الأربعاء، 5 نوفمبر 2014

ضربة شمس


خمسة أشياء من وحي ضربة الشمس والصداع وهدة الحيل والتعب ليس شرطا أن يعنوا الحقيقة الغائبة، لكن الصدفة واردة.. ولهذا تأملها على سبيل أن يحالفك الحظ.

أولا: لتعرف أن البحر كائن مناعته ضعيفة جدا.. لدرجة أنه يعاني من نزلات البرد الشديدة طيلة العام، ولهذا سوف تجده طوال الوقت يعطس في وجه الجميع عطسة محملة بالملح وبالرذاذ، بل ومحملة أيضا برائحته التي لا نعرف لها اسما أو وصفا.. أنفلونزا البحر مستمرة، كأنه خلق ليعطس..

ثانيا: فلتكن الراحة مجرد صوت ماء يتدفق منك ساخنا بشدة في حمام عمومي رطب، بعد أن أمسكت الماء في مثانتك لأكثر من ثلاث ساعات في ظل برد قارس.. لا تراعي أحدا، وانشر صفرة رذاذك كما شئت متدفقا كما شاء بكامل الضجة والخرير.. الصوت هو الدليل والراحة معا..

ثالثا: عندما تفكر في الحب كأمنية لطيفة.. تذكر أن نفس الحب هو أحد الأمنيات المأساوية التي قد تمر في مخيلة وردة تفكر في الانتحار، ولا تقدر عليه.. تتمنى يد عاشق تقطفها مصادفة؛ لأجل حبيبة عشقها مصادفة.. هذا هو أحد أقصر الطرق التي قد تتمنها وردة كئيبة تريد الانتحار، وتخشى من الموت كافرة إن هي فعلت.. نعم، تبدأ نهاية الحب عندما تقطف وردة، ولكن أستمر في تجربة الحب؛ كي تساعد الورد المكتئب على الانتحار..

رابعا: (أن تبقى) هو يعني بالضرورة أنك نسيت أن ترحل و (أن تخلد) فهذا يعني بالتبعية أنك نسيت أنك نسيت.. أن تتذكر كل شيء، فهذا حتما لا يعني إلا الفناء.. الذاكرة هو عيب الصناعة الذي لحق بنا.. حاول أن لا تعدل من نفسك؛ كي لا تخرج من الضمان الوجودي.. احترم عيوبك.

خامسا: فليذهب الذهب إلى الجحيم، لأنه لو كان لونه فضيا لكانت الفضة أغلى منه بكثير.. ولو كانت السماء بلون فضي ربما أسمينا لون معدن الفضة باللون السماوي.. الألوان ليست حقيقية.. مجرد خداع بصري.. إذا افترضنا أن ما نملكه يسمى بصر من الأساس.

الاثنين، 27 أكتوبر 2014

كاهل الانتظار المثقل بأمثالنا


كان الهواء غريقا بما يكفي؛ ﻷن يطفو في رئتي ويمحوني.. وكان الصمت يكفي؛ ﻷن أعيش مرة أخرى، ليقاطعه كلامي فيثبتني.. لن أتغابى وأسأل: ماذا يحمل لي الغد في طياته؟؟ بذراعين متدليتين، وقلبٍ سئم، وعينين تقاوما سخافة ضوء الوقت الصارخ كنت كمن كانوا في استقباله، ومر هناك الهواء ثقيلا.. ومر وقت الصمت طويلا؛ فتكلمت بكل ما سبق.. ربما كان الكلام معاد، لكن في الإعادة كل مرة يبدو الغد وكأنه أمسٌ جديد.

كم مرة فاتني قطار الوقت؟؟ وعندما حاولت لحاقه دهسني قطاره المقابل بالذكريات.. في محطة الصمت لم يبق غير الهواء الغريق في إنتظاره، وأنا ضيئل بحيث يمحو وجودي هواء غائب لا يُرى ولا يرى غير ملله في انتظاري.. لم تبتسم لي الذكرى يوماً رغم أني طالما بها، ولها ابتسمت..
الوحدة قد تجبرك على أن تبتسم لفتاة ليست جميلة، ولكنها وحدها هناك على الرصيف المقابل تشاطرك الانتظار.. ليس شرطا أن تنتظرا نفس الشئ.. كفي جدًا صفة الإنتظار لتحبها وتحبك، وتقاسمها ليلة ممطرة تمطرك فيها بوجعها وتمطرها أنت بوابلك المحتدم، فيكون من بعدكما كونا كاملاً بما فيه من بشر يقتسمون أيضاً نفس صفة الإنتظار.
كل شئ منتظر لضده، وبهذا تصير الدائرة أزلية أبدية إلى ما لا نهاية.. صغيرة كبيرة إلى ما لانهاية.. بسيطة ومعقدة أيضا إلى ما لا نهاية.. ربما لست عبأ على نفسي، رغم أن هذا في محل شك، لكن المؤكد أن نفسا واحدا لي بعد موتي سيكون عبأ على الجميع.. تلك هي الحقيقة.. جميعنا أثقلنا كاهل الانتظار.. الانتظار ببساطة مثلنا ينتظر.. ينتظرنا ألا ننتظر.

