الاثنين، 25 مايو 2015

لا خير لنا في الموائمات



في نفس اللحظة التي تنتهي فيها صرخات المخاض، تبدأ صرخات الوليد. ليست تلك إذن صرخات ﻷمٍ ووليدها، لكنها مجرد حياة.. مجرد صرخة واحدة متصلة مستمرة مدوية لا تنتهي. مجرد لغز لا نستطيع أن نواجهه إلا بالصراخ. قد تظن أنني أحاول أن أغرد خارج السرب، والحقيقة هي أنني أنا وأنت والجميع من حولنا لسنا أكثر من قطيع من الخنازير الذين يرتعون في الوحل، ولا يعرفون أي شيء عن الطيران. فحتى اعتبار الحياة مجرد بروفا قصيرة لحياة ما بعد الموت، لن يغير أي شيء عند من لا يجيد التمثيل أو حتى عند من يجيده، ولكن لا يستهويه الدور الذي قد قد كتب من أجله.  ربما ألقى بنا العدم واحدا تلو الآخر إلى هذا الجحيم المؤقت من باب الرحمة، فقط كي يشتد عودنا؛ لنصبح قادرين على تحمل جحيم الخلود.

لا خير لنا في كل تلك الموائمات، أما السعادة المطلقة أو الحقيقة أو الموت.

تخيل أنك تصعد على سلم عدد درجاته لانهائية، بينما هو يهبط بكامل درجاته اللانهائية للأسفل بنفس مقدار صعودك.. كلما تصعد، السلم يهبط.. هكذا تسير الحياة في المجمل. كل ضد خلق لضده حيث كل ضربة كان يضربها الفأس على الحجر كانت تكسر جزء من كلاهما.. كل معول هدم يهدم نفسه بالنهاية. في الحقيقة نحن لا ننحاز لمبحث العلم لأنه الحل المطلق للغز، ولكن نظرا لأنه أفضل من يحاول.. بمعني أدق أنه نتاج تراكم محاولات الفهم الإنساني علي سطح تلك الكرة المترنحة المصابة بالدوار. الكون في مجمله فوضى لا يمكن ترتيبها إلا بمحدودية عقولنا، ولهذا هناك أجابة واحدة صحيحة وحقيقية تصلح لكافة الأسئلة وهي لا أعرف. ستجد علوما في شتى المجالات، ولكن لن تجد علما واحدا في مجال الجهل رغم أنه أوسع المعارف التي يمتلكها البشر على الأطلاق.

ولكي نكون متصالحين مع ذلك.. لابد أن نترك الإحتمال القائل: بعدم وجود حل من الأساس، بل بعدم وجود لغز أصلا بديلا مطروحا للقضية. ذلك كونه احتمال لا يمكن دحضه نظرا لجبرية الورطة التي تورطناها هنا، وقصورنا في التحرر منها، أو الخروج من إطارها من أجل رؤية أفضل. وعلى هذا النحو تنسف الموائمة نفسها بتقارب الضدين وتعانقهما إلى هذا الحد، بحيث يصبح اللا اكتراث بالقضية بأكملها فيه قدر كبير من الحكمة والوعي بلاجدوى البحث والسؤال والإجابة، بل وتفاهة الباحثين، ومدى سذاجة النتائج التي يرزحون تحت وطئتها. 

الأحد، 24 مايو 2015

الحب والسقوط في هاوية بلا قاع


تقـول: كيف تريد مني هكذا أن أسقط في حبك؟؟
فأقول: ليس لي حب كي تسقطي فيه.

تقـول: هل من الممكن أن أسقط فيك دون أن أموت؟؟
فأقول: أنا لست أكثر من فراغ منعدم الجاذبية.. من يسقط في لن يسقط أبدا..

تقـول:  مغرور؟!
فأقول:  كيف من الممكن أن أغتر بمأساتي؟!
          كل ما في الأمر أني أنقل لك تجربتي..سقطت في نفسي طوال عمري، 
          ولم أسقط إلى الآن.. لا شيء صادفني.. لا أرض، لا سماء،لا شيء.

تقـول:  لا تقوى أي امرأة على رجل لا يؤمن بالحب
فأقول:  لا يقوي أي رجل على أي امرأة على الإطلاق..
         ولهذا دعيني أنسحب معلنا الهزيمة.

تقـول:   ولكني أردتك أن تنتصر..
فأقول:   هزيمة أستحقها خير لي من نصرلا أقوى على تبعاته.

تقول:  كل حيلي تتكسر على صخرة عقلك.
فأقول:  بل على صخرة يأسي.

