الخميس، 29 يونيو 2017

حديث الثلاثين


لم أكن أعد الأعوام.. وُلدت لبيت واقعي لا يعيرون فيه اهتماما كبيرا لتواريخ الصدف.. صدفة أتت بي يوما ما إلى الدنيا دون قصد.. بها أيضا منحت عرضا مجانيا مؤجلا للموت، وهذا أمر جدا عادي لا يستدعي الاحتفال. لا أعرف حقيقة كيف صرت ما أنا عليه الآن؟؟ كهلا بثلاثين دهرا من السراب.. بعقل يعربد فيه الشك والشك في الشك كطفلين متشاكسين، وبقلب ترتع فيه الخيبات كل ليل مرحة.. لا أدري أيضا كيف صار الليل صديقا مخلصا إلى هذا الحد.. يربت على كتفي كل ليل، بينما الحزن صار  منقذي الوحيد الذي يمد لي كلتا يديه؛ لينتشلني من غياهب نفسي؟؟

لقد كانت الحياة كعادتها تمر مني إلى شأنها في هدوء؛ لتتركني وشأني في النهاية -كما كل السابقين- حفنة تراب هادئة.. لم يستوقفني أي شيء فيها.. كنت مثل الغالبية مستسلم للحياة كرحلة، وللعمر كسفر محدد الوجهة.. بكل جسارة كان الطريق يمشيني لنهايتي، وأنا في غاية اليقين والثبات أنني من أقطعه بخياري إلى نهايته.
مستسلما للقطارات التي كنت أركبها واحدا تلو الأخر.. لم يفوتني أي شيء.. دوما في الصف الأول في كل القطارات.. كنت أبذل قصارى جهدي كي أكون أول الراكبين.. وفي خضم هذا السعي المحموم، لم أعرف أي شيء عن نفسي.. ربما لأني كنت أعتبرني مُسلَمة لا تستدعي الفحص، وأعتبر النهاية بديهية لا تسترعي التدقيق والسؤال.
نعم، كنت مغفلا مجتهدا يحفظ فروضه المدرسية أول بأول دون أن يفهمها.. مغفلا لا يتخيل أبدا سؤالا دون جواب، ولا جوابا من الممكن أن يخلق من خلفه ألف سؤال.. كنت مغيبا بقناطير منقطرة من الإجابات الغير منطقية والتصورات الخرافية عن نفسي، وعن الأشياء، وعن البداية والنهاية.
ثم فجأة وجدتني مضطربا شاردا على أحدى الأرصفة في أحدى المحطات.. أتلفت من حولي.. كمن استفاق لتوه من كابوس.. أتأمل وجوه من يمرون.. أتسائل عن جدوى السفر، وعن جدوى الوصول.. لا أعرف تحديدا سببا لما حدث، بل حتى ربما إلى الآن لم أحاول.. لكنني أعرف جيدا هذا الشعور.. شعور الانعدام واللاقيمة واللاوزن الذي يشعر به شخص يفتح عينه لأول مرة على دُمى مسيرة تحركها الأقدار، والصدف، والحظوظ، والظروف، والغيب المبعثر هنا وهناك.. قطعان من الدُمى وعرائس الماريونت يمضون إلى حيث يأمرون؛ لأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان.. يغضون الطرف عن المجهول الذي يحدق بهم، بل يغضون الطرف عن كل شيء.. يتعامون.. بل هم في سكرتهم يعمهون.. إنهم ببساطة نتاج خوفهم من المجهول.
المجهول.. هذا المارد الذي أختبرته لاحقا فعرفت بأنه مشنقة الحياة المزركشة التي يشدها الموت بغتة.. رباط عنق حريري مزركش بالأمل ومرصع بالأماني، لكنه يضيق بالوقت؛ ليفضي إلي الموت.. من يخلعه من عنقه يرمي بنفسه تحت عجلات أول قطار يصادفه في ثبات.
حينها فقط أدركت أن الحقيقة -أو ما كنت أعتقدها الحقيقة- ملت من كونها حقيقة فاستحالت زيف فكنا هنا على نحو بصق فيه العدم وجودا قميئا كهذا مجرد ردة فعل خزعبلاية لا فائدة منها، كمن تتفل في صدرها فزعا من اللاشيء.. حينها خلعت الرباط عن عنقي، ولم ألقي بنفسي إلى العجلات.. رأيت الانتحار تماما كالاستمرار مجرد أمل زائف في الموت بدلا عن أمل زائف في الحياة.
الحياة ملطخة بالموت.. والإنسان جدل الله والشيطان الذي لن ينتهي أبدا.. الفضيلة محاولة بائسة لإيجاد مغزى في عالم عاهر يتعرى يوما بعد يوم دون حياء.. والدنيا بكل ما فيها أدنى من أن نتأملها.
هكذا وجدتني فجأة على أحد الأرصفة في أحد المحطات في أحد الأماكن لا أعرف شيئا سوى أني ذرة في غبار في هباء.. صرخت فلم يكترث أحد.. بح صوتي، وانصرف القطار، وتركني من خلفه وحيدا.. وحيدا يحرس وحدتي ظلي بشك نهم يبتلع كافة الأشياء؛ ليتقيأ نفسه في وجوهها من جديد.
رغم هذا كنت أشعر أن المعادلة بعد لا تساوي صفرا، حتى وإن كانت تبدو كذلك.. كان صوت أبي لازال يتردد في أذني بنبرته الصوفية الخالصة: "يا بني أركب معنا.. يا بني من تلفت تشتت، ومن تشتت تفلت، ومن تفلت سقط". اخترت السقوط.. وها هي الأعوام تمضي.. وأنا لازالت أسقط.. وكأن الهاوية بلا نهاية.. أسقط دون موت، ولكن دون حياة أيضا.. أرى العالم آيلا للسقوط، لكنه ليس مثلي.. إنه عاجز لا يستطيع أن يسقط لأنه الهاوية التي لا قرار لها.
كون بأكمله كما غرفة باردة مظلمة تغلق بابها بإحكام شديد على من هم في داخلها، وكأنه لا شيء خلف الباب.. وكأنه لا شيء خلف الباب من الجهتين.. يتلاشى قلبي وحشة مع كل لحظة تمر بحيث لم يعد في وسعي أن أستمني حب أي شيء.. شبق البقاء والخلود تبدد يأسا في كل شيء، ومن كل شيء.. أملي دهسته عجلات القطار ليفتديني، ويتركني حيا من خلفه بلا أمل.. وحيدا على الرصيف ينهكني صوت خطوي المنهك، وأنا أتجول الحقائق لأحيلها إلى حقيقتها أوهام وزيف.. كل الحقائق متضاربة هنا؛ لتصبح جميعها صحيحة متسقة هناك!! حتى هناك لم يعد يغريني هكذا لم أعد أتذمر من نقمتي على الحياة، ولا حتى من نقمتها علي. يمكنني إيجاز حياتي في تساؤل واحد لا يحتاج إلى إجابة.. كيف لمن لا يقوى على الحياة أن يقوى على الموت؟؟

