الجمعة، 10 فبراير 2017

تساؤلات تداعي الذات


كم من الكذب تحتاج للتعبير بـ "أنا" كناية عن هذا الهلام الضبابي المبهم الذي يقبع داخلك، والذي لا تمتلك منه مليمترا واحدا خالصا على نحو واضح؟

كم من الغرور تحتاج لتخرج من فيسفاء الصورة معتبرا أن قطعة صغيرة بحجم أنملة مثلك تكفي لأن تبدي رأيها تلك اللوحة السريالية اللانهائية الممتدة؟

كم من التحامل تحتاج لأن تسعى كـ "مغفل" لهدف دون علم مطلق، وأن تركض كـ "أحمق" دون مبرر جوهري قاطع، وأن تتنافس وتتصارع بينما لا شيء فعلا يستحق؟

كم من التجاهل تحتاج لتعتبر نفسك حقيقة مُسلمة، بينما قد يكون الوجود بذاته مجرد خدعة، والحياة محض أكذوبة، والواقع زيف كبير؟

كم من التدني تحتاج لقبول عيوبك، بل لتبريرها وتزينها بغلاف مبهرج كاذب جاذب لتسويقها بداعي انعدام الكمال، وترويج نقصها الفادح بداعي التنوع والاختلاف؟

كم من التغاضي -بل من السذاجة- تحتاج لتتجاوز هذا الحظ العاثر الذي ألقى بك هنا دون جريرة أو ذنب؛ لتكمل كل هذا الهراء تحت وطئة الجبر خانعا ذليلا دونما أن تجن أو تنتحر؟

كم الأنانية تحتاج لتتمحور حول ذاتك ومصلحتك متجاوزا مآسي الجميع ونكباتهم ومظالمهم وأحزانهم بداعي محدودية مشاعرك في غمار حياة مأساوية الدافع والطابع معا؟

وكم.. وكم.. وكم.. من النقائص والنقائض تحتاج لتصبح هذا الشيء المسمى إنسانا، وتظل زيفا ووهما مختالا بذلك؟

الجمعة، 3 فبراير 2017

عن الجسد الآخر الذي لابد أن تكمل به الرحلة


الشتاء -هذه المرة- يلح عليَّ بمدى وجوب أن أمتلك جسداً آخر كأمتداد منطقي وقهري لجسدي المتهاوي بواقع العمر، أو ربما بواقع الرهبة من الوحدة التي تستشري سرطانياً في أعماق أعماقي.. جسداً آخر يكمل نقصان جسدي المتداعي أرقاً وكسلاً وضجراً.. يحتوي كل ما زاد عنه.. يتشرب كل ما سال منه.. يسحب روح التعب من روحي المنهكة؛ ليتخلص بذلك من روح التعب التي أثقلت روحه.. شعورٌ متبادلٌ يتنامى ذاتياً من تلقاءِ نفسه يُطمئن كل ذرة في كياني بأن بوسعها أن تستكمل ما كتب لها بسخط أقل، وبملل يمكن السيطرة عليه..

ربما ما عاد يصلح لي الجنس كنشوة عابرة، أو كتفريغ طاقة، أو حتى كذكرى تضاف إلى سجل ذكرياتي؛ لأتثبت بين حين وآخر أنني لازالت بخير متباهيا أمام وحدتي بسجل ذكوري حافل بالمغامرات والمهاترات.. ما عاد بوسعي أن تتبادلني الأيادي، وتتقاسمني القبلات، وتتجاذبني الأحضان والأنفاس والزفرات والآهات والهمسات واللمسات..

أريد جسدا آخر يكون أنا التي تتحرك أمامي كما أريد دون أن أريد.. الأمر لا يتعلق بالجنس فحسب الأمر يتعلق بفضول يحركه بحثي الدؤوب عن الكمال.. بمحاولة جادة تنشد في الحياة شيئا من الجمال..

أريد جسدا آخر لا باعتباره شريك فراش، بل باعتباره جسدي الذي سوف أعتمد عليه فيما تبقى.. يتحمل عني أوجاعي وضجري و معاناتي .. يرتضي مني خللي وأمراضي وانتكاساتي.. يستوعب أهمالي له قبل أهتمامي به.. يتفهم نزاعاتي الغرائبية الحادة، وتقلباتي الخريفية المزرية قبل رهافة رومانسيتي الحالمة، وشاعرية شجوني البريئة المسالمة.. يتحمل شراسة قسوتي البدائية قبل وداعة حناني المتحضرة.. جسدا ألائمه حرا كما أنا ليلائمني حرا كما هو دون تصنع أو جهد، وحتى دونما أي حدود فاصلة..