تقول:  أنت فعلا فراغ يائس كما قلت، ولكن من يسقط فيك يظل يسقط للأبد.. 
         أنا لا أستطيع الخروج من هاويتك..
فقلت:  وتلك لعنة أخرى،،

الثلاثاء، 14 أبريل 2015

القصيدة المأساوية


الليلة بكر بنت بنوت
ساذجة بريئة مش عارفة مين هيفتحها
يجيها الصبح كلب وابن كلاب
في دخلة بلدي بنور الشمس يفضحها
يا عاشقين الليل في صحبة المواويل
عندي شوية حاجات بدي أوضحها
سواد ليلي حبر القصيدة بتـنـكـتـب
ويجي الصبح على سهوة ويمسحها
ياكل كلامها ويهضمني مع المعنى
آلهي يارب يطفحني ويطفحها
ملقتش غير العتمة ممكن تتمدح
فوهبت الشعر ليها يشكرها ويمدحها
يا سواد مغطي بيوت الخلق بالعتمة
ساتر همهم بالنوم /خدر جراحهم وريحها
يا هدوء يا واهب لقلب صبية حلم الحب
ليه يجي الصبح هاجم يفوقها ويجرحها
من طلة الصبح فيا بلاقيني بشخر لوحدي
أما عن نبض قلبي فتملي يدق بالأحا
دخان سجايري من كتر شرب الليل
لا يسلكه الينسون ولا تسلكه الكحة
صدري ملبش بالوجع..
و الضحكة من فرط الألم..
تتوه في الصوت مع البحة
لو كانت الدنيا بعوضة كما قالوا
فأعلم بإن الملل هو الهوا
اللي بتفرد عليه جناحها
عشان خاطر تعب الحياة ارتحت في تعبها
فتعبت مني وملتني عشان غرضي اريحها
وأنا اللي بكتب كلامي من غير هدف
لا عندي جموع تصقفلي ولا انصحها
حيران بين المعاني عشان
مش لاقي لنفسي معنى
مشغول بطعم الكلام
وكل كلمة في ذاتها لعنة
أهلي جابوني من العدم دنيا الألم على ملو وشي
ولما جيت انتحر.. قالوا هتسيبنا لمين وتمشي..
جبناك عشان تتوجع، فتخف في وجعنا
ننسى الوجع بالوجع
ونلاقي جوا الوجع عزوة تجمعنا
ياللي معدتش تطيق نفسك
نفسك دي فرض عليك
لا اختارتها بنفسك..
ولا نفسك دا كان بايديك
أدي البشر حواليك راضين بعيشة المجهول
وحتى لو أعترضت هتفضل زيهم مخبول
الدنيا متفبركة والحق باب مقفول
والكون على حبكته كائن، لكنه مش معقول
فاسمع يا عمي القول.. وركز بصبر حمول..
لو ع الوطن.. فـ أبيح..
بنفس أباحة الظابط اللي سحلني عشان يحميه
ولو ع البشر.. تماسيح..
هيبرروا دمي ونفسهم أخفيه
ولو ع الزمن فـ شحيح..
هوا كدا مفيش حاجة تحوء فيه
عهر الوجود مفضوح، وفجره شيء باين
فمتنتظرش الأمانة من دهر كان خاين
والموت جبان ما بيزورش غير الجبنا اللي بيخافوا
ولو صادف شخص مستبيع بيكش منه وبيخافه
ويلتفت عزرائيل عنه ويعمل نفسه ولا شافه
يا بايعين الوهم مش هتلاحقوا على سوقه
مطلوب بشكل كبير برغم عيوبه وبسوئه
وكل صاحب أمل.. أمله راكبه و بيسوقه
فأعلم يا صاحب السراب
بأن الحياة دي عذاب
وأعلم بأن الأمل
وسخ عشان محتمل
وكل ناقص جميل
ينقص جماله إذا اكتمل
أنجس ما فينا الأمل
ونجاسته هيا أسمى ما في طباعه
ساعات يشاور من بعيد
وساعات يبقى قريب، ويطلعلنا بتاعه
خاذوق كبير أسمه الحياة
مهما حذقت واتسع خرمك بردو لن تساعه
وأنا خاذوق الحالمين
وكل حالم يروح يتنيل على خيبته
الملل هو سيد المشهد
قبل وجودنا سبقنا ونصب خيمته
فمتتفائليش خيرغير بالموت
وأفرح بكل يوم يجري عليك ويفوت
يا زفرة صاهدة في تنهيدة
طالعة بتهد في الملكوت
يقيني بالله يقيني أم يقيني باللا يقينِ؟
صرح اليقين خايخ اساسه الجهل
والشك دايخ وبايخ وآخرته توهة
لو كنت تايه وأنتا مش عارف
أو حتى عارف كانت هتفرق أيه؟
يا واخد الشك في الطريق عنوان
العتمة زي النور طالما كل البشر عميان
الشك بردو على مرارته مبيوصلش
والمعجزة اللي بيحكوها حتى لو حصلت
فـ ليه دلوقت مبتحصلش؟؟
فأعلم يا راعي الدين بإنك خنيق وبضين
وأعلم بإن الجهل بيقلب ساعات ليقين
فكفاية بيض ع الناس الخلق مش ناقصين
مش كل من خانوا الرسول يبقوا كفرة ومنافقين
