الأحد، 12 مايو 2019

رأس مثقل بزحام فارغ



مختلي.. خالي.. متخلي.. رأسي يعبق بفراغ محموم أكثر كثافة وجساءة من هذا الذي يحاوطني، ولا يشاركني فيه أحد. فراغ يذخر بالتفاصيل التي لا أدري كيف ومتى ولماذا صرت أغض الطرف عنها، وكأنها غير موجودة في رأسي، ومن حولي. لا أعرف تحديدا كنه هذا الشيء الذي قادني إلى تلك الفجوة.. لا أعرف، ولا أريد أن أعرف، ولا أريد حتى أن لا أريد. 

مكتفي متشبع ساكن متشبث بأذيال تلك اللحظة التي تجرني من خلفها بسرعة خاطفة متلاطما عقلي بشتات الأفكار والصور والمعاني. ربما في محاولة يائسة منها لإيقاظي، أو قل في محاولة بائسة منها في فواتها، وإثبات نفسها في دفتر الماضي الذي يطوى كل شيء. 

غريب جدا شعور أن نلاشي أنفسنا بأنفسنا. أن نتوحد وكأننا معدومي الوقت والحيز حيث الآن هو الماضي والحاضر والمستقبل، والأزل هو الأبد هو اللا وقت. والمكان مجرد أضغاث صدى لهذا كله.

أعرف أني لا أملك شيئا سوى رأس مثقل ينوء به الجسد. يعضلني حمل هذا العبأ. على الطاولة أفرغه تماما. تتهاوى محتوياته لتملأ الطاولة.. فالغرفة.. فالبيت.. فالوطن.. فالعالم.. فالكون.. فالوجود. رائحة موسيقى عبقة كثيفة تفوح مما يتساقط.. آهات في خلفيتها تتعانق لتذوب.. أسماء تتداعى لتتلاشى.. برك من الخيبات.. شكوك تترنح.. ظنون تتراقص.. أفكار مبتورة.. مشوشة.. هراء يتنامى سرطانيا بجنون.. آلام بنكهة شجية تبعث السكينة.. عبث ممنطق أو يحاول.. فلسفة كئيبة تبتسم في بلاهة.. حقائق تبعث لتموت.. أشياء لا أعرفها.. أماني لا تصدقني.. مثالية حائرة من مثاليتها.. شهوة تشيب.. واقعية تستمني.. صحف تتطاير.. حب للذات.. كره لهذا الحب.. ثم حب لهذا الكره.. تاريخ ينساب لا على حقيقته، ولا على حسب الكتب.. ينساب كما لا يشاء.. عدم يغمض عينيه عني، وعن الأشياء.. مشهد للمكان يغتصب الزمان.. وجود يدور كعملة معدنية سقطت لتوها ترن دون توقف.. تعاويذ مخيفة تهدأ روعي.. تراتيل تلهو بالآلهة جميعا دون تفرقة.. نسيان ينبض في الأشياء.. ثقوب من الحمقى.. أساطير لا تصدق نفسها.. أوهام مصابة بالفصام.. كثير من الشعر المكسور المنسي القوافي.. أرقام غير معينة.. صورة فوتوغرافية مشوهة للكون.. أخرى زيتية ضبابية للحب.. وأخرى سيريالية للموت.

هل بعد كل هذا خف هذا العبأ؟؟؟ بالطبع لا، فقد أصابت اللعنة كل ما هو خارج عني.. لوثته بقدر ما لوثني، وانصرفت لتتابع عملها في السديم لتثقل مزيد من رؤوس الآخرين. كل رأس بدورها تفعل هذا، وكأن لا شيء يصلح من أمر رأس أي إنسان سوى المقصلة.

