الخميس، 14 نوفمبر 2013

متناقضة القدرة المطلقة

متناقضة القدرة المطلقة هو سؤال منطقي للطعن في وجود الله، وهذا السؤال مفاداه.. إذا كان الله مطلق القدرة فهل يستطيع أن يخلق من هو أقدر منه؟؟
إذا كان الجواب بنعم، فهذا يعني أن قدرته الحالية ليست مطلق القدرة ومنتهاها وأن هناك من هو أعلى منه قدرة، وإذا كان الجواب بلا، فهذا انتفاء لطلاقة القدرة من الأساس لأنه لا يستطيع، وعدم الاستطاعة هو انتفاء للقدرة.

والحقيقة أني أرى سؤال كهذا هو سؤال إثبات للأله، وليس سؤال لنفيه. لأن السؤال في ذاته مقر بوجود الله وبطلاقة قدرته، ولكن السؤال يتعرض لطعن في تلك الصفة، وإن التشكك أو حتى نفي صفة شيء، لا ينفي الشيء ذاته على أطلاقه، حتى وإن نفينا عنه تلك الصفة. فحتى من يبني على فكرة السؤال نفي الله فهو أيضا بنفيه لا يجيب على السؤال.. فهل عندما يسئلك أحدهم مسألة بالغة الصعوبة حول أي شيء، فلا تستطيع أن ترد عليه بالنفي أو بالأثبات.. هل عدم ردك يثبت عدم وجود الشيء المسئول عنه أو ينفيه.. بالقطع لا، يبقى السؤال قائما، ويبقى الشيء الذي يُسئل عنه قائما من خلال بقاء السؤال بلا جواب.

وفي الواقع إن هذا السؤال في ذاته لا يصلح إلا لمن يرون الله نمطا يمكن تعقله وتفهم أفعاله وتقديرها.. وتلك أكبر كارثة لدى الدينين واللادينين، وهي أنهم يعتبرون الله موضوعا جدليا ممكن النقاش حوله فيما بينهم جماعيا رغم كونه شأن ذاتي خاص. أن نقاش فكرة الله لا يستقيم إلا إذا كان نقاشا روحانيا عقلانيا شخصيا بينك وبين نفسك، إذا تدخل فيه أحد أفسده، وأفسدك من خلال شهوة الجدل والانتصار للرأي.

دع ما يراه الناس عن الله جانبا، وأنظر لترى ما ترى بنفسك ولنفسك، وفي كلا الأحوال ستراه، وحتى وإن أنكرته في نفسك، فلرب منكر مجتهد في الحق صادق خير من زيف ملايين أقسموا على رؤيته جهلا، وهم بالأصل لا يعرفوه.. فالقيمة الحقيقة لله والثمرة الحقيقة للتحقق من وجوده من عدمه، تكمن في ذاتية البحث وصدقه والتجرد والتخلي للمعرفة بإنصاف وإخلاص، لا في إثبات ولا في نفي. تلك مجرد نتائج لا تغير في نفس الشخص شيء، وإنما ما يبقى في نفسه بعد تلك الرحلة إن كانت جادة صادقة هو الإنصاف والتخلي والتجرد والاخلاص والصدق وحب المعرفة والاجتهاد فيها.

السبت، 2 نوفمبر 2013

هاموت وأحبك بس الحب مش سامح

صورة للممثلة النرويجية أليف أولمان

وكاتب ع الصدى صمتي
وفارد للردى قامتي
هذا الوجود لو مضى
ما احني في يوم هامتي
رغم أني محني بوحدتي
ماشي ووجعي خطوتي
شيمة الصبور شامتي
رغم الشعور يبدو سدى
رغم خشونتي وما بدا
بل الهوى سمتي

جوا الطريق
لاقيت قلبك طريق
فاتمشى قلبي
وأنا قلبي سكة تضيق
يمكن هتوسع 
لو كنت جنبي
ومنيش مخادع، 
ومنيش برئ
الحب أصلا 
ماهوش بيدَّي


هاموت وأحبك 
بس الحب مش سامح
وهاموت وأضمك 
بس البعد ليه جارح؟؟
وهاموت وأكون 
بكرا وبعده وإمبارح
وهاموت وأكون 
ليكي أي شيء
بس الألم 
مش مدي فرصة
في دنيا قاسية 
حسابات في بورصة 
هنا قتل نازف 
مع ظلم جارف
ولا حد عارف 
دا كله ليه؟؟
وأنا فيكي دايب، 
والقلب شايب 
هيعمل أيه؟؟

