السبت، 23 أغسطس 2014

وأصابتني القشعريرة


ربما مررت بمواقف كثيرة زلزلت صخرة قلبي الذي تجمد، وحركت في أحاسيس غامضة لا مسمى لها، ولا وصف لحالاتها. لكن ربما تلك المواقف الثلاثة التي سوف أذكرها فيما يلي هم أشدهم على الأطلاق، فعندما جلست بيني وبين نفسي أنفض تراب العمر عن ما مضى لم يتبادر إلى ذهني بوضوح صارخ وبسرعة كبيرة سوى تلك المواقف.

الموقف الأول: الإيمان
أذكر أنني عندما كنت أمر ببدايات مراحل العصف الفكري بين هراء ما تباين وتراكم من الأفكار والفلسفات المختلفة جلست مع والدي في جلسة نقاشية طويلة أستمرت لأكثر من أربع ساعات متصلة.. حينها قد نفيت له صراحة معنى كل ما يرتبط بالدين أي دين، وبالعلم أي علم، وبالمنطق أي منطق..  نفيت كل الأشياء بجسارة، ووضعته وجها لوجه أمام ردي الممل الكئيب.. أنا لا أعرف، وأعرف أنني لا أعرف، ولن أعرف.. بل صرت أصلا لا أري أن أعرف.. فسئلني بهدوء: ولا حتى ترى معنى لفكرة الله على اطلاقها.. فقلت: وحتى تلك، فأنا لا أعرف.. حينها بكى والدي بكاء لم يطول، و قال لي: ثق في كلامي أنا أعرف أنه موجود.. أنا أعرفه منذ ستين عاما، ومع هذه الدموع التي لا أشك في صدقها تملكتني القشعريرة.

الموقف الثاني: العجز
خالي.. لم يكن خالي فحسب، بل كان صديقي إلى حد كبير رغم فارق السن الذي يجاوز الثلاثين عاما.. خمسة أعوام أو يزيد نعيش حياة العزاب معا بمعنى الكلمة.. نختلف على غسيل الصحون، وعلى نظافة البيت.. وكلانا هارب ووحيد.. هارب أنا كعادتي من أشياء كثيرة لا مجال لذكرها وخاصة بعد سفر أهلي عني مجتمعين.. وهو أيضا ربما كان هاربا من أشياء مغايرة ولكن في ظل ظروف مماثلة.. فلقد كان وحيدا هاربا من سوء زوجته وعقوق أبنائه.. وكان على عكس ما أنا فيه الآن تماما.. مهندسا ناجحا.. مسئولا حكوميا مرموقا.. متواضعا بسيطا شريفا.. دخل المنصب فقيرا، ورحل منه فقيرا، في حين خرج آخرين أعرفهم بملايين مُمَلينة.. كنا أصدقاء جدا نذهب لمناسبات العائلة معا.. نرتدي رباطات العنق المبهجة في الأفراح، ورباطات العنق السوداء في المآتم..  ونعكف سويا على حل مشكلات العائلة وخلافاتها .. كنا فعلا صديقين متفاهمين جدا لدرجة أننا كنا نرتب حياتنا لعشر سنين قادمة.. نتكلم عن مكتب الاستشارات الهندسية الذي سوف نفتحه سويا بعد تخرجي.. هو بخبرته ومعارفه وعلاقاته.. وأنا بجهدي وطموحي حينها.. ولكن بعد كل هذا ظهر المرض ثالثا بيننا فجأة.. مرض خالي مرضا شديد.. سرطان في مرحلة متقدمة.. ليالي من القلق.. مستشفيات.. استماتة .. تشجيع.. أدوية.. مستشفيات.. تحفيز.. وبعد شهور تحسن مفاجئ ومدهش.. تحسن خالي وشعرت، وكأننا أنتصرنا للأبد.. و قرر خالي حينها الذهاب للحج، ففرحت أكثر كون الكابوس انتهى.. وذهب فعلا للحج، لكنه عاد منتكسا، وبدأت الرحلة ذاتها من جديد.. الإستماتة والصبر والتشجيع والتحفيز والأدوية.. ولكن السرطان هذه المرة كشف عن أقبح ما عنده.. الألم.. وكأن وحشا شرسا يأكل إنسانا وهو حي.. هذا تعبير حقيقي وليس بلاغي على الأطلاق لما رأيته في الشهر الأخير قبل وفاة خالي.. رأيت وحشا يأكله بتمعن، وهو حي يتألم.. كان يهذي طوال الوقت من شدة الألم، بل كان في بعض الأوقات يهذي بأسمي.. وفي أحدى الليالي الأخيرة كان يهذي بأسمي هامسا بينما الغرفة ممتلئة بالزائرين، وإذا به يصرخ ألما.. كانت الغرفة ممتلئة.. أمي وأخوتها وزوجته وأبنائه.. وإذا به يصرخ جادا لا هذيانا تلك المرة.. يا خالد أخرج الجميع.. أخرج الجميع.. أريدك وحدك.. فعلا أخرجت الجميع وعدت مرتبكا.. صرخ مجددا.. أغلق الباب.. ظننت حينها أنه ربما يهذي كعادته من الألم.. لم أكن أعرف أنه سوف يضعني أمام قطار عجزي الذي سوف يسحقني بلا هوادة.. عدت وبعدما أغلقت الباب وإذ به يمسك بيدي ويبكي ويهمس لي بصوت أرداه الألم.. أنا تعبت، لم أعد أطيق.. تصرف.. أفعل أي شيء أرجوك، أفعل أي شيء.. حينها ضربتني قشعريرة بقوة أعصار، ونضح الماء تلقائيا من عيني عجزا، وربما كان هذا لقائي الأول مع دموع العجز.

