الأحد، 15 سبتمبر 2019

الثورات ‏المحكومة بالفشل



لا أدري لماذا كلما مرت الأعوام بصق القدر في وجه الثورة متشفيا، وكأنه يسخر من المحاولة. إنه يحيل كل محاولة للخروج من قدر المأساة المحتوم إلى قدر أكثر مأساوية وخرابا. 

يبدو أن الحرية والعدل وكافة تلك القيم المزركشة بالنبل والسمو ليسوا أكثر من سذاجة طفولية بريئة تخص أمثالنا من الحالمين الهاربين من حقيقة الواقع بأمانيهم المستحيلة.

والأمر هذا لا يتعلق فقط بالثورة أو بالشأن السياسي أو بالوطن أو حتى بالوضع الاجتماعي. أعتقد أن هذه الفوضى مجرد سنة كونية، وطبع دنيء من طباع الحياة المدموغة فيها، حيث كل محاولة لتحسينها لا تزيدها إلا سوءا وخرابا. 

خيالات اليوتوبيا اللطيفة تلك مجرد معضلة تخص أصحابها لا علاقة للواقع ومعطياته وتفاعلاته بها. ففي وجود يغرق في الفشل لن يُسمح إلا بثورات فاشلة تضر أكثر مما تنفع. تلك هي الحقيقة القدرية للوجود. وإذا كان القدر أرعنا مخنثا مثقوبا إلى هذا الحد فبما يجدي النفخ، وبما تجدي المحاولة؟!

الحياة سباق محموم في القذارة. تمارس فيه جموع المدنسين الغفيرة كل حيل قذارتهم على حفنة الطيبين المشرذمة، فقط ليكونوا مثلهم، كي لا يعلو صوت فوق صوت الدنس.

فطوبى إذن لمن يمرون من الحياة، وكأنهم لم يمروا. حيث لا أثرا تركوا، ولا بدنس خرجوا. والويل كل الويل للملطخة قلوبهم بالحياة.. المتكالبين على الهباء، وهم هباء.

السبت، 3 أغسطس 2019

مفارقة ‏مينو



ما أشبه كل مساعي الحياة بمفارقة "مينو" الشهيرة.. حيث أننا فعلا لا نبحث عما نعلم، ولا نستطيع أن نبحث عما لا نعلم. حيث في الحال الأول لا ثمة داعٍ للبحث، وفي الحال الثاني لا جدوى من البحث حيث كيف لنا أن نعرف أن ما وجدناه هو ذاته الشيء الذي لم نكن نعلمه؟؟

إذن كل ما تراكم من معارف هو ملهيات عن إجابات الأسئلة الوجودية التي دفعتنا أصلا للتساؤل، بل أنه هناك أصلا سؤال سابق حتى على على كل أسئلة مبحث الوجود الرئيسية.. وهو سؤال يختص بمبحث المعرفة ذاتها.. وهو سؤال إمكانية المعرفة من عدمها.. فلو كانت المعرفة غير ممكنة  فإن كل هذا البنيان المتطاول ما هو إلا هباء أساسه الخواء. ويبقى الإشكال أن الإجابة القائلة حتى بإمكانية المعرفة لا تستطيع أن تدحض الاحتمال الأول القائل بعدم امكانيتها واستطاعتها، حيث إن الإجابة بالإثبات ما هي في أحسن أحوالها سوى فتح باب للأسئلة التي لا تنتهي. إنها لا تستطيع بأي حال أن تنفي إجابة النفي الصارخة تلك بشكل قاطع. إنها ببساطة فقط مجرد أجابة على هيئة تساؤل لا نهائي ممتد لا جواب قاطع عليه، ولا هدف منه، ولا طائل منه أو فيه.. محض عودة جبرية للوقوف في الرمادي اللانهائي بين لا ونعم.

