الجمعة، 6 مارس 2015

هواجس ‏اللا ‏معنى

           

لا أستطيع أن ألتقط أول الخيط.. مشوشا يأتي الكلام، وينتحر.. هنا أموت.. لم أمت بعد، فيا ليتني أموت.. بئس الوجود إن لم أمت.. بئس العدم إن مت فعلا، ولم أمت.. من قال إن الموت موت، أو حياة هو كاذب.. وأنا كاذب أيضا أفتري حديثا كاذبا على الموت.. لم تقنعني حياة منتهاها الموت، ولا حتى موتا سيفضي لمنتهى الحياة.. مجهول أنا لنفسي تماما كالموت الذي يجهل نفسه، لكني مثله أجيد العبث.
إن لم يتلعثم حبر القلم على الأوراق.. إن لم أشطب كلمة واحدة.. فتلك نبوءة، وكل نبوءة تصدق اليوم ستكذب غدا بنبوءات جديدة.. والقديم والجديد كله كلام.. والكلام يفر من المعنى إلى المعنى إلى النسيان ليولد من جديد.. الكلام لا يفنى؛ لأنه مستحدث أصلا من العدم.
ليس معي من المعانى ما يكفي لكل هذا الذي لا أفهمه، ولا أعرفه، ولا أحدده.. من قال أصلا أن المعاني من الممكن لها أن تسع كل هذا الجهل.. تبقى المعاني دليلا دامغا على الجهل، لكنها على كل حال رغم هذا أبدا لن توافيه أو توفيه.

قطرة في بحر تعلو لتصبح غيمة، وتسقط في محيط الأحتمالات.. الحيرة تماما كضوء الشمس الذي يضرب في وجهي فلا أستطيع أمامه إلا أن أغمض عيني.. اقول في العتمة الحالكة حتى وإن فتحت عيناك لن ترى إلا سوادا صارخا.. وفي الضوء الساطع حتى وإن أغمضت عيناك لن ترى إلا بياضا صارخا.. وأنت في الحالتين أعمى.. لا يمكن أبدا ﻷعمى أن يحتار في الألوان.. ليقول هذا أبيض صارخ،  وهذا أسود صارخ.. السواد والبياض سواء.. السواد والبياض عمى..

قلت يوما لنفسي ربما ينبغي عليَّ أن أحتفظ لنفسي بشيء من الوجود الذي فرض عليَّ، ﻷكون موجودا أو حتى ﻷكون نفسي.. كنت أعرف أن كلا الأمرين حتما سيسقيني الأمرين.. متقمصا شخصا ليس أنا مرارا راودتني نفسي "لن أترك ارادتي تتفتت كل يوم حتى لا أكون مسخا مشردا يفر من نفسه فيها.. أذن ﻷبقى أي شيء.. لأبقى سماء وحيدة تطل على زحام ما تحتها دون أن تشارك فيه.. ففيَّ ما فيها من العلو والرحابة و التكبر واللامبالاة والغموض واللانهاية والتقلب.. كذبت رغم أني لم أكذب.. في كل يوم كان يأكلني زحام الأرض.. وزحامهم حولي يزيد الأمر تعقيدا و إرباكا.. في كل مرة كانوا يرفعون أعينهم إلى السماء كانوا يرفعونها فيهم بلا عمد أو سند.. من قال أن سماء كتلك ستكترث ﻷمر التافهين من أمثالنا الذين يرفعون ذكرها وشأنها.. إذا رفعت قدر شيء أعلى من قدره،  كنت بالنسبة له في قدر أحط من قدرك.. هم لا يزالون يمسكونها بأعينهم لتبقى فوق.. كم مرة قلت لهم.. ترانا السماء ضئيلين جدا نظرا ﻷننا نراها عظيمة جد.. كذبوني، وصدقتني، وبقيت الأرض مرتحل الناظرين تدهسها الأقدام بالأحذية.. من الواضح أنه لابد للميزان أن يستمر مقلوبا فقط؛ لكي يستمر..