في الثلاثين جسدك وحده لا يكفي؛ لأن تكمل، ولا حتى ألف جسد من أجساد الغريبات العابرات.. في الثلاثين أنت بحاجة أن تجد ظلك.. ظلك الحقيقي الذي كلما تبعته تبعك؛ لتتبعه إلى النهاية دون أن تعرف تحديدا من منكما كان ظل الآخر.

الجمعة، 13 يناير 2017

تساؤلات تداعي الوجود



هل فعلا يحتاج العالم كل هذا القبح كي يستفيق الواهمون من سكرة يقينهم المزيف بالحياة على أنها منحة لطيفة وفرصة عظيمة تستحق السعي والتدافع والقتال؟؟

ألم يأن بعد أن يدرك المغيبون في غيبوبة العيش أن الحياة مزرية؛ لأن الوجود معضلة لم ولن تحل.. وأن الوعي مهما بلغ سيظل استثناء قبيح يعقد الأمور ولا يحلها.. وأن أي حقيقة قد نصل إليها مهما كانت حتما ستكون مضللة ومهلكة حتى وأن بدت مثمرة وذات جدوى في بدايتها؟؟

ألم يحن بعد أن ندرك أن أفكارنا كبشر مهما تطورت ستبقى مجرد رياح طائشة تدير طاحونة العبث بجنون.. وأن حضاراتنا مهما أوصلتنا لن تصل بنا إلا لخرافة نرتضيها لبعض الوقت وسرعان ما تزول في المستقبل؟؟

ألا يجب علينا أن ندرك الحقيقة كمجهول ونفهم الموت على أنه أقصر طريق إليه، ونرتضى ذلك على نحو تكف فيه مشاعرنا عن الحزن الصاخب والألم المروع؟؟

ألا يكفي كل ما حدث ليعود الوجود من حيث جاء أو حتى على الأقل ينتهي وعينا به؛ لتستريح تلك المهزلة المطردة التي أنهكتنا وأُنهكت من فرط تماديها؟؟

إلى متى سوف يصمت العدم عن تلك الفوضى، ويقبل أن يبقى محض أفتراض نظري في واقع يسير نحو هاويته؛ ليبدأ فينا من جديد أسوأ وأسوأ؟؟

هل اللاجدوى بلا نهاية واللانهاية بلا جدوى، أم أنه لا طائل من شيء، أو أنه لا شيء أصلا؟؟

الجمعة، 2 ديسمبر 2016

سفر التكوين


في البدءِ كانت صرخةً تنذرُ بالصمم
ارتديت نفسكَ على عجلِ الجهالةِ
تسعةُ أشهرٍ 
كانت تكفي على ما يبدو لتتم هندامك
نعم هكذاعلى حينِ غرة 
أكتمل الهباءُ جلالاً فانتبهت

مشدوهاً أبتلع الكلامُ لسانك
لتخطو للسرابِ خالياً 
بلا مجازٍ أو أغاني؛
لتكبر ويلهيك المجاز، وتنسيك الأغاني 
سراباً كان يحدق بكَ منذ البداية

كسفينةٍ مهجورةٍ
فرض عليها أن تصارعَ الأمواجَ، 
فظنت جهلاً أنها تفعلُ ذلك بخيارها، 
ففاجأها ريحٌ عاصفٌ أرداها؛ 
لتتيقن بعدَ فواتِ الأوان 
أن الدفةَ كانت من بدايةِ الأمرِ 
بيد القدر

واليوم 
قبل أن تسندَ ذقنكَ إلى فوهةِ المسدس
قبل أن تسقط حبكةُ المجازِ من وجهةِ نظرك
قبل أن تخرق السفينة للأبد
وقبل أن تصاب الأغاني بداءِ النشاز
قبل أن تسأل ما الحقيقة؟؟
وقبل أن تطوي نفسكَ كالحقيقةِ بلا حقيقة
وتفر هارباً من لاجدوى السرابِ إلى العنان
لازال يملؤكَ الصمم.. فلا تسمعني

عزائكَ..
أنه لا أحد ينصرفُ من هنا
إلا عندما تملأ كلمةُ النهايةِ كاملَ شاشتهَ
وعزائي.. 
أن جل الأشياءِ جسدٌ لشيءٍ واحد
وأن الوجودَ متاهةُ العدمِ الأصيل 
الذي لا يعرفنا،
حيثُ كل صرخةٍ حتما
سيخبو صداها

الأربعاء، 16 نوفمبر 2016

الواقعية التي تهدم ‏الحب


عيناك اللتان تراني وسيما.. قد تحتاجين لنظارة لهما بمرور الوقت أو عندما تعتادين شكلي. وقلبي الذي تشتهين أن يحبك.. مجرد عضلة كباقي عضلات الجسد إلا أنه لو حدث له أي شد أو تشنج قد يودي بحياتي. دقات قلبك لا تنبض بإسمي.. لأن النبض أصلا فعل حيوي خارج عن إرادتنا جميعا. 