إن حجم الأشياء التى لا نفهمها في الكون يتناسب طرديا مع حجم محاولات فهمنا الجاد لنفس ذات الأشياء. كلما حاولت أن تفهم وأجتهدت في ذلك لن تفهم أي شيء، بل ستخسر ما فهمته قديما عندما كانت محاولاتك للفهم أقل دقة، وأكثر سطحية.. ولذلك ستجد أكثر الناس راحة هم من لا يحاولون الفهم من الأساس. هؤلاء الناس يظنون أنهم يفهمون كل شيء بطبيعة الحال.. رغم أنهم بالأساس خارج دائرة الفهم، ولم يحاولوا دخولها قط. 

إن محاولاتك الجادة لفهم الأمور هي الوجه الآخر من تصميمك الجاد على أن لا تفهم أبدا. باختصار أنت لست أكثر من مجرد ساذج مدفوع بفضوله. فحتى لو عرفت الحقيقة؛ لظللت تبصق في وجهها حتى مت عطشا. 

الأحد، 21 يوليو 2019

لوثة ‏الوعي ‏المفرط



بالصمت المرابط على الشفاه مثابرا، والنظر الواجم نحو اللاشيء الغير مكترث.. وبثبات كثبات الموتى الذي لا يحركه أي شيء بالحياة مهما بدا مثيرا ومستفزا. ماذا بوسع الحياة أن تفعل حيالنا سوى أن تنتحر ضجرا، وتكف عن هرائها؟؟ فلربما آذاننا المنتبهة المنصتة هي ما تدفعها للهذيان.

كم هو مؤلم ومرير أن تواجه الحياة بعقل واعٍ، وأعصاب يقظة طوال الوقت.. كم هو مهلكٌ ومضني أن تقابل كل تلك السخافات دون كأسِ نبيذٍ مترع، أو دخانٍ أزرقٍ قاتم، أو حبةٍ كيميائيةٍ مهدئة.. عالم كهذا لا يصلح إلا للمخمورين المدمنين الشمامين.. عالمٌ لا يصلحه شيء إلا اللوثة والهلوسة والسقوط في فوضى غياهب الثمالة.فقط لو كنا أكثر حكمة.. لعاملنا الحياة كمومس مختلة لا ينتظر منها شيء سوى البذاءة والحجارة، رغم ما تبديه لاستدراجنا من إيحاءات مغرية.

الجهل مجاني.. العجز مجاني.. المرض مجاني.. العناء مجاني.. الضعف مجاني.. الموت حتى مجاني، وللجميع.. ببساطة كل أسباب التعاسة مجانية، بينما على الجانب الآخر كل أسباب السعادة كلفتها باهظة للغاية ماديا ومعنويا. لتتعلم تتعب.. لتقوى تسقط.. لتشفى تتألم.. لتنجح تكد.. وبعد هذا كله لابد دوما أن تحاول أن تبقى سعيد مستنزفا كل طاقاتك قبل أن تموت كي لا يذهب عمرك هدرا. من رأيي أن يذهب عمري هدرا أو يذهب حتى للجحيم. الحياة برمتها قضية خاسرة لا تستحق شيئا سوى الحزن الطافح فيها. الحزن الصارخ فينا الذي كلما حاولنا كتم أنفاسه عنوة غرقت عقولنا بأوهام تضر أكثر مما تنفع.

الثلاثاء، 4 يونيو 2019

هواجس ‏اللاجدوى



الحروف تتشابك، والكلمات تتوالى، والعبارات تنهمر، ثم أقلب الصفحة، وليس معي مما قرأت شيئا سوى اصفرار لون الورق الكئيب. لا شيء يدخل إلى عقلي، وكأن عيناي يمحوان المعاني بمرورهما على الكلمات.

حتى الكتابة أصبحت ثقيلة لا تغري. فقدت خاصيتها في ضبط التوازن، وتهدئة الروع، وتحسين المزاج. أمر على الصفحات البيضاء مرور شيخ طاعن على فتاة تضج جمالا، ويضج بها الجمال.. لا شيء ملفت.. لا ثمة دافع للرغبة، رغم أنه لا ثمة مانع منها. تختنق الأفكار في رأسي من فرط تزاحمها.. تموت، فتشيعها غيرها التي تموت زحاما في كأبة المشهد، وهكذا.

