الاثنين، 28 ديسمبر 2015

الحقيقة المفضية إلى اللا حقيقة


هل الحقيقة التي تصل بنا إلى اللا حقيقة تظل حقيقة؟؟

بالطبع لست تافها لدرجة أن أبحث عن الحقيقة.. فالمنتجات التي أنتجها هذا البحث منذ البداية إلى الآن كفيلة أن تجبر أي عاقل على أن ينأى بنفسه بعيدا عن مثل هذه الحماقات. كل ما الأمر أنه باغتني سؤال ما نبت من فراغي وقادتني محاولتي للإجابة عنه إلى لفظة (الحقيقة). 

كان السؤال الذي ابتدأت منه.. ما هو الشيء الذي لا ضد له؟؟ ربما باغتني سؤال كهذا نظرا لحنقي الشديد من التفكير في التناقض الذي تنبني عليه الحياة، فتظهر بسببه معقدة جدا وعبثية جدا في نفس الوقت. فالتناقض في وجه نظري هو خلل الوجود الأكبر الذي لا يستقيم معه أي شيء. 
وبعد تأمل ليس بالقصير وجدت الإجابة. أنت لا ضد لك.. أنا لا نقيض لي.. ولكن ماذا أقصد بأنت وأنا؟؟ بعد تفكير وصلت أني أقصد بـ -أنا وأنت- الحد الفاصل الذي جعلني إنسانا، وجعلك إنسانا آخر. إنه الوعي، "الانسان هو الموجود الوحيد الذي يعي ذاته". إذن فالشيء الذي لا نجد له ضد هو الوعي، وعينا بذاوتنا.

ولكن ما علاقة هذا بالحقيقة؟؟ في واقع الأمر العلاقة نشبت من أن التناقض والمتناقضات لم توصلنا إلا للأوهام والضلالات والحماقات، وبالتالي فالحقيقة كي تكون حقيقة لابد أن لا يشوبها نقيض، ولا يقابلها ضد. ومن هنا أفترضت أن الوعي هو الحقيقة. 
كي نعي تلك الحقيقة لابد أن نعي الوعي ذاته، وتلك متاهة لانهائية لن نستطيع الخروج منها إلا بالمتناقضات، ولن توصلنا إلا للمتناقضات التي لن توصلنا إلا إلى الأوهام والضلالات والحماقات واللاحقيقة. ومن هنا لاح السؤال ملحا.. هل الحقيقة التي تصل بنا إلى اللاحقيقة تعد حقيقة فعلا؟؟

هنا فعلا توقفت عن التفكير، ولم أبحث عن إجابة؛ لأن كل سؤال يتورط في إجابة، وكل إجابة تورطنا في مئات من الأسئلة الأصعب.. السؤال في حقيقة الأمر قيد عظيم، قد يكذب علينا في البداية، فيصدر نفسه على أنه قيد غير محكم مريح؛ لنتمادى نحن في تصديقه، ونعتبر أنفسنا أحرارا فيه، لكن الحقيقة أننا مسجونون في زنزانة وعينا تقيدنا الأسئلة بالبحث عن الإجابات التى تحكم وثاقنا بمزيد من الأسئلة.. وهكذا إلى ما لا نهاية. ولهذا يبقى الموت هو الأمل حيث أنه هو الباب الوحيد الذي يحجب المجهول من خلفه.. المجهول الذي قد يكون الحقيقة.

الحقيقة التي قد لا تجدي نفعا هنا، حيث لا شيء فعلا يجدي نفعا.. فلا الذين يغلقون الماضي على أنفسهم حفظهم ماضيهم، ولا الذين غلقوا من خلفهم باب ماضيهم دون رجعة طمئنهم حاضرهم، ولا حتى الذين راهنوا على المستقبل المجهول وقفت بصفهم حظوظ الاحتمالات.. في النهاية تجد هذه الدنيا الرحبة مكانيا يحجمها الزمان؛ لتبدو ضيقة جدا أمام عيوننا، جاثمة بكل رحابتها فوق صدورنا. الأضداد تضفي براحا خانقا لا تجد فيه شيء صافي استطاع أن ينجو ويتخلص من نقيضه.. لا يوجد للأسف شيء بلا نقيض. فحتى رحابة المكان التى تتسع يوما بعد يوم يحاوطها مثلث الزمان بأضلاعه الماضي والحاضر والمستقبل.. وبالنهاية تدفعنا تلك الرحابة إلى الموت مختنقين في الزوايا الضيقة، وتلك هي الحقيقة.