القمر الذي تتأمليه طويلا.. سطحه معتم مليء بالصخور التي تحتوي على نسبة عالية من الحديد. والليل الذي تستدعي فيه أحلامك الرومانسية.. مظلم لدرجة تجبر الناس على النوم هروبا من ظلمته الكئيبة. الشموع التي تتمني أن نجلس في ضوئها معا لا تضيء جيدا وقد تصيبنا بالعشى الليلي. والدباديب التي تحتضينها من فرط أحاسيسك المرهفة لعب أطفال ممتلئة بالفيبر المصنوع من النفايات. 

يوم ميلادك يوم كباقي الأيام، ويوم ميلادي  يوم من سوء حظي، ويوم لقائنا صدفة قد نلعنها في المستقبل. الورد نبات مثله مثل المولوخية إلا أنه لا يُطهى. والحياة لا يمكن أن يكون لونها بمبي مهما بدت لك قبلات حسين فهمي وسعاد حسني مثيرة ولطيفة. والحب مبرر لطيف؛ لتبرير غريزتنا الحيوانية التي نتنكر لها دوما، ولا أعرف سببا لهذا. والشعراء أكذب البشر على الأطلاق، فلا تصديقهم حتى وإن كنت أنا واحد منهم.

الثلاثاء، 11 أكتوبر 2016

رهاب الحياة


كيف أصبحنا مسوخا إلى هذا الحد يا صديقي؟؟
كل شيء يحدث كما لو لم يحدث أي شيء. العمر يمضي برتابة، والأيام تأتي وتنصرف بنفس الوتيرة، والعالم لازال لا يجد من يهتم لأمره.. هل هكذا فعلا كل شيء يجري على ما يرام؟؟

ها أنا ذا لا أملك إلا أن أنفخ دخان سيجارتي في وجه هذا العالم المكدس في قنوات التلفاز وعلى صفحات الإنترنت، وأمضي إلى نافذتي مستغرقا في اللاجدوى أتلمس يأس نسيم الخريف الذي كاد أن ينتصف دون أن أشعر بمجيئه.. هل عاد أحد يهتم بأمر الفصول؟؟

كم ورطني الكلام في الحياة؟؟ وكم ورطتني الحياة بنفسي؟؟ كم مرة فشلت في الوحدة لأتثبت من فشلي مع العالم؟؟ وكأن كل شيء لا يعني إلا انتفاء ضده. هل أنا منفي هنا في هذا العالم المنتفي؟؟

الناس في الطريق يرمقونني بحذر شديد يتمادون في استغرابي.. هل تملك مني الرهاب من جديد؟؟
أعرف أن حياة لا تطاق لابد لها أن تنتج بشرا لا يطاقون، ولكن كيف لازال بوسعي أن أتجاوز كل هذا الكم الهائل من الغصص دون أن تنكتم أنفاسي؟؟ وكأن الدواء هو حيلة الداء كي نبقى لنتألم فقط ولا نموت.. لماذا لا تبددنا حياة تبددت فيها كل معانيها؟؟ الناس عاجزون تماما.. أشعر حيال الجميع بالحنق الممزوج بالشفقة.

أتذكرني قديما وأنا اضحك لساعة متواصلة من مفارقة تافهة أو نكتة سخيفة حتى تألمني معدتي وتبكي عيوني.. كيف أبتعدت تلك الايام في الماضي الى هذا الحد السحيق؟؟ أتذكر تلك القصائد التي كنت أقراها لك فنرتجف نشوة وأملا في غد يكون اجمل من كل القصائد.. أين نحن الآن؟؟

منذ اكثر من أربع سنوات وأنا أحمل هذا العبأ الذي لا أفهمه وحدي.. لقد تعبت جدا من أجل تمريرها.. لقد وهنت تماما فماذا أفعل في كل هذا الذي ينتظرني، وشهوة بقائي تتفتت كل يوم؟؟ ماذا أفعل بهذا الركام الملقي في طريقي، والذي يمنعنني أن أكمل المسير؟؟ ماذا أفعل في هذا الوقفة التى يتضاعف فيها الملل مثل ورم سرطاني خبيث؟؟