أسند رأسي على مسند الذكريات.. لا ثمة شيء يستحق الذكر.. لا ألم، ولا فرح، ولا حتى لغز.. خانة بيضاء أخرى لا تسترعي الانتباه.

حتى مقطع الموسيقى الذي يصيبني بالنشوة والشبق أدركه العطب.. ربما أفسدته بالتكرار.. صار حياديا مثلا الماء.. لا طعم، لا لون، لا رائحة.. لم يعد حوار العود والكمان ذكيا كما سمعته أول مرة.. ردود مكررة.. سخيفة.. متوقعة لدرجة أن انعدامها لن يشكل فرقا..

الميتافيزيقا ‏التي تلاشي ‏نفسها


بينما كانت تتوالى طعنات الوجود على كل سنتيمتر من عقلي.. كان العدم يخرج لي لسانه نكاية. لا شك أن الوجود منتج رديء للغاية. كل ما نراه يروج عنه مجرد حملات دعائية كاذبة سببها عجز الوعي. فما لم يصلحه قانون الغابة البدائي، لم ولن تصلحه كل قوانين الحضارة مهما تراكمت. لا علاقة للنتائج بالأسباب. هذا ببساطة جل ما تعلمته بعد أكثر من ثلاثين عاما في ممارسة الحياة. السببية حمق بدائي لا أكثر.. ميكانيزم يهدر الوعي والواعي معا.

فحتى وإن كان الشتات من حيث هو عدم ووجود لا يمكن فصله وجوديا عن بعضه،إلا أنه لا يمكن تصور ماهيات مكوناته إلا بانفصالها أو على الأقل جمعها معا في إطار أعلى. وكل إطار أعلى لا يمكن فصله وجوديا عن الإطار الذي هو أدنى منه بحيث لا يمكن الفصل بين ماهية كل منهما، ولا يمكن جمعهما إلا في أطار أعلى وأعلى.. وهكذا هلم جرا. حتى الجمع بين الوجود والماهية كونهم إطار واحد يورطنا أكثر في جدلية بعدها الثالث لابد أن يكون مجاوزا. وكأن الوجود هو ميتافيزيقيا متوسعة تلاشي نفسها بالأساس.

الأحد، 12 مايو 2019

رأس مثقل بزحام فارغ



مختلي.. خالي.. متخلي.. رأسي يعبق بفراغ محموم أكثر كثافة وجساءة من هذا الذي يحاوطني، ولا يشاركني فيه أحد. فراغ يذخر بالتفاصيل التي لا أدري كيف ومتى ولماذا صرت أغض الطرف عنها، وكأنها غير موجودة في رأسي، ومن حولي. لا أعرف تحديدا كنه هذا الشيء الذي قادني إلى تلك الفجوة.. لا أعرف، ولا أريد أن أعرف، ولا أريد حتى أن لا أريد. 

مكتفي متشبع ساكن متشبث بأذيال تلك اللحظة التي تجرني من خلفها بسرعة خاطفة متلاطما عقلي بشتات الأفكار والصور والمعاني. ربما في محاولة يائسة منها لإيقاظي، أو قل في محاولة بائسة منها في فواتها، وإثبات نفسها في دفتر الماضي الذي يطوى كل شيء. 

غريب جدا شعور أن نلاشي أنفسنا بأنفسنا. أن نتوحد وكأننا معدومي الوقت والحيز حيث الآن هو الماضي والحاضر والمستقبل، والأزل هو الأبد هو اللا وقت. والمكان مجرد أضغاث صدى لهذا كله.