الأحد، 14 سبتمبر 2014

ليس بوسعك إلا أن تضل


على قدر وضوح تفاصيل المشهد أمامك على قدر ما هو يضللك.. كل تفصيل بسيط يسكن خلفه تفاصيل أخرى مختفية وخلف كل واحد منها تختفي ملايين التفاصيل الأخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية.
المكان أيضا يضللك.. الزمان أيضا يضللك؛ لأنك عليهما ستبني بعقلك معاني لا تمت للمشهد بصلة.. المكان والزمان خارج التحكم، وخارج الحصر والحساب.
حتى عقلك الذي يستنتج المعانى، ويستنبط المغزى يضللك؛ ﻷنه ليس شرطا في كل ما نراه وندركه ونسمعه أن يعني شيئا أو أن يكون له مغزى يدرك، لكن العقل لا يسمح أن تمر عليه مشاهد دون أن يأولها ويجد لها تفسير ومبرر حتى وإن كانت تفسيراته وتأويلاته في غاية السذاجة والحمق.. هذه هي سمة العقل وآلية عمله وهذا أكبر عيب فيه، حيث أنه لابد له أن يتدخل في الأحداث ويعطي فيها رأيه حتى وإن لم يطلب منه.
الحواس تضللك فهي لا تنقل الحقيقة كما هي، بل تنقل ما استطاعت أن تنقله منها طبقا لأمكانياتها وحدودها وقصورها وعجزها. حتى الأحاسيس تضللك.. نظام كيميائي معقد يتلاعب بك.. قلبك واقع تحت تأثير مركبات كثيرة لا تعرف الكثير عنها.. الكيمياء تظل صعبة وسخيفة وتفعل بنا الأفاعيل سواء في اختباراتها أو حتى في حياتنا. اللغة أيضا تضللك.. الكلام هو الشرح الزائف الذي نهرب به من لامعنى دواخلنا.. المعنى الذي نخلقه من اللامعنى الذي يسكننا.

كل ما تظنه أنه سبيل أدراك وفهم ووصول ما هو إلا شيء وجد ليضللك.. الوجود ما هو إلا أحد مرادفات الضلال ومفرداته.. الضلال هو الحكمة من كل هذا، بل هو السبب الذي سبق البداية والنتيجة التي تلي كل نهاية.. الضلال أنتجك لأجل الضلال، لتصل إلى الضلال. العدم ذاته ما هو إلا ضلال ضل نفسه، فأوجد بدلا منها ضلالا مضادا هو وجودنا الذي ضللنا فيه، هذا إلى حد جعل شخصا مثلي يقدس الضلال، ويكتب كل هذا الضلال الغير متسق والغير مفهوم والغير مجدي، فقط كي لا يضللك، فتضل.

الجمعة، 5 سبتمبر 2014

الذكريات التي بلا ذكريات


الغرفة باردة (درجة الحرارة على الشاشة الصغيرة لجهاز التحكم عن بعد لمكيف الهواء تكتب بوضوح 16 درجة سليزية). المكيف يعمل بكامل طاقته.. يجأر، وكأنه يقول: أغيثوني.. يسحب برئته الخارجية شهيقا من الهواء الخارجي الفاتر؛ ليمنح الغرفة زفيرا محملا بهواء بارد كثيف جعل منها أشبه بالثلاجة (على حد وصف أمي). لكن ما لا تعرفه أمي أني أجلس في ظلمة حالكة من جحيم الذكريات.. نار الذكريات أحمرت، فأبيضت، فأسودت، فأصبحت ظلاما حالكا (أو كما قالوا). أجزم أن نار كهذه لا ينفع معها أي مكيف.. نار كهذه لا يمكن أن تخمد حقيقة إلا في ثلاجة الموتي.