السبت، 24 يونيو 2017

زهرة الخشخاش

لوحة فان جوخ الشهيرة


النشوة مقلوبة رأساً على عقب..
العدم على بعد خطوتين،
لكنك لا تكاد تطاله حتى يفلتك.
الوجود يحترق من خلف رأسك
كقبس مفعم يأخذك للنعيم.
أي نعيم يكفي؛
ليمطر جحيم مأساتك؟!!
أي نعيم هذا الذي
يرغمك أن تستسلم للاشيء؟!!
هاهي السعادة تغمز لك أخيرا..
هل تراها؟؟
هاهو الحزن نائم ثمل قتيل..
هل يراك؟؟
غفا عنك الوجع..
أسقطك الألم من حسبته..
أي فردوس هذا الذي يلوح
في أعماقك؟!
النشوة تضرب من جديد
خلل ما يعبث في خلل الوقت
أطرافك منغمسة في الثلج
المواضيع تتشعب من بعضها
في بعض بلا نهاية.. بلا بداية
لا تستطيع اللحاق بالأفكار
هاهي تمضي سكرى
في كل اتجاه
تبعثرك من خلفها
كورقة مزقها الشك
ثم ألقاها من شباك
سيارة تفكيرك المسرعة
الكرسي يحتضنك
كمومس محترفة
يهدهدك بتمرس
يدللك.. لتسأل..
عرش من هذا؟؟
جدية منقطعة النظير
على نحو هزلي منقطع النظير
النشوة تتغلغل فيك.. تتغلغل فيها..
صوت الكمانجات يغرق في أذنيك
النايات تذوب كالسكر في روحك
الأيقاع يقذف بك إلى السماء؛
لتسقط كريشة على سماء رحبة
من ريش النعام.
ما جدوى زهرة شبابك
لولا زهرة الخشخاش؟؟

