفينته المربوطة إلى مينائه إن شاء الموج أهلكه فيها، وإن شاء تركه لخوفه وتوانيه كي يهلكه. بينما المخاطر المغامر الذي فتح صدره للأمواج متغلبا على خوفه لم يترك لنفسه فرصة إلا أن يعرف، فإذا ما هلك دونما أن يعرف تبقى مغامرته ومحاولته نبراسا يهتدى به من لحقه ليكمل ما بدأه، ويكفيه معرفة أنه عرف نفسها وروضها وتغلب على مكامن الخوف فيها حيث ذلك هو ذروة سنام المعرفة والنجاة معا.

الخميس، 23 مايو 2013

أين روحك؟ ماذا تعني؟؟




تقاسمنا روحك لتبقى روحك 
واحدةً فيك/متعددةً فينا.. 
فهل تنزعها عنا لتثبتها لنفسك؟ 
أَم منحتنا إياها لنثبتها لك فينا؟ 
أَم كنت تريد أن تثبتها بنا لك؟ 
أَم أنها غاية تشظت من اللامعنى 
بحيث كانت بلا هدف تكون؟؟
فهل لنا لنسأل: أين روحك؟؟ 
ماذا تعني؟؟

فمن أنتَ فينا، ومن نحنُ فيكَ؟؟
وهل نحنُ نحنُ.. وأنتَ أنتَ؟؟
و السؤالُ هو السؤال؟؟
أم أن هذا كلهُ فرطٌ من جنونْ؟؟
فمن تكونَ لكي تكون، وكي نكون؟؟
ومن نكون لنسئلَ كيفَ كنت؟؟
ولنعرفَ كيفَ السبيلُ كي لا نكون.

هذا الطريق..
لا يحكمهُ قانونُ المسافةِ، والزمن
فلن تعرفَ مدى قربك، ولا بعدك
لن تعرفَ كم من الوقت انقضى؟؟
ولن تعرفَ كم من الوقت بقى؟؟
لن تكون كما تريد، 
ولن تعودَ كما كنت
ستبقى عالقاً بينَ بينَ، 
بينما الطريق يسير بقدمينِ ثابتتينِ إلى النهاية، 
والنهاية تسير بقدمينِ ثابتتينِ إلى البداية، 
وأنتَ كما هو أنت دوماً عالقاً لا تزال. 
لن تحررك الحقيقة من قيد وهمك.. 
حتى وإن أفلت، 
لن تسقط إلا في وهم جديد،
حيث الهاوية سرمدية 
بلا نهايةٍ أو إجابة.

الجمعة، 17 مايو 2013

ليس للمعني معني إلا في خيالك


صورة لسديم الجبار

باِتساع الكونِ وضيقِ رؤيتنا
نذوبُ كالشمعِ المعاندِ في وجهِ الظلام.
كلُ شيءٍ مظلمٌ بنورِ الوهمِ فينا.
كلٌ شيء من فراغ،
فالفراغُ هو الخامُ الوحيدُ لكلِ شيء.
لكن لم يعد للشيءِ شيءٌ
كي ما يعودَ إلى الفراغ.
ونحنُ على بعدِ الفراغِ ذوبنا،
ولازالنا نذوب.
لم يكترث الوجودُ بذاتهِ؛ كي يكترث بذواتنا.
كلُ ذاتٍ ليست سوى شبحٍ في أسطورتنا القديمة
شبحٍ لا يخيفُ سوى الصغارِ الحالمين.
لن نخفي عورةَ جهلنا بوشاحِ عقولنا
كلُ عقلٍ عورةٌ، والجهلُ أدعى درجةً للفخر.
لستَ شيئًا بما فيهِ الكفاية كي تبحث الأشياء.
فأعرف قدرَِ روحك في هباءِ الكون، ولا تبالغ.