الخوف يفلت زمامي أكثر كلما أحكم الألم قيده حول عنقي، لكني لازال يمسكني خوفي من ألم المحبين عليَّ لو كسرت القيد، وتحررت حتى ولو إلى المجهول. لا أريد أن أترك تلك التركة البشعة من خلفي.. حتى صوت الموسيقى في أذني يزاحمه ملل صاخب لم أعد أحتمله. أنا ضعيف جدا أيضا وعاجز.. كيف تستعصي معضلة الحياة داخلي على حيل الحياة جميعها؟؟ كيف يستعصي موتنا كلما صرنا أكثر موتا؟؟ هل سيتدخل أحد لينقذني من رداءة خام الوقت، ومن سجن المكان أم من أوجد تلك اللعنة هو وحده من يستحقها ولا جدوى من شيء؟؟

السبت، 1 أكتوبر 2016

ماياكوفسكي جديد



صورة للشاعر الروسي فلاديمير ماياكوفسكي
 

"زَوْرَقُ الْحَبِّ الصَّغِيرِ هُوَ أَوَّلُ مَا يَتَحَطَّمُ عَلَى صَخِرَةِ الْحَيَاةِ الْقَاسِيَة"
أو كَمَا قَالَ ماياكوفسكي فِي رِسَالَتِهِ الْأَخِيرَة، قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ صَدَمَتْه.
 

(1)

مُحَاوَلَةُ اِغْتِيال..
مَنْ ثُقْبٍ مَا بِالنِّسْيَان كَانَتْ تَتَسَلَّلُ الذِّكْرَى لتسأل:
كَيْفَ الرَّحِيل؟؟
وَهُمْ يَنْتَعِلُونَ قلبَكَ فِي طَرِيقٍ مُسْتَحِيل
هَا هُوَ ظِلّك يَنْحَنِي ألَمًا أَمَامَكَ
يجثو بَاكِيًا لِيَنْطَفِئَ الضَّوْءُ فِيكَ، فَتَظْهَرُ عتمتُك
تَقَاسيمُ صَبَا تُوَاسِي حُزْنَ بَحْرٍ يَائِسٍ يَغْرَقُ دَاخَلَك
مِنْ أَلهَمك هُوَ ذاتهُ مِنْ أَهملك؟؟
الْمُتَسَاقِطَةُ قُلُوبَهُمْ عَلَى أَعتَابِك كَانُوا عَلَى قَدْرِ غبائك
الَّذِي جَعَلَكَ تَظُنُّ لِوَهِلَةٍ أَنْ لهَم أَصْلًا قُلُوب
أَوْ حَتَّى أَنّكَ فِعْلًا تَسْتَحِق
أو لَازَالَتَ فِعْلًا لَمْ تَسْتَفِقْ
مِنْ حَقِيقَةٍ تَنْزُفُ أَوَهَامًا تَسْتَنْزِفك
مِنْ أَوْهَامٍ تَنْزُفُ ضَجِرًا يَسْتَأْنِفك؟؟
لم أَرُد اخْتَزِلُتُ حَنَقَي بِاِسْتِفْهَامٍ يَخْتَزِلُ نَفْسهُ بِالصَّدَى عَلَى نَحوَ مَقْلُوب
منْ فِي الْعَالِمِ يَرْضَى عَنْ هَذَا الْعَالَم؟؟
منْ فِي الْعَالِمِ يَرْضَى؟؟
منْ فِي الْعَالَم؟؟
منْ؟؟
 

(2)

عَلَى أَعتَابِ الْفَجْرِ، مُحَاوَلَةُ اِغْتِيال أُخْرَى
دَمٌ أَبيضٌ يَقْطُرُ من عتمةِ عُمْقِ الرّوح
وَأَرِقُ يَتَمَادَى فِي سُوءِ مُعامَلتِي
ظِلَالٌ تَعْلُو فِي تخوم الحسِ
لِـتطْمُسَ ضَوْءً فِي سَمَاءِ الْحَدْس
وعَدَمٌ يَنْزَوِي عَدَمَا لِيَكْتَمِلَ الْمُسْتَحِيلُ فلا نبوح
ضَجر هُوَ مِنْ أَفَسَد هَذَا الْعَدَمَ وُجُودًا وَاِسْتِثْنَاءَ
كَيْ لَا يَصْلُحَ لِلْحَبِّ أَوْ كَيْ لَا نَصْلُحَ لِلْحَبِّ
فَخٌّ هَشٌّ مِنْ أَنَفْسِنَا يَحْوَلُ بَيْننَا..
شَرَكٌ مَحبُوكُ الْاِسْتِثْنَاء
من كَوَنٍّ يَتَمَادَى شَذُوذًا وَقَوَاعِد
ليَجْبُرُنَا دوما أَنْ يَكُونَ لِقَاؤُنَا الْأَوَّل
هُوَ نَفْسهُ ودَاعُنَا الْأَخِير