الاثنين، 22 أبريل 2019

الظلم قضية إنسانية أزلية

صورة للكاتب المصري القديم

إن هذا الكلام الذي سوف تقرأه، والذي يصف حال البلد اليوم بدقة بالغة بليغة تسترعي الانتباه كتبه أحد كبار كهنة عين شمس في عصر الدولة الوسطى للمصريين القدماء، هذا العظيم والذي كان يدعي "خع خبر رع سنب" يؤكد أن أمثالنا من المتألمين الساخطين على حال الظلم والقهر الذي نعيش فيه كانوا يسعون على هذه الأرض منذ ما يقارب ٤٠٠٠ عام.. وكأن قضية هذه الأرض منذ قديم الأزل هي الظلم والتهميش والمهانة والخنوع والشر والجهل.. بل هي قضية الإنسان الأولى منذ البدء.

يقول خع خبر رع سنب في وثيقته والتي موجودة في المتحف البريطاني:-
"ليتني كنت أعرف صيغا للكلام لا يعلمها أحد، وأمثالا غير معروفة لم تذكر بعد، لا ذلك الكلام الذي جرت به الألسن من زمن بعيد مما تكلم به الأجداد.. إني أقول ذلك بحسب ما رأيت، مبتدئا بأقدم الناس حتى يصل إلى أولئك الذين سيأتون بعد.. إن العدالة قد نبذت، وأخذ الظلم مكانه في وسط قاعة المجلس، وخطط الألهة قد انتهكت وأهمل نظامها، والبلد صارت في هم، والحزن عم كل مكان حيث المدن والأقاليم في عويل، وكل الناس صاروا على السواء يرزحون تحت عبء الظلم والمهانة. أما الأحترام فإن أجله قد انتهى..

إن المصائب تقع اليوم، ومصائب الغد لم تأت بعد، وكل الناس لاهون عن ذلك رغم إن البلاد من حولهم في اضطراب عظيم، وليس إنسان خاليا من الشر، فإن جميع الناس على السواء يأتونه، فالآمر والمأمور سواسية، وقلب كل منهما راض بما حصل، وهم يستيقظون على شرورهم في كل صباح فلا ينبذه قلب، ولا يزالوان اليوم على ما فعلوه بالأمس، فلا يوجد إنسان عاقل يدرك، ولا إنسان يدفعه الغضب إلى الكلام. الناس تستيقظ كل صباح على ألم.. والفقير ليس له حول ولا قوة لينجو ممن هو أشد بأسا منه.. كم هو مؤلم إن يسكت الناس عن كل تلك الأشياء.. كم هو مؤلم أن تتجاوب مع الرجل الجاهل".

الجمعة، 29 مارس 2019

احتضار الوجود السرمدي



شيء ما يجثم فوق صدر الوجود.. منذ البداية وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.. كل هذا الماضي السحيق.. كل هذا الحاضر الثقيل.. كل هذا المستقبل الطويل الذي يلاشي النظر.. جميعهم مجتمعين هم اللحظة الأخيرة التي لا تريد بأن تمر.. الاحتضار الأزلي الأبدي الذي أبدا لم ينتهي، ولن ينتهي.. الوجود ليس أكثر من سكرات تتوالى، ولا تتوانى.. ولكم كان جدير بحقيقة كتلك أن تبحث عنا واحدا واحدة؛ كي تتثبت من وجودها بتضليلنا؟! ولكن المفارقة تتأتى من كوننا لسنا قضية الوجود الأولى أصلا -رغم أننا ليس لنا قضية سواه- حيث يمكن لأي عابر أن يوقف هذا السيل الجارف من الأحداث التي تطفو على سطح نهر الحياة الجاري، ليحيله إلى بركة ساكنة رائقة يحملق فيها وجوده على مرآة صافية تماما يذوب فيها مضاعا من فرط وضوح انعكاس الصورة حيث تجف العبارات.. تسكت المعاني، ويطرب الصدى من لحن الصمت حتى يثمل.. ولكننا متعجلين.. لطالما كفرنا بالأمل من شدة اليقين.. لطالما آمنا باليأس من فرط الشك حيث إن كل هذه المعادلات والحسابات والأرقام واللوغاريتمات والخوارزميات كانت من أجل صفر غير معرف النهاية.. إن أثرا كهذا العدم الذي لا يمل أبدا من ملاحقتنا مهما طالت بنا الخطوات ليس أمامه خيار سوى أن يسوقنا أمامه ليتثبت من وجوده.. الوجود معضلته هو الآخر.. فالعدم عبء.. كما أن الوجود عبء.. الحياة عبء.. الموت عبء.. الزحام عبء.. الفراغ عبء.. الوحدة عبء.. الناس أعباء تمشي على قدمين.. أعباء أنفسهم.. أعباء للآخرين.. المحبون حتى عبء.. عبء حقيقي صادق نحن كل أعبائه.. ليس بوسع الأمور أن تحدث بشكل أفضل.. ليس بوسعها أن تكون على ما يرام لا وجودا، ولا عدما، ولا حتى على أي منحى مجاوز.. التداعي أزلي.. التهاوي سرمدي.. والتماهي في لحظة الاحتضار لا مناص منه..