هل حقًا ترى؟؟ لتدونَ الرؤيةَ،
وتكتبُ من زيفِ عيناكَ الخلود.
هل حقًا ترى ما لا نرى؟؟
لتُخبرَنا بأهوالِ ما بعدَ القيامةِ
وتبيع لنا العذابَ،
وتبتاع من ضعفِ نفوسنا
أماني أو عهود.
ماذا ترى؟؟
نحن صدقًا لم نجئ،
كي ما نصدقُ زعمك أننا سنعود.
نحنُ سواءٌ في قيدِ عقولنا
كل يسير بما بقى من ضوءِ روحِه
في زقاقِ عقلهِ الضيق،
والقلبُ مضطربٌ بدقاتِهِ ويجود.
لم ندرك أي شيء،
ولن ندرك أي شيء لخللٍ في الحكايةِ،
أو ربما للغزٍ غامضٍ
كالشمسِ يأفلُ في الوجود.

نحن لا نخافُ الموت
بقدرِ ما نخافُ من الملل.
لا نهابُ الحياةَ، ولا تطمئننا الحياةُ،
ولا نعيشُ بوهمِ الأمل.
نحن انتحرنا مراراً بسمِ وحدتنا،
ولم نمت..
أو ربما موتنا مراراً؛
لهذا لا نموت.. 
فرجاءً لا تبالغ،
فليسَ للمعنى معنى إلا في خيالك
حتى خيالكَ لم يكن لينتمي إليكَ
لو كانَ أكثرَ واقعية
كلُ ما في الأمرِ
"أنهُ لغزٌ كبير"
واضحٌ أو غامضٌ.. لا يهم..
لأنهُ لم يكن يوما، ولن يكون،
لكننا نقولُ بمثلِ هذا مجازاً ليسَ إلا،
والأمرُ كلُ الأمرِ
خارج أطارِ حدسِ المعنى
بعيدًا.. بعيدًا..
حيثُ يولدُ من رحمِ الخيالِ واقعٌ خيالي
واقعٌ، لم يكن لينتمي إلينا
لو كان أكثرَ واقعية،
لكنه دوما يهمسُ فينا واحدًا واحدًا
"ليس للمعنى معنى إلا في خيالك"

الأحد، 14 أبريل 2013

تأملات مع كتاب المواقف والمخاطبات للنفري





يقول النفري في المخاطبات:
وقال لي : ادخل عليّ بغير إذن، فإنّك إن استأذنت حجبتك.
العلم الذي ضده الجهل هو علم الحرف،والجهل الذي ضده العلم هو جهل الحرف، فإن خرجت من الحرف سوف تعلم علما لا ضد له. فإذا عرفت معرفة المعارف سوف تجعل العلم دابة من دوابك، وتجعل الكون طريقا من طرقاتك، وإذا جعلت الكون طريقا من طرقاتك لم تتزود منه. هل رأيت زادا من طريق؟؟

التعليق:
إن ما نباهي به من علم في هذا العصر ما هو إلا العلم بالجهل. علم يثبت، وينفى.. يصح ويخطأ.. نسبي يتطور كأسطورة تحض نفسها بالوقت. وإن أقصى أستخدام لعلم كهذا أن يكون مجرد وسيلة لتحسين حياة الإنسان لا أكثر، هذا إن كان بإمكانه ذلك فعلا. حيث إن العلم بالجهل في غالبيته يظل معرفة منقوصة الحكمة إن أصلحت جانب أفسدت آخر، وإن أجابت على تساؤل طرحت إجابتها آلاف أخرى. علم كهذا لا ينبني عليه حقيقة، فهو محض سلعة استهلاكية تخدم الإنسان بشكل لحظي متجاوزة نفسها بالوقت الذي تنتهي به صلاحيتها.