على صعيد آخر أكاد أشك في أن دولاب ملابسي ليس جمادا كما يبدو للجميع. أشعر بأن له عينان يتابعان خلسة كل ما أفعل، لكنني كلما التفت إليه يعود جمادا كما كان. وهكذا لا أستطيع أن أثبت عليه تهمة التجسس. الأرضية باردة إلى حد كبير أيضاً، لكن أرجوك لا تسئ الظن في تصرفاتي، فأنا بالطبع لم أخالف نصيحة أمي الأولي، ولم أنساها.. أنا لا أمشي حافيا مهما كانت الظروف، حتى على شط البحر اجتهد أن لا أكون حافيا حتى، وإن كلفني هذا ساعات طويلة في تنظيف حذائي من الرمل. لقد عرفت ببرودة الأرضية؛ لأني رأيتها تقلص أطرافها، وتنكمش تحت قطعة السجاد الباهتة.

وبينما يستمر الدولاب في ملاحقتي خلسة، والسجادة في تقمص دور البطانية، والمكيف في ضجيجه، وفي شهيقه، وزفيره.. أستمر أنا بكاملي أنانيتي، وغطرستي، وغلبي أيضاً في سحب الهواء البارد، ونفث الشهيق الساخن المحمل بدخان السجائر الذي يحتضن فراغ الغرفة شوقا، ثم يذوب فيها عشقا؛ لتبقى غرفتي متشبعة بعبق هذا الحب، وعطره الأبدي الذي لا يزول مهما أفرغت أمي من زخات المعطرات، ومهما فتحت من شبابيك لفوضى الهواء، والتراب.. نعم.. فرائحة الحب أبقى من النسيم العابر، و أمضى من كل رائحة الورود.. وأكثر فعالية من كل تراب الأرض.. أما أنا فلازالت في عتمة ذكرياتي أشعر أنني مضطر أن أبقى.. رغم ان الظلمة لا تزال حالكة، ولا تزال أيضا جحيم، ولا أزال لا أستطيع أن أستجمع سطرا واحد مفيدا من أي ذكرى (و لو حتى عابرة)، و لا حتى صورة مشوشة لأي ماضي. وكأنني وصلت لهذا النقطة، وقد نسيت أن أصنع ذكريات يمكن أستعادتها. ذاكرتي فعلا جحيم بظلمة حالكة لا يري منها أو فيها أي شئ.. بعد كل هذا ماذا عساي أن أفعل غير أن أقتل سيجارة جديدة في المنفضة؛ لتطول قائمة القتلى؛ ليستمر العبق، ويتناثر الرماد حرا في كل مكان.

السبت، 23 أغسطس 2014

وأصابتني القشعريرة


ربما مررت بمواقف كثيرة زلزلت صخرة قلبي الذي تجمد، وحركت في أحاسيس غامضة لا مسمى لها، ولا وصف لحالاتها. لكن ربما تلك المواقف الثلاثة التي سوف أذكرها فيما يلي هم أشدهم على الأطلاق، فعندما جلست بيني وبين نفسي أنفض تراب العمر عن ما مضى لم يتبادر إلى ذهني بوضوح صارخ وبسرعة كبيرة سوى تلك المواقف.

الموقف الأول: الإيمان
أذكر أنني عندما كنت أمر ببدايات مراحل العصف الفكري بين هراء ما تباين وتراكم من الأفكار والفلسفات المختلفة جلست مع والدي في جلسة نقاشية طويلة أستمرت لأكثر من أربع ساعات متصلة.. حينها قد نفيت له صراحة معنى كل ما يرتبط بالدين أي دين، وبالعلم أي علم، وبالمنطق أي منطق..  نفيت كل الأشياء بجسارة، ووضعته وجها لوجه أمام ردي الممل الكئيب.. أنا لا أعرف، وأعرف أنني لا أعرف، ولن أعرف.. بل صرت أصلا لا أري أن أعرف.. فسئلني بهدوء: ولا حتى ترى معنى لفكرة الله على اطلاقها.. فقلت: وحتى تلك، فأنا لا أعرف.. حينها بكى والدي بكاء لم يطول، و قال لي: ثق في كلامي أنا أعرف أنه موجود.. أنا أعرفه منذ ستين عاما، ومع هذه الدموع التي لا أشك في صدقها تملكتني القشعريرة.