السبت، 16 فبراير 2019

أسطورة ‏المعرفة


في منتصف المسافات الطويلة التي لا تفضي لشيء يضفي عليك الضياع وقار حكمة تجذب بزيفها التفات بعض نفر من التائهين العابرين إلى اللاشيء.. فيسألوك عن الطريق.. فتأمرهم أن يتبعوك إلى حيث لا تعرف.

هكذا يضيع المتن الأول على هامش الهامش الأخير. هكذا قد تتبدل الراويات وتنقلب على نفسها في تلك الرحلة الطويلة لتتابع الرواة والمئولين. قد لا تكون هناك ثمة حقائق ممكنة في الأصل لتروى أو تئول، ولكن هذا المخرج المستغرق في النسبية والذي يبدو مريحا للوهلة الأولى يخلق عالما من الأسئلة الصعبة جدا التي تؤرق كل البديهيات، وتهتك عرض المنطق بلا هوادة. فما الذي يجبر الوهم أصلا على تقبل حقيقته دائما دونما استثناءات رغم إن كل الأشياء بالوجود تنقلب على نفسها بالوقت؟ لماذا الوهم هو الثابت الجامد الوحيد منذ البداية الذي لم يتغير؟ وكيف سيظل هو القاعدة الأبدية التي لا تستثنى أبدا؟ ما هو كنه هذا الشيء الذي يجعل الوهم مستحيلا إلى هذا الحد طاغي الإمكان بهذا القدر؟

لا شك أن المعرفة أسطورة تتطور، حيث أنه لو كانت هناك ثمة حقيقة لما كنا هنا. ولهذا لا بديل أمام الإنسان في رحلته إلا أن يبالغ ويعظم من شأن انتصاراته البسيطة في فهم وتطويع وقيادة الطبيعة؛ ليواري بهذا هزائمه المتكررة في فهم وتطويع وقيادة نفسه.

ويبقى السؤال غصة في حلق الوعي: هل ثمة استفادة حقيقية من أي نوع من وجود الإنسان في الكون؟ هل ثمة استفادة حقيقية من وجود الكون أصلا؟ 

الاثنين، 7 يناير 2019

بيروقراطية الكون



ربما تعد البيروقراطية من حيث كونها مفهوما أجتماعيا تنظيميا ونظاما قانونيا وسياسيا ذروة سنام النظام الحضاري للإنسانية، إلا أنها بمرور الوقت -وكما كل منتجات الحضارة- تداعت على نفسها من الداخل خاصة حينما تشابكت الامور وتعقدت، فاضطررنا إلى تقديم صرامة مادية النظم والتنظيم والقوانين على عمق الجانب المعنوي للأفراد ورغباتهم ومشاعرهم وأحاسيسهم  بحيث صار النظام عبأ يثقل كاهل مصلحة الفرد والمجتمع، بل أصبح في أحسن أحواله يحول البشر لأسنان صدئة في تروس ماكينة ضخمة كثيرة الضجيج قليلة الطحين مضارها أكبر من نفعها. فحينما تجاهل النظام سبب سلطته وتناسى القانون الداعي من سطوته، واستحال كلا منهما إلى أطر صلبة مجردة جامدة خالية من الروح وعمق المعنى حينها اصطبغت البيرواقطية كلفظة بصبغة سلبية سرعان ما تتبادر إلى الأذهان عند ذكرها.