(3)

الرّحلةُ راكَضَةٌ تَعْبَثْ، وَالْعَمَرُ قَصِيرٌ يَلْهَثْ
والْفِرْدَوْسُ الضَّائِعُ مَنَّا لم يعد يكفي
لنكمل نُقْصَان فَوْضَى الْكَوْنِ شَغَفًا وَحَب
قَدْ يَتَسَارَعُ سَهَوًا نَبْضُ الْقَلْب
قد تَتَأَرْجَحُ فِينَا مَعَانِينَا
هَرَبًا مَنّ عَدَمٍ لَاَحِقَنَا..
هَلعًا مَنْ مَوْتٍ يتلهفْنَا اِنْتِظَارا،
لَكِنَّ شَبقًا كهذا حتمًا سَيَقْتُلُنَا
لَا كَيْ نَمَوْت، بل لنتلاشى اِنْتِظَارا
 

(4)

عَقْلِيَّ الْمُبْتَلُّ خَمْرًا كَادَ أَنْ يَجف
قَلْبِيَّ الْمُعْتَلُّ نَبَضًا أَوْشَكَ أَنْ يَقف
الْخَاطِرُ يَتَرَنَّحُ مُوجَا دُونَ شَطّ
قَدْ تَفَرُّقَنَا سَفْسَطَةُ الْوَقْت
فِي لَيْلٍ بَارِدٍ شَارِدٍ يتلعثمُ مَلَلًا في سَاعَات الْيَد
حينها يبدو الحب فينا كَلَقِيطٍ لَفْظَتهُ خَطَايَاِنَا
عَلَى قَارِعَةِ طَرِيقٍ يَصْطَكُّ مِنْ وَقْعِ خُطَّانَا
أعرف أن الْوَحِدَة خَاوِيَةُ جِدَا كَفَرَاغٍ كَلَمَّا اِبْتَلَعَ نَفْسهُ تَزَايد
كَضَبَابٍ حَاوَلَ أَنْ يَمْلَأَ أَمَلَّا غَائِمًا، فَاِسْتَحَالَ سَرَاب،
أَوْ كَالَّذِي لَمْ يَفْعَلْ أَيَّ شَيْءٍ فَتَقَمُّصَ دَوْرًا فِي الْغِيَاب
فَسَاعِدِينِي أَنْ أَلَا نَتَوَرَّطَ أَكْثَر
وَمَرِّرِينِي مِنْ ضَوءِ عَيَّنَيك
كَنهَارٍ يَدُهُ الْمُنْهَكَةُ تَسْكُبُ لَيْلًا فِي الْأَلْوَان
كَسَمَاءٍ تَتَهَاوَى غُرُوبًا وَهُدُوء ولَا تَكْتَرِثْ
وَمَرِّرِي الْأيَّامَ فِي عَيْني كَيْ تَمُرْ
لِتَنْطَوِي عَلَى جَبِينِيَّ، أَوْ إِلَى جَانِبِ عَيِّنِي
بِتَجَاعِيدٍ تُثْبَتُ أَنْ بؤسًا مَا قَدْ اِنْتَصَرَ فِي
دعينا نمضي من سَمِّ خِيَاطِ وَحِدَّتنا سالمين
كنِسْيَانٍ نَسَّى نَفْسهُ، كَأَنَّ لَمْ يَكِنْ
كضَيَاعٍ ضَائِعٍ لَا يَذْكُرُ شَكلَ مَلَاَمِحِنا
فِي زِحَامٍ يَدلنا لِيُضِلَّنا
هَكَذَا نَنْجُو لِنَمُوتَ سَالِمَيْن
وَاُعْذُرِينِي لأني
لَا أُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي الصَّدْمَة
لَا أُرِيدُ أُنَّ أَصُبْح ماياكوفسكي جَديد

الأحد، 18 سبتمبر 2016

الاحتمال الذي لا يمكن احتماله



في الحقيقة ليس في وسعي إلا أن أسخر من الحقيقة، وممن يدعيها. الحياة احتمال لا يمكن أبدا احتماله. كل ما أراه حولي من حقائق مطلقة ليست أكثر من ردود فعل حمقاء لصبية طائشين لا يحتملون غموض الاحتمال.. بمعنى أخر جميعنا على حق؛ ولهذا فجميعنا مخطئون.