لا أحد هنا يتحيز للحقيقة، ولا حتى للوهم.. كل منا يتحيز لنفسه بطريقة أو باخرى، وكل هذا التخبط يحدث؛ ﻷنه لا يوجد أحد يستطيع أن  يفهم نفسه جيدا.كل تلك الأحكام التي تسمعها الآن ليست قاطعة؛ لأنه لا يمكن البت في قضية الحياة إلا بالموت. وتلك هي أهم بديهية يتجاهلها الناس؛ ليتمكنوا من ممارسة الحياة المليئة بالعوائق. حيث العدم أحد عوائق الوجود، والوجود أحد عوائق المعنى، والمعنى أحد عوائق العقل، والعقل أحد عوائق الإدراك، والإدراك أحد عوائق الفهم، والفهم بحد ذاته عائق. ليس باستطاعتك شيء هنا سوى تقديس العوائق والتسليم لها؛ لأنك مهما تحايلت حتما ستصل في النهاية إلي عائق لا يمكن تجاوزه، ألا وهو عائق الحقيقة.

الأحد، 8 نوفمبر 2015

صناعة تفسير المجهول

صادقا حتى وإن خسرت، فليكن.. ربما فعلا أرى الحياة قبيحة ومزرية كردة فعل تبريرية لأوجاعي المتلاحقة، وسأمي الدائم. وربما أيضا تكون نظرتي تلك غير حقيقة، لكني لن أستطيع أن أتعامى عن نزيف ذاتي أو أن أصم آذاني عن صريخ الروح. سأظل صادقا حتى وإن خانني عقلي عن رؤية الحقيقة. لن أختار الحقيقة "أي حقيقة" على حساب الصدق. فلتصب الطبيعة نقمتها على الحقائق اللينة اللطيفة المريحة العقلانية المنطقية المرضية المتداولة المثبتة المطلقة والنسبية "كل الحقائق". وليبقى الصدق حتى وإن كان متبجحا فظا غليظا متعبا صادما عبثيا باطلا. جل الحقائق هو أن تكون صادقا أمام نفسك دون حيل أو مواربة، ودون طول كلام.

كثقب أسود لامبالي أبتلع كل ما يدور حولي وداخلي بسرعة عظيمة متأنية، بعبثية وقورة كل الأشياء تنهار هنا داخلي دون أدنى مقاومة، ودون أدنى جهد.. ربما يوما ما أبتلع نفسي كاملا، ولا يبقى شيء.

صدقني، لن أستطيع أن آخذك إلى ما هو أبعد من هذا الإبهام والغموض التي تستشعره، ربما ﻷنه لا يوجد في قاموسنا الآن كلمات أبعد.. ولكن أستطيع بسهولة جدا أن أتركك هنا وحيدا الآن مع تأملك (هذا إذا كان عندك وقت للتأمل) لتسئل إلى أين كان يريد أن يأخذني هذا الأحمق؟؟

الحقيقة ليس عندي إجابة، بل ولا أريد استهلاكك في تلاعب الكلمات، إنما فقط أريد أن أقول لك أنك تستطيع أن تعرف الإجابة الغير موجودة، وتحدد هذا المكان الذي أريد أن آخذك إليه، وأنا أجهله.. نعم، تستطيع فقط أن بذلت الوقت، وعزمت على فعل ذلك، وأردته باخلاص وتفاني ينتصر على الملل.  
أنت مصنع هائل متطور لصنع المعاني.. كل ما تحتاج إليه فقط خامة أولية هي المجهول، وعامل محفز كالذي فعلته أنا، وإرادة وعزيمة ووقت.. بعدها سوف تستطيع أن تنتج كل شيء.. المعاني.. الغايات.. الأهداف.. المنطق.. إلى آخره.

كل ما تراه حولك الآن من التعقيدات والتركيبات نشأ بنفس الطريقة، ولو حاولت تفكيكه لأوصلته لخام المجهول، وعوامل كالوقت والعزيمة والارادة وتحدي الملل، وعوامل التدافع المحفزة.
عند هذا ستكتشف تفاهة الأسئلة التي من عينة ما الغاية؟؟ ما المعنى؟؟ ما الهدف؟؟ ﻷنك بأسئلتك المجهولة تلك ستمد نفسك بالخامات وبالتفكير وبالتأمل  الذين تتم  بهم عملية الصناعة تلك. وكل هذا يقود حتما إلى المنتج النهائي، وحتى إن كان منتجك بلا معنى، فهذا في حد ذاته معناه. وإن لم يكن بلا غاية، فتلك هي غايته..  أنت تكون مصنع مستقل بذاتك هذا أمر مرهق ومتعب جدا..  لهذا سوف تجد كثير منا يتساهل ويفضل أن يصبح مجرد سن في ترس في ماكينة لمصنع ما، لكنه رغما عن ضألة حجم الدور التافه الذي أختاره يظل جزء من الصناعة.. صناعة  تفسيرالمجهول.