الموقف الثالث: الحب
في فترة سابقة بينما كان الاكتئاب يتلاعب بي لدرجة أن أعتى مضادات الاكتئاب لم تجدي نفعا، وأقوى أنواع المنومات أصبحت تنام وديعة معلنة استسلامها أمام ما بي من الأرق.. كان وجهي ينضح كآبة تزيد عن الحدود رغم البسمة البلهاء التي ألبس قناعها طوال الوقت.. أتذكر يوما لا ينسى خلال تلك الفترة حيث كنت في صالة المطار أقف تائها مشوشا جدا أسمع صوت صفير يشبه الريح يمر في أفكاري من شدة فراغ عقلي وزحامه.. في صفوف المنتظرين كنت أقف في استقبال أخي الذي لم أراه لمدة تزيد عن العام.. وإذ فجأة أجده يهزني من كتفي.. فلقد مر بي ولم أراه، وبعدما تبادلنا القُبل والعناق والأسئلة والأجوبة التي تقال في مثل هذه المناسبات أصطحبته في السيارة متجها إلي بيت الأسرة.. كنت صامتا لا أجد ما أقول، ولهذا رفعت صوت المذياع كي يملأ فراغ هذا الصمت، لكنه بعد حوالي عشر دقائق خفض الصوت.. وسألني بجديته وبساطته المعتادة: ما بك؟؟ تبدو كأنك قد تغيرت كثيرا.. أشعر أنك في خطر ما.. أخبرني ماذا حدث في العام الفائت لتصير هكذا؟؟ لم أفكر في إجابة، لكني فكرت في أنه ربما تكون أمي قد نقلت له بعد الأخبار عني.. ثم قلت لا شيء.. فعلا لا شيء.. أنا أفكر في أن أصير لا شيء.. وكي أوفر عليك طول تفاهة التفاصيل.. أنا طوال الوقت أفكر في شيء واحد هو الانتحار.. لم يقاطعني بالكلام، لكنه أنهمر في البكاء، وقال بكلمات موجزة من غير تفاصيل ولا سؤال.. أرجوك لا تفعل.. فأنا أحبك.. وحينها أنتابتني قشعريرة شعرت من شدتها بأن مقعد السيارة يهتز من تحتي.

الخميس، 14 أغسطس 2014

عن نسيج الحياة وحتمية الميتافزيقا



تخيل كرتين من خيط الصوف الأسود، وكرة واحدة من خيط الصوف الأبيض خصصوا لحياكة ثوب ما. مما لا شك فيه أن الثوب الناتج من نسيج هذه الكرات الثلاث سيكون مائلا للسواد.  بنفس هذا الأسلوب، و بذات تلك الطريقة حيكت خامة الحياة التي نعيشها.. حيكت من ضدية متناقضين "أبيض وأسود" بنسبة تميل إلى أسودهما، ولكن على عكس ما جرت حياكة الثوب جرت حياكة ذوق صاحب الثوب ونفسه.. فكان مطلبه أن يكون ثوبه قد حيك مائلا للبياض، وهنا ظهرت المشكلة بين الثوب وصاحبه "إشكال الحياة".