الخميس، 1 يونيو 2017

عن طوق الحمامة ووهمية الحب العذري

غلاف كتاب طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي

قد نختلف حول إذا ما كان الحب يفقد قدرا من عذوبة روحانيته عند ممارسة الجنس كفعل مادي نتقاسم جزء كبيرا من سماته مع الحيوانات، لكننا بالرغم من ذلك نتفق بسهولة على أن الحب يفقد ذاته كاملة إذا تراكمت عليه الأيام دون تواصل جنسي محسوس لدرجة يستحيل فيها إلى لا شيء، وإلا تحول لمجرد ذهان مستغرق في الأوهام، وشبق مازوخي للتمتع بالحرمان، وذلك يحدث لاستثناءات بشرية من الممكن الحديث عنها فقط من باب التندر والطرافة ليس أكثر.فببساطة لا يمكننا الحديث عن الحب الإنساني بمعزل عن غريزة الإنسان وحبه لذاته مما يندرج منطقيا تحت غريزة البقاء الأم التي تجابه حقيقة الموت بالتناسل من أجل أماني الخلود. 

وأنه لما كان يصعب الفصل بين قيمة الحب المجردة ومنفعته وحاجتنا إليه على مستوى الشعور ناهيك على مستوى الوعي، لم يستطيع "طوق الحمامة" ولا غيره أن يثنيني عن حقيقة الحب كمجرد تبرير كلامي أجوف هش ممعن في الغموض والالتباس لتبرير الغريزة الواضحة الملحة المدموغة سلفا فينا دونما أختيار. ويبقى "طوق الحمامة" وما على شاكلته في نظري مجرد محاولات جيدة للرصد، لكنها محاولات بائسة جدا لخلق ماهية فيها أي قدر من العمق المتجاوز لصخب تكبر الإنسان الأجوف وتمركزه الساذج حول ذاته.

وطالما ظل الإنسان مفتقرا للدليل والبديل فلا عجب أذن أن يصبح النسق الشعوري للحب المتداول شعرا وأدبا وحتى فلسفة محض سذاجة طفولية فيها من السطحية والتضارب ما فيها بحيث نضيع بها لذة غريزتنا الحيوانية الثابتة بداعي الاحتقار، وتضيعنا لذته الروحانية الملتبسة في غياهب الخيالات الفرادنية وتخيلات التجربة الذاتية دونما دليل ثابت متفق عليه فتصبح النتيجة أن يصير الحب في أبهى أستعمالاته وأكثرها شيوعا بالنسبة للعوام مجرد بداية جميلة يتدافعون إليها زمرا على أمل السعادة، لتسوقهم ختاما إلى نهاية بشعة من لا معنى الملل بالتكرار، ولا جدوى اللذة بالاحتقار.. يا لها حقا من نهاية بشعة لا يمكن تفاديها إلا بإنكارها وذلك فقط ليترك الناس لأنفسهم مساحة للعودة من أجل تكرارها لإنعدام أي نسق شعوري بديل.

الثلاثاء، 30 مايو 2017

من جدل الرسائل التي لا تصل


استهلال: ممزوجا بدمع عينيك أفيض دمعا لا يُرى.. ربما هو مطلع حزين ملائم يليق برثاء لا جدوى منه.. أو ربما لأني مرغم على قبول كافة الأشياء التي ترفضني رغما عنها أمتدح ما جاد به العبث.. هذا الهراء يليق جدا بالهباء الذي كتب من أجله، ونسيته من فرط إمعاني في تذكر ما لا يذكر. 