الخميس، 22 أكتوبر 2015

العدمية في القرآن



"هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا"


عن هذا العدم الذي تنتفي عنه الكينونة والشيئية والذكر. هذا العدم الذي أتى من براح فيضه الجميع إلى ضيق سجن هذا الوجود المحكم، وتحديدا أقصد هذا الحنين المغروس فينا نحو البدايات "الحنين للعدم". الرغبة في الخلاص من فكرة الوجود.. عندما يضيق الوجود فلا مفر لبني الإنسان سوى هذا الحنين الغريزي للعدم.. تلك النوستالجيا القصرية للبداية التي ربما نغفل عنها طويلا في أحيان كثيرة، أن غريزة البقاء وهي أقوى الغرائز يلزم لأثباتها غريزة تقابلها أقوى منها هي غريزة العدم.

ضاقت الدنيا بمريم في مخاضها فقالت"يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا" ضاقت الدنيا على النبي محمد، وفتر عنه الوحي فأخذ في خلوته ينتقل بين الجبال، وتحدثه نفسه بإلقاء نفسه من أي قمة خلاصا من ضيقه وحزنه، ورغم تشيكك الكثير في صحة تلك الواقعة رغم ورود ذكرها في صحيح البخاري بإتصال مع واقعة الوحي، إلا أن النص القراني في سورة الكهف يقطع كل تشكيك بكلامات مبينة واضحة "فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا" والباخع هو من قتل نفسه خلاصا من حزنها وضيقها.

عندما يضيق الوجود لا بديل أمامنا سوى العدم حيث هو الخلاص الأبدي الناجز من كل هذه المهاترات التي لا تنتهي، بل أن تمني العدم في هذه الحالة يحمل في كنهه اعتراض صارخ على فكرة الوجود، وإثبات دامغ على تفاهته بكل تفاصليه، ودليل قاطع على لاجدوى عبثية كل مكوناته من حزن وفرح وشقاء وراحة  و ... إلخ.

وربما على هذا المعنى الأخير من الممكن أن نفهم الآية التي يسردها القرآن على لسان الكافر يوم الحساب حين يقول "وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا" ففي ظاهر المعنى يُتوهم أنه تمني للعدم من أجل الخلاص من الجحيم على سبيل فيه إشارة للندم، ولكن بنظرة أكثر عمقا ربما تستشعر معي أنه يحمل في طياته وجه من وجوه الاعتراض على فكرة الوجود والحساب. إن البحث عن خلاص عدمي بتلك الكيفية يحمل في باطنه شكلا كبيرا من أشكال الاعتراض على الفكرة. وكأنه يقول: من غير العادل أن تعاقبني على خطأ حدث في عمر أقصاه مائة عام بجحيم أبدي لا نهائي.. فأجعلني ترابا أذن لأتخلص من لعنة وجودي للأبد. 

إنك بعملية حسابية بسيطة وهي قسمة أي رقم على ما لا نهاية ستكتشف أن النتيجة رياضيا صفر.. أي أن عمرك بالنسبة للابد ما هو إلا صفر، ومن هنا من الممكن أن نتفهم منطقية هذا الاعتراض ودافعه، بل من الممكن أن نستشف فكرة عدم عدالة الوجود والحساب من الأساس. إن أسلوب تمني العدم هنا رغم أنه يؤول على أنه أسلوب تمني بلاغي يفيد الندم، إلا أنه يحمل ضمنيا سؤالا منطقيا كبيرا، وهو كيف تعاقبني على أخطاء عمر -نسبته تساوي صفرا بالنسبة لأبدية الزمن- بجحيم زمنه -يساوي الأبد نفسه-؟؟

الأربعاء، 14 أكتوبر 2015

الله والحب والانتظار

أعتقد بأن الحس الإنساني الصوفي لم يبتدع فكرة الربط بين المجهولين "الله والحب". فالإنسان لا أراديا أبتدعهما؛ ليبتدع معنى لنفسه بالأساس، بل ليبتدع منهما داعٍ لانتظاره هنا مواكبا لنفسه. أنهما معا دلالة واحدة لتلك المرآة التي تراكمت داخلنا بالوقت، والتي يحاول كل منا أن يرى فيها نفسه بمقياس عظيم من التكبير "zoom in" ليبرر انتظاره. أنهما هما المقياس الذي يسمح لنا أن نكون مستحقين ﻷن نُرى في خضم هذا الكون اللا متناهي.

فالحب كالله من عرفه لابد أن ينكره، والله كالحب لا يمكن إنكاره إلا بالتمادي في معرفته. وكي يستقيم المعنى، وأكون أكثر وضوحا.. أقصد بأن التعبير عنهما معا لابد أن يكون حرا كما شاء على قدر عبث الانتظار، والفوضى التي تعكسها مرايانا. الفوضى الناتجة من لغزية عبثية نفوسنا نظرا "لبكسلة" الصورة من فرط التكبير "pixelated photo".