أما العلم الحقيقي الذي لا ضد له، فلابد أن نظل نبحث عليه، حتى وإن كنا نعتقد بعدم وجوده، حيث لا بديل أمامنا هنا غير المحاولة. فبرغم إن كل التصوارات الحاضرة في المشهد عن ذلك العلم  ضبابية وغير واضحة، لكن يظل الاحتمال قائما في أن بعد الضباب نور جلي، وبعد الغموض وضوح ساطع، بل لربما كل هذا العبث الموجود في تصوراتنا الآن هو مجرد تجارب فاشلة تتطور؛ لتقودنا إلى التجربة الناجحة الرابحة التي ننشدها حيث الوصول إلى علم مطلق بحقيقة مطلقة تدحض كل شيء؛ ليعيش الإنسان في رحاب نورها نورا يمشي على قدمين.

ورغم مثالية هذا الطرح الصوفي النوراني الخالص إلا أنه لا يمكن دحضه عقلا. فالمعرفة كما يراها "النفري" تتوجب سبق المعلوم، ومن ثم العلم به.. والعلم والمعلوم كلاهما زاد المعرفة وليسا المعرفة.. وأكيد أنه لا معرفة من غير زاد العلم الذي سبق المعلوم، ولكن يبقى هذا مجرد سقف وعينا وتجربتنا ومحاولاتنا الذي يحجبنا بدوره عن الحقيقة المجردة في ذاتها. فإن لم ينكسر المعلوم في عقولنا زبدا لا نتزود به، ولا منه، وإن لم نرى علمنا على حقيقته كمجرد طريق للسفر، وإن لم ندرك أن أدواتنا وآلياتنا ونتائجنا مجرد مطايا تحملنا في ذلك الطريق. وإن لم نتنازل عن كوننا مسافرين تحت وطئة الرغم.. لو فعلنا هذا كله متجردين وصادقين.. ربما أنفتح أمامنا باب معرفة المعارف على مصرعيه؛ لنبلغ الحق والحقيقة.

السبت، 2 فبراير 2013

الهروب من فداحة اللامعنى إلى المعاني الزائفة


إنها رحلة الحياة.. رحلة معرفة اللاشيء الذي لا نستطيع أن نعرفه إلا بأشياء زائفة من وحي خيالنا.. رحلة فهم اللامعنى بافتراض شبكة من الأوهام نبتنيها لنمنحها المعاني..  رسمناها رحلة الشقاء المصطنع؛ لأجل خيال راحة تستحيل، وعشناها رحلة البحث عن حلم المتعة بوهم مضني أسميناه التعب، لكنها في حقيقتها هي رحلة هروبنا من فداحة اللامعنى التى نعانيها منذ الأزل، والتي سوف تستمر إلى الأبد مهما جملنها وأكملنها بالمعاني.

ففي ضجيج الحياة ومشاغلها ومشاكلها وحركتها الثابتة، وثباتها المتحرك يضيع كل شيء، ويذوب كل شيء؛ ليبقى لنا شيء لا يساوي في حقيقته أي شيء.. ألا وهو محاولتنا الجادة المستميتة المتكررة كي نستمر في العيش دونما سبب واضح، ودونما غاية تدرك، بل وحتى دون هدف حقيقي يُرجى. فأنى لنا أن نعيش الحياة دونما أن ننشغل عن حقيقتها الموجعة بالزيف الذي أتفقنا عليه؟؟ وكيف نحيا دون أن نتحايل على لامعنى حياتنا الصارخ بتعاريف بنيناها بالتراكم خلال رحلة طويلة في تتبع أثر السراب؟؟ 
ها نحن منذ البدء نفعل كل هذا وأكثر، لا من أجل شيء معين نوقن فيه، ولكن فقط لنهرب من قلق اللامعنى الذي يملأ كل شيء في حياتنا المزعومة، والتي لا يبالي بها أحد سوانا.. هكذا نختلق المعاني.. نجتهد لنرتبها في نسق يليق بعجزعقولنا؛ كل هذا فقط كي ننسى ملامح وجه اللامعني المخيف الذي يطل بوجهه علينا صارخا فينا بخواء كل شيء.. اللامعني الذي يغلفنا ويغلف كل شيء، ويستقر فينا، وفي أعماق كل شيء.. ونحن المتجاهلون الذين يظنون من فرط جهلم وتكبرهم أنهم المواجهون لكل شيء.