أن جوهر خامة الحياة ما هو إلا نتاج إجتماع ضدية المتناقضات، لكنه بنسبة كبيرة مال عن التوازن بين الأضداد والمتناقضات لصالح كل ما هو أسود من شر وقبح وظلم وباطل على عكس خامة جوهر نفس الإنسان التي تستحسن كل ما هو أبيض من خير وجمال وعدل وحق.. ولربما لهذا السبب تحركت الإنسانية منذ بداية وعيها إلى ما تريد، فظهرت محاولات معادلة الأمر لإقرار الخير والجمال والعدل والحق؛ كي تصل الإنسانية إلى بياض يرضي رغبتها وغايتها التى طبعت فيها.. ولكن كل المحاولات الإنسانية لم تغير من سوء الحال، ولم تعدل من جور هذا الميل نظرا ﻷن الخلل كان ساكنا في الأساس بحيث لا يمكن تغييره أو تعديله. لقد كان الخطأ مطبوعا في أصل الخامة بحيث لا يمكن معالجته أو تصحيحه. 

وهنا كانت فكرة الله هي المخرج الذي لا فرار منه أو عنه "على اختلاف تفاصيله بين المعتقدات". هكذا كان الله كما أتفق الجميع عليه "دون أن يتفقوا" هو منتهى ومطلق كل خير وجمال وعدل وحق. هكذا كان الله على عظم شأنه وقداسته في العيون والعقول ليس سوى محاولة من صاحب الثوب كي يقتنع بثوبه بدلا من أن يظل عاريا يلسعه قيظ الصيف، وتكويه بردوة الشتاء.

إن الله بصفاته تلك كان ببساطة هو السبب الذي به أرتضينا بالثوب الذي لم يعجبنا، بل ولن يعجبنا. كان الحلم الذي طمحنا إليه ﻷننا لم نجد فيه ما نريد. إنه الجنة التي نتمناها بعيدا عن جحيم الحياة التي لم نقبل بخامتها، ولم نرضى بقوانينها. ولهذا توجب أن تكون مطلقاته تلك هي منتهي ما ينقصنا. ولكن بمرور الوقت،  ولما كانت فكرة الله أيضا لم تصل بنا إلى ما نصبو إليه ونرجوه.. أفترضنا له حياة ثانية وعوالم غيبية ماورائية يقبع فيها كي يعادل الأمر ويوازن هذا الطغيان. هكذا أوصلنا عدم رضانا عن الثوب إلى فكرة الله التى أوصلتنا بدورها إلى فكرة الحياة الأخرى.  

هكذا عاش أكثرية منا هنا راضيين عن هذا التسلسل في انتظار حياة أخرى لا يعلموا عنها أي شيء سوى أنهم سوف يجدوا فيها الثوب الذي تمنوه. لكن نظرا لتباين العقول ظهرت طائفة أخرى من الواقعيين الخائفين على أنفسهم من الإنزلاق في هوة التمني واللهث خلف الأوهام، ووجدوا حلا أخرا طويل الأمد.. ألا وهو محاولة تعلم الحياكة من أجل تصليح الثوب وتعديله وتطويره بالصورة التي ترضينا أو بالصورة التي تُوصلنا إلى معرفة الغاية من قصة الثوب وصاحبه، لكن أيضا لم يصلوا لشيء، بل أشعر أنهم لن يصلوا لشيء فتعلم الحياكة لن يغير شيء. ﻷن الخلل كما قلنا سابقا هو خلل في الخامة وليس في الحياكة. أما صناعة النسيج فهي المستحيل الذي لن يوردنا إلا طريق الجنون الحتمي.
إذن دعونا نعترف جميعا أن الحياة ملائمة جدا لوجود الله بصفاته المطلقة تلك، بل وملائمة أيضا لفكرة وجود حياة أخرى.  دعونا نعترف بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، ولكن سيبقى السؤال الصعب جدا بعد كل هذا.. هل سيأتي يوم ويرضى صاحب الثوب عن ثوبه؟

الاثنين، 14 يوليو 2014

هلاوس من فرط الملل


على قدر ما تفلتك يد الموت على قدر ما تموت حيا.. وعلى قدر ما تموت حيا على قدر ما تحيا ميتا.. عمرك كاملا ليس سوى لحظة أحتضار في هباء لا نهائية الوقت. ربما لسبب كهذا زهدت في الوقت والموت وفي الحياة، بل وأصبحت أملك شعورا موحدا حيال كافة الأشياء.. شعورا لا أجد له أسما محددا، لكنه مفعما باللاجدوى ومفرطا في اللاهدف المتبوع باللا إرادة.

كصمت مستغرق في مفرادته، ومفردات مستغرقة في اللامبالاة لا أبدو بائسا تماما، ولا تعيسا تماما، ولا حتى ساخرا بما يليق بكوميديا سوادء كتلك التي تملأ قلبي حين أنسى من أنا أو من أين جئت أو إلى أين سأذهب؟؟ طوال الوقت أنا سكران أحتضر من فرط جهل الغاية.. جاهل مثلي لا يستحق من نفسه أن تهذي له بكل هذا الهراء.. جاهل مثلي لا يستحق نعمة كالموت، ولا حتى نقمة كالحياة.. أو ربما فعلا جاهل مثلي لا يستحق إلا نفسه كي يستوي الأمر.