ولهذا قد أتعاطف مع الحب كنمط حياتي كونه فقط هو الخصم الأقوى للإنتظار الذي هو أصل الحياة، بل وأصل كل حقيقة فيها. الله مثلا ليس أكثر من حقيقة مؤجلة نستثمر في الانتظار لأجلها. والحب أيضا ليس أكثر من خلل في ضربات القلب بحيث لا تنتظر الدقة أختها التي تعاودها وتليها. بطريقة ما تتوالى الدقات متتابعة متلاحقة دون مسافة فراغ وصولا إلى اللحظة التي ننتظر فيها حدوث دقة  لا تأتي أبدا. هكذا يربح الإنتظار دوما للأبد ليظل الله احتمالا مؤجلا لا نختبره إلا بالموت، بينما الحب يكفيه شرف المحاولة في خضم تعنت الحقيقة. إنه على كل حال أشرف من يحاول في ظل غياب الله.

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2015

محاورات على هامش النهاية

لم تركب بميعادك، ولن تنزل لميعادك. المواعيد شئون إلهية بالأساس؛ ولهذا عندما تستشعر أنك تأخرت، فأعلم أن الكفر قد بدأ يتسلل إلى قلبك من حيث لا تدري. أمثالنا لا يصلون مبكرا، ولا يتأخرون.. أمثالنا محدودون محددون. الحرص والحذر لن يغيرا أي شيء في مسيرة الحقيقة التي لا تكترث لشيء. والحقيقة هي أننا لا نعرف جميعا السبب الذي يدفعنا أن نكمل الرحلة مع أرواحنا، ونحن ندرك جيدا أنها يوما ما ستفارقنا.. هل هو الحب؟؟ إذن كيف تحب روحك؟؟ كيف تحب شيئا أنت متيقن من فراقه؟؟ ألهذه الدرجة يجعلنا الحب حمقى وأغبياء ومغفلين؟؟

حتى هذا الحب الذي تنفقه على كل من حولك دونما حساب سوف ينضب، وحتى إن لم ينضب فسوف يتآكل تدريجيا نظرا لحماقة الآخرين وغبائهم و انعدم اكتراثهم واستغلالهم و.. إلى آخره. لابد أن يجعل منك هذا الحب في وقت لاحق حجرا قاسيا مثل الجميع فقط؛ لكي تستطيع العيش وسط هذه الكومات اللانهائية من الحجارة المبعثرة هنا وهناك.
الآخرون -على كثرتهم- خيبات يا عزيزي. فهم لا يرون سوى الوردة التى بين يديك، لا أحد يعرف شيئا عن الشوك الذي يملأ قلبك. لا يسمعون سوى الكلام الذي تقول لا أحد يسمع عراك الصمت الذي يغزو نفسك. لا أحد يعرفك على نحوك؛ ﻷن حقيقة الأشياء المطلقة لا تعرف أبدا. هنا لا أحد مهيأ ليحمل عبأ أحد. فكل نفس تكفيها نفسها وزيادة.

أنت لست أكثر من مجرد سن صدأ من بين آلاف السنون المتهالكة التي تدور في ترس متسخ تافه لماكينة مهترئة محركها كثير الضجيج قليل الطحين ملقاة في مصنع لا ينتج أي شيء سوى العبث و اللاجدوي. تلك هي الحقيقة التي تنكرها فقط لترضي نفسك، لتستمر في عملك الساذج إلي أن تتآكل تماما.

هل من أجل هذا الهراء الذي تقوله ولا أفهمه، ستتركني أموت أمامك دون أن تحرك ساكنا؟؟

لو كنت حقا تموت، فأعلم أني لا أستطيع أن أفعل لك شيئا. ففي آخر النفق المظلم حينما يبتسم الموت لنا، وتلمع أسنانه بآخر ومضة أمل مزيفة، لا يكون بوسعنا إلا أن نحدق فيه بكل بلاهة. تخلى عن الحب يا عزيزي، وسوف يهون عليك كل شيء.. تخلى أيضا عن الأمل، وحدق بكل جسارة. لا تدع شيء يوقفك.. إنطلق وحسب بكل شجاعة وثبات وثقة في أن الهاوية بها مكان يتسع للجميع. عليك أن تفرح، كل هذه النشوة تنتظرك أنت. فأغمض عينيك وألقي بنفسك فيها كي تذوب إلى الأبد. لا تفكر طويلا، دع تلك النشوة فيك تستدعي منك ما تستدعيه كما تشاء. إذا كنت حقا لا تريدها، فكن لا أراديا على قدرها. كماء ساكن يموجه الهواء فيهمس بالخرير. كن خريرا هامسا، وأخلع عنك كل الكلام، واستودع نفسك موتا فيها. فالنشوة جنة، والجنة الحقيقة هي دار الموتى الصامتين الذين باعوا أنفسهم بها لها.