كل الحكاية 
إني عشقتك بحر، 
شاغلني موجه بالبريق،
فلاقتني فجأة في الغريق،
واتبل قلبي غرقت فيه

وأنتي جميلة جمال
على قد حزني والخيال
بشكل فتنة يختلط بيها
الحرام ويا الحلال
بهمس طيفك تنشليني 
وبتشليني 
على شعرك بساط الريح 
من قلب نبضه جريح 
مرمي في وجعه طريح 
يا أم الهوى تسابيح 
بتطيب المجاريح 
كفاية قلبي معاكي 
يعيش يومين تفاريح 
يا أم العيون 
كما حضن بحرالكون 
معرفش لونهم أيه؟؟
يا أم الشفايف نسيم وطايف 
أنا قلبي شايل ليه؟؟
القلب ضل من الوجع، 
ولا الوجع 
عايز رُسل تهديه؟؟

أقسمت عليك بالماضي
وبالقلب اللي كان فاضي
وجيتي من العدم ملتيه 
أقسمت عليكي بغنايا.. 
بوجع البحة في صوتي
وصوت القلب اللي كان 
سارح من ورا سكوتي
أقسمت عليكي 
بالورقة وبالأقلام
وكل قصيدة من وجعي 
وكل كلام
وحيد القلب دا بعدك.. 
فلا تخليه
أقسمت عليكي بالصدفة
اللي رمتني في طريقك
غريق القلب في التوهة
وتوهى قلبي في غريقك
كفاية وجودي جاي ضدي
فبلاش أنتي بردو 
تيجي عليه

الثلاثاء، 15 أكتوبر 2013

عيشوا بني ادمين.. تموتوا بني ادمين



طوفان وطايف بالبشر
أصل الحياة طوفة
ما نفعنا يوم العمى
ولا حتى كام شوفة
صوت المنادي ينادي
من أسبانيا للكوفة
يا طالبين الأمان
هذا الأمان خوفة
من العدم والألم
والعمر دا بروفة
يا طالبين الحقيقة
المعنى دا كعبتي
كل الحشود جايين
زحامين فجاج سكتي
ولا حد جايلي أنا
جايين عشان رحمتي
كل الحشود رايحين
وكأنهم ناسيين
الجسم طايف
والقلب مش شايف
عارفين ومش عارفين
مكنوش في يوم قاصدين
وأنا الوحيد الغني
وهما هنا مساكين
جايين عشان جنتي
وأنا جنتي هما
يعيشوا بني أدمين
يبقى الجميع أمة
والأرض هادية ظريفة
ولا فيها يوم غمة
يا زحام الحشد بادي
كما كل عام عادي
الزحمة عزوة وهيبة
ولا الزحام خيبة
ولا الجميع ضايعين
يا رافعين الايادي هناك
يا سادة يا باكين
الحب هو السبيل
لو كنتو يوم عارفين
سايق عليكو السفر
والطاعة والساعة
سايق عليكو السحر
دي الجنة منباعة
لتكونوا صدق وعدل
في دنيا خداعة
و تكونوا طيبة بشر
ببراءة ووداعة
فتعيشوا بني ادمين
وتموتوا بني ادمين


الخميس، 1 أغسطس 2013

لكن الورد مات


لم يجد غيرَ الرسالةِ عندَ بابِ البيت
وجارهُ العجوزُ مبتسمٌ كعادتهِ، ويسقى الورد
يلوحُ لهُ، ويذهب من حيثُ جاء.
صفحةٌ بيضاء
في أسفلِ الصفحة، وبخطٍ منمق
أنا.. أنت.. من أنت؟؟
أنصرف لتعرفني،
تعالي إليَّ، أو أذهب لنفسك
ربما تجد الجواب.
لم يلقي بالاً بالرسالةِ،
لم يحركه الفضول،
وانصرف مبتسماً يقول:
ها أنا أنصرفتُ يا هذا السخيف
كم غبيٌ أنتَ كـ ليلِ الخريف.
يضع الرسالة في صندوقهِ الخاص،
ربما تركها ليتأملها..
إذا منحهُ وقته المشغول بعضَ الوقت.
لكن، لم يمنحهُ الوقت وقت.. مات..
وبقيت رسالته،
فـظنها أبنه وصيتهُ،
وراح يبحث عن جواب.
وحينما صادفَ جارَ والده العجوز
أخبرهُ بأن الوردَ مات.