هبط الوحي فعلا، لكنه لم يقل شيئا. كل ما قد قيل كان من فرط دهشتنا ليس أكثر. أما أنا فكنت مثلك أمر هناك صدفة (أقصد عندما كنت حي). الآن أنا لا أعرف توصيفا ملائما لحالتي تماما كعدم معرفتي بتوصيف حالتك عندما كنت مثلي هناك، لكنهم هناك اتفقوا على أن يسموها الحياة؛ لنبقى مختلفين فيها وحولها لتبقى.. أذن كنت مثلك حي على الأرجح كما اتفقوا، ولكن هنا أنت وحدك ولا أحد غيري، لكني لازالت لا أعرف فعلا كأني لازالت مثلهم واقعا تحت تأثير الدهشة أتقول كل هذا الكلام محموما.

صدقني لا شئ مزعج في الصمت غير أنه فيه معنى محتمل لكل الكلام، والكلام بذاته مهما بدا محكما يظل محتملا أيضا قابلا للتأويل، ربما لهذا السبب لم يجد الوحي شيئا كي يقوله عندما هبط، ربما خشي من اختلاف التأويلات؛ ولهذا ترك لنا الصمت.. والصمت كما تعرف هو كل الكلام بطريقة أو بأخرى.. لقد ترك لنا الوحي لاشيء لنقول نحن لأنفسنا ما نشاء من الأشياء كما نشاء؛ ليبرأ نفسه من حماقتنا ربما، وربما ليترك لنا شيئا طفيفا من الحرية التي تجبرنا على القبول بكوننا مرغمين لنصبح ميسرين لوجود نعيش فيه مسيرين.. لكن سذاجة دهشتنا هي من ورطتنا في الكلام فأسمينها حياة وانطلقنا مصدقين، فلم يراجعنا أحد.

لا تتعجب الدهشة قد تنتج ما هو أكبر من هذا. الدهشة هي الأضداد، والأضداد هي كل شئ هنا. مدى الفراغ بيني وبينك فسيح بما يكفي لأن ينتج زمنا ناتجا من مكان لن نجتمع فيه أبدا فأنا بالنسبة لك كأنا بالنسبة لنفسي لا أعرفك لكي تعرفني نفسي التي هي أنت في عدم موازي كلما ابتلع نفسه تزايد. كلانا غريب يا صديقي.. كلانا كلام كتب على صفحة ماء آسن تبخر غيوما وسقط ليتبخر من جديد.. كلام لم يقال رغم أنه يملأ الاسماع، لايعجبنا أحيانا، يشقينا أحيانا أخرى، لكننا نحن من تقولناه عن طيب خاطر لنبقى مرغمين عليه وفيه.

أتعرف قبل هذا اليوم كنت أود أن أرسل رسالة لكل هؤلاء الذين لا أعرفهم ولن يصلهم كلامي.. رسالة تطمئن قلوبهم، وتربت على أكتافهم كي أمضي بعيدا عنك مودعا ملوحا بالسلام غير منشغل بالحقيقة، لكن الوحي قرر ألا يقول شيئا؛ لأنه كان يعرف كل شئ فقررت أنا بدوري أن أكون مثله فلا أقول شيئا؛ لأني ببساطة نقيضه الذي لا يعرف أي شئ، أما أنت فكنت على الجانب الآخر مني تمضي في حيرة تردد في نفسك نص الرسالة التي لن تصل.

"يا كل هؤلاء الذين خرجوا من مخاض دهشتهم تائهين لتوهم .. يا كل من لا تعرفوني، فلتعرفوا حال صادفتكم هناك سكينة أو باغتتكم على حين غرة نفحة من طمأنينة.. أنها رسالتي التي لم أكتبها ولم أبعثها فلم تصل كلاما ووصلت وحيا تقر به عيونكم حتى ولو لمرة واحدة بالعمر، عند ذلك أكون وصلت أنا في سلام إلى رسولي الذي ضل طريقه عني.. حيث الوحي.. حيث لا استطيع التفريق من كلانا أنا لأعرف من أنت.. فلتذكروا مقالي هذا الذي لم أقله وأفشى سره من هو مني وفي مثل حالي حد أننا تداخلنا فلم أعرف نفسي منه ليعرف نفسه مني، وكأننا حتى وإن وحدتنا الرسالة لن نلتقي أبدا ولو حتى هباء."