المعضلة أني أرى المكان الآن لم يعد يكفي لكل هذا الزمان الذي مر ويمر وسيمر.. من أين نجد للزمان مكانا جديدا كي يمر فيه أو حتى منه؟؟ أمتلأ المكان بالزمان وضاق وضاق الذرع. تخيل طفلا رضيعا يكبر يوما بعد يوم داخل ثوبه الأول.. داخل حيزه الأول.. لم يعد في المكان متسعا كافيا للزمان الذي يكبر كل يوم، ويثقل صدرونا ونفوسنا بالتراكم.. خلاف كهذا هو السبب المنطقي الوحيد للملل الذي يطفو فينا، ونطفو فيه، فلا نهرب منه إلا إليه.

الجمعة، 4 يوليو 2014

عن أمي (أحاديث الألم والخوف)


بينما كنت وحيدا أتلوى على السرير ألما؛ بحيث ملني السرير، ولفظني إلى الوقوف تجاذبتني ذكريات ترقد على بعد عشرين عاما مني خاشعة في قبور النسيان.. هكذا على حين غرة من الألم تذكرت سؤالي ﻷمي، وأنا صغير عن سر الصدى الذي أسمعه لصوتي في الحمام.. لماذا الصدى في الحمام فقط؟! لماذا لا يوجد منه في الصالون أو حتى في غرفتي؟! لكن أمي لم تجبني حينها.. رمقتني ببسمة خاطفة، وانهمكت في كوب الشاي، وأحداث المسلسل العربي الذي لم يلبث أن ابتدأ حتى قاطعه أذان المغرب مباغتا الحبكة.

واقفا كان الألم لا يزال يداعبني بلعبة المفاجأة السخيفة جرتني الذكريات نحو سؤال آخر وجهته لأمي، وأنا أصغر سنا.. لم تمنحني أمي فرصة حينها كي أكمل السؤال.. أغلقت التلفاز، وتركت كوب الشاي على الطاولة؛ ليبرد، وفرشت سجادة الصلاة، ثم قالت: لا تخف، ثم اعتدلت في وقفتها، وكبرت.. كان سؤالي أبعد ما يكون عن الصدى، وعن السؤال أيضا.. كان مجرد شغف طفولي مشاغب، ولكن كان الوقت مصادفة هو وقت صلاة المغرب أو وقت المسلسل.. لكن أمي هذه المرة لم تكترث كثيرا ﻷمر المسلسل، كعادتها أنهمكت في الصلاة، وتركتتي وحيدا من خلفي "لا تخف".. و أمامي كوب الشاي الذي برد، لدرجة أنها لم تشربه، فشربه حوض المطبخ.

على أية حال.. أنا لست خائفا يا أمي.. صدقا أنا لم أعد خائف.. ضاع خوفي، وفقد سؤالي عن الصدى بريق لغزه، ومعناه، وشغفه، ومغزاه في خضم الأسئلة الكثيرة التي لم تجاب.. حتى الألم لم يعد يعنيني كثيرا.. بكل بساطة أترك له نفسي؛ ليحدث ضوضاءه كاملة كما شاء؛ ليسكت عني فجأة من تلقاء نفسه قبل أن يغمى علي. اطمئني لم أعد أفكر يا أمي في أي شئ.. فأنا لا تدركني الإجابات، ولا تنفعني الأسئلة.. ففي كل مرة أحاول أن أفكر ينقلب تفكيري إلى صفر كبير.. صفر كبير مكتوب بالإنجليزية.. صفر كبير بحجم دماغي، أو بالأحرى صفرين متماسين في نقطة واحدة هي عقلي؛ ليشبها معا علامة اللانهاية.

ربما هكذا أتفهم جيدا الآن أنني لست سوى صفرين.. صفر أتى من الأزل عدما؛ ليتحول إلى صفر آخر سيذهب إلى الأبد فناءا، لكنهم على حين غفلة أجتمعوا هنا الآن -مصادفة دون قصد- فبدوت هكذا أمام الجميع، وأمام نفسي لغزا لانهائيا غير مبرر لطفل شغوف مشاغب مثلي.. تماما كلغز صدى صوتي الذي لازالت أسمعه في الحمام، ويصمت في غرفتي دون مبررات؛ ليعلو ضجيج الألم الذي أعتدته منذ الصرخة الأولى لدرجة تجعله أصبح لا يعنيني هو الآخر.