الأربعاء، 3 يوليو 2013

عن ديوجانس العظيم

لوحة تخيلية للقاء ديوجين بالأسكندر الأكبر

ديوجين
أستحلفك بمصباحك المضاء
في وضحِ النهار
أن لا تغيبَ في عتمةِ الحياة
غيبني عن كلِ شيء.. غيب كلَ شيء،

ولتبقى أنتَ حيثُ لا أنت

حيثُ لا معنى يؤرقُ معناك البعيدَ
النائمَ الهادئَ خلفَ أكاذيب الحياة.

ديوجين
لا أحدٌ سعيد..
كذبوا علينا لفرطِ غبائهم..
فأبتسم عدمًا،
وأثأر لنفسكَ ساخراً بالحياة.
وأصرخ لا سعيد.. لا حزين..
أفيقوا من سكرةِ الغي المشين.
وليبقى أسمك قديسَ العدم
في اللا شيء عندي معنى اللا معنى،
ولتبقى رغمَ أنفِ الواهمين
عدما أثمن من كل أباخسِ الوجود،
ولا معنى يعلوعلى كل معنى
فلا يغيب رغم الغياب.

ديوجين
لم أخسر بك حوارا قط
فلما تخسرني دوما عند بدايات اللانهاية،
وعند نهايات اللا بداية.
أخبرني كيف أخسرك
علَّني أحياك موتا كي أعيش.
كي ما أزيح أسكندرَ المعنى العظيم
و أرى بريق هذا الضي
يعلو من خلف السديم.
فيستوي عندي النعيم
بلظى لظى نار الجحيم.

الأحد، 9 يونيو 2013

تأملات في المواقف والمخاطبات للنفري- موقف البحر




يقول النفري في "موقف البحر"
وقال لي خاطر من ألقى نفسه في البحر، ولم يركب. وهلك من ركب، وما خاطر. المخاطرة جزء من النجاة.

التعليق:
بحر المعرفة زاخر طامي تضرب أمواجه المتلاطمة المتجددة العقول يوما بعد يوم مزلزلة سفن الوعي الإنساني الباحث عن استقرار المرسى وهدوء الميناء. ورغم عمق هذا البحر السحيق واتساعه الذي لا يحده بصر ولا تصور، إلا أن ركوبه يعد ضرورة لا مناص عنها، كونه هو أفضل آليات البحث التي أنتجتها الحضارة الإنسانية بتراكمها. وهذا تحديدا ما يشير إليه  "النفري" في معرض حديثه عن المخاطرة والنجاة.

فهؤلاء الذين احتموا بسفينة ما وجدوه من أرث هادئ مستقر مربوط بحبال الماضي إلى مرفأ الاستقرار والسكينة، وحاربوا الجميع كي يحتموا بتلك السفن التي ورثوها -سواء كانت هذه السفن دينا أو معتقدا او تصور- لا يعرفون من بحر المعرفة غير ما يروه من على سطح سفينتهم حيث أمواج تضرب، وقاع عمقه لا يدرك، ونهاية لا نهاية لها. هكذا أجبرهم الخوف من المخاطرة وعظمها على تقديس السفينة، فآثروا السلامة على ركوب البحر واكتشافه، متناسيين أن السفينة لا تمثل للبحر شيء، وأنها رهن إرداته لو شاء أغرقها بمن فيها.