فبفرض حتى أننا سلمنا بهذه العبارة المعتوهة التي تقول بأن الكون وجد عظيما دقيقا محكما من أجلنا.. لا أرى هذا دليلا على عظمتنا على أي نحو، إنما هو فقط دليل على تفاهة الكون وسذاجته. أعرف أنه غالبا ما يطول الجدل في مثل تلك الفرضيات، ولكن في الحقيقة لا فرق عندي بين من يرى الكون مضبوطا ضبطا دقيقا، وحتى من يراه عبثا خالصا سوف ينقض على رؤوس الجميع فجأة. ذلك أنه في الغالب مثل تلك  الجدالات المبنية على الفرضيات الممعنة في خيالات أصحابها لا يوجد هدف منها سوى الهروب من مرارة الجهل والعجز والقصور ليس إلا.

فأنا ببساطة لا أرى الوجود في جوهره إلا صدفة الضرورة التى أتخذت من تراكم التغيير ألية تتمادى تعقيدا؛ لضمان بقائها كما هي دونما تغيير. ذلك من أجل الإبقاء على العدم لغزا مبهما؛ ليظل عدما في البداية والنهاية، بل حتى ليظل في أحسن أحوال الوجود محض افتراض نظري لا دليل مادي عليه. إن العدم ببساطة هو السر الذي لا يفضي بسره، ولو حتى لنفسه. 

وتلك الضدية القائمة بين العدم والوجود مجرد فوضى عبثية غير مكتملة اختلقها قصور الوعي. حيث أن فوضى غير مكتملة كتلك التي ورطنا فيها الوعي ستكون أسوأ بكثير من فوضى مطلقة خارج سقف الوعي؛ ذلك أنها ببساطة تفسد تصورنا عن النظام وعن الفوضى معا، بل وتجبرنا على خلق الموائمات والتوفيقات والتلفيقات التي كلما تزايدت تفقدنا الأصل وتبعدنا عنه؛ لدرجة نعتبر فيها أن الفوضى الغير مكتملة نظاما محكما دقيقا مثاليا عظيما لا يمكن تصوره لقصور في فهمنا.. وهكذا يتحول السبب إلى نتيجة والعكس بشكل لا ينتهي.

وقد يبدو طرح كالذي سبق غرائبيا شاذا إلا أنه على غرابته وحتى على تهافته ليس طريقا ولا طريقة ولا زعم مطلق بامتلاك أي حقيقة.  إنما هو مجرد محاولة لخلخة هذا الكم الطائل من الطرق والطرائق التي تراكمت في عقولنا ففرقتنا شتاتا وأفكارا ليظن كل منا أنه يناضل من أجل الحقيقة، والحقيقة أنه لم تتفرق بنا الطرق كما قد يُظن؛ لأنه في الحقيقة لا يوجد ثمة طرق أصلا.. نحن فقط مدفعون للسير في الطرق التي رسمناها في خيالنا؛ لأن الحقيقة تفرض علينا التوقف والركود، وهذا من شأنه أن يصيبنا بالتعفن أحياء.. ببساطة نحن مرغمين على الخيال لنجابه الأمر الواقع الذي نسميه الوجود الذي يسوقنا أمامه للمجهول المسمى الموت.

الأربعاء، 3 أغسطس 2016

شيطان السياسة الرجيم

لا شك أن السياسة تستطيع أن تمتطي ظهر كل نتاجات الحضارة من أجل أن تبرر قذارتها. الأمر لا يتعلق فقط بالتلاعب بالأفكار الأصولية الدوجماتية التي تكرس للعبودية كأساس لها بين الجماهير. نازية هتلر مثلا لم تتأسس على أية أبعاد أصولية أو دينية بل على العكس تماما كانت التنقية العرقية مبنية على نظرية علمية "نظرية التطور" لداروين، و فلسفة "السوبرمان" لنيتشه.