الموقف الثاني: العجز
خالي.. لم يكن خالي فحسب، بل كان صديقي إلى حد كبير رغم فارق السن الذي يجاوز الثلاثين عاما.. خمسة أعوام أو يزيد نعيش حياة العزاب معا بمعنى الكلمة.. نختلف على غسيل الصحون، وعلى نظافة البيت.. وكلانا هارب ووحيد.. هارب أنا كعادتي من أشياء كثيرة لا مجال لذكرها وخاصة بعد سفر أهلي عني مجتمعين.. وهو أيضا ربما كان هاربا من أشياء مغايرة ولكن في ظل ظروف مماثلة.. فلقد كان وحيدا هاربا من سوء زوجته وعقوق أبنائه.. وكان على عكس ما أنا فيه الآن تماما.. مهندسا ناجحا.. مسئولا حكوميا مرموقا.. متواضعا بسيطا شريفا.. دخل المنصب فقيرا، ورحل منه فقيرا، في حين خرج آخرين أعرفهم بملايين مُمَلينة.. كنا أصدقاء جدا نذهب لمناسبات العائلة معا.. نرتدي رباطات العنق المبهجة في الأفراح، ورباطات العنق السوداء في المآتم..  ونعكف سويا على حل مشكلات العائلة وخلافاتها .. كنا فعلا صديقين متفاهمين جدا لدرجة أننا كنا نرتب حياتنا لعشر سنين قادمة.. نتكلم عن مكتب الاستشارات الهندسية الذي سوف نفتحه سويا بعد تخرجي.. هو بخبرته ومعارفه وعلاقاته.. وأنا بجهدي وطموحي حينها.. ولكن بعد كل هذا ظهر المرض ثالثا بيننا فجأة.. مرض خالي مرضا شديد.. سرطان في مرحلة متقدمة.. ليالي من القلق.. مستشفيات.. استماتة .. تشجيع.. أدوية.. مستشفيات.. تحفيز.. وبعد شهور تحسن مفاجئ ومدهش.. تحسن خالي وشعرت، وكأننا أنتصرنا للأبد.. و قرر خالي حينها الذهاب للحج، ففرحت أكثر كون الكابوس انتهى.. وذهب فعلا للحج، لكنه عاد منتكسا، وبدأت الرحلة ذاتها من جديد.. الإستماتة والصبر والتشجيع والتحفيز والأدوية.. ولكن السرطان هذه المرة كشف عن أقبح ما عنده.. الألم.. وكأن وحشا شرسا يأكل إنسانا وهو حي.. هذا تعبير حقيقي وليس بلاغي على الأطلاق لما رأيته في الشهر الأخير قبل وفاة خالي.. رأيت وحشا يأكله بتمعن، وهو حي يتألم.. كان يهذي طوال الوقت من شدة الألم، بل كان في بعض الأوقات يهذي بأسمي.. وفي أحدى الليالي الأخيرة كان يهذي بأسمي هامسا بينما الغرفة ممتلئة بالزائرين، وإذا به يصرخ ألما.. كانت الغرفة ممتلئة.. أمي وأخوتها وزوجته وأبنائه.. وإذا به يصرخ جادا لا هذيانا تلك المرة.. يا خالد أخرج الجميع.. أخرج الجميع.. أريدك وحدك.. فعلا أخرجت الجميع وعدت مرتبكا.. صرخ مجددا.. أغلق الباب.. ظننت حينها أنه ربما يهذي كعادته من الألم.. لم أكن أعرف أنه سوف يضعني أمام قطار عجزي الذي سوف يسحقني بلا هوادة.. عدت وبعدما أغلقت الباب وإذ به يمسك بيدي ويبكي ويهمس لي بصوت أرداه الألم.. أنا تعبت، لم أعد أطيق.. تصرف.. أفعل أي شيء أرجوك، أفعل أي شيء.. حينها ضربتني قشعريرة بقوة أعصار، ونضح الماء تلقائيا من عيني عجزا، وربما كان هذا لقائي الأول مع دموع العجز.