يقول لي الوجود.. أنا يعني أنك هنا.. دع الكلام على سيجته، ودع المعاني تذوب معنى معنى في ضرام الحرب.. ولا تسئل متى تزول الحرب.. فالسلام لن يحل إلا على العمي البكم الصامتين الذين لا ينتظرون السماء، ولا حتى ينظرونها.. الكلام هو السماء، والعراك سيستمر.. أعلى سقف لكم هو الكلام.. لا يمكن تخيل سقف بعده.. ستستمر الحرب طالما ظلت السماء تمطر بالكلام.. ستستمر الحرب إلى أن تنطبق السماء على الارض من فرط الكلام.

من فوق عرشه يناديني بصمته ولامبالاته.. أو هكذا أزعم.. حملني بكل هذه العوارات، واستتر عني، وهو بلا عورة.. ربما منطق كهذا الذي حدث يجبرني على القول بأنه ليس موجودا؛ لأني لو قلت بغير هذا لخالفت عقلي وجننت.. حينها يرفع عني القلم، وأسقط في عالم الدراويش المجاذيب الذين يرددون الحقائق على المسامع، ولكن لا يلتفت إليهم أحد.. فقط لأنهم خالفوا ناموس العقل الذي يراه الجميع ناقصا عاجزا قاصرا لابد أن يخالف؛ ليأتي بالجديد، ولكنهم رغم هذا، وكالعادة يرفضوا جديده في البداية بمنتهى الفزع.. ربما يفعلون هذا ليمنحوا أحفاد أحفادهم فرصة ليعتبروا هذا الجنون في عصور لاحقة منتهى العبقرية والعقل.. يستمر العقل قاصر كي يستمر الجنون هو عقل الغد.. ويستمر هو فوق عرشه صامتا لامبالي.
لو أني فعلا أعرف ما أريد قوله لمت من فرط الزهو بنفسي، ولكنى لا أعرف.. ورغم هذا لا أكف أبدا عن الكلام.. ربما نظرا لهذا أبعثر في وجوهكم ما يجود به العبث، وما ألتقط أشارته من أرسال الهذيان، حتى وإن كان لا يعني شيئا؛ لأن اللا معنى بذاته يعني الكثير والكثير..

الجمعة، 20 فبراير 2015

أنموذج الرقص على السلم


20 فبراير 2015
الواحدة بعد منتصف ليل القاهرة، درجة الحرارة 7 مئوية.
"ربما الشتاء يحاول أن يقدم أفضل عروضه قبل أن يرحل"

رائحة أنفاسها تملأ أنفي. ربما نسيت عطر أنفاسها بأنفاسي. طعم قبلتها يصرخ في فمي المتورم قليلا من فرط شغفنا معا بالقبل وبالهروب. هنا والآن بعد واحدة من أهدى وأعتى محاولة للهروب من حصار أوجاعنا وأوجاع الإنسانية بأسرها، والتي تتكالب علينا معا كل على حدة منفردا. 
من على مسرح الوجع، وتحت بقعة الضوء المزعجة أحدث نفسي فيكم من جديد. المآسي لا تزول بقبلة، ولا حتى بمليون.. واللامعنى لن ينبض فيه معنى، ولو حتى بمليار حضن رحب يتوهج حبا صافيا كالماء.. إنعدام الغاية يأكل كل شئ.. يأكل نفسه للحظات على هيئة النشوة، كي يولد من جديد.

لا بأس عندي أن أتعرى أمام الجميع، ولكني أدرك بأن الجميع لا يهمهم الأمر. فلو حتى ألتفتوا إليه، فأن غالبيتهم يلتفتون من باب الفضول المتسم أيضا بالهروب من حكاياتهم، والقلة الآخرون يلتفتون من باب التأويل والتفسير، وربط ما أكتب بما أفعل؛ كي تظهر لهم حقيقتي ليهاجموني أو حتى ليدافعوا عني. ليس لي حقيقة.. أنا أكتب أي شيء، وأفعل كل شئ بلا أي غاية. لو كانت لي غاية لكان من السهل فهمي بسلاسة ويسر منذ البداية، ولو حتى فقط لنفسي، ولكني فعلا لا تحركني أية دوافع لقول ما أكتب، أو لفعل ما يحدث.. أنا منعدم الغاية تماما كإنعدام الغاية من الوجود.