الاثنين، 17 أغسطس 2015

هشاشة الوجود

نعم لم أخلق ماديا بما يكفي؛ ﻷن يتشبث نظري بالأرض التي تمر من تحت قدمي في كل لحظة، ولم أخلق أيضا معنويا بما يكفي؛ ﻷن أكون واحدا من كل هؤلاء الذين تستهويهم فكرة النظر إلى السماء.  كنت فكان أمامي حياة ضبابية بوضوح لا يسمح لي إلا أن أغمض عيني تاركا نفسي للخطوات تمشيني، وتمشي بي.

أريد أن لا أدنس صفحتي البيضاء بكلامي، ولا أن أدنس هدوئي بصمتي، ولا أن أموت. أريد حالا ما.. يكون ما قبل الصمت، ويكون أيضا ما بعد الكلام، فقط ليكون أنا على نحوها أو على أفتراض وجودها. ممتلئا بالكلام الذي يعجز عن وصفي، وعن وصف أي شيء أستحق كل هذا الصمت، وبرغم أني لا أكف أبدا عن الثرثرة، لكني فعلا رغم كل هذه الضجة لازالت جديرا بصمت مثالي صادق كهذا الذي تعبر به أمي عن حبها لي منذ البداية التي لا أتذكر بدايتها -هي فعلا لم تقل لي يوما أنها تحبني، ولم تعانقني إلا عند السفر- ولكن رغم هذا كله يبقى للصمت كلمته التي يجب أن لا تقال؛ كي لا تناقضه.. كي تحفظ لوهم المعنى شيئا من إتزانه.

ببساطة، لست إستثناء فأنا ككل هؤلاء الذين يمرون في صخب الزحام من ضيق كثرة الكلام إلى إتساع غباء الأفهام إلى غاياتهم المتباينة التي تفضي جميعها إلى الموت. الموت الذي لابد أن نلتهي عنه كي نعيش؛ لنموت بغتة.
الحقيقة أن كل منا مهوس بنفسه هوسا يكافئ جهله بكنهها، بل ربما يكون هذا الجهل هو السبب المنطقي لحدة هذا الهوس وتطرفه. بعبارة أخرى، لا أحد يستطيع أن يعرف نفسه إلا حينما يبتعد عنها، ويفارقها بالموت. 

الحياة تافهة للغاية.. أتفه من أن تتعب نفسك فيها لتصنع حدثا.. أترك الحدث الأقوى يصنع نفسه بنفسه، ولا تكترث به حتى وإن راق لك.. المشهد المعقد حولك يفقد كامل معناه من تفاهة التفاصيل المكونة له.. الوجود تافه وضعيف وهش للغاية؛ لانه يقاوم شبحا من العدم، بل ويريد أن ينتصر عليه.
هل يوجد شيء أكثر هشاشة من وجودا يعادي العدم؟؟

الأحد، 19 يوليو 2015

الأرق

بجسد نهم لا يشبع، وبقلب متخم ثقيل لا يكاد ينبض، وبروح تتلاشى أو تلاشت أنا هنا الآن عقلي يرتجف كلما حدقت عيناي في فكرة التحلي التي أدرك جيدا أنها لن تفضي إلا لمزيد من التخلي. كلما أرتقيت دنوت في معراج سحيق.. النوم يغلق الأبواب دوني.. أنا لا أود أن أتمادى يقظا حد التهلكة.

الحقيقة أني لا أمتلك سنتيمترا واحدا من هذا الهلام المسمى "نفسي" رغم أني أظن أن هذا الهلام المبهم يمتلك كل شيء مني رغما عني. ربما هذا لا يعني أكثر من أني لست سوى مجرد شخص هوائي مزاجي متقلب ملول طبقا للفحوصات السلوكية التي أخضعتني لها طبيبتي النفسية التي تقتات على أوجاع أمثالي وأوهامهم. ربما درئا للسخط الذي يطاردني أضطر إلى أن أعمل مواصلا الليل بالنهار في سبيل جمع ثروة طائلة أتبرع بها في النهاية لأحدى منظمات الرفق بالحيوان أو حتى أتبرع بها لطبيبتي النفسية مقابل أن تغلق عيادتها، وتكف عن تحمل ثرثرة البائسين اليائسين؛ لأجل بضع ورقات مالية حقيرة من فئة المائة والمائتين.