أعرف أني لا أملك شيئا سوى رأس مثقل ينوء به الجسد. يعضلني حمل هذا العبأ. على الطاولة أفرغه تماما. تتهاوى محتوياته لتملأ الطاولة.. فالغرفة.. فالبيت.. فالوطن.. فالعالم.. فالكون.. فالوجود. رائحة موسيقى عبقة كثيفة تفوح مما يتساقط.. آهات في خلفيتها تتعانق لتذوب.. أسماء تتداعى لتتلاشى.. برك من الخيبات.. شكوك تترنح.. ظنون تتراقص.. أفكار مبتورة.. مشوشة.. هراء يتنامى سرطانيا بجنون.. آلام بنكهة شجية تبعث السكينة.. عبث ممنطق أو يحاول.. فلسفة كئيبة تبتسم في بلاهة.. حقائق تبعث لتموت.. أشياء لا أعرفها.. أماني لا تصدقني.. مثالية حائرة من مثاليتها.. شهوة تشيب.. واقعية تستمني.. صحف تتطاير.. حب للذات.. كره لهذا الحب.. ثم حب لهذا الكره.. تاريخ ينساب لا على حقيقته، ولا على حسب الكتب.. ينساب كما لا يشاء.. عدم يغمض عينيه عني، وعن الأشياء.. مشهد للمكان يغتصب الزمان.. وجود يدور كعملة معدنية سقطت لتوها ترن دون توقف.. تعاويذ مخيفة تهدأ روعي.. تراتيل تلهو بالآلهة جميعا دون تفرقة.. نسيان ينبض في الأشياء.. ثقوب من الحمقى.. أساطير لا تصدق نفسها.. أوهام مصابة بالفصام.. كثير من الشعر المكسور المنسي القوافي.. أرقام غير معينة.. صورة فوتوغرافية مشوهة للكون.. أخرى زيتية ضبابية للحب.. وأخرى سيريالية للموت.

هل بعد كل هذا خف هذا العبأ؟؟؟ بالطبع لا، فقد أصابت اللعنة كل ما هو خارج عني.. لوثته بقدر ما لوثني، وانصرفت لتتابع عملها في السديم لتثقل مزيد من رؤوس الآخرين. كل رأس بدورها تفعل هذا، وكأن لا شيء يصلح من أمر رأس أي إنسان سوى المقصلة.

الاثنين، 22 أبريل 2019

الظلم قضية إنسانية أزلية

صورة للكاتب المصري القديم

إن هذا الكلام الذي سوف تقرأه، والذي يصف حال البلد اليوم بدقة بالغة بليغة تسترعي الانتباه كتبه أحد كبار كهنة عين شمس في عصر الدولة الوسطى للمصريين القدماء، هذا العظيم والذي كان يدعي "خع خبر رع سنب" يؤكد أن أمثالنا من المتألمين الساخطين على حال الظلم والقهر الذي نعيش فيه كانوا يسعون على هذه الأرض منذ ما يقارب ٤٠٠٠ عام.. وكأن قضية هذه الأرض منذ قديم الأزل هي الظلم والتهميش والمهانة والخنوع والشر والجهل.. بل هي قضية الإنسان الأولى منذ البدء.

يقول خع خبر رع سنب في وثيقته والتي موجودة في المتحف البريطاني:-
"ليتني كنت أعرف صيغا للكلام لا يعلمها أحد، وأمثالا غير معروفة لم تذكر بعد، لا ذلك الكلام الذي جرت به الألسن من زمن بعيد مما تكلم به الأجداد.. إني أقول ذلك بحسب ما رأيت، مبتدئا بأقدم الناس حتى يصل إلى أولئك الذين سيأتون بعد.. إن العدالة قد نبذت، وأخذ الظلم مكانه في وسط قاعة المجلس، وخطط الألهة قد انتهكت وأهمل نظامها، والبلد صارت في هم، والحزن عم كل مكان حيث المدن والأقاليم في عويل، وكل الناس صاروا على السواء يرزحون تحت عبء الظلم والمهانة. أما الأحترام فإن أجله قد انتهى..

إن المصائب تقع اليوم، ومصائب الغد لم تأت بعد، وكل الناس لاهون عن ذلك رغم إن البلاد من حولهم في اضطراب عظيم، وليس إنسان خاليا من الشر، فإن جميع الناس على السواء يأتونه، فالآمر والمأمور سواسية، وقلب كل منهما راض بما حصل، وهم يستيقظون على شرورهم في كل صباح فلا ينبذه قلب، ولا يزالوان اليوم على ما فعلوه بالأمس، فلا يوجد إنسان عاقل يدرك، ولا إنسان يدفعه الغضب إلى الكلام. الناس تستيقظ كل صباح على ألم.. والفقير ليس له حول ولا قوة لينجو ممن هو أشد بأسا منه.. كم هو مؤلم إن يسكت الناس عن كل تلك الأشياء.. كم هو مؤلم أن تتجاوب مع الرجل الجاهل".