السبت، 28 يونيو 2014

ذكريات الغرفة القديمة


يهل علي رمضان هذا العام، وأنا في غرفتي القديمة التي تقطن شمالا في بيتنا القديم. هذه الغرفة التي شهدت كل تتاقضاتي وتخبطاتي إبتداءً من خطواتي القديمة على سبيل السلفية -رضي الله عنهم- مرورا بمرحلة الإهتمام بالكتب والقراءة، ثم مرحلة الدراسة في كلية الهندسة، ثم مرحلة فشلي في الكلية، ثم فشلي المتدرج في الحياة وصولا إلى عدم اقتناعي بقضية الوجود كاملة.

لقد أمتلأت هذه الغرفة قديما بأصدقاء كثيرين أغلبهم قد تبدد.. أصدقاء لا أعرف عنهم أي شيء اليوم، بل لا أعرف أين ذهبوا أصلا، ولا كيف أختفوا؟ حيث أنني خلال تلك الفترات كان أصدقائي يتغيرون كما تتغير الموضة في كل موسم دون أسباب واضحة للتغيير. ببساطة لقد شهدت تلك الغرفة أسوأ لحظات نزاوتي، وأقدس لحظاتي الروحانية. أشد أوقات وحدتي، وأكثرها صخبا وسط الأصدقاء. شهدت أكبر تحولاتي الفكرية العاصفة من الهراء إلى الهراء وصولا طبعا للهراء.
غرفة واحدة فعلت فيها كل شيء.. تعبد/تأمل/اكتئاب/وحدة/مجون/فواحش/صخب/عشق/صداقة/ملل، و بالقطع آلاف مؤلفة من ساعات النوم هربا من كل هذا.. أربعة حوائط وسقف أمتلئوا بمغامرات مراهقتي وطيشي إبتداءً من تلك الفترة التي كانت تضج بمكالمات تبدأ بعد منتصف الليل، وتستمر حتى الصباح في هراء فارغ غالباً ما يكون أهم الدروس المستفادة منه هو معرفة ألوان الملابس الداخلية للمتصلة، وصولا بمراحل التطور حيث وجود عشيقة تمتلك نسخة من المفتاح، وتفاجأني في كل وقت لدرجة أوصلتني للملل، والتشبع من هذا الانتهاك الصارخ للخصوصية، والاضطرار للجوء إلى العلاقات العابرة حيث نساء اليوم الواحد اللاتي في الغالب لا أتذكر اسمائهن، لكني أتذكر جيدا تلك العبارة التي كنت أقولها في تلك الفترة لكل من كانت تحل ضيفة في هذا السرير ويكتب لها ان تقاسمني أياه.. "لقد دخلتِ التاريخ من أوسخ ابوابه".

غرفة صغيرة لا تزيد مساحتها عن عشرين متر، ولكنها عاشتني وحيدا متخبطا راضيا ساخطا على مدار أثنى عشر عاما من عمري، وبرغم ضيقها إلا أني الآن وفي خضم عبق تلك الأيام المباركة أشتم في جناباتها المكتنزة مزيجا من رائحة رحيبة من عطر العشيقة، ورائحة إذاعة القرآن الكريم ليلا، ورائحة الكتب المخزونة على ظهر الدولاب، ورائحة نسكافيه المذاكرة، ورائحة وضوئي بالفجر، ورائحة الألم والمسكنات، ورائحة التوتر التي كانت تنتابتي بعد كل هزة فكرية أمر بها، ورائحة الأرق خوفا من أن أخاف، ورائحة حشيش الأصدقاء، ورائحة السجائر التي دخنتها وحيدا طوال تلك الفترة، بل وحتى رائحة مسك الشيوخ السلفيين.. مزيجا من رائحة أثنى عشر عاما مرت من سنين هذا العمر الهباء الذي يمضي سريعا، وبرغم هذا أستبطئه.

الأحد، 22 يونيو 2014

حسبة برما


ناس يعبدوا بقر 
وناس هنا ياكلوه
وناس طلعوا القمر
وناس لازالوا يألهوه
و ناس ينكروا وجودنا
وناس باليقين عبدوه
ناس يعبدوا عقلهم
وناس كمان يلغوه
ناس يكرهوا جهلهم
وناس  كتير عشقوه
وناس يشكوا في الماضي
وناس بيقدسوه
و ناس ينكروه عادي
ويلعنو اللي جابوه
و ناس عارفة ومش عارفة
غير كل ما جهلوه
و ناس جاهلة ومتجاهلة
كل ما عرفوه
و ناس تكدب ناس 
وناس كدبهم على ابوه
و ناس تصدق ناس 
وناس صدقهم نسيوه
و ناس تقول احساس
حاولوا بقى تحسوه
و ناس تقول ترباس
فماتوا ولا فتحوه
وناس مش لاقية معنى
وناس من كتر المعاني تتوه
وناس يقولوا الشقا
وناس الشقا يبعوه
وناس يقولوا الوجع
وناس الوجع وجعوه
و ناس يقولوا الأمل
هو العمل ياهووو ..
و ناس يقولوا الأمل
دا كذبة اللي عاشوه
و ناس كتير ضد ناس مع ناس 
زحمة يا عمي.. والزحام وناس 
الدنيا حسبة برما 
فيها الجميع محتاس