الأحد، 21 مايو 2017

رسالة إلى صديقة



     ولأن الفراغ أهوج لا يوجد شيء فارغ تماما، ولأني خواء أذن فلتعتبريني مجرد شك طائش كي تعتبري.. فوضى شك مجردة.. عبث لا يعنيه السؤال عن هذا الكم المهلهل المهمل الملقى داخله من الجهل المرصع بصدأ المعرفة وغبار المعاني وركام المشاعر.. الأجابات في أغلبها نكات، والضحك يميت القلوب، وقلبي مات، ولم يعد في وسعه أن يموت مرة أخرى.. فالموت مثلك لا يكرر مرتين يا مريبة العينين.. يا احتمالا يفوق احتمالي.. لكن لا بأس في آخر الجولات لابد لي من نصر يحفظ للمنطق شيئا من وقاره.. ضربة تطرحني أرضا لأسقط سقوطا مدويا يوجع الأرض من تحتي لفرط شدته.. تلك هي الحياة خيبة منطقية كبرى نلملم شذاراتها من مناحي الألم، ونبرهن عليها بفقدان معنى العدم.. قياس بسيط لحب فريد في جرحه.. مزيف بصدقه وعمقه.. الحب أيضا لا يأنف أن يأكله التراب، ولا شيء بعد الموت يستحق الحزن، ولا حتى الحزن ذاته يا صديقة.

الثلاثاء، 16 مايو 2017

قوانين الألم والمواساة


على أعتاب انتصاف العمر وجودا.. أعني عندما تساوت المسافة كماهية بين نقطتي الميلاد والميعاد اكتمل نضج العلة من وراء الطريق في عقلي؛ فتبدد بهدوء من تحت قدمي، وغام أفقه تدريجيا في عيني، فبدا كأن لم يكن، أو كأن لا غاية منه أو فيه. 
هكذا يستحيل الأمل إلى ملل، والملل إلى زهد، والزهد إلى تحصيل حاصل لنحتال على الحياة بقبول حيلها.  هناك على شفا حافة العد التنازلي للأشياء أقف بكل ما في الحكمة من لامبالاة بعقولنا، وبكل ما في اللامبالاة من استسلام مرغم لمصيرنا بين قانونين فيهما من الخيبة والعدم ما يكفي للعزاء وللمواساة.

الأول: لا توجد خسارة أكبر من كونك موجودا لتخسر. 
والثاني: هناك دوما ما هو أسوأ ليحدث.
وبينهما يلح السؤال بلاجدوى إجابته كقيمة مثالية مطلقة جوهرها العدم، وظاهرها الصمت الذي يكبح جماح ضجيج الحقيقة.. لماذا كل هذا؟؟

الجمعة، 14 أبريل 2017

جوهر المأساة


الحقيقة هي أنني وحتى الأن لم أعرف أي شيء هنا على أي وجه من وجوه اليقين، فقط وعيت قدرا لا بأس به من مآسي الحياة بالتجربة.. عينات شبه مركزة من الألم.. المرض.. العجز.. القهر.. الجهل.. الحيرة.. الظلم.. سوء الحظ.. الخسارة.. الخيبة.. الفقد.. الملل.. خواء الروح.. وأعتقد حتى أن تجربتي لأضداد تلك الأشياء من الملهيات كانت مجرد حيلة ماكرة للإمعان في إيلامي ومهانتي ليس أكثر.. الأكثر مأساة أنه حتى ما لم تسنح لي الفرصة بتجربته من المآسي والمحن عن كثب أدركته بوحدتي التي ورطتني في تأمل طويل لحقيقة موتي المؤجل الذي يتربص بي ويترصد أنفاسي واحدا تلو الأخر.. مع كل شهيق يدخلني يقترب الموت مني أكثر.. مع كل زفير أخرجه أقترب منه أكثر.. وكأن العد التنازلي ابتدأ منذ أن بدأت.. وكأن أعمارنا كاملة مجرد مشهد بالتصوير البطيء للقائنا بالموت الذي لانعرف عنه شيئا سوى أسمه المجازي المقابل للفظة الحياة التي لا نعرف ماهيتها.. مشهد يلتهي الناس بتفاصيله التافهة وديكوراته المبهرة عن حبكة مساره المعتم ومآله المخزي، وكأننا والموت حمقى مسيرون مدفعون للركض نحو بعضنا البعض؛ لنصل إلى النهاية في الوقت المحدد؛ لنتفاجأ حينها ببداية المجهول المحتوم. والذي ببدايته قد ينفتح الستار على جوهر المأساة التي حركت كل هذا العناء اللامبرر في بركة العدم الراكدة.