الليلة سمجة للغاية تتمادى في البطئ، وكأنها وقفت في وجه الزمن لا تريد له أن يمر. مسطحا فوق الفراش متعبا يتملكني أرق قاس لدرجة انني كدت أن أقبل رجل السرير كي يسمح لي بأن أنام، ولكن النوم كان يرفضني بشدة، وكأن بيننا ثأر قديم. كنت كلما بصق الملل في وجهي مستمعنا في أهانتي وإذلالي أشعل سيجارة جديدة إلى أن فرغت العلبة تماما، وامتلأت المطفأة بالأعقاب المنثنية المفروكة بغل.

ولكن ما خطر لي من الذكريات كان يؤكد لي أن الرحلة تمضي، وتلك مواساة عظيمة تجعلني أبتسم كلما صادفتني ذكرى عابرة أو أعترضني ماضي غابر.
على أعتاب انتصاف العمر رغم أمراضي المزمنة وضجري وأرقي وتلاشي صبري ولامبالاتي وخيباتي إلا أني أشعر أنني لا أزال عندي ما يبدده الوقت، وتستهلكه مرارات التجارب.. لا أعرف تحديدا كنه هذا الشيء المتبقي إلا أنه موجود ويحفظ لي شبرا أحجزه بين قدمي في هذه المهزلة التي لا تورق أحد، وتؤرقني.

الاثنين، 15 يونيو 2015

قصة ميلاد ‏العلم ‏

بعد مخاض عسير حفته المكاره والمهالك، وفي غفلة من الزمن أستطاع البشر إنجاب هذا الطفل العجيب المربك المسمى "العلم" أثر زواج عرفي غير مشهر بإمرأة غامضة لم يعرفها الكثير، بل لم يفهموها إلى الآن كانت تسمى "الفلسفة".  والفلسفة هي إمرأة اعتزلت الناس، وخلت إلى تأمل عميق لا ينقطع تقتات فيه على فهم عقلها، وآلية فهمه، بل وآلية فهم كافة الاشياء.. إمرأة غريبة الأطوار ليس كمثلها إمرأة تكفل به أناس بحثوا المعاني ودققوها، وباعوا أنفسهم لعقولهم، ولها دونما انتظار للثمن. 

أخذ طفلنا "العلم" المزعج يكبر يوما بعد يوما مستنزفا مزيدا ومزيدا من خيرة البشر الذين تكفلوا برعايته، ودفعوا أنفسهم فداء له؛ كي يري النور حرا مستنشقا أول أنفاسه بأمان.. وتمر الأيام كثيرة سريعة متلاحقة، ويبدأ رضيعنا الضعيف في أن يحبو صوب مزيدا من المعرفة الغريبة على البشر آنذاك، بل التى فاقت كل خيالهم.. وفي هذه الأثناء كان هناك قلة من البشر يحبون خلفه بل تحبوا قلوبهم خلفه آملين فيه متطلعين إليه، بينما كانت الغالبية يلعنوه ويرونه أبن زنا لا حق له في الحياة.. أمه غامضة، وأبوه ما هو إلا شرذمة قليلة من المنحرفين المجانين المهرطقين.

وعلى هذا النحو سارت الأمور.. كانت الغالبية العظمى من البشر يرونه لعنة يجب حصارها، ووأدها حية في رمال الجهل قبل أن تستشري في عقول الناس، فراحوا يضطهدون من يدافع عنه ويرعاه، ويحاربون كل من تعاطف معه بكل قسوة وفظاظة.. ويستمر الصراع بين الغالبية بجبروتها، والقلة المسكينة بطفلها الرضيع، و يمر الوقت، ويكبر الطفل أكثر، وتبدأ قدمه في تحسس أولى خطواتها.. يفرح القلة بوليدهم النجيب الذي تعبوا عليه ولازالوا، ولكن سلواهم أن الفرحة دوما محفوفة بالألم، والتعب والصعاب.. خطواته غير ثابتة مرتبكة متعثرة بل لازالت تواجه بغباء الأغلبية وحمقهم وإيذائهم، ولكن الوقت دوما كان يسير إلى الأمام ضامنا للطفل عمر جديد بخطوات أكثر ثباتا، وبكلمات أكثر بيانا وتبيانا.. 