السبت، 17 مايو 2014

أريد بنجا للأبد


لست حديث عهد بالألم.. كل المسكنات تكتسب تأثيرها في جسدي من قوة الإيحاء الناتجة من إرادتي للخلاص منه؛ لأتفرغ الى ألم وجودي.   هذه المرة أختلف الأمر..ألم يملأ أرجائي، ويكسر كل قوى صبري وتحملي، لم تجدي أعتى المسكنات حتى تلك شديدة التخدير منها المدرجة في جداول الإدمان. كان ألما يملأ مسام كل الحواس، ويشوش عليها. كنت لا أرى إلا صورا غائمة، ولا أسمع إلا أصواتا غير مفهومة. كنت لا أشم إلا رائحة الوجع. مع كل شهيق تمتلأ رئتي بالألم، وتضيق أنفاسي. مع كل زفير كانت تمتلأ الغرفة، وتضيق علي أيضا.

خمس عشرة ساعة مرت هكذا. كل الأدوية لم تجدي نفعا. خمسة أطباء لم يفعلوا شيئا. وثلاث من كبرى المستشفيات لم يجدوا حلا. وأكثر من ثلاثين شخصا حولي من الأصدقاء، والأقرباء لم يجدوا عن العجز بديل.  ربما كانوا جميعا قلقين يشعرون أنني ربما أقتربت من حلمي في تحقيق الموت رغم أني كنت أدرك بأني مع كل هذا الألم أبعد ما أكون عنه. فمن المستحيل أن تكون راحة الموت مؤلمة إلى هذا الحد.  على مدار أكثر من عامين لم أكترث بأي شيء. لكن هذه الفيض الموجع من الألم الذي لا يطاق أجبرني على الاكتراث.. الاكتراث بزوال الألم مهما كان الثمن. هكذا أدركت كنه الرسالة، هناك أشياء نكترث بها رغما عنا، أشدها حقا هو الألم.

على هذا السرير المتحرك كنت أشعر وكأن جسدي كتلة من النار تشع ألما يجبر الجميع على الشفقة، والخوف، وأحيانا العجز. من طابق إلى طابق.. من غرفة إلى غرفة.. ومن مستشفى إلى مستشفى.. كانت تخور قواي أحيانا فأغيب تماما في اللاوجود؛ لتخلقني يد الألم وجودا موجعا جديدا لا يطاق.. على مدار يومين من صحو في غيبوبة، ومن غيبوبة في صحو.. على مدار يومين من الهلاوس النابعة من الألم، ومن تلك الحقن المخدرة والمسكنة التي تجري في وريدي بمعدل كل أربع ساعات.. أستقر السرير المتحرك في غرفة بيضاء، وحولي أكثر من سبعة أشخاص يرتدون اللون الأخضر القاتم.. ثم حقنة البنج.. وأبتدأت الأصوات في الابتعاد.. ثم كمامة البنج.. وأبتدأ العدم بمعنى الكلمة..

هي أول مرة أجرب فيها هذا اللعين المسمى البنج.. لكني عشقت هذا المفعول لدرجة أني كل ليلة بعد خروجي من غرفة العمليات، وأنا أستعيد هذه اللقطة في خيالي. كم هي رائعة وعبقرية ومريحة هذه المادة..  فعلا أريد هدنة.. أريد راحة.. أكثر من هذه الساعات القليلة التى مرت بي خلال الجراحة.. يا ليت لي بمائة عام من البنج كأستراحة، بل يا ليت لي ببنج للأبد.. صدقا أريد بنجا للأبد..