وقد يرجع هذا التداعي والتهافت للبيروقراطية عبر الزمن إلى جذرها الأغريقي -كراتس- والذي يعني السلطة. ولاشك أنه لا نظام ولا تنظيم ولا قانون بدون سلطة.. ولا شك أيضا أنه لا سلطة من غير شر وضر. فالسلطوية على قدر ما تمنح من العطايا وتقي من الفوضى، على قدر ما تمنع وتقيد من الحرية. وتلك طبيعة الحال في كل أشياء الوجود على قدر ما تعطيك تسلبك، حيث يمكن إسقاط تلك القاعدة على أصغر مقياس إلى أكبر مقياس في الوجود. ففي الوجود لا توجد أشياء صرفة خالصة. فأشياء الوجود تخضع لجدلية الشيء ونقيضه معا في آن واحد.

فحتى الكون ذاته يغرق في بيروقراطية عتيقة. فالقوانين والنظم التي تدير الكون، والتي نستنتجها بمرور الوقت بالعلم يطفح منها الروتين بدرجة لا تطاق. وكأن المشكلة ليست فقط في مدام عفاف التي تعمل في التأمينات، وتريدك أن تدور على كافة المكاتب كي تنهي أوراق معاشك، ولا في أستاذ مدحت المسجون خلف قضبان شباك تراخيص المرور، ويريد خمسين جنيها كي يختصر عليك الطريق الطويل للروتين من أجل استرداد رخصة مركبتك. المشكلة في الروتين الأصلي الكبير الذي سمح بوجودنا جميعا على هذا النحو؛ كي نخلق روتينا مشابها مليء بالقوانين لنعيش من خلاله وفيه أسارى؛ لنموت في النهاية بطريقة روتينية أيضا وسمجة. المشكلة في السلطة والنظام الذي يستحيل تخيل الوجود أو تصوره دونهما.

السبت، 15 ديسمبر 2018

تهافت الوجود الواعي على نفسه

الجانب الوجودي للحكاية مظلم للغاية، بينما الجانب الذي نظنه مشرقا هو مهرب الوعي الذي يصل بنا بعد جهد وعناء في النهاية لنفس الحقيقة المرة التي هربنا منها في البداية.  دائرة مفرغة بين الهنا - الحياة والوجود- والهناك - الموت والعدم-... فهنا حيث أن المجهول الذي تجهل جهلك به هو نفسه المجهول هناك الذي تفر منه وتخشاه أن يتفاقم؛ لعلمك أنك تجهل كل شيء عنه. 

التفكيك هو خلل الوعي الأصيل. فالوعي يلجأ للتفكيك كلما عجز عن الإدراك فتزداد الأمور تعقيدا وتفاصيلا دون جدوى. الوعي مسبوك باللغة، واللغة تحدها الحقائق. حتى عمق أعماق الوجدان يتداعى حين ندرك أن المشاعر ميتافيزيقيا الغرائز بالأساس. 

المعاني أصلا تتوالد جراء أن الوعي حبيس اللغة، واللغة حبيسة الوهم والتقريب، لا الحقيقة والتدقيق. الشاعرية حتى كأسلوب تعبير انساني على صدقها وذاتيتها يمكن أن نقتل كل صورها وألوانها بنفس ذات الطلقة. فما هي في أجودها وأصدقها سوى انعكاس للحزن الناجم عن هذا اللون الرمادي القاتم المستمر للأشياء، الذي يموت مجازا لنحيا فيحيا بوجودنا رماديا من جديد. هكذا تتنتج العتمة نفسها بنفسها طوال الوقت بحيث لا يسعنا إلا أن نجعل من مأساتنا ملهاتنا التي تسري عنا. فنكتب أنفسنا قصائد، ونرسمنا أساطير، وننظم الفوضى من حولنا في قوانين، ونلتهي في التفاصيل، وندور في سفر طويل، وبحث مضني؛ لنفسر الماء بعد الجهد بالماء.