أنا لست أي شيء.. لست عالما يفهم صنوف العلوم وقوانينها، ولا فيلسوفا يجيد بحث البحث أو فهم الفهم، ولا وجدانيا خالصا منبهرا بحيوية ضوء الشمس، وجنون البحر، وهدوء الليل الذي يضج بالسكون، ولا صاحب دين يحيل الحكاية برمتها إلى عالم ماورائي فيه من العجائب والحلول ما يجعله ملاذا آمنا من شقاء الحياة وهوانها، ولا فنان تناديه جنية موهبته فيسبح في موج بحرها اللجي بقارب إبداعه وتفرده، ولا حتى مثقفا متعمقا له دراية رحبة تسمح له أن يكون وجهة نظر منطقية تربط بين كل ما سبق. أنا ابسط من كل هذا.. أنا بكل بساطة شخص ملول، اندفاعي لإنهاء أي شيء يعادل اندفاعي للبدء فيه.. لم أكمل شيئا واحدا في حياتي. أنا أسرع من يدخل، لكني أيضا أكون دوما أول الخارجين.. أنا أكفأ من ينهي الأشياء قبل حتى رسوخ بدايتها. كل ما فعلته بكل هذا العمر أني تصفحت الوجود بأكمله سريعا كمن يتصفح جريدة كاملة في خمس دقائق. فكرة عامة عن كل شيء، ذلك أن داء السأم الذي يصيبني لن يسمح لي بأكثر من ذلك.

أنا مثال صارخ لفكرة " اللي رقصت على السلم " المعنى الحقيقي لكلمة "شوشرة" كما كان يطلقها علي أبي منذ الصغر. ليس في وسعي أكثر من ذلك.. أن أكون مجرد شوشرة أفكار لشخص يرقص على إحدى درجات سلم في برج مكون من ملايين الطوابق.. أرقص على كل درجة دقيقة، وأنتقل إلى أخرى دون حتى أن أتم الرقص.. كنت شيخا ناسكا، ولم أكمل.. متعلما متفوقا، ولم أكمل.. فنانا ملهما، ولم أكمل.. وجدانيا صوفيا، ولم أكمل.. منطقيا متفلسفا، ولم أكمل.. عبثيا متخبطا، ولم أكمل.. كنت كل شيء بدرجة لم تسمح لي بأن أكون أي شيء.. هكذا أنا وجدت نفسي لسوء الحظ، أو لحسنه.. لا أدري.  ولهذا أعذروني أو فليكن ما يكون على نحو ما قد كان سلفا حيث لم يتغير فيَّ أي شيء، ولو حتى تغير كل شيء.

الثلاثاء، 10 فبراير 2015

الموت


إنه لتصور سيء هذا الذي يفترض أنك سوف تموت، ويتعفن جسدك ويتحلل، بينما تبقى روحك موجودة لتتابع هذا المشهد، ولكن ما أمر به يجعلني لا أكترث لكل هذا الهراء؛ ﻷنني في السنوات القليلة الماضية مررت بما هو أسوأ، حيث أنني عشت نفس التصور بشكل معكوس. مت وتعفنت روحي، وتحللت بينما بقى جسدي حاضرا فقط ليتابع المشهد. وبرغم مأساوية طرح كهذا إلا أنه يبقى للموت مزايا كثيرة تستعصي على الحصر. 