الجمعة، 17 مارس 2017

كحلمي عبدالباقي تحديدا

صورة للمطرب حلمي عبدالباقي

كمطرب بنصف شهرة تجاوزته سرعة دوران عجلة الزمن الجنونية بجيلين أو ثلاثة فقط، ولكن في الواقع بدا الأمر كما لو أن الزمن تجاوزه بقرنين أو ثلاثة، فأصبح لا يتم اللجوء إليه إلا في الأوبريتات الوطنية المستهلكة أو في الحفلات الدينية التي لا يشاهدها أحد نظرا لأنه الوحيد الذي سيغني مثل تلك السخافات دون المطالبة بأجر.. كمحمد ثروت أو كمحمد الحلو أو أقل قليلا.. كخالد علي أو كطارق فؤاد أو أكثر قليلا.. كحلمي عبدالباقي تحديدا.. أجلس في بيتي زاهدا في كل شيء.. موقنا في فناء الأشياء.. ساخرا من كل نجاحاتي.. من مشواري ورحلتي.. مفتخرا بأخفاقاتي.. منتشيا بنكاساتي.. مستهترا بكل أغانيَّ الحزينة.. مطمئنا إلى لا جدوى الرحلة.. لا تغريني الأضواء، ولا مجاملات الشفقة، ولا حتى شدة تأملات المارة في وجهي في محاولة منهم للتذكر.. شهادات التقدير المعلقة على الجدار صماء كالجدار.. الأوسمة هي الشيء الوحيد الذي يسقط فعلا بالتقادم بينما الحياة مسيرة لا ترحم أحد، ولكن ما أصعب أن تموت قبل أن تموت.. ما أصعب أن يفرض عليك أن تلعب دور "خيل الحكومة".. ما أصعب أن تنتظر الرصاصة في رأسك، وترى الموت أرحم بكثير من الحياة.. الحياة التي تستخدمنا كمحارم ورقية تمسح بها وساختها ليستقر بنا الحال في النهاية في سلة مهملاتها.. ما أعظم أن تصل إلى تلك الحكمة، وأنت علي قيد الحياة، وتنظر إلى العالم كما ينظر منديل ورقي مكرمش يطل من سلة مهملات.. ما أعظم ذلك حقا بل ما أقساه!! ما أسوأ أن تكون محمد الحلو في زمن يضج بالمهرجانات أو كحلمي عبدالباقي في زمن شح فيه الحلم وسخرت فيه منا الأحلام بحيث لم يبقى منها شيء.. ما أقبح أن تحتفي بك الحياة حينا من الدهر لتلفظك  بعد ذلك على حين غرة لتموت منبوذا مدحورا للأبد.

الجمعة، 10 فبراير 2017

تساؤلات تداعي الذات


كم من الكذب تحتاج للتعبير بـ "أنا" كناية عن هذا الهلام الضبابي المبهم الذي يقبع داخلك، والذي لا تمتلك منه مليمترا واحدا خالصا على نحو واضح؟

كم من الغرور تحتاج لتخرج من فيسفاء الصورة معتبرا أن قطعة صغيرة بحجم أنملة مثلك تكفي لأن تبدي رأيها تلك اللوحة السريالية اللانهائية الممتدة؟

كم من التحامل تحتاج لأن تسعى كـ "مغفل" لهدف دون علم مطلق، وأن تركض كـ "أحمق" دون مبرر جوهري قاطع، وأن تتنافس وتتصارع بينما لا شيء فعلا يستحق؟

