تخيل كرتين من خيط الصوف الأسود، وكرة واحدة من خيط الصوف الأبيض خصصوا لحياكة ثوب ما. مما لا شك فيه أن الثوب الناتج من نسيج هذه الكرات الثلاث سيكون مائلا للسواد. بنفس هذا الأسلوب، و بذات تلك الطريقة حيكت خامة الحياة التي نعيشها.. حيكت من ضدية متناقضين "أبيض وأسود" بنسبة تميل إلى أسودهما، ولكن على عكس ما جرت حياكة الثوب جرت حياكة ذوق صاحب الثوب ونفسه.. فكان مطلبه أن يكون ثوبه قد حيك مائلا للبياض، وهنا ظهرت المشكلة بين الثوب وصاحبه "إشكال الحياة".
أن جوهر خامة الحياة ما هو إلا نتاج إجتماع ضدية المتناقضات، لكنه بنسبة كبيرة مال عن التوازن بين الأضداد والمتناقضات لصالح كل ما هو أسود من شر وقبح وظلم وباطل على عكس خامة جوهر نفس الإنسان التي تستحسن كل ما هو أبيض من خير وجمال وعدل وحق.. ولربما لهذا السبب تحركت الإنسانية منذ بداية وعيها إلى ما تريد، فظهرت محاولات معادلة الأمر لإقرار الخير والجمال والعدل والحق؛ كي تصل الإنسانية إلى بياض يرضي رغبتها وغايتها التى طبعت فيها.. ولكن كل المحاولات الإنسانية لم تغير من سوء الحال، ولم تعدل من جور هذا الميل نظرا ﻷن الخلل كان ساكنا في الأساس بحيث لا يمكن تغييره أو تعديله. لقد كان الخطأ مطبوعا في أصل الخامة بحيث لا يمكن معالجته أو تصحيحه.
وهنا كانت فكرة الله هي المخرج الذي لا فرار منه أو عنه "على اختلاف تفاصيله بين المعتقدات". هكذا كان الله كما أتفق الجميع عليه "دون أن يتفقوا" هو منتهى ومطلق كل خير وجمال وعدل وحق. هكذا كان الله على عظم شأنه وقداسته في العيون والعقول ليس سوى محاولة من صاحب الثوب كي يقتنع بثوبه بدلا من أن يظل عاريا يلسعه قيظ الصيف، وتكويه بردوة الشتاء.
إن الله بصفاته تلك كان ببساطة هو السبب الذي به أرتضينا بالثوب الذي لم يعجبنا، بل ولن يعجبنا. كان الحلم الذي طمحنا إليه ﻷننا لم نجد فيه ما نريد. إنه الجنة التي نتمناها بعيدا عن جحيم الحياة التي لم نقبل بخامتها، ولم نرضى بقوانينها. ولهذا توجب أن تكون مطلقاته تلك هي منتهي ما ينقصنا. ولكن بمرور الوقت، ولما كانت فكرة الله أيضا لم تصل بنا إلى ما نصبو إليه ونرجوه.. أفترضنا له حياة ثانية وعوالم غيبية ماورائية يقبع فيها كي يعادل الأمر ويوازن هذا الطغيان. هكذا أوصلنا عدم رضانا عن الثوب إلى فكرة الله التى أوصلتنا بدورها إلى فكرة الحياة الأخرى.
هكذا عاش أكثرية منا هنا راضيين عن هذا التسلسل في انتظار حياة أخرى لا يعلموا عنها أي شيء سوى أنهم سوف يجدوا فيها الثوب الذي تمنوه. لكن نظرا لتباين العقول ظهرت طائفة أخرى من الواقعيين الخائفين على أنفسهم من الإنزلاق في هوة التمني واللهث خلف الأوهام، ووجدوا حلا أخرا طويل الأمد.. ألا وهو محاولة تعلم الحياكة من أجل تصليح الثوب وتعديله وتطويره بالصورة التي ترضينا أو بالصورة التي تُوصلنا إلى معرفة الغاية من قصة الثوب وصاحبه، لكن أيضا لم يصلوا لشيء، بل أشعر أنهم لن يصلوا لشيء فتعلم الحياكة لن يغير شيء. ﻷن الخلل كما قلنا سابقا هو خلل في الخامة وليس في الحياكة. أما صناعة النسيج فهي المستحيل الذي لن يوردنا إلا طريق الجنون الحتمي.
إذن دعونا نعترف جميعا أن الحياة ملائمة جدا لوجود الله بصفاته المطلقة تلك، بل وملائمة أيضا لفكرة وجود حياة أخرى. دعونا نعترف بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، ولكن سيبقى السؤال الصعب جدا بعد كل هذا.. هل سيأتي يوم ويرضى صاحب الثوب عن ثوبه؟