وهنا يقرر "النفري" النتيجة لصالح المخاطرة كونها جزء أصيل من النجاة لا محالة.. فكيف تستقيم النجاة أصلا دونما مخاطرة؟؟ وكيف تدرك سفينة مربوطة إلى المرفأ ما تدركه سفن المخاطرة في مواجهة هذا البحر الهائج؟؟ 
إن للمعرفة عدالة لا تساوي بين مخاطر ومتواكل حيث النجاة كحقيقة طويلة الأمد لا تكون من نصيب إلا من غامر وخاطر.. فكل يلقي جزائه على قدر عمله ومحاولته.. ويبقى المتواكل المتخاذل المتكاسل مربوطا إلى سفينته المربوطة إلى مينائه إن شاء الموج أهلكه فيها، وإن شاء تركه لخوفه وتوانيه كي يهلكه. بينما المخاطر المغامر الذي فتح صدره للأمواج متغلبا على خوفه لم يترك لنفسه فرصة إلا أن يعرف، فإذا ما هلك دونما أن يعرف تبقى مغامرته ومحاولته نبراسا يهتدى به من لحقه ليكمل ما بدأه، ويكفيه معرفة أنه عرف نفسها وروضها وتغلب على مكامن الخوف فيها حيث ذلك هو ذروة سنام المعرفة والنجاة معا.

الخميس، 23 مايو 2013

أين روحك؟ ماذا تعني؟؟




تقاسمنا روحك لتبقى روحك 
واحدةً فيك/متعددةً فينا.. 
فهل تنزعها عنا لتثبتها لنفسك؟ 
أَم منحتنا إياها لنثبتها لك فينا؟ 
أَم كنت تريد أن تثبتها بنا لك؟ 
أَم أنها غاية تشظت من اللامعنى 
بحيث كانت بلا هدف تكون؟؟
فهل لنا لنسأل: أين روحك؟؟ 
ماذا تعني؟؟

فمن أنتَ فينا، ومن نحنُ فيكَ؟؟
وهل نحنُ نحنُ.. وأنتَ أنتَ؟؟
و السؤالُ هو السؤال؟؟
أم أن هذا كلهُ فرطٌ من جنونْ؟؟
فمن تكونَ لكي تكون، وكي نكون؟؟
ومن نكون لنسئلَ كيفَ كنت؟؟
ولنعرفَ كيفَ السبيلُ كي لا نكون.

هذا الطريق..
لا يحكمهُ قانونُ المسافةِ، والزمن
فلن تعرفَ مدى قربك، ولا بعدك
لن تعرفَ كم من الوقت انقضى؟؟
ولن تعرفَ كم من الوقت بقى؟؟
لن تكون كما تريد، 
ولن تعودَ كما كنت
ستبقى عالقاً بينَ بينَ، 
بينما الطريق يسير بقدمينِ ثابتتينِ إلى النهاية، 
والنهاية تسير بقدمينِ ثابتتينِ إلى البداية، 
وأنتَ كما هو أنت دوماً عالقاً لا تزال. 
لن تحررك الحقيقة من قيد وهمك.. 
حتى وإن أفلت، 
لن تسقط إلا في وهم جديد،
حيث الهاوية سرمدية 
بلا نهايةٍ أو إجابة.

الجمعة، 17 مايو 2013

ليس للمعني معني إلا في خيالك


صورة لسديم الجبار

باِتساع الكونِ وضيقِ رؤيتنا
نذوبُ كالشمعِ المعاندِ في وجهِ الظلام.
كلُ شيءٍ مظلمٌ بنورِ الوهمِ فينا.
كلٌ شيء من فراغ،
فالفراغُ هو الخامُ الوحيدُ لكلِ شيء.
لكن لم يعد للشيءِ شيءٌ
كي ما يعودَ إلى الفراغ.
ونحنُ على بعدِ الفراغِ ذوبنا،
ولازالنا نذوب.
لم يكترث الوجودُ بذاتهِ؛ كي يكترث بذواتنا.
كلُ ذاتٍ ليست سوى شبحٍ في أسطورتنا القديمة
شبحٍ لا يخيفُ سوى الصغارِ الحالمين.
لن نخفي عورةَ جهلنا بوشاحِ عقولنا
كلُ عقلٍ عورةٌ، والجهلُ أدعى درجةً للفخر.
لستَ شيئًا بما فيهِ الكفاية كي تبحث الأشياء.
فأعرف قدرَِ روحك في هباءِ الكون، ولا تبالغ.