الموقف الثالث: الحب
في فترة سابقة بينما كان الاكتئاب يتلاعب بي لدرجة أن أعتى مضادات الاكتئاب لم تجدي نفعا، وأقوى أنواع المنومات أصبحت تنام وديعة معلنة استسلامها أمام ما بي من الأرق.. كان وجهي ينضح كآبة تزيد عن الحدود رغم البسمة البلهاء التي ألبس قناعها طوال الوقت.. أتذكر يوما لا ينسى خلال تلك الفترة حيث كنت في صالة المطار أقف تائها مشوشا جدا أسمع صوت صفير يشبه الريح يمر في أفكاري من شدة فراغ عقلي وزحامه.. في صفوف المنتظرين كنت أقف في استقبال أخي الذي لم أراه لمدة تزيد عن العام.. وإذ فجأة أجده يهزني من كتفي.. فلقد مر بي ولم أراه، وبعدما تبادلنا القُبل والعناق والأسئلة والأجوبة التي تقال في مثل هذه المناسبات أصطحبته في السيارة متجها إلي بيت الأسرة.. كنت صامتا لا أجد ما أقول، ولهذا رفعت صوت المذياع كي يملأ فراغ هذا الصمت، لكنه بعد حوالي عشر دقائق خفض الصوت.. وسألني بجديته وبساطته المعتادة: ما بك؟؟ تبدو كأنك قد تغيرت كثيرا.. أشعر أنك في خطر ما.. أخبرني ماذا حدث في العام الفائت لتصير هكذا؟؟ لم أفكر في إجابة، لكني فكرت في أنه ربما تكون أمي قد نقلت له بعد الأخبار عني.. ثم قلت لا شيء.. فعلا لا شيء.. أنا أفكر في أن أصير لا شيء.. وكي أوفر عليك طول تفاهة التفاصيل.. أنا طوال الوقت أفكر في شيء واحد هو الانتحار.. لم يقاطعني بالكلام، لكنه أنهمر في البكاء، وقال بكلمات موجزة من غير تفاصيل ولا سؤال.. أرجوك لا تفعل.. فأنا أحبك.. وحينها أنتابتني قشعريرة شعرت من شدتها بأن مقعد السيارة يهتز من تحتي.

الخميس، 14 أغسطس 2014

عن نسيج الحياة وحتمية الميتافزيقا



تخيل كرتين من خيط الصوف الأسود، وكرة واحدة من خيط الصوف الأبيض خصصوا لحياكة ثوب ما. مما لا شك فيه أن الثوب الناتج من نسيج هذه الكرات الثلاث سيكون مائلا للسواد.  بنفس هذا الأسلوب، و بذات تلك الطريقة حيكت خامة الحياة التي نعيشها.. حيكت من ضدية متناقضين "أبيض وأسود" بنسبة تميل إلى أسودهما، ولكن على عكس ما جرت حياكة الثوب جرت حياكة ذوق صاحب الثوب ونفسه.. فكان مطلبه أن يكون ثوبه قد حيك مائلا للبياض، وهنا ظهرت المشكلة بين الثوب وصاحبه "إشكال الحياة".

أن جوهر خامة الحياة ما هو إلا نتاج إجتماع ضدية المتناقضات، لكنه بنسبة كبيرة مال عن التوازن بين الأضداد والمتناقضات لصالح كل ما هو أسود من شر وقبح وظلم وباطل على عكس خامة جوهر نفس الإنسان التي تستحسن كل ما هو أبيض من خير وجمال وعدل وحق.. ولربما لهذا السبب تحركت الإنسانية منذ بداية وعيها إلى ما تريد، فظهرت محاولات معادلة الأمر لإقرار الخير والجمال والعدل والحق؛ كي تصل الإنسانية إلى بياض يرضي رغبتها وغايتها التى طبعت فيها.. ولكن كل المحاولات الإنسانية لم تغير من سوء الحال، ولم تعدل من جور هذا الميل نظرا ﻷن الخلل كان ساكنا في الأساس بحيث لا يمكن تغييره أو تعديله. لقد كان الخطأ مطبوعا في أصل الخامة بحيث لا يمكن معالجته أو تصحيحه. 

وهنا كانت فكرة الله هي المخرج الذي لا فرار منه أو عنه "على اختلاف تفاصيله بين المعتقدات". هكذا كان الله كما أتفق الجميع عليه "دون أن يتفقوا" هو منتهى ومطلق كل خير وجمال وعدل وحق. هكذا كان الله على عظم شأنه وقداسته في العيون والعقول ليس سوى محاولة من صاحب الثوب كي يقتنع بثوبه بدلا من أن يظل عاريا يلسعه قيظ الصيف، وتكويه بردوة الشتاء.