إن من صفاء لون الموت، ونقاء خامته، وجودة معدنه أنه هو الشيء الوحيد الذي لا يُحسد رغم كل هذا التناحر الذي يملأ العالم، وبرغم كل هذه الضغائن التي تضج بها النفوس.  فحتى وإن كنت محموما بالحياة لدرجة تتمنى من فرطها راحة الرحيل. أو أعياك الوجود لدرجة أنك ترى في العدم نعيما مطلقا لا يضاهى. أو أصبحت الدنيا فوق صدرك حجرا جاثما لا تستطيع إزالته ولا تجد حيلة مع مسببه، ولا تستطيع موتا تحته. حتى وإن أصابك ما أصابك من عذاب، ومهما لحق بك من أذي لا يطاق جعلك تتوق إلى نعمة الموت.
إذا أختطفت راحة الموت روح أحدهم أمامك دونك. لن يستطيع سهم الموت الطائش على قربه منك حينها أن يحرك في نفسك شيئا من الحسد تجاه من فاز بمقعد الموت دونك أو أن تتحرك في قلبك ضغينة لمن تقدم عنك لتتأخر. إن أقصى شعور ممكن أن تفعله مع الموتى هو أن تغبطهم على فوزهم دون فوزك وعلى راحتهم دون راحتك؛ لأنك مهما حاك في نفسك من زوال نعمة الموت عنهم، فإن الموت لا يزول. إن الموت يا عزيزي هو النعمة التى لا تحسد والتى غفل عنها البشر وكرهوها نظرا لأنها الحق.  وما أكره البشر للحق، وما أبعدهم عنه وعن رحابه. إن الموت هو الفوز العظيم الذي يعلمنا دروس الغبطة رغما عن سوءة نفوسنا وسوءها وضغائنها.

فأعلم أن الموت هو الحق الذي يفتح به باب كل حق، وهو الصدق الذي يفر منه الكذبة اللاهون الملتهون عنه بقبح زيف معناه، وبزيف حسن حياة عاهرة تنضح بالقبح، وتصرخ بالبذاءة والدناءة.

الأحد، 18 يناير 2015

كابوس ‏عندما ‏تصير ‏أنت ‏الآخر (قصة قصيرة)


رجل يجلس خلف زجاج نافذة مقهى شهير في صحبة مشروب دافئ.. يمرر نظره على المارين الذين يسرعون في خطوهم إتقاء للمطر، وبينما هو يمرر نظره على المارة يتوقف بنظره عند أحدهم.. يدقق النظر.. يندهش.. يدقق من جديد.. يحدث نفسه: إنه هو أنا من يمشي بين العابرين، ويسرع في الخطو.. إنها خطواتي.. تأخذه الدهشة، ويصبح المشهد أمامه رماديا باهتا من فرط هولته.. يبهت ويبهت، ليعود من جديد واجداً نفسه يسرع في خطواته، والمطر يصيب رأسه ويديه.. يتوقف.. ينظر على الرصيف المقابل، ليجد مجموعة من المراهقين الذين يلهون ويمرحون تحت المطر.. يجد أحدهم يلوح له.. يتأمله، ويطيل فيه النظر.. ليجد نفسه من جديد.. إنه يلوح لنفسه من الرصيف المقابل بينما بعض المراهقين يلهون تحت المطر بينه، وبين الآخر الواقف على الرصيف المقابل.. يتوقف عقله للحظة، ثم سرعان ما يعود للوعي ليجد نفسه في صحبة هؤلاء المراهقين يشاركهم الصخب، والسخرية من بكاء السماء، ومن فتاة تحتمي بيد فتى يحتمي بالحب.. ووسط النكات والضحكات يصمت، ثم يفكر.. يحدث نفسه ساخرا: لقد كنت يوما أنا ايضا احتمى بالحب.. يغيب في الفكرة.. يشعر بدوار خفيف.. يكاد أن يسقط ليجد يد فتاة تمسك به.. يحملق في وجهها الباسم، ويصمت امام سؤالها: ما بك يا حبيبي.. يبتسم.. تحدثه من جديد: أترى هؤلاء الباعة الجائلين هناك.. أنهم يكدحون ببضاعتهم الزهيدة الفاسدة تحت المطر، ورغم البرد.. إنهم لا يطلبون سوى فتات الرزق الذي لا يجود به سائقي السيارات الفارهة التي تغلق زجاجها بضغطة زر في وجوههم.. إنهم فعلا يستحقون الشفقة.. يحول نظره نحوهم، ليجد أحدهم يقترب منه مبتسما؛ ليبيعه وردة.. يقترب أكثر وأكثر.. يصرخ: هذا أنا من جديد.. هاهنا يصمت الجميع.. يتوجهون إليه بنظرتهم المندهشة من صراخه.. الجميع هم هو الذي ينظر إلى نفسه.. الجميع مندهشين منه بنفس درجة اندهاشه منهم، ومن نفسه.. وعندها تضرب العاصفة من جديد، ويدوي صوت الرعد بقوة في الأرجاء.. فيستيقظ جالسا في سريره.. ينظر إلى ساعة الحائط.. السادسة.. لا يستطيع أن يحدد أن كانت صباحا أم مساءا.. يشعل سيجارة، يقوم إلى نافذة الغرفة ليتبين الأمر ليجد كل شئ على ما يرام.. المطر لازال يتساقط حزنا.. المارة يسرعون الخطو، والفتاة تحتضن ذراع فتاها، والباعة الجائلون يستعطفون سائقي السيارات، والمراهقون يلهون تحت المطر ويسخرون، ويرى من بعيد واجهة المقهى الشهير، ومن خلفها رجل يجلس، لكنه هذه المرة لن يدقق النظر.. لن يفكر.. يعود إلى سريره مسرعا هامسا لنفسه: إنها السادسة مساءا.. السادسة مساءا، وحسب..