هل حقًا ترى؟؟ لتدونَ الرؤيةَ،
وتكتبُ من زيفِ عيناكَ الخلود.
هل حقًا ترى ما لا نرى؟؟
لتُخبرَنا بأهوالِ ما بعدَ القيامةِ
وتبيع لنا العذابَ،
وتبتاع من ضعفِ نفوسنا
أماني أو عهود.
ماذا ترى؟؟
نحن صدقًا لم نجئ،
كي ما نصدقُ زعمك أننا سنعود.
نحنُ سواءٌ في قيدِ عقولنا
كل يسير بما بقى من ضوءِ روحِه
في زقاقِ عقلهِ الضيق،
والقلبُ مضطربٌ بدقاتِهِ ويجود.
لم ندرك أي شيء،
ولن ندرك أي شيء لخللٍ في الحكايةِ،
أو ربما للغزٍ غامضٍ
كالشمسِ يأفلُ في الوجود.

نحن لا نخافُ الموت
بقدرِ ما نخافُ من الملل.
لا نهابُ الحياةَ، ولا تطمئننا الحياةُ،
ولا نعيشُ بوهمِ الأمل.
نحن انتحرنا مراراً بسمِ وحدتنا،
ولم نمت..
أو ربما موتنا مراراً؛
لهذا لا نموت.. 
فرجاءً لا تبالغ،
فليسَ للمعنى معنى إلا في خيالك
حتى خيالكَ لم يكن لينتمي إليكَ
لو كانَ أكثرَ واقعية
كلُ ما في الأمرِ
"أنهُ لغزٌ كبير"
واضحٌ أو غامضٌ.. لا يهم..
لأنهُ لم يكن يوما، ولن يكون،
لكننا نقولُ بمثلِ هذا مجازاً ليسَ إلا،
والأمرُ كلُ الأمرِ
خارج أطارِ حدسِ المعنى
بعيدًا.. بعيدًا..
حيثُ يولدُ من رحمِ الخيالِ واقعٌ خيالي
واقعٌ، لم يكن لينتمي إلينا
لو كان أكثرَ واقعية،
لكنه دوما يهمسُ فينا واحدًا واحدًا
"ليس للمعنى معنى إلا في خيالك"

الأحد، 14 أبريل 2013

تأملات مع كتاب المواقف والمخاطبات للنفري





يقول النفري في المخاطبات:
وقال لي : ادخل عليّ بغير إذن، فإنّك إن استأذنت حجبتك.
العلم الذي ضده الجهل هو علم الحرف،والجهل الذي ضده العلم هو جهل الحرف، فإن خرجت من الحرف سوف تعلم علما لا ضد له. فإذا عرفت معرفة المعارف سوف تجعل العلم دابة من دوابك، وتجعل الكون طريقا من طرقاتك، وإذا جعلت الكون طريقا من طرقاتك لم تتزود منه. هل رأيت زادا من طريق؟؟

التعليق:
إن ما نباهي به من علم في هذا العصر ما هو إلا العلم بالجهل. علم يثبت، وينفى.. يصح ويخطأ.. نسبي يتطور كأسطورة تحض نفسها بالوقت. وإن أقصى أستخدام لعلم كهذا أن يكون مجرد وسيلة لتحسين حياة الإنسان لا أكثر، هذا إن كان بإمكانه ذلك فعلا. حيث إن العلم بالجهل في غالبيته يظل معرفة منقوصة الحكمة إن أصلحت جانب أفسدت آخر، وإن أجابت على تساؤل طرحت إجابتها آلاف أخرى. علم كهذا لا ينبني عليه حقيقة، فهو محض سلعة استهلاكية تخدم الإنسان بشكل لحظي متجاوزة نفسها بالوقت الذي تنتهي به صلاحيتها.

أما العلم الحقيقي الذي لا ضد له، فلابد أن نظل نبحث عليه، حتى وإن كنا نعتقد بعدم وجوده، حيث لا بديل أمامنا هنا غير المحاولة. فبرغم إن كل التصوارات الحاضرة في المشهد عن ذلك العلم  ضبابية وغير واضحة، لكن يظل الاحتمال قائما في أن بعد الضباب نور جلي، وبعد الغموض وضوح ساطع، بل لربما كل هذا العبث الموجود في تصوراتنا الآن هو مجرد تجارب فاشلة تتطور؛ لتقودنا إلى التجربة الناجحة الرابحة التي ننشدها حيث الوصول إلى علم مطلق بحقيقة مطلقة تدحض كل شيء؛ ليعيش الإنسان في رحاب نورها نورا يمشي على قدمين.