إن هذا الوجود المبصر الواعي الذي يملأ عقولنا ليس سوى نظارتنا السوداء السميكة التي تحجب عنا الوجود الحقيقي الذي يستر عماه بنظارتين من العدم، فلا يبصرنا من الأساس. فالوعي في أحسن أحواله ليس أكثر من علكة ملتصقة بنعل الوجود الذي يفضل أن يسير حافيا. لا أفكارنا هي من تحرك العالم، ولا العالم هو من يحرك أفكارنا.. ذلك أن الدافع لوجود مثل تلك الراوبط هو ذاته المانع حيث لا ثمة انفصال أصلا. 

ثغرة وعي المطلق -الغائب الحاضر- مثلا هي النسبي -الحاضر الغائب- الذي يستخدمه لسد ثغرات وعيه.. ذلك أن النسبي والمطلق وحدة واحدة لا تتجزأ.. لا ثمة انفصال في الثنائية كما قد يظن للوهلة الأولى.. تلك الثنائية التي تطفو في كل شيء على أصغر مستوى، وعلى أكبر مستوى هي الوحدة الواحدة التي لا تنفصل أصلا.. هي الكل الذي لا يتجزأ إلى ما هو أصغر وأكبر.. الكل الذي يتنامى ويكبر كوحدة واحدة لانهائية.. الكل المطرد الذي يستحيل إدراكه، بل ويستحيل كل شيء مع إدراكه.

باختصار نحن ظل الوجود الباهت بينما اللانهاية هي مرآة تنظر نفسها في مرآتنا محاولة إخفاء شرخ كبير في قلبها وقلبنا أسمه اللاجدوى، والعقل مجرد طفل سخيف يبصق في وجه السماء، ويضرب الأرض بقدمه، ويبكي صارخا، ولا يرضيه شيء.. الوجود هو أنت الذي جئت لتموت.. والمعرفة هو أن تعرف أن معرفتك بهذا من عدمه غير مؤثرة في ذلك على الأطلاق.. أما القيم فهي محاولة تشبث فاشلة.. القيم بمثابة المطبات التي نضعها لأنفسنا؛ لنخفف من عبث سرعة مرورنا الجنونية من الحياة.. بزوالها ستمضي الرحلة سريعا، ويكأنها لا تمضي، ولم تمضي من الأساس.

الأربعاء، 14 نوفمبر 2018

أي عالم هذا



أي عالم هذا الذي يثير كل هذا الضجيج؟!
العالم يا سيدي أنا أنفخه في سيجارة
أبصقه رغما عني في سعلة قوية
أكتبه ضجرا في قصيدة
أطويها كورقة ذات أهمية في محفظتي
ثم ألقيها إلى سلة المهملات
عندما تكتظ المحفظة بالورق

أسمعه في معزوفة تنبض ألما..
فأنتشي.. وأشعل سيجارة..
فأنفخه دخان لا يبقى من أثره شيء..
فأبصق ذلك في قصيدة..
تخرج كسعلة قوية لا تعني شيئا سوى أني
أصبحت مدخنا شرها في الحقيقة

الخميس، 11 أكتوبر 2018

كعبة قلبي

صورة من فيلم Seven pounds


بنيتك كعبة في قلبي
مليتي الكعبة بالأصنام
ووليت قبلتك حبي
قتلتي القلب ف الإحرام
وخدتي القلب وسافرتي
وسبتي الشك والأوهام
ورغم ضياعي من بعدك
ورغم الحيرة والآلام
لازالت بشوفك الجنة
وعمري ما هوصفك بكلام
وقلتي البعد بينسي وبيقسي
وقلت بأني هبقى تمام
طلعت بتوه كل يوم أكتر
كأني غريب في بحر زحام