السبت، 20 ديسمبر 2014

لا شيء ينجو من الملل، ولا حتى الجنس

     

عن مرارة تلك السيجارة التي تلي ممارسة الجنس مباشرة، وعن هذا الشعور الذي ينتابك بالقرف في تلك اللحظة، وعن محاولة الإستفاقة من غمار تلك النشوة باستجماع نفسك عن طريق هذا السؤال الصادق الصادم.. ما هذا الخراء الذي كنت أفعله؟؟ وكيف سمحت لهذا الشيء أن يقاسمني خصوصية سريري الذي أموت فيه كل ليل وحدي مكتفيا بنفسي حاملا عبأ وجودي جبالا فوق رأسي؟؟ عن تلك المحارم الورقية التي تمسحين بها رذاذي اللزج عن نفسك، وعن تلك الرائحة التي تبقت في جسدي من أثر عطر نهديك، وعن تلك العلامات التي خلفتها يداي على فخذيك، وعن هذا السرير الذي يبدو، وكأنه تبعثرت كرامته بعد ما حدث عليه.. عن كل هذا الهراء الذي يختزل في النهاية في قبلة خاطفة منك، وكلمة هامسة في أذني أحبك، و ردي الخاطف أيضا: أحبك.. وانصرافك متعجلة للحمام.. عن النهاية التي لا تكون أبدا سعيدة كما يروج لها بالأفلام الهابطة.. نهايات كل المشاهد الحقيقية في الغالب تكون وضيعة ومملة وتافهة وحقيرة وعديمة الفائدة، وتنسى.. لكننا لابد أن نعتبرها سعيدة ومرضية كي لا نهدم كل ما سبقها، أو بالأحرى كي لا نهدم كلمة الحب الختامية فيها.. ولكن يبقى السؤال.. ما الذي قادنا لكل هذا؟؟ لماذا سمحنا ﻷنفسنا أصلا أن نقاد هكذا كالسوائم ؟؟ ربما ﻷننا متورطون هنا، ونحاول أن ندعي زورا أننا مستمتعون بورطتنا.. ربما هروبا من الملل ركضنا منه، فاصطدمنا به في النهاية..

الثلاثاء، 25 نوفمبر 2014

العدم ضد كل ضد

بطريقة ما تبدو نفسي لنفسي في أحيان كثيرة كبحر، وليس هذا وصفا بلاغيا أجتره من مطالعاتي الأدبية، إنما هو وصف أعنيه تحديدا.. فكأني فعلا بحر شاسع يفصل بين ضفتين من المتناقضات.. أشد الرحال وأبحر نحو ضفتي الأخرى فلا أجدني تماما، ولهذا أعيد الكرة من جديد نحو الضفة التي قد جئت منها، فلا أجدني أيضا.. هكذا أدور على نحو لا ينتهي.  كلما تأملت حرية رحلاتي تلك أتأكد من حماقتي حين أدعي الحرية.. أنا فعلا حر حين أبحر هنا أو هناك، ولكن الحرية المقيدة بضفتين، وبفعل واحد أسميه الأبحار ليست حرية على الأرجح.. تخيل أن هذه هي أقصى حرية لك.. إنها حريتك أمام نفسك، فما بالك بحريتك أمام كافة الأشياء التي تملأ أصقاع الكون وتتعامل وفق حرية نفسها وقوانينها. 