ورغم مثالية هذا الطرح الصوفي النوراني الخالص إلا أنه لا يمكن دحضه عقلا. فالمعرفة كما يراها "النفري" تتوجب سبق المعلوم، ومن ثم العلم به.. والعلم والمعلوم كلاهما زاد المعرفة وليسا المعرفة.. وأكيد أنه لا معرفة من غير زاد العلم الذي سبق المعلوم، ولكن يبقى هذا مجرد سقف وعينا وتجربتنا ومحاولاتنا الذي يحجبنا بدوره عن الحقيقة المجردة في ذاتها. فإن لم ينكسر المعلوم في عقولنا زبدا لا نتزود به، ولا منه، وإن لم نرى علمنا على حقيقته كمجرد طريق للسفر، وإن لم ندرك أن أدواتنا وآلياتنا ونتائجنا مجرد مطايا تحملنا في ذلك الطريق. وإن لم نتنازل عن كوننا مسافرين تحت وطئة الرغم.. لو فعلنا هذا كله متجردين وصادقين.. ربما أنفتح أمامنا باب معرفة المعارف على مصرعيه؛ لنبلغ الحق والحقيقة.

السبت، 2 فبراير 2013

الهروب من فداحة اللامعنى إلى المعاني الزائفة


إنها رحلة الحياة.. رحلة معرفة اللاشيء الذي لا نستطيع أن نعرفه إلا بأشياء زائفة من وحي خيالنا.. رحلة فهم اللامعنى بافتراض شبكة من الأوهام نبتنيها لنمنحها المعاني..  رسمناها رحلة الشقاء المصطنع؛ لأجل خيال راحة تستحيل، وعشناها رحلة البحث عن حلم المتعة بوهم مضني أسميناه التعب، لكنها في حقيقتها هي رحلة هروبنا من فداحة اللامعنى التى نعانيها منذ الأزل، والتي سوف تستمر إلى الأبد مهما جملنها وأكملنها بالمعاني.

ففي ضجيج الحياة ومشاغلها ومشاكلها وحركتها الثابتة، وثباتها المتحرك يضيع كل شيء، ويذوب كل شيء؛ ليبقى لنا شيء لا يساوي في حقيقته أي شيء.. ألا وهو محاولتنا الجادة المستميتة المتكررة كي نستمر في العيش دونما سبب واضح، ودونما غاية تدرك، بل وحتى دون هدف حقيقي يُرجى. فأنى لنا أن نعيش الحياة دونما أن ننشغل عن حقيقتها الموجعة بالزيف الذي أتفقنا عليه؟؟ وكيف نحيا دون أن نتحايل على لامعنى حياتنا الصارخ بتعاريف بنيناها بالتراكم خلال رحلة طويلة في تتبع أثر السراب؟؟ 
ها نحن منذ البدء نفعل كل هذا وأكثر، لا من أجل شيء معين نوقن فيه، ولكن فقط لنهرب من قلق اللامعنى الذي يملأ كل شيء في حياتنا المزعومة، والتي لا يبالي بها أحد سوانا.. هكذا نختلق المعاني.. نجتهد لنرتبها في نسق يليق بعجزعقولنا؛ كل هذا فقط كي ننسى ملامح وجه اللامعني المخيف الذي يطل بوجهه علينا صارخا فينا بخواء كل شيء.. اللامعني الذي يغلفنا ويغلف كل شيء، ويستقر فينا، وفي أعماق كل شيء.. ونحن المتجاهلون الذين يظنون من فرط جهلم وتكبرهم أنهم المواجهون لكل شيء.

مدفوعين بالخوف الذي لا يجدي.. يدفعنا أمامه كالسوائم الملتاعة التي تذهب بأرجلها إلى الموت.. بل أكثر من ذلك قد يفعل الخوف.. الخوف من أن نذوب كالأشياء عند نقطة ما، أن نتلاشي بلا أثر كيفما وجدنا من اللا أثر.. وعلى الرغم من صلابة إرادتنا، وضراوة محاولاتنا، ماذا كان بوسعنا أن نفعل سوى أن نذوب كل يوم..  نذوب في الأشياء، وتذوب فينا، ويذوب كلانا تارك كل هذا الأرث الهائل من الهروب لخائفين جدد.. فالإنسان على كل بأسه وتفاخره وغطرسته ليس أكثر من ألة تضج عملا بخلق التصورات التي تكفل له هروبا صيرويا من التصور الذي لم يفهمه، ولن يفهمه.. بل هكذا يستمر الوجود بأكمله كمجرد ضجيج بلا طحين.