السبت، 3 مايو 2014

رجل وطفل


صورة من فيلم  The pursuit of happiness

رجلٌ وطفلٌ
والعمرُ بينهما كهلٌ تناساهُ الزمن
بلورةُ الحزنِ العتيقِ تكسرت.. فتحسرت،
والدمعُ يضحكُ بالدموع.
قالَ المسافرُ: لا رجوع..
حتى الوطن
أضحى يسافرُ يبحثُ عن وطن.
لا الوقتُ يفهمُ ما نقول،
ولا الحياةُ تكونُ إلا بوهمِ الشجن
سنزيدُ في القلبِ الشموع
فلما الرجوع؟؟
للحقيقةِ ألفُ وجهٍ لن يروه
عجوزٌ يودعُ الدنيا ببسمتهِ
و يذوبُ شبحاً في المعني القديمِ يتوه
والروحُ راحت بالجروحِ تنوح
لا تبوح.. غدا تنوحُ النائحة..
اليومُ هو يومُ الأزل..
الغدُ فيهِ البارحة.
كلُ المعاني الجارجة.. 
لا، لن تبوح، فلا تروح.. 
غداً تنوحُ النائحة


رجلٌ وطفلٌ
وبينهما قطارٌ يحنُ إلى السفر
والوردةُ البيضاءُ تسئلُ: 
ما معنى المطر؟؟
ضوءٌ تسامي زائفا بانعكاسٍ في القمر
لا الشمسُ تدركُ ضوئها
لا الضوءُ يدركُ نوره
والقمرُ بينهما مجهولٌ وحائر
للقلبِ سلطتهُ القديمة
والعقلُ محتدٌ كقاضٍ جائر
الجرحُ بالروحِ منسيٌ وغائر
لا الصمتُ صوتٌ كي يقول
لا الصوتُ صمتٌ من عدم
لليلِ صبحٌ لن يطول
كي ما يعاودَ بالمآسي والألم.


رجلٌ وطفلٌ
عندَ فوهةِ الكلامِ ساكنين وصامتين
ماذا يقولُ الطفلُ للرجلِ الغريب؟؟
حتى الرجل، ماذا يقول؟؟
كل الأحاديثِ صامتةٍ تجول
يتعانقانِ فجأةً،
ويشبُ كهلُ العمرِ بينها يحول
غداً تنوحُ النائحة على كلانا
غدًا كما العجوزُ نزول..
نودع الدنيا، وبسمتنا تقول:
غداً سينتحرُ القمر
ولا قطارٌ للسفر
ولا دموعٌ بالمطر
غدا تبوحُ النائحة
كعهدها بالبارحة
غداً تنوح



الجمعة، 2 مايو 2014

القيم والسوبر وعي والزيرو تناقض

صورة كاريكاتيرية للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه

ليست القيم مجرد موضوع ضبابي غائم متشابك كونها نتاج عقولنا العاجزة القاصرة فحسب، بل هي موضوع متفاوت ونسبي ومتغير ومتطور بقدر نسبية عقولنا وتفاوتها واختلافها وتغيرها وتطورها وفقا لتطور وعي الإنسان بذاته.. هذا الوعي بالذات الذي كان أول ما نجم عنه هو معرفة الإنسان بمصلحته ومنفعته، واللتان يثبت التاريخ أنهما تتأثران بشدة بديناميكية ظرفية الزمان والمكان. 

وبالتالى لا يمكن لأي تصور أو منهج  أن يكتسب صفة المطلق كونه يدعو لمنظومة قيمية يفترض في تصوره وسرديته أنها مطلقة. ذلك أن القاسم المشترك للقيم في نفوس البشر، والذي يروج له تحت مسميات مثل -الفطرة  الإنسانية وما شابه- ما هو في الأصل إلا نتاج متراكم من اختلاف منافع البشر ومصالحهم على مر تطور وعيهم.. فالقيم في حقيقتها ليست أكثر من محاولة جماعية توافقية لتنظيم هذا الاختلاف وتأطيره وهندسته ليصب في قوالب وآليات تخدم مصلحة الجميع على نحو يرضي الجميع، ويتوافق عليه الجميع بشكل تراكمي وعفوي وتلقائي دون ترتيبات أو توجيهات مسبقة.

فالقيم أذن ليست منظومة منفصلة أو مجاوزة لحركة الإنسان عبر الحياة وووعيه بمصلحته فيها، بل هي ردة فعل تجاه هذه الحركة المستمرة الدؤوبة المتنامية، ولهذا نجدها داخل وعي النفس البشرية المنفردة أكثر ضبابية وتشوشا وارتباكا وتناقضا مما هي عليه، ونرصده منها في الوعي الجمعي للمجتمعات في عصر بعينه أو مكان بعينه. 
فمن منحى فرداني، وبنظرة فاحصة نجد الأمر بالغ التعقيد.. ففي داخل كل إنسان بصمة قيمية خاصة به لا تشبه غيره. فكلنا لنا نفس شكل الإبهام، ولكن كل إبهام له بصمة مختلفة التفاصيل. بنفس الطريقة يمكن شرح تباين المنظومات القيمية للأفراد من منحى فرداني وذاتي..  فكلنا لنا نفس أطار القيم الذي نتعاطى به ومعه، ولكن التفاصيل المكونة له متباينة ومختلفة ومتفاوتة حسب الفرد وإمكانيات وعيه وما سبك في نفسه من خصال وطباع وميول مضافا لذلك تفاعل كل ما سبق مع جدليات الزمان والمكان. 