وبالطبع أتفهم جيدا طرحا كالانتخاب الطبيعي في ضوء نظرية التطور بعيدا عن هذا الالتواء النازي تماما، كما أتفهم نوعا ما فلسفة نيتشه التي أرها ليست عرقية بهذا الشكل الدموي، وإن كنت أراها جامحة بعض الشيء. ولكن ما أردت قوله أن السياسة في النهاية تبقى هي التطبيق الحاكم القذر المتلاعب المستغل لكل الأفكار والظروف سواء دينية أو فلسفية أو حتى علمية.

 والأمر لا يتوقف عند هذا الحد من التلاعب بالأفكار، بل يتجاوز ذلك للتلاعب بسيكولوجية الشعوب عن طريق استغلال غريزة الخوف فيهم من خلال جدلية خيار الأمن أو الحرية. فالخائف تحت وطئة خوفه لن يكون حر ولا واعيا أبدا، ولهذا لا أجد ثمة دهشة عندما يلبس الخائفون قيد القمع السياسي طوعا ويبرروه، أو يهرلون إلى السجون عن طيب خاطر ويجدون في ذلك منطقا عظيما، أو حتى يتغنون بحياة الديكتاتور، ويرقصون على لحن طغيانه المستبد حتى وإن سحق كرامتهم، وأنتهك آدميتهم، حيث أنهم ببساطة يظنون أنهم بمثل هذه الطريقة يسددون كلفة الأمن الباهظة التي تسوقها لهم السياسة الاستبدادية من خلال سؤال مغلوط جدا وشائع ألا وهو: ما قيمة الحرية أن بات الجميع مهدد وغير آمن؟؟

البشر عموما جبلوا على الخوف، بل أن دافعهم أصلا لبناء الحضارة والنظام كان هو الخوف. أن أولوية الخائفين الأولى هي الأمان المتمثل في الحفاظ على النظام الذي ألفوه حتى وإن كان نظاما ديكتاتوريا مستبدا فاشلا. إن تبرير القمع والقهر ما هو إلا وسيلة وحيلة دفاعية لا إرادية تقوم بها المجتمعات، وخاصة القطاع العريض من البسطاء عندما يتهدد أمنهم واستقرارهم. أو حتى عندما تلوح في الأفق أي بادرة من بوادر التغيير للنظام الذي كفل لهم الأمن الذي تأقلموا عليه حتى وإن كان أمنا منقوصا وفاتورته باهظة من حساب حريتهم وكرامتهم. إنهم ببساطة لن يغامروا بهذا المقدار المنقوص الموجود فعليا من أجل مقدار أكبر هو في علم الغيب حتى وإن اشتمل على الحرية ومنع القهر والقمع. أن المغامرة من أجل الحرية بالثورة تحتاج جنونا بالأساس غالبا ما يكون دافعه الغضب الذي لا يدرك فيه الناس ما يفعلوه؛ لأنهم لو أدركوا ما يفعلون لأخمدوا ثورتهم بأيديهم. 

ولا تكتفي النظم السياسية باستغلال غريزة الخوف الإنسانية الضعيفة تلك فقط من أجل بقائها وتسويق نفسها، بل تنمي في جموع شعبها مشاعر شوفينية متطرفة تدفعهم للموت زمرا تحت لواء قيم مطاطة ومعاني فضفاضة مثل الوطن والأرض وغيرها من تلك المهازل التي يحسن الاستبداد استغلالها أحسن استغلال كي يواري بها سوءة فشله في تحقيق الأمن ناهيك عن الحرية التي أهدرت تماما من أجل هذا الأمن المنشود. هنا يأتي دور الجموع المغيبة من جديد لسداد مزيدا من كلفة وجود هذا النظام الذي يستعبدهم. كلفة من الجوع والصبر والكد والعرق والدم من أجل بقاء النظام.