شوية من ولاد الوسخة أتباعه كفيلين يهدوا الدين
زمن النفاق ولى لما الايمان خامه بقى طعمه كله نفاق
ومفيش سكينة في خوف، ولا في اله بخناق
وأعلم بإن آلهك لا يقم ولا يأخر
كل اللي آمن بالإله بيجي في أخر السكة متأخر
والحكاية كلام كتير..
ربما.. لعل.. وإذا..
وهكذا.. وهكذا.. وهكذا..
بتلهيني زحمة الناس وحكاياتهم
عن زحام الروح
ويشاغلني صوت ضجيجهم في خناقاتهم ..
عن خناقة دايرة فيا في نهايتها ديما جروح
فبكون في عز قلب الزحمة فاضي
ناسي نفسي، وناسي بكرا، وناسي ماضي
ولما بتعب من قرفهم، ولما بقرف من تعبهم
بختلي بنفسي لنفسي، وبعدها يبدأ زحامي
الخلوة هيا الزحمة عندي
واللي منها بيتولد تلتارباع كلامي
ملقتش نعمة في الهدوء
ملقتش ألفة في الزحام
ملقتش هدنة في السكوت
ملقتش راحة في الكلام
هتعيش شجاع هتعيش تكش
جربتها على كل وش
وعرفتها دنيا تغش
تبان لطيفة وهيا أصلا مقرفة
وتبان حقيقة، وأصلها وهم وصفة
ناقصة لكن نقصها غاية التمام
وعرفت بردو بإنها شمال مش تمام
وعشان كدا بكون في عز الزحمة فاضي
وفي عز قلب الفضا مزحوم
جمال الحاجة عندي في غيابها
عشان في حضورها ديما بسيبها وأقوم
شعوري بير مهجور كبير
والشعر طير حواليه يحوم
الكلمة شخص غرق خلاص
والمعنى فيه لازال يعوم
فتشوفه طافي رغم إنه ميت
تفهم آوام.. آخر الكلام..
تكذب عينيك وتقول في سرك
مفيش غرقان ممكن يعوم
ومفيش أي شيء ممكن يدوم
بعدها تسئل عينيك الكدابين
الموت دا وحدة واغتراب، ولا وصول
فتزوغ النظرة فيهم أكمن السؤال مجهول
اللي انتا عارفة كويس وحدتك
الوحدة زهد ووجع وترف وصوم
ومفيش زحمة باقية
عشان تبقى فيه وحدة ممكن تدوم
فكل ما يزورك سؤال جاوبه ديما بانشغال
احمي نفسك منه بإنك تلهي نفسك بالخيال
المستحيل الصعب جدا يبقى بردو احتمال
والجواب اللي أنتا عايزه هو موتك
فيا ترى موتك محال؟؟
ع الرف هناك فيه لسه مكان لسنين جايين
ولحتى سنين لسه مجتشي لكنهم شبه الفايتين
ولحد الآن رصيت ع الرف ستة وعشرين
وسع يا بني ع الرف مكان باقي من المهلة
إذ ربما خمسة وتلاتين
دا لو يعني كنت طبيعي
وهموت من بعد الستين
أما لو انجزت بسرعة
فأعلم يا شقيق..
إن الحظ ساعات بيواتي
فبيكرم وبيدي المجانين
أمتى أطلع منها في نص المدة
زي ما بتقول القوانين
لكن أضمن أرص كويس
محدش عارف هيموت أزاي أو أمتى وفين؟؟
طالت أو قصرت يا صديقي
أهي دنيا الرغم وأدينا عايشين
وأيام بتروح وأيام تيجي بردو ما بكبرش
أنا أصلي عجوز من يوم ما أمي صرخت فيا
ورمت بيا بعاشر طلقة في قلب الدنيا
موجوع من لحظتها، لكن مبعيطش
والدنيا تدربك تتسهدم أو تلطش لطش
أنا ساكت بردو مبنطقش
فتزهزه وتبرجس نرجس
وتفكرني ههيس وأرقص
لكن أنا صامد ومبفرحش
سايب للعمر الوقت المر
وسايبلي الحبل على الغارب
ما أنا أصلا حر
والحبل طويل كما حبل غسيل
متلعبك مع خيط تسجيل
مهما شدته مبيقطعش ..
كم قصة وحدوتة عاشتني
وأتصدقت كأني رسول
وأيه يعني كان آخرتها
بعد الحكبة وسبك الدور
ضحك الكومبارس عليا
وقال في خياله دا واد مخبول
وفي ناس بردو دخلوا وخرجوا
وكتبوا عليا كلام بيقول
اللعنة.. اللعنة على المجهول
محبوب من يومى لحد الكره
وعشان كدا كاره نفسي بكل الحب
عذبة يا روحي زي النيل
ماشي عشان في البحر يصب
وأنا أمتى هطب؟؟
وتزعل كل حاجاتي عليا
ويودعني اللاب توب
أنا عارف إني مش عارف
إن كنت عرفتني، ولا بخطرف
زهق القرف الساكن فيا
أكمني مبعرفش أقرف
لكن على كلن يا حبيبي
وسعلي مكان ع الارفف
وسعلي مكان لسنين ماسخة
بايخة وجايلي بتستظرف
مهما استظرفتي يا سنيني
يفضل في عيوني الموت أظرف
شايف روحي في الموت لايق
وأكيد في نهايتي هكون ألطف
وأكيد في نهايتي هكون ألطف