مدفوعين بالخوف الذي لا يجدي.. يدفعنا أمامه كالسوائم الملتاعة التي تذهب بأرجلها إلى الموت.. بل أكثر من ذلك قد يفعل الخوف.. الخوف من أن نذوب كالأشياء عند نقطة ما، أن نتلاشي بلا أثر كيفما وجدنا من اللا أثر.. وعلى الرغم من صلابة إرادتنا، وضراوة محاولاتنا، ماذا كان بوسعنا أن نفعل سوى أن نذوب كل يوم..  نذوب في الأشياء، وتذوب فينا، ويذوب كلانا تارك كل هذا الأرث الهائل من الهروب لخائفين جدد.. فالإنسان على كل بأسه وتفاخره وغطرسته ليس أكثر من ألة تضج عملا بخلق التصورات التي تكفل له هروبا صيرويا من التصور الذي لم يفهمه، ولن يفهمه.. بل هكذا يستمر الوجود بأكمله كمجرد ضجيج بلا طحين.

الأمر أشبه ما يكون بمن يدخل إلى لجنة امتحان دون علمه.. لا يتذكر أي شيء حدث قبله، ولا يعرف أي نتيجة سوف تنبني عليه.. حيث الامتحان هو مفاجأة غير مفهومة بغير ذات مغزى، وبدون أدني مبرر.. غير معروف لنهايتها نتيجة، وغير مفهوم لنتيجتها معنى.. هو لايدرك فيها أي شيء سوى حدثها الجاري.. هذا الحدث الجبري الذي هو ليس أكثر من ورقة أسئلة بها سؤال واحد مكتوب بعدة طلاسم لا يفهمها، ولكن بنهايتها علامة استفهام أو ربما علامة تعجب.. فهو حتى لا يستطيع أن يستبين العلامة، ولكن لا يهم.. فما نفع العلامة إذا كان لم يفهم المكتوب الذي يسبقها من الأساس.. وبرغم كل هذه الملابسات العجيبة لا يستطيع صاحبنا أن ينهي هذا الأمر الذي لم يبتدئه.. لا يستطيع أن يترك مكان الأمتحان.. ربما خوفا من أن يذهب إلى مكان امتحان أغرب بملابسات أعجب، وبسؤال اصعب.. لهذا يستسلم إلى مكانه، ويعيد قراءة السؤال مرات ومرات.. ويتأمل علامة التعجب أو الاستفهام.. لكنه رغم محاولاته الدؤوبة يفشل.. ومع فشله المتكرريصيبه الاحباط، فيتجاهل السؤال، ويقرر أن ينتظر إلى أن ينتهي الوقت.. في الانتظار يمضي الوقت كسلحفاة كسيحة لا تمشي بقدر ما تقف.. ربما لهذا يقرر أن يخترع شيئا يمرر به تباطأ الوقت.. يمسك بالقلم، ويكتب أشياء، ويرسم أشياء، ويخط أشياء.. ويذوب انشغالا في هذا العبث متناسيا السؤال والامتحان، بل ومتناسيا كل شيء إلى أن يفاجأ على حين غرة بانتهاء الوقت.. ليترك من خلفه دفتر إجابته لمن يليه.. لكنه ملئ بالرسومات والكلمات والجمل والعبارات التي ليس لها أدني علاقة بالسؤال الذي لم يفهمه، ولم يدرك معناه. من هنا ينتج تراكم المعاني الزائفة الذي لا يمكن تمحيصه.. من هنا تدور اللعبة ولا تتوقف أبدا.. اختبار صعب لا ثمة داع له.. فانتظار طويل.. فمحاولة للتلهي.. وهلم جرا..