الجمعة، 29 مارس 2019

احتضار الوجود السرمدي



شيء ما يجثم فوق صدر الوجود.. منذ البداية وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.. كل هذا الماضي السحيق.. كل هذا الحاضر الثقيل.. كل هذا المستقبل الطويل الذي يلاشي النظر.. جميعهم مجتمعين هم اللحظة الأخيرة التي لا تريد بأن تمر.. الاحتضار الأزلي الأبدي الذي أبدا لم ينتهي، ولن ينتهي.. الوجود ليس أكثر من سكرات تتوالى، ولا تتوانى.. ولكم كان جدير بحقيقة كتلك أن تبحث عنا واحدا واحدة؛ كي تتثبت من وجودها بتضليلنا؟! ولكن المفارقة تتأتى من كوننا لسنا قضية الوجود الأولى أصلا -رغم أننا ليس لنا قضية سواه- حيث يمكن لأي عابر أن يوقف هذا السيل الجارف من الأحداث التي تطفو على سطح نهر الحياة الجاري، ليحيله إلى بركة ساكنة رائقة يحملق فيها وجوده على مرآة صافية تماما يذوب فيها مضاعا من فرط وضوح انعكاس الصورة حيث تجف العبارات.. تسكت المعاني، ويطرب الصدى من لحن الصمت حتى يثمل.. ولكننا متعجلين.. لطالما كفرنا بالأمل من شدة اليقين.. لطالما آمنا باليأس من فرط الشك حيث إن كل هذه المعادلات والحسابات والأرقام واللوغاريتمات والخوارزميات كانت من أجل صفر غير معرف النهاية.. إن أثرا كهذا العدم الذي لا يمل أبدا من ملاحقتنا مهما طالت بنا الخطوات ليس أمامه خيار سوى أن يسوقنا أمامه ليتثبت من وجوده.. الوجود معضلته هو الآخر.. فالعدم عبء.. كما أن الوجود عبء.. الحياة عبء.. الموت عبء.. الزحام عبء.. الفراغ عبء.. الوحدة عبء.. الناس أعباء تمشي على قدمين.. أعباء أنفسهم.. أعباء للآخرين.. المحبون حتى عبء.. عبء حقيقي صادق نحن كل أعبائه.. ليس بوسع الأمور أن تحدث بشكل أفضل.. ليس بوسعها أن تكون على ما يرام لا وجودا، ولا عدما، ولا حتى على أي منحى مجاوز.. التداعي أزلي.. التهاوي سرمدي.. والتماهي في لحظة الاحتضار لا مناص منه..

السبت، 16 فبراير 2019

أسطورة ‏المعرفة


في منتصف المسافات الطويلة التي لا تفضي لشيء يضفي عليك الضياع وقار حكمة تجذب بزيفها التفات بعض نفر من التائهين العابرين إلى اللاشيء.. فيسألوك عن الطريق.. فتأمرهم أن يتبعوك إلى حيث لا تعرف.

هكذا يضيع المتن الأول على هامش الهامش الأخير. هكذا قد تتبدل الراويات وتنقلب على نفسها في تلك الرحلة الطويلة لتتابع الرواة والمئولين. قد لا تكون هناك ثمة حقائق ممكنة في الأصل لتروى أو تئول، ولكن هذا المخرج المستغرق في النسبية والذي يبدو مريحا للوهلة الأولى يخلق عالما من الأسئلة الصعبة جدا التي تؤرق كل البديهيات، وتهتك عرض المنطق بلا هوادة. فما الذي يجبر الوهم أصلا على تقبل حقيقته دائما دونما استثناءات رغم إن كل الأشياء بالوجود تنقلب على نفسها بالوقت؟ لماذا الوهم هو الثابت الجامد الوحيد منذ البداية الذي لم يتغير؟ وكيف سيظل هو القاعدة الأبدية التي لا تستثنى أبدا؟ ما هو كنه هذا الشيء الذي يجعل الوهم مستحيلا إلى هذا الحد طاغي الإمكان بهذا القدر؟