للاستماع إلى تلك القصيدة أضغط هنا

الجمعة، 6 مارس 2015

هواجس ‏اللا ‏معنى

           

لا أستطيع أن ألتقط أول الخيط.. مشوشا يأتي الكلام، وينتحر.. هنا أموت.. لم أمت بعد، فيا ليتني أموت.. بئس الوجود إن لم أمت.. بئس العدم إن مت فعلا، ولم أمت.. من قال إن الموت موت، أو حياة هو كاذب.. وأنا كاذب أيضا أفتري حديثا كاذبا على الموت.. لم تقنعني حياة منتهاها الموت، ولا حتى موتا سيفضي لمنتهى الحياة.. مجهول أنا لنفسي تماما كالموت الذي يجهل نفسه، لكني مثله أجيد العبث.
إن لم يتلعثم حبر القلم على الأوراق.. إن لم أشطب كلمة واحدة.. فتلك نبوءة، وكل نبوءة تصدق اليوم ستكذب غدا بنبوءات جديدة.. والقديم والجديد كله كلام.. والكلام يفر من المعنى إلى المعنى إلى النسيان ليولد من جديد.. الكلام لا يفنى؛ لأنه مستحدث أصلا من العدم.
ليس معي من المعانى ما يكفي لكل هذا الذي لا أفهمه، ولا أعرفه، ولا أحدده.. من قال أصلا أن المعاني من الممكن لها أن تسع كل هذا الجهل.. تبقى المعاني دليلا دامغا على الجهل، لكنها على كل حال رغم هذا أبدا لن توافيه أو توفيه.

قطرة في بحر تعلو لتصبح غيمة، وتسقط في محيط الأحتمالات.. الحيرة تماما كضوء الشمس الذي يضرب في وجهي فلا أستطيع أمامه إلا أن أغمض عيني.. اقول في العتمة الحالكة حتى وإن فتحت عيناك لن ترى إلا سوادا صارخا.. وفي الضوء الساطع حتى وإن أغمضت عيناك لن ترى إلا بياضا صارخا.. وأنت في الحالتين أعمى.. لا يمكن أبدا ﻷعمى أن يحتار في الألوان.. ليقول هذا أبيض صارخ،  وهذا أسود صارخ.. السواد والبياض سواء.. السواد والبياض عمى..

قلت يوما لنفسي ربما ينبغي عليَّ أن أحتفظ لنفسي بشيء من الوجود الذي فرض عليَّ، ﻷكون موجودا أو حتى ﻷكون نفسي.. كنت أعرف أن كلا الأمرين حتما سيسقيني الأمرين.. متقمصا شخصا ليس أنا مرارا راودتني نفسي "لن أترك ارادتي تتفتت كل يوم حتى لا أكون مسخا مشردا يفر من نفسه فيها.. أذن ﻷبقى أي شيء.. لأبقى سماء وحيدة تطل على زحام ما تحتها دون أن تشارك فيه.. ففيَّ ما فيها من العلو والرحابة و التكبر واللامبالاة والغموض واللانهاية والتقلب.. كذبت رغم أني لم أكذب.. في كل يوم كان يأكلني زحام الأرض.. وزحامهم حولي يزيد الأمر تعقيدا و إرباكا.. في كل مرة كانوا يرفعون أعينهم إلى السماء كانوا يرفعونها فيهم بلا عمد أو سند.. من قال أن سماء كتلك ستكترث ﻷمر التافهين من أمثالنا الذين يرفعون ذكرها وشأنها.. إذا رفعت قدر شيء أعلى من قدره،  كنت بالنسبة له في قدر أحط من قدرك.. هم لا يزالون يمسكونها بأعينهم لتبقى فوق.. كم مرة قلت لهم.. ترانا السماء ضئيلين جدا نظرا ﻷننا نراها عظيمة جد.. كذبوني، وصدقتني، وبقيت الأرض مرتحل الناظرين تدهسها الأقدام بالأحذية.. من الواضح أنه لابد للميزان أن يستمر مقلوبا فقط؛ لكي يستمر..

يقول لي الوجود.. أنا يعني أنك هنا.. دع الكلام على سيجته، ودع المعاني تذوب معنى معنى في ضرام الحرب.. ولا تسئل متى تزول الحرب.. فالسلام لن يحل إلا على العمي البكم الصامتين الذين لا ينتظرون السماء، ولا حتى ينظرونها.. الكلام هو السماء، والعراك سيستمر.. أعلى سقف لكم هو الكلام.. لا يمكن تخيل سقف بعده.. ستستمر الحرب طالما ظلت السماء تمطر بالكلام.. ستستمر الحرب إلى أن تنطبق السماء على الارض من فرط الكلام.