ويمضي الوقت رغم أنف الجميع، وتدور عجلة الزمن داهسة كل من يعترضها، وهاهو يشتد عوده، وينطلق لسانه، وتقوى أركانه، ويصبح صبيا ملهما بارعا براعة لم يعرفها احد قبله، والقلة حوله في تزايد تملأ قلوبهم الحفاوة والفخر يتوسمون فيه خير عوض عن كل من أفنوا أنفسهم ﻷجله.. وهنا تتصاعد وتيرة الأحداث.. يصطدم الصبي اليافع بعجوز طاعن في العمر أسمه "الوهم".. عجوز شكل عقول الناس منذ الأزل بأساطيره وخرافاته.. عجوز مهترئ يراه الناس حكيما جدا في يده خلاصهم وملاذهم رغم أنه يفرقهم يوما بعد يوم، ويحرضهم على أنفسهم باختلاف صورته هنا وهناك.. ربما فعلا تعددت صوره، وتفاصيله وأساطيره، لكنه في الحقيقة واحد.. مجرد وهم يريد في النهاية قبل أن يردي نفسه أن يردي الجميع.. تتوالي المصادمات والجدالات والمناقشات والمناظرات بينهما.. وكان الصبي رغم حداثة سنه ينتصر في كل مرة انتصارا مدويا يزيد الناس من حوله، بل يزيد الإيمان به في قلوبهم، وكانت هنا الغالبية تستشيط غضبا، وتصبح أكثر قسوة وفتكا، والصبي لازال يكبر داحضا كل معاني الوهم بثبات مبددا خرفاته بيقين ساطع ساخرا من أساطيره التي ظنها الناس في وقت سابق منبع كل حكمة وعلم.. 

وفجأة وفي أيام بسيطة جدا ينقلب الأمر رأسا على عقب.. وبين ليلة، وضحاها يصبح الصبي شابا مراهقا قويا يسحق الوهم بيديه، ويفرض نفسه على الساحة بقوة أفعاله، وبدحضه لكل أساطير الوهم وخرافاته التي ملأت الكون آلاف السنين.. ولكن الغباء فكرة، والفكرة على كل حال لا تموت.. يتحيز طائفة من البشر في بقعة من العالم للوهم.. يدافعون عنه متمسكين به بعصبية جاهلية غير مبررة يقاتلون كل شئ بأسم الوهم: لدرجة أنهم جن جنونهم، وأصبحوا يقاتلون أنفسهم.. بينما الشاب المراهق لا يزال على قمة القمم.. يجول ويصول هنا وهناك.. أنه بالفعل، وبعد هذه الرحلة كلها يحكم العالم.. يسيطر على كل الأمور التي تجري على وجه البسيطة.. يبر البشر جميعا برا لم يعهدوه.. ليس فقط من تحيزوا له، وأمنوا به بل حتى هؤلاء الذين لا يزالون متمسكين بالوهم فتجدهم تارة يستخدموا وسائله المبتكرة في دحضه بترويج اساطيرهم، ولكنه مع مرور الايام كان يجبرهم على توفيق أوهامهم معه.. أنهم ينحسرون أمام طغيان منطقه، وجبروت حجته .. أنه بالفعل يغير الصورة تماما، ولكن رغم كل هذا على كل ما فيه من نجاح لا يمكن أن ننفي عنه كونه لازال مراهقا له سقاطاته واخفاقاته، بل كل هذا لا ينفي عنه طيشه وتخبطه.. نعم النهايات السعيدة لا تحدث إلا في الأفلام على شاشات السنيمات..أنها المراهقة يا سادة بكل ما فيها .. بكل ما لها من حيوية وقوة وقدرة وذكاء وحيلة، وأيضا بكل ما عليها من طيش وتخبط واندفاع ومزاجية وهوائية وانفعال وتهور، وأحيانا حمق وتسرع وجنون.

وإلى هنا تبقى النهاية مفتوحة بسؤال صارخ.. هل يصبح هذا العلم كهلا يوما ما كي يصبح أكثر استقرارا وثباتا واتزانا؟؟ وهل يجود الزمن بفرصة أعظم فيمنحه عمر أطول كي يكبر أكثر وأكثر؛ ليصبح شيخا أكثر حكمة كي يحل لغز الوجود، ويحيل البشر إلى يقين بحقيقة واحدة ثابتة لا غبار عليها ؟؟ لربما هذا فعلا ما سوف يعرفه أحفادنا في القرون القادمة من الزمن بعدما نتلاشى نحن من هنا بعد قليل مستمتعين بهذه القصة اللطيفة التي حدثت، وتحدث، وستظل تحدث إلى النهاية.. أنها بحق قصة الطفل ابن المرأة الغامضة.. أنها بحق رحلتنا للبحث عن الحقيقة.

الجمعة، 29 مايو 2015

رسائل اللاجدوى

 
لا أنكر أن اللاجدوى أخرستني، لكني برغم هذا لم أجد في طول الصمت سوى الكلام.. في كل مرة أنجو بنفسي صامتا يجرني الفراغ مجددًا إلى نفس ذات البذاءة "مستنقع الكلام".   مع الصمت لا يزداد يقيني بشيء سوى جهلي حد ظني أنه سيكون يومًا قاتلي، وحتى إن لم يقتلني فالمهزلة كفيلة بفعل ذلك.. فما بين عجزي عن رؤية عمق المجهول الذي أتيت منه، والذي سوف أذهب مضطرا إليه أقف هنا مكذبا كل ما رأيت مستسلمًا للعمى الأكثر صدقا من كل ما أراى.. كلُ الحروف هنا مريرة في فم العميان، ولكن أغلب الظن أنه لا أحد هنا يستطيع أن يقاوم إغراء العبث الذي يدفع الجميع للهذيان والهلوسة. 
قد لا نختلف كثيرا على أن الرسائل التي لا تعني شيئا، ولكنها تصلك خير ألف مرة من الرسائل التي تعني الكثير، لكنها أبدا لا تصل.. ولهذا سأحاول اجترار بعضها بصيغ مختلفة، وبعبارات باهتة جديدة..

