![]() |
صورة للمطرب أحمد عبدالقادر والفانوس مع جدارية
طرد الهكسوس من مصر على يد القائد أحمس
|
مصر تلك البلد التي لاح فيها فجر الضمير فبزغت منها شمس الحضارة إلى العالم، فهوت إليها الحضارات والثقافات من كل حدب وصوب؛ ليتشكل فيها أرث ضخم عتيق من تداخل أطياف الحضارة والثقافة الإنسانية على اختلاف مشاربها. وعلى الرغم من كل تلك الرحلة الطويلة لازالت آثار هذا الأرث الضخم تلمع بين حين وآخر في ملامح الشخصية المصرية الطاعنة في القدم رغم ما لاقت من قسوة المستعمرين، وفساد ولاة الأمر على مر العصور والحقب.
أن تكون مصري لهو عبء ثقيل وشعور مربك للغاية، حيث ستحمل على كتفيك عبء تاريخ طويل يصعب عليك التعاطي معه، فضلا عن الإلمام به خاصة في هذا الزمن الذي وصلت فيه مصر إلى القاع، ولازالت تواصل السقوط تحت وطئة الجهل والفساد والظلم والفقر والقهر.. ولكن يبقى للذهب بريقه ولمعانه مهما طالته الأدناس، وتقادم عهده. فالشخصية المصرية والتي هي من وجهة نظري تعد خلاطا ثقافيا بامتياز، حيث لها القدرة على أن تمزج كل أبعاد الشخصية الإنسانية على تبايناتها على مر عصورها في خليط واحد في قمة التجانس والروعة وبمنتهى البساطة من خلال الوجدان الشعبي البسيط، بل تستطيع بما يستدعيه هذا الوجدان أن تؤرخ بكل يسر وسهولة لعبقرية الأرث والأثر متجاوزة حدود الزمن.
فهل لأحد أن يتخيل أن هناك ثمة رابط بين أحمس طارد الهكسوس، والشيعة الفاطمية، ومطرب وملحن من أربعينيات القرن الماضي لم ينل كثير شهرة أو ذيوع صيت هو (أحمد عبدالقادر)؟؟
في الحقيقة لا يستطيع عاقل أيا كان أن يجد ذلك الرابط دون فهم عميق لعبقرية الوجدان الشعبي للمصريين، والذي يعد كما قلت آنفا خلاطا ثقافيا بامتياز يستطيع أن يمزج بين الشرق والغرب والماضي والحاضر ليخرج لنا مزيجا عبقريا يصعب فك شفرته للوهلة الأولى.
فأغنية مثل -وحوي يا وحوي إياحة- والتي لحنها وغناها للأطفال المطرب والملحن أحمد عبدالقادر لتكن هي النشيد الرسمي للعب بالفانوس، والذي هو الشعار الشعبي الأكثر شهرة لشهر رمضان الكريم، والذي ظهر في مصر لأول مرة في عصر حكم الدولة الفاطمية الشيعية التي أولت اهتماما بالغا للاحتفالات الدينية في محاولة منها لتشييع مصر السنية لهي خير دليل على ما تقدم من هذا المزج العبقري للمنتجات الحضارية على اختلاف منابعها وعصورها.. فعند البحث عن معنى -وحوي يا وحوي إياحة- تكتمل الصورة تماما حيث تلك كلمات احتفالية باللغة المصرية القديمة -الهيروغلفية- غناها المصريون أنفسهم قبل نحو ما يزيد عن أربعة وعشرين قرنا من ظهور الفاطميين في مصر للملكة (إياح حتب) أم الملك المصري الشاب إنذاك (أحمس) احتفالا بها وبأبنها لطرده الهكسوس من مصر.. هكذا صمدت تلك العبارة والتي تعني -أفرحي يا إياح- أكثر من أربعة وعشرين قرنا من الزمان في الوجدان الشعبي للمصريين ليتم استدعائها، وتظهر كواحدة من أشهر أغاني الاحتفال بشهر رمضان الكريم والتي يتغنى بها الصغار والكبار.
هذه الحكاية والتي تعبر بجدارة عن طريقة معالجة واستدعاء وتعاطي الوجدان الشعبي البسيط للمصريين للتاريخ والحضارة فيها من الدلالة والعمق ما يجعلها من وجهة نظري أكثر فخارا وعظمة من الأهرامات أو معبد الكرنك.. ذلك أن المصريين على بساطتهم وضيق أحوالهم وفقرهم وانتكاساتهم في هذه العصور المتأخرة لازال يلمع فيهم بريق هذا الأرث الطويل المتراكم من حضارة أجدادهم. فالحضارة في مضمونها وعمقها ليست في عظمة الأهرامات ولا في روعة بنيان المعابد التي تقف في أمكانها متحدية الزمن، بل في القيم الحقيقة للإنسان كما يشرح جميس هنري برستيد في كتابه الشهير فجر الضمير. إن الوفاء الإنساني للأسلاف الأوائل، والتقدير لحربهم الشريفة لدفع العدوان، وتخليد ذكرى انتصارهم لاسترداد أرضهم وحقوقهم المغتصبة لهو التحضر الفعلي كما أفهمه من خلال نظرة مؤرخ كبرستيد لمفهوم الحضارة والقيم، ففيه بقاء قيم الأجداد التي بها بُنيت الحضارة، وبها نفسها لا غيرها ستبنى كل حضارة على مر التاريخ.. حيث الإنسان بقيمه دائما وأبدا سابقا عن البنيان مهما جل أو عظم.
للاستماع إلى أغنية وحوي يا وحوي أضغط هنا