لا شك أن المعرفة أسطورة تتطور، حيث أنه لو كانت هناك ثمة حقيقة لما كنا هنا. ولهذا لا بديل أمام الإنسان في رحلته إلا أن يبالغ ويعظم من شأن انتصاراته البسيطة في فهم وتطويع وقيادة الطبيعة؛ ليواري بهذا هزائمه المتكررة في فهم وتطويع وقيادة نفسه.

ويبقى السؤال غصة في حلق الوعي: هل ثمة استفادة حقيقية من أي نوع من وجود الإنسان في الكون؟ هل ثمة استفادة حقيقية من وجود الكون أصلا؟ 

الاثنين، 7 يناير 2019

بيروقراطية الكون



ربما تعد البيروقراطية من حيث كونها مفهوما أجتماعيا تنظيميا ونظاما قانونيا وسياسيا ذروة سنام النظام الحضاري للإنسانية، إلا أنها بمرور الوقت -وكما كل منتجات الحضارة- تداعت على نفسها من الداخل خاصة حينما تشابكت الامور وتعقدت، فاضطررنا إلى تقديم صرامة مادية النظم والتنظيم والقوانين على عمق الجانب المعنوي للأفراد ورغباتهم ومشاعرهم وأحاسيسهم  بحيث صار النظام عبأ يثقل كاهل مصلحة الفرد والمجتمع، بل أصبح في أحسن أحواله يحول البشر لأسنان صدئة في تروس ماكينة ضخمة كثيرة الضجيج قليلة الطحين مضارها أكبر من نفعها. فحينما تجاهل النظام سبب سلطته وتناسى القانون الداعي من سطوته، واستحال كلا منهما إلى أطر صلبة مجردة جامدة خالية من الروح وعمق المعنى حينها اصطبغت البيرواقطية كلفظة بصبغة سلبية سرعان ما تتبادر إلى الأذهان عند ذكرها.

وقد يرجع هذا التداعي والتهافت للبيروقراطية عبر الزمن إلى جذرها الأغريقي -كراتس- والذي يعني السلطة. ولاشك أنه لا نظام ولا تنظيم ولا قانون بدون سلطة.. ولا شك أيضا أنه لا سلطة من غير شر وضر. فالسلطوية على قدر ما تمنح من العطايا وتقي من الفوضى، على قدر ما تمنع وتقيد من الحرية. وتلك طبيعة الحال في كل أشياء الوجود على قدر ما تعطيك تسلبك، حيث يمكن إسقاط تلك القاعدة على أصغر مقياس إلى أكبر مقياس في الوجود. ففي الوجود لا توجد أشياء صرفة خالصة. فأشياء الوجود تخضع لجدلية الشيء ونقيضه معا في آن واحد.

فحتى الكون ذاته يغرق في بيروقراطية عتيقة. فالقوانين والنظم التي تدير الكون، والتي نستنتجها بمرور الوقت بالعلم يطفح منها الروتين بدرجة لا تطاق. وكأن المشكلة ليست فقط في مدام عفاف التي تعمل في التأمينات، وتريدك أن تدور على كافة المكاتب كي تنهي أوراق معاشك، ولا في أستاذ مدحت المسجون خلف قضبان شباك تراخيص المرور، ويريد خمسين جنيها كي يختصر عليك الطريق الطويل للروتين من أجل استرداد رخصة مركبتك. المشكلة في الروتين الأصلي الكبير الذي سمح بوجودنا جميعا على هذا النحو؛ كي نخلق روتينا مشابها مليء بالقوانين لنعيش من خلاله وفيه أسارى؛ لنموت في النهاية بطريقة روتينية أيضا وسمجة. المشكلة في السلطة والنظام الذي يستحيل تخيل الوجود أو تصوره دونهما.

فيوضات العبث