إن الله بصفاته تلك كان ببساطة هو السبب الذي به أرتضينا بالثوب الذي لم يعجبنا، بل ولن يعجبنا. كان الحلم الذي طمحنا إليه ﻷننا لم نجد فيه ما نريد. إنه الجنة التي نتمناها بعيدا عن جحيم الحياة التي لم نقبل بخامتها، ولم نرضى بقوانينها. ولهذا توجب أن تكون مطلقاته تلك هي منتهي ما ينقصنا. ولكن بمرور الوقت،  ولما كانت فكرة الله أيضا لم تصل بنا إلى ما نصبو إليه ونرجوه.. أفترضنا له حياة ثانية وعوالم غيبية ماورائية يقبع فيها كي يعادل الأمر ويوازن هذا الطغيان. هكذا أوصلنا عدم رضانا عن الثوب إلى فكرة الله التى أوصلتنا بدورها إلى فكرة الحياة الأخرى.  

هكذا عاش أكثرية منا هنا راضيين عن هذا التسلسل في انتظار حياة أخرى لا يعلموا عنها أي شيء سوى أنهم سوف يجدوا فيها الثوب الذي تمنوه. لكن نظرا لتباين العقول ظهرت طائفة أخرى من الواقعيين الخائفين على أنفسهم من الإنزلاق في هوة التمني واللهث خلف الأوهام، ووجدوا حلا أخرا طويل الأمد.. ألا وهو محاولة تعلم الحياكة من أجل تصليح الثوب وتعديله وتطويره بالصورة التي ترضينا أو بالصورة التي تُوصلنا إلى معرفة الغاية من قصة الثوب وصاحبه، لكن أيضا لم يصلوا لشيء، بل أشعر أنهم لن يصلوا لشيء فتعلم الحياكة لن يغير شيء. ﻷن الخلل كما قلنا سابقا هو خلل في الخامة وليس في الحياكة. أما صناعة النسيج فهي المستحيل الذي لن يوردنا إلا طريق الجنون الحتمي.
إذن دعونا نعترف جميعا أن الحياة ملائمة جدا لوجود الله بصفاته المطلقة تلك، بل وملائمة أيضا لفكرة وجود حياة أخرى.  دعونا نعترف بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، ولكن سيبقى السؤال الصعب جدا بعد كل هذا.. هل سيأتي يوم ويرضى صاحب الثوب عن ثوبه؟

الاثنين، 14 يوليو 2014

هلاوس من فرط الملل


على قدر ما تفلتك يد الموت على قدر ما تموت حيا.. وعلى قدر ما تموت حيا على قدر ما تحيا ميتا.. عمرك كاملا ليس سوى لحظة أحتضار في هباء لا نهائية الوقت. ربما لسبب كهذا زهدت في الوقت والموت وفي الحياة، بل وأصبحت أملك شعورا موحدا حيال كافة الأشياء.. شعورا لا أجد له أسما محددا، لكنه مفعما باللاجدوى ومفرطا في اللاهدف المتبوع باللا إرادة.

كصمت مستغرق في مفرادته، ومفردات مستغرقة في اللامبالاة لا أبدو بائسا تماما، ولا تعيسا تماما، ولا حتى ساخرا بما يليق بكوميديا سوادء كتلك التي تملأ قلبي حين أنسى من أنا أو من أين جئت أو إلى أين سأذهب؟؟ طوال الوقت أنا سكران أحتضر من فرط جهل الغاية.. جاهل مثلي لا يستحق من نفسه أن تهذي له بكل هذا الهراء.. جاهل مثلي لا يستحق نعمة كالموت، ولا حتى نقمة كالحياة.. أو ربما فعلا جاهل مثلي لا يستحق إلا نفسه كي يستوي الأمر.

المعضلة أني أرى المكان الآن لم يعد يكفي لكل هذا الزمان الذي مر ويمر وسيمر.. من أين نجد للزمان مكانا جديدا كي يمر فيه أو حتى منه؟؟ أمتلأ المكان بالزمان وضاق وضاق الذرع. تخيل طفلا رضيعا يكبر يوما بعد يوم داخل ثوبه الأول.. داخل حيزه الأول.. لم يعد في المكان متسعا كافيا للزمان الذي يكبر كل يوم، ويثقل صدرونا ونفوسنا بالتراكم.. خلاف كهذا هو السبب المنطقي الوحيد للملل الذي يطفو فينا، ونطفو فيه، فلا نهرب منه إلا إليه.