من فوق عرشه يناديني بصمته ولامبالاته.. أو هكذا أزعم.. حملني بكل هذه العوارات، واستتر عني، وهو بلا عورة.. ربما منطق كهذا الذي حدث يجبرني على القول بأنه ليس موجودا؛ لأني لو قلت بغير هذا لخالفت عقلي وجننت.. حينها يرفع عني القلم، وأسقط في عالم الدراويش المجاذيب الذين يرددون الحقائق على المسامع، ولكن لا يلتفت إليهم أحد.. فقط لأنهم خالفوا ناموس العقل الذي يراه الجميع ناقصا عاجزا قاصرا لابد أن يخالف؛ ليأتي بالجديد، ولكنهم رغم هذا، وكالعادة يرفضوا جديده في البداية بمنتهى الفزع.. ربما يفعلون هذا ليمنحوا أحفاد أحفادهم فرصة ليعتبروا هذا الجنون في عصور لاحقة منتهى العبقرية والعقل.. يستمر العقل قاصر كي يستمر الجنون هو عقل الغد.. ويستمر هو فوق عرشه صامتا لامبالي.
لو أني فعلا أعرف ما أريد قوله لمت من فرط الزهو بنفسي، ولكنى لا أعرف.. ورغم هذا لا أكف أبدا عن الكلام.. ربما نظرا لهذا أبعثر في وجوهكم ما يجود به العبث، وما ألتقط أشارته من أرسال الهذيان، حتى وإن كان لا يعني شيئا؛ لأن اللا معنى بذاته يعني الكثير والكثير..

الجمعة، 20 فبراير 2015

أنموذج الرقص على السلم


20 فبراير 2015
الواحدة بعد منتصف ليل القاهرة، درجة الحرارة 7 مئوية.
"ربما الشتاء يحاول أن يقدم أفضل عروضه قبل أن يرحل"

رائحة أنفاسها تملأ أنفي. ربما نسيت عطر أنفاسها بأنفاسي. طعم قبلتها يصرخ في فمي المتورم قليلا من فرط شغفنا معا بالقبل وبالهروب. هنا والآن بعد واحدة من أهدى وأعتى محاولة للهروب من حصار أوجاعنا وأوجاع الإنسانية بأسرها، والتي تتكالب علينا معا كل على حدة منفردا. 
من على مسرح الوجع، وتحت بقعة الضوء المزعجة أحدث نفسي فيكم من جديد. المآسي لا تزول بقبلة، ولا حتى بمليون.. واللامعنى لن ينبض فيه معنى، ولو حتى بمليار حضن رحب يتوهج حبا صافيا كالماء.. إنعدام الغاية يأكل كل شئ.. يأكل نفسه للحظات على هيئة النشوة، كي يولد من جديد.

لا بأس عندي أن أتعرى أمام الجميع، ولكني أدرك بأن الجميع لا يهمهم الأمر. فلو حتى ألتفتوا إليه، فأن غالبيتهم يلتفتون من باب الفضول المتسم أيضا بالهروب من حكاياتهم، والقلة الآخرون يلتفتون من باب التأويل والتفسير، وربط ما أكتب بما أفعل؛ كي تظهر لهم حقيقتي ليهاجموني أو حتى ليدافعوا عني. ليس لي حقيقة.. أنا أكتب أي شيء، وأفعل كل شئ بلا أي غاية. لو كانت لي غاية لكان من السهل فهمي بسلاسة ويسر منذ البداية، ولو حتى فقط لنفسي، ولكني فعلا لا تحركني أية دوافع لقول ما أكتب، أو لفعل ما يحدث.. أنا منعدم الغاية تماما كإنعدام الغاية من الوجود.

أنا لست أي شيء.. لست عالما يفهم صنوف العلوم وقوانينها، ولا فيلسوفا يجيد بحث البحث أو فهم الفهم، ولا وجدانيا خالصا منبهرا بحيوية ضوء الشمس، وجنون البحر، وهدوء الليل الذي يضج بالسكون، ولا صاحب دين يحيل الحكاية برمتها إلى عالم ماورائي فيه من العجائب والحلول ما يجعله ملاذا آمنا من شقاء الحياة وهوانها، ولا فنان تناديه جنية موهبته فيسبح في موج بحرها اللجي بقارب إبداعه وتفرده، ولا حتى مثقفا متعمقا له دراية رحبة تسمح له أن يكون وجهة نظر منطقية تربط بين كل ما سبق. أنا ابسط من كل هذا.. أنا بكل بساطة شخص ملول، اندفاعي لإنهاء أي شيء يعادل اندفاعي للبدء فيه.. لم أكمل شيئا واحدا في حياتي. أنا أسرع من يدخل، لكني أيضا أكون دوما أول الخارجين.. أنا أكفأ من ينهي الأشياء قبل حتى رسوخ بدايتها. كل ما فعلته بكل هذا العمر أني تصفحت الوجود بأكمله سريعا كمن يتصفح جريدة كاملة في خمس دقائق. فكرة عامة عن كل شيء، ذلك أن داء السأم الذي يصيبني لن يسمح لي بأكثر من ذلك.