بالوحدة وحدها نستطيع أن نرى الأمور بشكل أوضح.. نستطيع أن نقلب تلك الخطوات السابقة رأسا على عقب.. فحين تتركك نفسك للوحدة.. تتركك هي بدورها إلى التأمل.. ليتركك بدوره إلى التحلل.. تحلل من كل شيء.. وتحلل لكل شيء.. تحلل يفرغك ويفرغ كل شيء من معناه..  ضوء ساطع كضوء الشمس في رابعة النهار يضرب في وجهك، لا تستطيع معه إلا أن تغلق عينيك عن كل هذا الصخب الدائر حولك وقبلك وحتى بعدك.. عن كل ما تراكم من زيف المعاني، وكل ما تكتل من بنيان المفاهيم والتصورات والرؤى.. بعينين مغمضتين لا نتجاهل الرؤية، بل نرى اللامعنى بمادته الخام.. نقيا.. خالصا.. صافيا.. وموجعا.. كما كان أول مرة قبل أن يُحمل بكل هذا الأرث الهائل من ركام المعانى الزائفة والغايات الوهمية والمفاهيم الخيالية.. هكذا نرى بعيوننا المغمضة حقيقة ما لا نراه بها، وهي مفتوحة ؟؟ بل هكذا ندرك إن الامتحان خلل سقيم، والسؤال جدل عقيم، واللا معنى أكثر فداحة من المعاني الزائفة.

الثلاثاء، 22 يناير 2013

شيطان الجهل الذي عبدوه

يؤمنون بمن هو كافر بنفسه على نحو كفرهم بالعدم، هكذا كلما أزداد كفرا أزدادوا يقينا. ففي نهاية ممر أعينيهم المرفوعة إليه لم يجدوا سوى عينيه.. عينيه اللتين لا تران غير سراب عقولهم، ووهم منطقهم. هكذا أصبح يلعن نفسه فيهم، فلا تجد أصواتهم إلا وقد تعالت بتقديسه. لابد أن تغلق الدائرة نفسها عليهم كي يعيشوا في زحام هذا الفراغ الذي سيفاجئهم بالعدم الذي لا يتصوروه، المفاجأة هي أهم شروط العدم الذي لم يعرفوا له وصفا سوى أنه وجه نقيض وجودهم.. وجودهم الذي غيبهم عن كل شيء.. وسوف يغيبهم عدما عن كل شيء.. حيث الكفر أدعى للإيمان منه إلى الكفر.

قد يبلغ الجهل منتهاه عندما يظن أحدهم أنه من الممكن للبشر جميعا أن يعقلوا الامور بعقوله هو، لا بعقولهم، ويبلغ العمى مداه عندما يتوقع أنه بالإمكان أن ترى عيون الجميع المشهد من زاويته وبضيق عينيه. جهل كهذا وعمى كالذي سبق لن تراه إلا في أصوليا متطرفا يريد من العالم أن يعقلوا بمثل ما يعقل، وأن يروا كمثل الذي يرى وإلا كان القتل جزاءهم، ولو تحقق له الذي يريد من مثل هذا العمى، ومثل هذا الجهل، لكان البشر في عداد الكائنات المنقرضة من ملايين السنين جراء حروب إبادة ساذجة تقوم على مبدأ أن كل مخالف هو مطلوب للقتل، وكل خلاف لا يحل إلا بحرب.

إن أكبر فكرة يدور حولها الصراع عبر الزمن ويتزايد حولها ضجيج الاختلافات هي فكرة الله.. تلك الفكرة التى يدور في فلكها الجميع بألف مليون شكل وألف مليون طريقة إبتداء فيمن مثلوه ووصفوه وعبدوه، وحتى من أنكروه وكفروا به. فالفكرة قائمة في نفوسنا جميعا مهما كانت طريقة تفاعلنا معها.