الجمعة، 4 يوليو 2014

عن أمي (أحاديث الألم والخوف)


بينما كنت وحيدا أتلوى على السرير ألما؛ بحيث ملني السرير، ولفظني إلى الوقوف تجاذبتني ذكريات ترقد على بعد عشرين عاما مني خاشعة في قبور النسيان.. هكذا على حين غرة من الألم تذكرت سؤالي ﻷمي، وأنا صغير عن سر الصدى الذي أسمعه لصوتي في الحمام.. لماذا الصدى في الحمام فقط؟! لماذا لا يوجد منه في الصالون أو حتى في غرفتي؟! لكن أمي لم تجبني حينها.. رمقتني ببسمة خاطفة، وانهمكت في كوب الشاي، وأحداث المسلسل العربي الذي لم يلبث أن ابتدأ حتى قاطعه أذان المغرب مباغتا الحبكة.

واقفا كان الألم لا يزال يداعبني بلعبة المفاجأة السخيفة جرتني الذكريات نحو سؤال آخر وجهته لأمي، وأنا أصغر سنا.. لم تمنحني أمي فرصة حينها كي أكمل السؤال.. أغلقت التلفاز، وتركت كوب الشاي على الطاولة؛ ليبرد، وفرشت سجادة الصلاة، ثم قالت: لا تخف، ثم اعتدلت في وقفتها، وكبرت.. كان سؤالي أبعد ما يكون عن الصدى، وعن السؤال أيضا.. كان مجرد شغف طفولي مشاغب، ولكن كان الوقت مصادفة هو وقت صلاة المغرب أو وقت المسلسل.. لكن أمي هذه المرة لم تكترث كثيرا ﻷمر المسلسل، كعادتها أنهمكت في الصلاة، وتركتتي وحيدا من خلفي "لا تخف".. و أمامي كوب الشاي الذي برد، لدرجة أنها لم تشربه، فشربه حوض المطبخ.

على أية حال.. أنا لست خائفا يا أمي.. صدقا أنا لم أعد خائف.. ضاع خوفي، وفقد سؤالي عن الصدى بريق لغزه، ومعناه، وشغفه، ومغزاه في خضم الأسئلة الكثيرة التي لم تجاب.. حتى الألم لم يعد يعنيني كثيرا.. بكل بساطة أترك له نفسي؛ ليحدث ضوضاءه كاملة كما شاء؛ ليسكت عني فجأة من تلقاء نفسه قبل أن يغمى علي. اطمئني لم أعد أفكر يا أمي في أي شئ.. فأنا لا تدركني الإجابات، ولا تنفعني الأسئلة.. ففي كل مرة أحاول أن أفكر ينقلب تفكيري إلى صفر كبير.. صفر كبير مكتوب بالإنجليزية.. صفر كبير بحجم دماغي، أو بالأحرى صفرين متماسين في نقطة واحدة هي عقلي؛ ليشبها معا علامة اللانهاية.

ربما هكذا أتفهم جيدا الآن أنني لست سوى صفرين.. صفر أتى من الأزل عدما؛ ليتحول إلى صفر آخر سيذهب إلى الأبد فناءا، لكنهم على حين غفلة أجتمعوا هنا الآن -مصادفة دون قصد- فبدوت هكذا أمام الجميع، وأمام نفسي لغزا لانهائيا غير مبرر لطفل شغوف مشاغب مثلي.. تماما كلغز صدى صوتي الذي لازالت أسمعه في الحمام، ويصمت في غرفتي دون مبررات؛ ليعلو ضجيج الألم الذي أعتدته منذ الصرخة الأولى لدرجة تجعله أصبح لا يعنيني هو الآخر.

السبت، 28 يونيو 2014

ذكريات الغرفة القديمة


يهل علي رمضان هذا العام، وأنا في غرفتي القديمة التي تقطن شمالا في بيتنا القديم. هذه الغرفة التي شهدت كل تتاقضاتي وتخبطاتي إبتداءً من خطواتي القديمة على سبيل السلفية -رضي الله عنهم- مرورا بمرحلة الإهتمام بالكتب والقراءة، ثم مرحلة الدراسة في كلية الهندسة، ثم مرحلة فشلي في الكلية، ثم فشلي المتدرج في الحياة وصولا إلى عدم اقتناعي بقضية الوجود كاملة.