كم من التجاهل تحتاج لتعتبر نفسك حقيقة مُسلمة، بينما قد يكون الوجود بذاته مجرد خدعة، والحياة محض أكذوبة، والواقع زيف كبير؟

كم من التدني تحتاج لقبول عيوبك، بل لتبريرها وتزينها بغلاف مبهرج كاذب جاذب لتسويقها بداعي انعدام الكمال، وترويج نقصها الفادح بداعي التنوع والاختلاف؟

كم من التغاضي -بل من السذاجة- تحتاج لتتجاوز هذا الحظ العاثر الذي ألقى بك هنا دون جريرة أو ذنب؛ لتكمل كل هذا الهراء تحت وطئة الجبر خانعا ذليلا دونما أن تجن أو تنتحر؟

كم الأنانية تحتاج لتتمحور حول ذاتك ومصلحتك متجاوزا مآسي الجميع ونكباتهم ومظالمهم وأحزانهم بداعي محدودية مشاعرك في غمار حياة مأساوية الدافع والطابع معا؟

وكم.. وكم.. وكم.. من النقائص والنقائض تحتاج لتصبح هذا الشيء المسمى إنسانا، وتظل زيفا ووهما مختالا بذلك؟

الجمعة، 3 فبراير 2017

عن الجسد الآخر الذي لابد أن تكمل به الرحلة


الشتاء -هذه المرة- يلح عليَّ بمدى وجوب أن أمتلك جسداً آخر كأمتداد منطقي وقهري لجسدي المتهاوي بواقع العمر، أو ربما بواقع الرهبة من الوحدة التي تستشري سرطانياً في أعماق أعماقي.. جسداً آخر يكمل نقصان جسدي المتداعي أرقاً وكسلاً وضجراً.. يحتوي كل ما زاد عنه.. يتشرب كل ما سال منه.. يسحب روح التعب من روحي المنهكة؛ ليتخلص بذلك من روح التعب التي أثقلت روحه.. شعورٌ متبادلٌ يتنامى ذاتياً من تلقاءِ نفسه يُطمئن كل ذرة في كياني بأن بوسعها أن تستكمل ما كتب لها بسخط أقل، وبملل يمكن السيطرة عليه..

ربما ما عاد يصلح لي الجنس كنشوة عابرة، أو كتفريغ طاقة، أو حتى كذكرى تضاف إلى سجل ذكرياتي؛ لأتثبت بين حين وآخر أنني لازالت بخير متباهيا أمام وحدتي بسجل ذكوري حافل بالمغامرات والمهاترات.. ما عاد بوسعي أن تتبادلني الأيادي، وتتقاسمني القبلات، وتتجاذبني الأحضان والأنفاس والزفرات والآهات والهمسات واللمسات..

أريد جسدا آخر يكون أنا التي تتحرك أمامي كما أريد دون أن أريد.. الأمر لا يتعلق بالجنس فحسب الأمر يتعلق بفضول يحركه بحثي الدؤوب عن الكمال.. بمحاولة جادة تنشد في الحياة شيئا من الجمال..

أريد جسدا آخر لا باعتباره شريك فراش، بل باعتباره جسدي الذي سوف أعتمد عليه فيما تبقى.. يتحمل عني أوجاعي وضجري و معاناتي .. يرتضي مني خللي وأمراضي وانتكاساتي.. يستوعب أهمالي له قبل أهتمامي به.. يتفهم نزاعاتي الغرائبية الحادة، وتقلباتي الخريفية المزرية قبل رهافة رومانسيتي الحالمة، وشاعرية شجوني البريئة المسالمة.. يتحمل شراسة قسوتي البدائية قبل وداعة حناني المتحضرة.. جسدا ألائمه حرا كما أنا ليلائمني حرا كما هو دون تصنع أو جهد، وحتى دونما أي حدود فاصلة..

في الثلاثين جسدك وحده لا يكفي؛ لأن تكمل، ولا حتى ألف جسد من أجساد الغريبات العابرات.. في الثلاثين أنت بحاجة أن تجد ظلك.. ظلك الحقيقي الذي كلما تبعته تبعك؛ لتتبعه إلى النهاية دون أن تعرف تحديدا من منكما كان ظل الآخر.

فيوضات العبث