كل شيء حر ولكن وفق أطاره، والحرية الحقيقية تعني أن تختفي كافة الأطر، ولا شيء  يستطيع أن يتجاوز أطاره.. من قال مثلا أن الشمس ليست حرة.. هي حرة فعلا ضمن أطارها تدور.. تنفجر.. تتشظى.. تتلظى.. تقترب من هذا الكوكب.. تبتعد عن أخر.. وهكذا بنفس الفكرة وتأسيسا على نفس القاعدة تعمل كافة الاشياء من أصغرها إلى أكبرها بما فيها الإنسان.

الأعجب أن كل هذا الوجود بكافة أشيائه على لانهائيتها، ولا نهائية أطرها وقوانينها واختلافاتها وتباينها يقابلهم جميعا ضد واحد هو العدم، ورغم كونه  شيء غير معرف، لكنه يظل هو نقطة البداية، بل هو ضد كل ضد.. بل لربما كونه البداية، وكونه ضد كل ضد، كان لابد له أن لا يكون معرفا. 
ويبقى السؤال المحير إذا كنا نحن الجميع الآن في الوجود وأمامنا طريق واحد لا مفر منه هو الخلود.. أما خلود في العدم، وأما خلود في الجحيم، وأما خلودا في النعيم.. فلماذا نميل للأخير؟
ربما يحدث هذا الآن من جراء أننا لا نملك إلا أطارا واحدا من الشعور لا يمكننا تجاوزه نحو العدم الذي يعني اللا شعور.. فلماذا لا نفكر أذن في أن النعيم مهما بلغ سيظل محدودا في أطار وجوده، لأنه لو تجاوز الأطار والوجود لأصبح عدما هو الآخر؟؟ فالخلاصة هي أن الحرية المطلقة هي العدم المطلق، وكلاهما لا يمكن تصوره في أطار ضيق موجود وكائن كالذي نعيش فيه، بل لا يمكن تصوره أصلا طالما ظلت الأطر حتى لو كانت تلك الأطر هي النعيم بذاته.

السبت، 15 نوفمبر 2014

التشكك في الحب بين الجهل المطلق ومثالية النقص



كلام كثير أنتجه الوقت الماضي؛ ليأكل كل ما سوف يأتي من الوقت. أمام الوقت والكلام لم أجد لي دورا مقنعا أتقمصه سوى الشك. أنا بكل صراحة أشك في الأثنين معا، بل وأشكك فيهما.. أمقتهما معا، وأسخط عليهما معا سخطا يوازي يقيني الصادق يوما ما. يقيني الذي أوردني بحار الشك ﻷثبته. ولكن الشك الصادق تماما كالملل المطبوع فينا كلاهما لا يفضي إلا لنفسه.

ربما الشيء المثالي الوحيد الذي أصدق مثاليته هو النقص. إنه الشئ الوحيد المكتمل بمثالية. طموحي في المثالية أورثني رفض كل شيء عدا النقص. النقص بدوره ألزمني بالغرور المفضي إلى النرجسية المفضية للزهد.

القيمة المطلقة الوحيدة التى تأكدت لي من كل هذا هي الجهل. الجهل الذي يجبرني على أن أسخر من كلمة العلم سخريتي من حظي التعس الذي جعل مني موجودا في تلك اللعبة المزرية دون أختيار مني للهو.

كل ما سبق تركني أمام خيارين: أما أن أقتنع بالحب، فأحب نفسي أكثر من الجميع كي أتمكن من حبهم، وأما أن أكره نفسي، فأنفي عن نفسي صفة الحب رغم يقيني من حب البعض لي فأبدو غير مكترث، وفي الحالتين سيدهسني قطار الموت. فلو بقيت سيدهسكم قطار الموت أمامي واحد تلو الآخر، ولو رحلت سيدهسكم قطار حبكم لي الذي أتيقن منه. ولهذا سوف تجدوني مُتعَبا مُتعِبا إلى هذا الحد؛ ﻷني في الحقيقة لا أقدر على الاثنتين.