أنا مثال صارخ لفكرة " اللي رقصت على السلم " المعنى الحقيقي لكلمة "شوشرة" كما كان يطلقها علي أبي منذ الصغر. ليس في وسعي أكثر من ذلك.. أن أكون مجرد شوشرة أفكار لشخص يرقص على إحدى درجات سلم في برج مكون من ملايين الطوابق.. أرقص على كل درجة دقيقة، وأنتقل إلى أخرى دون حتى أن أتم الرقص.. كنت شيخا ناسكا، ولم أكمل.. متعلما متفوقا، ولم أكمل.. فنانا ملهما، ولم أكمل.. وجدانيا صوفيا، ولم أكمل.. منطقيا متفلسفا، ولم أكمل.. عبثيا متخبطا، ولم أكمل.. كنت كل شيء بدرجة لم تسمح لي بأن أكون أي شيء.. هكذا أنا وجدت نفسي لسوء الحظ، أو لحسنه.. لا أدري.  ولهذا أعذروني أو فليكن ما يكون على نحو ما قد كان سلفا حيث لم يتغير فيَّ أي شيء، ولو حتى تغير كل شيء.

الثلاثاء، 10 فبراير 2015

الموت


إنه لتصور سيء هذا الذي يفترض أنك سوف تموت، ويتعفن جسدك ويتحلل، بينما تبقى روحك موجودة لتتابع هذا المشهد، ولكن ما أمر به يجعلني لا أكترث لكل هذا الهراء؛ ﻷنني في السنوات القليلة الماضية مررت بما هو أسوأ، حيث أنني عشت نفس التصور بشكل معكوس. مت وتعفنت روحي، وتحللت بينما بقى جسدي حاضرا فقط ليتابع المشهد. وبرغم مأساوية طرح كهذا إلا أنه يبقى للموت مزايا كثيرة تستعصي على الحصر. 

إن من صفاء لون الموت، ونقاء خامته، وجودة معدنه أنه هو الشيء الوحيد الذي لا يُحسد رغم كل هذا التناحر الذي يملأ العالم، وبرغم كل هذه الضغائن التي تضج بها النفوس.  فحتى وإن كنت محموما بالحياة لدرجة تتمنى من فرطها راحة الرحيل. أو أعياك الوجود لدرجة أنك ترى في العدم نعيما مطلقا لا يضاهى. أو أصبحت الدنيا فوق صدرك حجرا جاثما لا تستطيع إزالته ولا تجد حيلة مع مسببه، ولا تستطيع موتا تحته. حتى وإن أصابك ما أصابك من عذاب، ومهما لحق بك من أذي لا يطاق جعلك تتوق إلى نعمة الموت.
إذا أختطفت راحة الموت روح أحدهم أمامك دونك. لن يستطيع سهم الموت الطائش على قربه منك حينها أن يحرك في نفسك شيئا من الحسد تجاه من فاز بمقعد الموت دونك أو أن تتحرك في قلبك ضغينة لمن تقدم عنك لتتأخر. إن أقصى شعور ممكن أن تفعله مع الموتى هو أن تغبطهم على فوزهم دون فوزك وعلى راحتهم دون راحتك؛ لأنك مهما حاك في نفسك من زوال نعمة الموت عنهم، فإن الموت لا يزول. إن الموت يا عزيزي هو النعمة التى لا تحسد والتى غفل عنها البشر وكرهوها نظرا لأنها الحق.  وما أكره البشر للحق، وما أبعدهم عنه وعن رحابه. إن الموت هو الفوز العظيم الذي يعلمنا دروس الغبطة رغما عن سوءة نفوسنا وسوءها وضغائنها.

فأعلم أن الموت هو الحق الذي يفتح به باب كل حق، وهو الصدق الذي يفر منه الكذبة اللاهون الملتهون عنه بقبح زيف معناه، وبزيف حسن حياة عاهرة تنضح بالقبح، وتصرخ بالبذاءة والدناءة.

الأحد، 18 يناير 2015

كابوس ‏عندما ‏تصير ‏أنت ‏الآخر (قصة قصيرة)