ألوم وجعي؟! ألوم حبك؟!
مانيش عارف مين اللي يلام
خلقتك في الخيال سموات
وكنت في غاية الإحكام
لمحت ضباب وجيت أفهم
لاقتني يأست م الإبهام
وغاب عني الأمل تاني
وودعني كأنه ما كان
أتاري الفرح كان كذبة
ونكتة سخيفة للأحزان
عاندت الدنيا في حبك
عاندت البعد والحرمان
أتاري الحب كان كارثة
وحكم نهائي بالأعدام
بشك بنفسي في نفسي
وأكذب وحيي والإلهام
كتير كدبوا كتير هانوا
وفضلوا يكملوا الأحلام
لكن حظك وقع فيا
فوقعت كل حاجة أوام
لا عارف أعود كما الأول
ولا لاقي لنفسي زمام
وعمر العيب ما كان منك
دا عيب الدنيا والأيام
دا عيب الحزن في قلبي
حصان جامح ملهوش لجام
دا عيب العشق لو يصفى
وتيجي تعكره الصدفة
فيطلع صدقه أي كلام
يموت طبعا على الواقع
يعيش جدا بدون مانع
ولكن بس في الأفلام

السبت، 15 سبتمبر 2018

من مثلك في حبك غيرك؟



في صمتها تقبل الكلمات نحوي فأدير ظهري لي، ولا أعقب.. لا شهوة لي في التهكم على المعني، ولا رغبة لي في استجواب روحي.. فقط كسل طفولي برئ ساذج يملأ ساحتي أعرف أنه لن يدوم. تقفز صورتك على حين غرة في مخيلتي من حيث لا أحتسب. أبتسم وأضمها لأتأملها.. وبينما كنت أطالعها مسندا رأسي إلى كفي تسائلت: كيف لكف واهنة كتلك أن تسند جبلا كهذا لا يحتمل أحدا حمل ما فيه. لم أجيب، كان في صورتك الجواب والعزاء.. فحتى هذا النهار الذي يتكسر سخطا بين ضجيج اللهاثين، والذي لا يعرف شيئا عن نفسه. قلبه ملطخ بالحياة، وجبينه غابر.. يشبه كل نهار لا تكوني فيه معي. بك وحدك تتعرف الأيام على نفسها وتمر أقل ضجرا، ولكن يا للأسف ما أقل الأيام التي تعرف نفسها في حياتي.

أو تعرفين حقا لماذا نحب؟؟ نحن نحب فقط؛ ليكتمل مجاز العالم في وعينا، وتنتصر البلاغة في إثبات قيمة لنا باللغة فقط. ولهذا فالموت المفروض علينا منطقي جدا ومبرر؛ لينهي تلك المغالطات للأبد، ودون حتى أن يستخدم كلمة واحدة. كمجرد إثبات بسيط بأن اللغة التي نفكر بها مجرد هراء.

ربما هذا شأن عدمي مجاوز تدركين من خلاله أني لا أعترف بالحب، لكنني رغم هذا لا أستطيع أن أنكر أنك حينما أحببتني أرغمتني على تصديقك طوعًا وقهرًا دون حيلةٍ أو جهد.  ببساطة لقد فضحتي كذبَ كلِ السابقين، وسددتي البابَ أمام جميعِ اللاحقين. لقد كنت خيرَ شفيع للحب أمامَ قلبٍ منهكٍ مثلي أفسدته الحماقات والترهات والأكاذيب.. من مثلك في حبك غيرك يا لينة القلب والحب؟؟

لكنني في الحقيقة لا أخشى عليكِ إلا من نفسي.. نفسي التي أفسدتني حتى أخر رمق فيها وفي.. أخشى عليك من الأيام.. من دورتها فينا بالتكرار كدوائر مفرغة تفرغ الناس من عواطفهم وأحاسيسهم. أخشى على الحب الصادق الذي يملؤك من أن يستحيل كفرا بكل شيء. 

لقد خسرت الكثير والكثير، ولا أريد أن أفسد أجمل شيء صنعته في حياتي. أنتِ أجمل أثر سأتركه في الحياة إن رحلت، وأجمل حلم أراقبه عن بعد إن بقيت. لا أريد أن أتمادى أكثر كي لا ينهد المعبد فوق رأسي. أعرف نفسي جيدا.. لا يكتمل لي فرح إلا بمأساة.. أريدك أن تبقي سعيدة.. ولا أستطيع أن أغامر بهذا، ولو حتى من أجل نفسي. يكفي كئيب مثلي أنه كان بوسعه أن يجعل طفلة مثلك سعيدة.