الأربعاء، 5 نوفمبر 2014

ضربة شمس


خمسة أشياء من وحي ضربة الشمس والصداع وهدة الحيل والتعب ليس شرطا أن يعنوا الحقيقة الغائبة، لكن الصدفة واردة.. ولهذا تأملها على سبيل أن يحالفك الحظ.

أولا: لتعرف أن البحر كائن مناعته ضعيفة جدا.. لدرجة أنه يعاني من نزلات البرد الشديدة طيلة العام، ولهذا سوف تجده طوال الوقت يعطس في وجه الجميع عطسة محملة بالملح وبالرذاذ، بل ومحملة أيضا برائحته التي لا نعرف لها اسما أو وصفا.. أنفلونزا البحر مستمرة، كأنه خلق ليعطس..

ثانيا: فلتكن الراحة مجرد صوت ماء يتدفق منك ساخنا بشدة في حمام عمومي رطب، بعد أن أمسكت الماء في مثانتك لأكثر من ثلاث ساعات في ظل برد قارس.. لا تراعي أحدا، وانشر صفرة رذاذك كما شئت متدفقا كما شاء بكامل الضجة والخرير.. الصوت هو الدليل والراحة معا..

ثالثا: عندما تفكر في الحب كأمنية لطيفة.. تذكر أن نفس الحب هو أحد الأمنيات المأساوية التي قد تمر في مخيلة وردة تفكر في الانتحار، ولا تقدر عليه.. تتمنى يد عاشق تقطفها مصادفة؛ لأجل حبيبة عشقها مصادفة.. هذا هو أحد أقصر الطرق التي قد تتمنها وردة كئيبة تريد الانتحار، وتخشى من الموت كافرة إن هي فعلت.. نعم، تبدأ نهاية الحب عندما تقطف وردة، ولكن أستمر في تجربة الحب؛ كي تساعد الورد المكتئب على الانتحار..

رابعا: (أن تبقى) هو يعني بالضرورة أنك نسيت أن ترحل و (أن تخلد) فهذا يعني بالتبعية أنك نسيت أنك نسيت.. أن تتذكر كل شيء، فهذا حتما لا يعني إلا الفناء.. الذاكرة هو عيب الصناعة الذي لحق بنا.. حاول أن لا تعدل من نفسك؛ كي لا تخرج من الضمان الوجودي.. احترم عيوبك.

خامسا: فليذهب الذهب إلى الجحيم، لأنه لو كان لونه فضيا لكانت الفضة أغلى منه بكثير.. ولو كانت السماء بلون فضي ربما أسمينا لون معدن الفضة باللون السماوي.. الألوان ليست حقيقية.. مجرد خداع بصري.. إذا افترضنا أن ما نملكه يسمى بصر من الأساس.

الاثنين، 27 أكتوبر 2014

كاهل الانتظار المثقل بأمثالنا


كان الهواء غريقا بما يكفي؛ ﻷن يطفو في رئتي ويمحوني.. وكان الصمت يكفي؛ ﻷن أعيش مرة أخرى، ليقاطعه كلامي فيثبتني.. لن أتغابى وأسأل: ماذا يحمل لي الغد في طياته؟؟ بذراعين متدليتين، وقلبٍ سئم، وعينين تقاوما سخافة ضوء الوقت الصارخ كنت كمن كانوا في استقباله، ومر هناك الهواء ثقيلا.. ومر وقت الصمت طويلا؛ فتكلمت بكل ما سبق.. ربما كان الكلام معاد، لكن في الإعادة كل مرة يبدو الغد وكأنه أمسٌ جديد.