رجل يجلس خلف زجاج نافذة مقهى شهير في صحبة مشروب دافئ.. يمرر نظره على المارين الذين يسرعون في خطوهم إتقاء للمطر، وبينما هو يمرر نظره على المارة يتوقف بنظره عند أحدهم.. يدقق النظر.. يندهش.. يدقق من جديد.. يحدث نفسه: إنه هو أنا من يمشي بين العابرين، ويسرع في الخطو.. إنها خطواتي.. تأخذه الدهشة، ويصبح المشهد أمامه رماديا باهتا من فرط هولته.. يبهت ويبهت، ليعود من جديد واجداً نفسه يسرع في خطواته، والمطر يصيب رأسه ويديه.. يتوقف.. ينظر على الرصيف المقابل، ليجد مجموعة من المراهقين الذين يلهون ويمرحون تحت المطر.. يجد أحدهم يلوح له.. يتأمله، ويطيل فيه النظر.. ليجد نفسه من جديد.. إنه يلوح لنفسه من الرصيف المقابل بينما بعض المراهقين يلهون تحت المطر بينه، وبين الآخر الواقف على الرصيف المقابل.. يتوقف عقله للحظة، ثم سرعان ما يعود للوعي ليجد نفسه في صحبة هؤلاء المراهقين يشاركهم الصخب، والسخرية من بكاء السماء، ومن فتاة تحتمي بيد فتى يحتمي بالحب.. ووسط النكات والضحكات يصمت، ثم يفكر.. يحدث نفسه ساخرا: لقد كنت يوما أنا ايضا احتمى بالحب.. يغيب في الفكرة.. يشعر بدوار خفيف.. يكاد أن يسقط ليجد يد فتاة تمسك به.. يحملق في وجهها الباسم، ويصمت امام سؤالها: ما بك يا حبيبي.. يبتسم.. تحدثه من جديد: أترى هؤلاء الباعة الجائلين هناك.. أنهم يكدحون ببضاعتهم الزهيدة الفاسدة تحت المطر، ورغم البرد.. إنهم لا يطلبون سوى فتات الرزق الذي لا يجود به سائقي السيارات الفارهة التي تغلق زجاجها بضغطة زر في وجوههم.. إنهم فعلا يستحقون الشفقة.. يحول نظره نحوهم، ليجد أحدهم يقترب منه مبتسما؛ ليبيعه وردة.. يقترب أكثر وأكثر.. يصرخ: هذا أنا من جديد.. هاهنا يصمت الجميع.. يتوجهون إليه بنظرتهم المندهشة من صراخه.. الجميع هم هو الذي ينظر إلى نفسه.. الجميع مندهشين منه بنفس درجة اندهاشه منهم، ومن نفسه.. وعندها تضرب العاصفة من جديد، ويدوي صوت الرعد بقوة في الأرجاء.. فيستيقظ جالسا في سريره.. ينظر إلى ساعة الحائط.. السادسة.. لا يستطيع أن يحدد أن كانت صباحا أم مساءا.. يشعل سيجارة، يقوم إلى نافذة الغرفة ليتبين الأمر ليجد كل شئ على ما يرام.. المطر لازال يتساقط حزنا.. المارة يسرعون الخطو، والفتاة تحتضن ذراع فتاها، والباعة الجائلون يستعطفون سائقي السيارات، والمراهقون يلهون تحت المطر ويسخرون، ويرى من بعيد واجهة المقهى الشهير، ومن خلفها رجل يجلس، لكنه هذه المرة لن يدقق النظر.. لن يفكر.. يعود إلى سريره مسرعا هامسا لنفسه: إنها السادسة مساءا.. السادسة مساءا، وحسب..

السبت، 20 ديسمبر 2014

لا شيء ينجو من الملل، ولا حتى الجنس

     

عن مرارة تلك السيجارة التي تلي ممارسة الجنس مباشرة، وعن هذا الشعور الذي ينتابك بالقرف في تلك اللحظة، وعن محاولة الإستفاقة من غمار تلك النشوة باستجماع نفسك عن طريق هذا السؤال الصادق الصادم.. ما هذا الخراء الذي كنت أفعله؟؟ وكيف سمحت لهذا الشيء أن يقاسمني خصوصية سريري الذي أموت فيه كل ليل وحدي مكتفيا بنفسي حاملا عبأ وجودي جبالا فوق رأسي؟؟ عن تلك المحارم الورقية التي تمسحين بها رذاذي اللزج عن نفسك، وعن تلك الرائحة التي تبقت في جسدي من أثر عطر نهديك، وعن تلك العلامات التي خلفتها يداي على فخذيك، وعن هذا السرير الذي يبدو، وكأنه تبعثرت كرامته بعد ما حدث عليه.. عن كل هذا الهراء الذي يختزل في النهاية في قبلة خاطفة منك، وكلمة هامسة في أذني أحبك، و ردي الخاطف أيضا: أحبك.. وانصرافك متعجلة للحمام.. عن النهاية التي لا تكون أبدا سعيدة كما يروج لها بالأفلام الهابطة.. نهايات كل المشاهد الحقيقية في الغالب تكون وضيعة ومملة وتافهة وحقيرة وعديمة الفائدة، وتنسى.. لكننا لابد أن نعتبرها سعيدة ومرضية كي لا نهدم كل ما سبقها، أو بالأحرى كي لا نهدم كلمة الحب الختامية فيها.. ولكن يبقى السؤال.. ما الذي قادنا لكل هذا؟؟ لماذا سمحنا ﻷنفسنا أصلا أن نقاد هكذا كالسوائم ؟؟ ربما ﻷننا متورطون هنا، ونحاول أن ندعي زورا أننا مستمتعون بورطتنا.. ربما هروبا من الملل ركضنا منه، فاصطدمنا به في النهاية..