المخاوف تحوطني لدرجة أني أخشى عليك حتى من الأفصاح بمثل هذا الكلام. أخشى عليك من الخروج عن حياديتي المعتادة، وصمتي الطويل، وتعرية ضبابي وغموضي الناجم عن ارتباكي في مشاعري حيال نفسي والعالم. أنا دائما كما تعرفين أتأرجح على هذا الوتر المشدود بيني وبين الأشياء في انتظار أن أسقط أو ينقطع. وأنتِ لا ذنب لك في هذا العطب الذي لا ذنب لي فيه أيضا.

الجمعة، 10 أغسطس 2018

هل كان بوسع المستسلم إلا أن يستسلم؟؟


نضبت الآه، لكن الألم لم ينضب.. لطالما كنا على قدر الحدث، ولكنه أبدا لم يكن.. هكذا تكتمني شكوى خيبة لا تحكى.. تنطوي الأيام صمتا.. سخطا مركزا أطوي به الأشياء شيء بعد شيء لدرجة أصبح فيها كل شيء ولا شيء. أقف هنا الآن حيث لا شيء فعلا سوى اللاشيء.. ضجر كضجر العدم الأول الذي أنفجر عنه الوجود متناثرا زمنا، ومكانا، وخيبة لا نعرف لها غاية، ولا فيها حقيقة.

ركام رمادي قاتم يملؤ المشهد الأبيض الأسود. كأن غرابا يحجب السماء بجناحين كبيرين.. كأن الألوان فرت من وهجها بلا عودة.. كأن الطرق لملمت أوراقها ورفاقها، وسافرت حيث لا رجوع. كأني لم أعد أقوى على الوجود أو كأن الوجود ذاته لم يعد يستطيعني. بلا دموع أبكي مثل حطام يبكي حطاما يبكيه. هل هذا يكفي لأرحل نحو السكينة أم بقى شيء أسوأ لم يصادفني لتكتمل المأساة فتنتهي؟!

فقط عندما خسرنا ما يكفي لنربح، ربحنا ما يكفي لنخسر.. عليك دوما أن تعيد التفكير في خطواتك المستقبلية كضامن منطقي ووحيد لعدم الحركة. خسران شبر الأرض الذي تحتله بين قدميك لن يدفعك لشيء سوى خسارة مزيد من الجهد المشتت في الحركة التي تكون دائما بإتجاه الموت الذي ربما تصل إليه بشكل أسرع وأسهل وأضمن عندما تتوقف عن الحياة.. عند انتصاف الشيء يكتمل نصاب اللاشيء؛ ليتكون شيء من جديد وهكذا إلى مالانهاية.. دوائر تتسع بعضها من بعض لا تفضي إلا لنفسها في النهاية بلانهاية .

أدرك جيدا أن تشبث قدمي بالأرض لا يوقف دوارنها، وأن وقوفي أمام الأمس طويلا طويلا لا يعطل الغد، ولكن ما حيلة الإنسان حينما يمتلأ من داخله رفضا، فيدخل عقله في حالة من حالات الإضراب المفتوح؟؟ كيف نعاند أنفسنا كي نستمر فاعلين، بعدما تيقنا أننا جميعا مفعول بنا؟؟ هل كان بوسع المستسلم إلا أن يستسلم؟؟

كل الموجودين هنا لا يعجبهم الحال. علينا جميعا فقط بذل الوسع في أن نجد مكانا فارغا على الحائط -أي حائط- لنضرب به رؤوسنا.. ليست مزحة.. إنها مع الأسف حقيقة.. حيث كل الحوائط مكتظة بالمعترضين.. وجميعها تقطر دما حيث أنه على قدر ما يتحسن العالم يسوء ليظل كما هو، ونظل نركض.. فقط لو وعينا هذا القدر الهائل من الأمور التي حدثت وتحدث وستحدث كي لا يحدث شيء في النهاية؛ لوعينا معنى الحياة الحقيقي.

فيوضات العبث