كم مرة فاتني قطار الوقت؟؟ وعندما حاولت لحاقه دهسني قطاره المقابل بالذكريات.. في محطة الصمت لم يبق غير الهواء الغريق في إنتظاره، وأنا ضيئل بحيث يمحو وجودي هواء غائب لا يُرى ولا يرى غير ملله في انتظاري.. لم تبتسم لي الذكرى يوماً رغم أني طالما بها، ولها ابتسمت..
الوحدة قد تجبرك على أن تبتسم لفتاة ليست جميلة، ولكنها وحدها هناك على الرصيف المقابل تشاطرك الانتظار.. ليس شرطا أن تنتظرا نفس الشئ.. كفي جدًا صفة الإنتظار لتحبها وتحبك، وتقاسمها ليلة ممطرة تمطرك فيها بوجعها وتمطرها أنت بوابلك المحتدم، فيكون من بعدكما كونا كاملاً بما فيه من بشر يقتسمون أيضاً نفس صفة الإنتظار.
كل شئ منتظر لضده، وبهذا تصير الدائرة أزلية أبدية إلى ما لا نهاية.. صغيرة كبيرة إلى ما لانهاية.. بسيطة ومعقدة أيضا إلى ما لا نهاية.. ربما لست عبأ على نفسي، رغم أن هذا في محل شك، لكن المؤكد أن نفسا واحدا لي بعد موتي سيكون عبأ على الجميع.. تلك هي الحقيقة.. جميعنا أثقلنا كاهل الانتظار.. الانتظار ببساطة مثلنا ينتظر.. ينتظرنا ألا ننتظر.

الأحد، 14 سبتمبر 2014

ليس بوسعك إلا أن تضل


على قدر وضوح تفاصيل المشهد أمامك على قدر ما هو يضللك.. كل تفصيل بسيط يسكن خلفه تفاصيل أخرى مختفية وخلف كل واحد منها تختفي ملايين التفاصيل الأخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية.
المكان أيضا يضللك.. الزمان أيضا يضللك؛ لأنك عليهما ستبني بعقلك معاني لا تمت للمشهد بصلة.. المكان والزمان خارج التحكم، وخارج الحصر والحساب.
حتى عقلك الذي يستنتج المعانى، ويستنبط المغزى يضللك؛ ﻷنه ليس شرطا في كل ما نراه وندركه ونسمعه أن يعني شيئا أو أن يكون له مغزى يدرك، لكن العقل لا يسمح أن تمر عليه مشاهد دون أن يأولها ويجد لها تفسير ومبرر حتى وإن كانت تفسيراته وتأويلاته في غاية السذاجة والحمق.. هذه هي سمة العقل وآلية عمله وهذا أكبر عيب فيه، حيث أنه لابد له أن يتدخل في الأحداث ويعطي فيها رأيه حتى وإن لم يطلب منه.
الحواس تضللك فهي لا تنقل الحقيقة كما هي، بل تنقل ما استطاعت أن تنقله منها طبقا لأمكانياتها وحدودها وقصورها وعجزها. حتى الأحاسيس تضللك.. نظام كيميائي معقد يتلاعب بك.. قلبك واقع تحت تأثير مركبات كثيرة لا تعرف الكثير عنها.. الكيمياء تظل صعبة وسخيفة وتفعل بنا الأفاعيل سواء في اختباراتها أو حتى في حياتنا. اللغة أيضا تضللك.. الكلام هو الشرح الزائف الذي نهرب به من لامعنى دواخلنا.. المعنى الذي نخلقه من اللامعنى الذي يسكننا.

كل ما تظنه أنه سبيل أدراك وفهم ووصول ما هو إلا شيء وجد ليضللك.. الوجود ما هو إلا أحد مرادفات الضلال ومفرداته.. الضلال هو الحكمة من كل هذا، بل هو السبب الذي سبق البداية والنتيجة التي تلي كل نهاية.. الضلال أنتجك لأجل الضلال، لتصل إلى الضلال. العدم ذاته ما هو إلا ضلال ضل نفسه، فأوجد بدلا منها ضلالا مضادا هو وجودنا الذي ضللنا فيه، هذا إلى حد جعل شخصا مثلي يقدس الضلال، ويكتب كل هذا الضلال الغير متسق والغير مفهوم والغير مجدي، فقط كي لا يضللك، فتضل.

فيوضات العبث