إن الفكر الذي ينبني على مصادرة أفكار وعقول الآخرين حول الله وماهيته ونقد رؤى وعيون المغايرين حوله وحول صورته لهو أشد أنواع الكفر به. إن صدام كهذا يبدو صراعا ظاهريا بين البشر، لكنه في باطنه كفر بالله وحرب  ضروس ضده.. صراع في هيئة اعتراض على صنعته وإرادته فهو من منح المخالفين عقول تدركه على هذا النحو الذي تدركه ووهبهم عيون تراه على نحو هذا التعدد من الصور و الأشكال. فمن يصادر عقول البشر وعيونهم في رؤيتهم لله فهو يرتكب كفر بين في حق من صنع هذه العقول وتلك العيون، ومنحها الحرية لتراه حيث شاءت كما شاء. 

إن فكرة الله من وجهة نظري فكرة كانطية لا يمكن إخضاعها للإثبات والنفي، بل لا يمكن إخضاعها لأي صورة نمطية وردت في دين بعينه.. فالله هو الشيء الذي نراه جميعا كل منا على حسب قدره وقدرته.. هو خصوصية تجربة الذات الإنسانية المتفردة والفريدة التي تجعل من الإنسان إنسانا ومن الوجود وجودا.. حيث لو توحدنا جميعا في معرفته على نحو واحد لا خلاف فيه؛ لانهدم محرك الاختلاف في الحياة، فانهدمت فوق رؤوسنا للأبد.

الثلاثاء، 13 نوفمبر 2012

كلٌ يخون الحب بأسم الحب



صورة من فيلم winter light لإنغمار برجمان 

أو تعلمين يا صديقة؟؟
لم أمضي يوماً مرغماً إلى كهفِ الحقيقة،
لكنني الأنَ أمضي مرغماً وباختياري
يمضي سكوني صاخباً
واليومُ يمضي، وأنتِ تمضي، والغدُ ماضي
كيف الكلامُ؟؟ وهذا الصمتُ مسجونٌ وقاضي

"لا العهدُ يحفظُها، ولا هي تحفظُ عهدها
كلٌ يخونُ الحبَ بأسمِ الحب 
فالعشقُ أن تنسى ما سواهُ، وبُعدَها
تنسى الجميعَ، ونبضَ هذا القلب"

ها أنا أرى ما لا أرى في الحلم
تتطايرت المشاعرُ 
من دفترِ القلبِ المكدسِ بالقصائد
أعودُ منها ذاهباً فيها
فأبدو لستُ بذاهبٍ أو عائد 

"أرى الحياةَ تنتفضُ 
بما تبقى فيها من حياة
و ترتمي بينَ الايادي ..
فمن أعادي كي تكوني بلادي
ومن أنادي كي يجيء ميعادي"

قالت تماسك.. لا تخف
غطي الحياةَ ببياضِ قلبك
وانتظر الزمن. 
وازهو هناكَ بطهرِ ذنبك
أغرق وحيداً.. 
ما نفعُ السفن؟
وأهمس وحيداً..
لن تموتي يا حياة
أقرأ لها سطرين من شعرِ المآسي
ذكرها بالشقاءِ وبالتعب
وأشعل شموعاً في عيدها الماسي
و ألمع بريقاً من ذهب
أترك ما تبقى منكَ فيها
تبخر غيمتين
وأغمر بعمركَ عمرها 
كي ما تكون
فلا أكون إلى الأبد.

الاثنين، 13 أغسطس 2012

نفس الحكاية




بردو تاني
نفس الكلام
نفس الأغاني 
بوستين وحضن
وخيال بيغرق في الأماني
بكرا نتجوز 
وبعده تجيبي بنت
وتبقى شبهك 
وأندها ناني
وبردو تاني
نفس الخناق والقفش
نشتم في بعض
ونرجع نعاني
أنا مش أناني
أنتي بس مغلباني
جننتني وبتشتكي
وتقول دا هيا مجنناني
أنتي اللي مش فهماني
طيب خلاص بلاها حب
وبلاها ناني
ويعدي وقت
وبردو تاني
تبتدي نفس الحكاية 
بشكل تاني
لكنها ديما بتخلص
ببلاها ناني

فيوضات العبث