ونظرا لهذا التشوش الذي يملأ وعي الإنسان حيال منظومته القيمية داخل نفسه، وهذا التباين في المنظومات القيمية للأفراد مجتمعين داخل هذا العالم مكانيا وزمانيا.. يضرب التناقض صرح القيم المتداعي بلا هوادة، حيث يظل التناقض هو السمة المشتركة والطبع الغالب في كل البشر بلا استثناء، هكذا تتسع الفجوة دائما بمرور الوقت بين ما يعتقده الإنسان، وبين ما يفعله نفس الإنسان في الواقع. وإشكال التناقض هذا سببه في الأساسي من وجهة نظري قصور الوعي الإنساني وعجزه وضعفه، حيث لا أمل للخروج منه إلا بمزيد من تطور الوعي وتحسن أمكاناته وقدراته من خلال تراكم المعرفة ورسوخ التجربة الإنسانية  وتحققها بمرور الوقت. 

إن كل خطوة تقدم في مسار الوعي الإنساني ما هي إلا خطوة تراجع في مسار التناقض والتشوش والتخبط.. وإن هذه الرحلة الطويلة المضنية الطويلة لتطور الوعي وتقهقر التناقض -والتي لازالنا في أولى خطواتها- ما هي إلا القاعدة الحقيقية الراسخة لبنيان الحضارة الأصيلة التى ننشدها، والتي لن تكون بغير أساس ثابت متماسك من القيم.. ومن هنا يطرح السؤال نفسه على المستقبل.. هل بوسع الوعي الإنساني أن يتقدم بمرور الوقت ليتجاوز تناقضه، أم أن التناقض صفة أصيلة في الوعي لا يمكن تجاوزها أبدا؟؟

الاثنين، 10 فبراير 2014

عن البحر الذي أنطقني


إن أعظم صفة يمتلكها البحر من وجهة نظري هي أنه مدهش.. أنه مدهش لدرجة أنه أنطقني، وأنا رضيع أبن لثمان شهور. أنطقني بزرقته الخاوية، وبجريانه الذي لا يعبأ بأحد، وبعبث أمواجه المتخبطة التي لا تعني شيئا،رغم أنها تأول بالكثير. لقد كان أسمه هو أول كلمة أنطق بها في حياتي. أول كلمة أدق بها على باب الكلام، الذي ما كاد أن أنفتح أمامي على مصرعيه فأصابتني لعنته، ولم أجد منه مخرجا للصمت حتى الآن.

عندما حكي أبي لي هذه الواقعة -واقعة اول كلمة أنطق بها- من يومين، ونحن نستدعي الذكريات هروبا من بؤس الواقع  كان تعليقي أني نطقت دهشة، فما كان رده إلا إبتسامة هادئة، لحقها سؤال مباغت لكنه معتاد: و أين ذهبت دهشتك الآن؟ أنت أكثر لا مبالي عرفته في حياتي!!
أما أمي فكان لها تعليق عقلاني أكثر بساطة.. إنها ببساطة ترى هذه الواقعة دليلا على الصفة التي منحتني إياها منذ البداية، وهي أني شخص غريب. ففي وجهة نظر أمي أنه من المنطقي والمعتاد والصحيح  والشائع، بل ومن الواجب أن تكون أول كلاماتي "ماما" أو "بابا". لكن نطقي لكلمة بحر كان البداية التي تتنبأ بظهور شخص غريب سيتعب الجميع بغرابته فيما بعد.

و على هامش تلك الحكاية ما بين البحر المدهش وبسمة والدي الهادئة وسؤاله الذي لا أجد له إجابة، وصفة الغريب التى ألصقتها بي أمي منذ البداية والتي لن تتنازل عنها للأبد. لا أفهم دلالة واضحة أو معنى جلي لعلاقتي بالبحر؟؟ إنها فعلا علاقة عبثية للغاية.. ربما فعلا إلتقت عبثية أمواجه وتخبطها في تخبطي في عبثيتي، لنكون فيما بيننا علاقة عبثية ومشوشة على نفس درجة صوته المشوش الذي يزداد في أذني مع الوقت.. أو ربما هذا ما يسموه ببرزخ العبث والذي قد يحدث حين يلتقي عبثان.

فيوضات العبث