تلك هي الحقيقة التي لا تعلمها الجموع تحت وطئة خوفهم، واستغلالهم الممنهج المدروس من قبل سياسات لا تتورع من أن تستغل كافة الظروف والأفكار من أجل بقائها وبقاء مصالحها. فوالله ما حدثوهم عن حرمة الأرض والعرض إلا ليموتوا أولا، و يأخر هؤلاء المستغلين ساعة موتهم. أي أرض وأي عرض هذا الذي يدفع صاحبه أن يكون أما قاتلا أو قتيلا. ما نفع الأرض والعرض إذا ما تم تركها لمثل هؤلاء الحمقى الجبناء المستغلين. ففي الحقيقة هم لا يدفعونكم دفعا لتموتوا إلا ليأخذوا نصيبكم من الأرض، ويحل لهم هتك عرض ليس له صاحب بشكل شرعي مقبول. الأرض لا تفهم كل هذا الهراء الفارغ. والوطن مجرد كيان اعتباري ليس له طلبات.. هاهي الأرض لا تستحي من أن تأكل أجساد من ماتوا من أجلها، ولا تخجل حتى من شرب دمائهم. هاهو ترابها تحت الأقدام يدهس بالأحذية، ولا يعطي خيره إلا لهؤلاء الجبناء المستغلين. هذا التراب الذي نمسحه من على أحذيتنا ليس أكثر من هؤلاء الذين ماتوا لأجل الأرض يوما ما ظنا منهم أنها تستحق. ما أبخس عمر الانسان عندما يدفعه ثمن لتراب بخس كهذا، يمسحه الناس بتأفف من على أحذيتهم. أي مستغل دنيء هذا الذي أقنع كل هذه الجموع بهذه الفكرة، بل أي محتال عبقري، بل أي شيطان رجيم؟؟ لا شك أنه شيطان السياسة الرجيم الذي يعتلي ظهر الجميع بسلطان الزيف والاستغلال والتلاعب.

الجمعة، 22 يوليو 2016

لا نموت فيها ولا نحيى

سورة الأعلى واحدة من أوائل السور المكية نزولا، ولهذا نجد لها حضورا طاغيا في العقل الجمعي الاسلامي، وعلى الرغم من آياتها التسعة عشر الموجزة القصيرة إلا أنها تحوي معان عميقة قد يطول شرحها وفهمها. ومن تلك المعاني الآية الثالثة عشر والتي طالما استوقفتني أمامها كثيرا.

فمما لا لبس فيه أن اجتماع نفي الأضداد فيها "ثم لا يموت فيها ولا يحيى" فيه دلالة واضحة بتعريف حال العدم، ولكن هذا الملمح رغم ما فيه من دلالات يطول الحديث عنها ليس بمقدوره أن يجعلنا نغض الطرف عن جوهر الدلالة الذي يكمن في مبدأها "ثم" التى تدفعنا للنظر فيها مليا وفيما قبلها؛ لنستسلم مذعنين للسقوط في فخ تعقيد التراتبية المتراخية الزمن المفعم بدوره وجودا وكينونة بقياس أبسط وجه له يتمثل في لغة أبجديتها تبعد فيها الميم تسعة أحرف عن الثاء بينما يتزايد البعد ليصل لتسعة عشر حرفا في ترتيبنا الألفبائي ناهيك عن اختلاف التراتبية الصوتية للحروف.

أن الزمن في ذاته بعيدا عما ترتب عليه وبعيدا حتى عن نسبيته يعد بعدا مفسدا لدلالة العدم؛ لأنه يجعل منه شيئا مدركا موجودا في أطاره النسبي المحسوب، وفي هذا فساد ظاهر لحقيقة معنى العدم الباطن كمطلق. خلل كهذا يجعل من العدم مجرد مسوغ نظري لا غنى عنه عقليا تم أيجاده من باب الحفاظ على أساس بنيان الضدية الأصيل لمنشأ الوجود ليس أكثر. 
والزمن كبعد وجودي ليس حاضرا فقط في تلك الآية، بل هو خط مسار السورة بأكملها.. فهو حاضر منذ بدايتها في تراتبية الخلق ثم القدر ثم الهداية ثم القراءة فالمعرفة فالنسيان فالتذكر. ويظهر هذا بصورة أشد وضوحا وجلاء في ختام السورة باستدعائها للبعد التأريخي لسردية الميتافزيقا الدينية برمتها، والمتصلة بعضها من بعض بذكر صحف إبراهيم وموسى وصولا للقرآن.

أعرف أن تأملا كهذا في الزمن والعدم من خلال نص ميتافزيقي مجاوز لم ولن يصل بعقولنا إلا للحد الذي تصطدم رؤسنا بسقفه بحيث لا نستطيع تجاوزه ولا حتى فهمه؛ لنبقى من خلف كلماته رهينة لحال ملتبس كالذي ابتدأ منه الوجود وأبتدأنا منه الكلام. حال تماما يشبه ما نحن فيه الآن بالحياة لا نموت فيه ولا نحيى، بل حتى لا نفهم حقيقة ماهية الضدين (الحياة والموت). فما بالنا بماهية اجتماع نفيهما معا كما ورد بالأية؟! حال يورطنا في جانب ميتافزيقي يستوجب التقديس والتنزيه للميتافزيقي المجاوز من باب ضعف وعجز وقصور وعيينا، وهذا أصلا هو ما أبتدأت به السورة.

فيوضات العبث