الثلاثاء، 25 نوفمبر 2014

العدم ضد كل ضد

بطريقة ما تبدو نفسي لنفسي في أحيان كثيرة كبحر، وليس هذا وصفا بلاغيا أجتره من مطالعاتي الأدبية، إنما هو وصف أعنيه تحديدا.. فكأني فعلا بحر شاسع يفصل بين ضفتين من المتناقضات.. أشد الرحال وأبحر نحو ضفتي الأخرى فلا أجدني تماما، ولهذا أعيد الكرة من جديد نحو الضفة التي قد جئت منها، فلا أجدني أيضا.. هكذا أدور على نحو لا ينتهي.  كلما تأملت حرية رحلاتي تلك أتأكد من حماقتي حين أدعي الحرية.. أنا فعلا حر حين أبحر هنا أو هناك، ولكن الحرية المقيدة بضفتين، وبفعل واحد أسميه الأبحار ليست حرية على الأرجح.. تخيل أن هذه هي أقصى حرية لك.. إنها حريتك أمام نفسك، فما بالك بحريتك أمام كافة الأشياء التي تملأ أصقاع الكون وتتعامل وفق حرية نفسها وقوانينها. 

كل شيء حر ولكن وفق أطاره، والحرية الحقيقية تعني أن تختفي كافة الأطر، ولا شيء  يستطيع أن يتجاوز أطاره.. من قال مثلا أن الشمس ليست حرة.. هي حرة فعلا ضمن أطارها تدور.. تنفجر.. تتشظى.. تتلظى.. تقترب من هذا الكوكب.. تبتعد عن أخر.. وهكذا بنفس الفكرة وتأسيسا على نفس القاعدة تعمل كافة الاشياء من أصغرها إلى أكبرها بما فيها الإنسان.

الأعجب أن كل هذا الوجود بكافة أشيائه على لانهائيتها، ولا نهائية أطرها وقوانينها واختلافاتها وتباينها يقابلهم جميعا ضد واحد هو العدم، ورغم كونه  شيء غير معرف، لكنه يظل هو نقطة البداية، بل هو ضد كل ضد.. بل لربما كونه البداية، وكونه ضد كل ضد، كان لابد له أن لا يكون معرفا. 
ويبقى السؤال المحير إذا كنا نحن الجميع الآن في الوجود وأمامنا طريق واحد لا مفر منه هو الخلود.. أما خلود في العدم، وأما خلود في الجحيم، وأما خلودا في النعيم.. فلماذا نميل للأخير؟
ربما يحدث هذا الآن من جراء أننا لا نملك إلا أطارا واحدا من الشعور لا يمكننا تجاوزه نحو العدم الذي يعني اللا شعور.. فلماذا لا نفكر أذن في أن النعيم مهما بلغ سيظل محدودا في أطار وجوده، لأنه لو تجاوز الأطار والوجود لأصبح عدما هو الآخر؟؟ فالخلاصة هي أن الحرية المطلقة هي العدم المطلق، وكلاهما لا يمكن تصوره في أطار ضيق موجود وكائن كالذي نعيش فيه، بل لا يمكن تصوره أصلا طالما ظلت الأطر حتى لو كانت تلك الأطر هي النعيم بذاته.

السبت، 15 نوفمبر 2014

التشكك في الحب بين الجهل المطلق ومثالية النقص



كلام كثير أنتجه الوقت الماضي؛ ليأكل كل ما سوف يأتي من الوقت. أمام الوقت والكلام لم أجد لي دورا مقنعا أتقمصه سوى الشك. أنا بكل صراحة أشك في الأثنين معا، بل وأشكك فيهما.. أمقتهما معا، وأسخط عليهما معا سخطا يوازي يقيني الصادق يوما ما. يقيني الذي أوردني بحار الشك ﻷثبته. ولكن الشك الصادق تماما كالملل المطبوع فينا كلاهما لا يفضي إلا لنفسه.

ربما الشيء المثالي الوحيد الذي أصدق مثاليته هو النقص. إنه الشئ الوحيد المكتمل بمثالية. طموحي في المثالية أورثني رفض كل شيء عدا النقص. النقص بدوره ألزمني بالغرور المفضي إلى النرجسية المفضية للزهد.

القيمة المطلقة الوحيدة التى تأكدت لي من كل هذا هي الجهل. الجهل الذي يجبرني على أن أسخر من كلمة العلم سخريتي من حظي التعس الذي جعل مني موجودا في تلك اللعبة المزرية دون أختيار مني للهو.

كل ما سبق تركني أمام خيارين: أما أن أقتنع بالحب، فأحب نفسي أكثر من الجميع كي أتمكن من حبهم، وأما أن أكره نفسي، فأنفي عن نفسي صفة الحب رغم يقيني من حب البعض لي فأبدو غير مكترث، وفي الحالتين سيدهسني قطار الموت. فلو بقيت سيدهسكم قطار الموت أمامي واحد تلو الآخر، ولو رحلت سيدهسكم قطار حبكم لي الذي أتيقن منه. ولهذا سوف تجدوني مُتعَبا مُتعِبا إلى هذا الحد؛ ﻷني في الحقيقة لا أقدر على الاثنتين.

فيوضات العبث