الأمر أشبه ما يكون بمن يدخل إلى لجنة امتحان دون علمه.. لا يتذكر أي شيء حدث قبله، ولا يعرف أي نتيجة سوف تنبني عليه.. حيث الامتحان هو مفاجأة غير مفهومة بغير ذات مغزى، وبدون أدني مبرر.. غير معروف لنهايتها نتيجة، وغير مفهوم لنتيجتها معنى.. هو لايدرك فيها أي شيء سوى حدثها الجاري.. هذا الحدث الجبري الذي هو ليس أكثر من ورقة أسئلة بها سؤال واحد مكتوب بعدة طلاسم لا يفهمها، ولكن بنهايتها علامة استفهام أو ربما علامة تعجب.. فهو حتى لا يستطيع أن يستبين العلامة، ولكن لا يهم.. فما نفع العلامة إذا كان لم يفهم المكتوب الذي يسبقها من الأساس.. وبرغم كل هذه الملابسات العجيبة لا يستطيع صاحبنا أن ينهي هذا الأمر الذي لم يبتدئه.. لا يستطيع أن يترك مكان الأمتحان.. ربما خوفا من أن يذهب إلى مكان امتحان أغرب بملابسات أعجب، وبسؤال اصعب.. لهذا يستسلم إلى مكانه، ويعيد قراءة السؤال مرات ومرات.. ويتأمل علامة التعجب أو الاستفهام.. لكنه رغم محاولاته الدؤوبة يفشل.. ومع فشله المتكرريصيبه الاحباط، فيتجاهل السؤال، ويقرر أن ينتظر إلى أن ينتهي الوقت.. في الانتظار يمضي الوقت كسلحفاة كسيحة لا تمشي بقدر ما تقف.. ربما لهذا يقرر أن يخترع شيئا يمرر به تباطأ الوقت.. يمسك بالقلم، ويكتب أشياء، ويرسم أشياء، ويخط أشياء.. ويذوب انشغالا في هذا العبث متناسيا السؤال والامتحان، بل ومتناسيا كل شيء إلى أن يفاجأ على حين غرة بانتهاء الوقت.. ليترك من خلفه دفتر إجابته لمن يليه.. لكنه ملئ بالرسومات والكلمات والجمل والعبارات التي ليس لها أدني علاقة بالسؤال الذي لم يفهمه، ولم يدرك معناه. من هنا ينتج تراكم المعاني الزائفة الذي لا يمكن تمحيصه.. من هنا تدور اللعبة ولا تتوقف أبدا.. اختبار صعب لا ثمة داع له.. فانتظار طويل.. فمحاولة للتلهي.. وهلم جرا..

بالوحدة وحدها نستطيع أن نرى الأمور بشكل أوضح.. نستطيع أن نقلب تلك الخطوات السابقة رأسا على عقب.. فحين تتركك نفسك للوحدة.. تتركك هي بدورها إلى التأمل.. ليتركك بدوره إلى التحلل.. تحلل من كل شيء.. وتحلل لكل شيء.. تحلل يفرغك ويفرغ كل شيء من معناه..  ضوء ساطع كضوء الشمس في رابعة النهار يضرب في وجهك، لا تستطيع معه إلا أن تغلق عينيك عن كل هذا الصخب الدائر حولك وقبلك وحتى بعدك.. عن كل ما تراكم من زيف المعاني، وكل ما تكتل من بنيان المفاهيم والتصورات والرؤى.. بعينين مغمضتين لا نتجاهل الرؤية، بل نرى اللامعنى بمادته الخام.. نقيا.. خالصا.. صافيا.. وموجعا.. كما كان أول مرة قبل أن يُحمل بكل هذا الأرث الهائل من ركام المعانى الزائفة والغايات الوهمية والمفاهيم الخيالية.. هكذا نرى بعيوننا المغمضة حقيقة ما لا نراه بها، وهي مفتوحة ؟؟ بل هكذا ندرك إن الامتحان خلل سقيم، والسؤال جدل عقيم، واللا معنى أكثر فداحة من المعاني الزائفة.

فيوضات العبث