لقد أمتلأت هذه الغرفة قديما بأصدقاء كثيرين أغلبهم قد تبدد.. أصدقاء لا أعرف عنهم أي شيء اليوم، بل لا أعرف أين ذهبوا أصلا، ولا كيف أختفوا؟ حيث أنني خلال تلك الفترات كان أصدقائي يتغيرون كما تتغير الموضة في كل موسم دون أسباب واضحة للتغيير. ببساطة لقد شهدت تلك الغرفة أسوأ لحظات نزاوتي، وأقدس لحظاتي الروحانية. أشد أوقات وحدتي، وأكثرها صخبا وسط الأصدقاء. شهدت أكبر تحولاتي الفكرية العاصفة من الهراء إلى الهراء وصولا طبعا للهراء.
غرفة واحدة فعلت فيها كل شيء.. تعبد/تأمل/اكتئاب/وحدة/مجون/فواحش/صخب/عشق/صداقة/ملل، و بالقطع آلاف مؤلفة من ساعات النوم هربا من كل هذا.. أربعة حوائط وسقف أمتلئوا بمغامرات مراهقتي وطيشي إبتداءً من تلك الفترة التي كانت تضج بمكالمات تبدأ بعد منتصف الليل، وتستمر حتى الصباح في هراء فارغ غالباً ما يكون أهم الدروس المستفادة منه هو معرفة ألوان الملابس الداخلية للمتصلة، وصولا بمراحل التطور حيث وجود عشيقة تمتلك نسخة من المفتاح، وتفاجأني في كل وقت لدرجة أوصلتني للملل، والتشبع من هذا الانتهاك الصارخ للخصوصية، والاضطرار للجوء إلى العلاقات العابرة حيث نساء اليوم الواحد اللاتي في الغالب لا أتذكر اسمائهن، لكني أتذكر جيدا تلك العبارة التي كنت أقولها في تلك الفترة لكل من كانت تحل ضيفة في هذا السرير ويكتب لها ان تقاسمني أياه.. "لقد دخلتِ التاريخ من أوسخ ابوابه".

غرفة صغيرة لا تزيد مساحتها عن عشرين متر، ولكنها عاشتني وحيدا متخبطا راضيا ساخطا على مدار أثنى عشر عاما من عمري، وبرغم ضيقها إلا أني الآن وفي خضم عبق تلك الأيام المباركة أشتم في جناباتها المكتنزة مزيجا من رائحة رحيبة من عطر العشيقة، ورائحة إذاعة القرآن الكريم ليلا، ورائحة الكتب المخزونة على ظهر الدولاب، ورائحة نسكافيه المذاكرة، ورائحة وضوئي بالفجر، ورائحة الألم والمسكنات، ورائحة التوتر التي كانت تنتابتي بعد كل هزة فكرية أمر بها، ورائحة الأرق خوفا من أن أخاف، ورائحة حشيش الأصدقاء، ورائحة السجائر التي دخنتها وحيدا طوال تلك الفترة، بل وحتى رائحة مسك الشيوخ السلفيين.. مزيجا من رائحة أثنى عشر عاما مرت من سنين هذا العمر الهباء الذي يمضي سريعا، وبرغم هذا أستبطئه.

الأحد، 22 يونيو 2014

حسبة برما


ناس يعبدوا بقر 
وناس هنا ياكلوه
وناس طلعوا القمر
وناس لازالوا يألهوه
و ناس ينكروا وجودنا
وناس باليقين عبدوه
ناس يعبدوا عقلهم
وناس كمان يلغوه
ناس يكرهوا جهلهم
وناس  كتير عشقوه
وناس يشكوا في الماضي
وناس بيقدسوه
و ناس ينكروه عادي
ويلعنو اللي جابوه
و ناس عارفة ومش عارفة
غير كل ما جهلوه
و ناس جاهلة ومتجاهلة
كل ما عرفوه
و ناس تكدب ناس 
وناس كدبهم على ابوه
و ناس تصدق ناس 
وناس صدقهم نسيوه
و ناس تقول احساس
حاولوا بقى تحسوه
و ناس تقول ترباس
فماتوا ولا فتحوه
وناس مش لاقية معنى
وناس من كتر المعاني تتوه
وناس يقولوا الشقا
وناس الشقا يبعوه
وناس يقولوا الوجع
وناس الوجع وجعوه
و ناس يقولوا الأمل
هو العمل ياهووو ..
و ناس يقولوا الأمل
دا كذبة اللي عاشوه
و ناس كتير ضد ناس مع ناس 
زحمة يا عمي.. والزحام وناس 
الدنيا حسبة برما 
فيها الجميع محتاس

فيوضات العبث