الرسالة الأولى ولنسميها "اليأس"
يأس عاشق يتوسل محبوبته التي آثرت الرحيل: "أن تكوني موجودة، وتقتليني خير لي من أن أموت دونك". الموت للموتى سواء.. الموت فعلا لا يتنوع إلا في عيون الأحياء.. تلك هي مع الأسف الحياة.. وهذا هو الحب فيها.. مجرد يأس ناجم عن الضعف والعجز.

الرسالة الثانية ولتكن "الهروب"
خبر انتحار هامشي في أحد الجرائد يعزز موقف مكتئب آخر في الانتحار.. وكأن ملاكا ما يحض شيطانا ما آخر على الكفر، أو أن شيطانا ما يدعو ملاكا ما آخر للإيمان -و بداخل كل منا الحالتين- ولكن يبقينا سؤال.. لمن ستترك كل هذا الإرث الهائل من العناء؟؟ من سيقتسمه من بعدك؟؟ فالعناء لا يذوب بذوبان روحك في الهروب.. هو إرث يربو حزنا في قلوب من أحبوك.

الرسالة الثالثة ولنعتبرها "الرغم"
ماذا تقول عندما يتحول أحد رموشك من دور المدافع عن عينك إلى دور المهاجم لها؛ لدرجة تزعجك وتؤلمك وتشوش بصرك فترغم فيها على الدموع؟؟ في كل مرة كان يتوجب عليك أن تهدم كل شئ بنيته فقط؛ كي تستمر وتبدأ في البناء مرغما من جديد.. الحلقة مفرغة.. عبثية ضديتها أفقدتها مغزاها فأصبحت لا تفضي لشيء.

الرسالة الأخيرة من الممكن أن نسميها "المعاني"
هاهي الدنيا أمامك.. مجرد بركة راكدة.. تلقي فيها الكلمات حجرا حجرا؛ لتستقر المعاني جميعا في غياهب الأعماق، وتعكس البركة ساكنة من جديد وجه السماء الغامض.. ولكن نحن نعيد الكرة لتظهر لنا تلك الدوائر الصغيرة التي تكبر وتكبر إلى حد التلاشي.. أعرف أننا نعرف المغزى تماما ونفهمه.. نعم كل الدوائر كانت فعلا كلام.. كل الدوائر بدأت فعلا صغيرة.. كبرت، وكل كبير نهايته التلاشي.. كل المعاني في العمق باتت بلا أي معنى.. هكذا ببساطة تدفعنا اللاجدوى للجلوس على الضفة صامتين..  فلا نجد في الصمت شيئا سوى الكلام، وهذا فعلا هو الحال الذي انطلقت منه لكتابة كل ما قرأت.

الاثنين، 25 مايو 2015

لا خير لنا في الموائمات



في نفس اللحظة التي تنتهي فيها صرخات المخاض، تبدأ صرخات الوليد. ليست تلك إذن صرخات ﻷمٍ ووليدها، لكنها مجرد حياة.. مجرد صرخة واحدة متصلة مستمرة مدوية لا تنتهي. مجرد لغز لا نستطيع أن نواجهه إلا بالصراخ. قد تظن أنني أحاول أن أغرد خارج السرب، والحقيقة هي أنني أنا وأنت والجميع من حولنا لسنا أكثر من قطيع من الخنازير الذين يرتعون في الوحل، ولا يعرفون أي شيء عن الطيران. فحتى اعتبار الحياة مجرد بروفا قصيرة لحياة ما بعد الموت، لن يغير أي شيء عند من لا يجيد التمثيل أو حتى عند من يجيده، ولكن لا يستهويه الدور الذي قد قد كتب من أجله.  ربما ألقى بنا العدم واحدا تلو الآخر إلى هذا الجحيم المؤقت من باب الرحمة، فقط كي يشتد عودنا؛ لنصبح قادرين على تحمل جحيم الخلود.

لا خير لنا في كل تلك الموائمات، أما السعادة المطلقة أو الحقيقة أو الموت.

تخيل أنك تصعد على سلم عدد درجاته لانهائية، بينما هو يهبط بكامل درجاته اللانهائية للأسفل بنفس مقدار صعودك.. كلما تصعد، السلم يهبط.. هكذا تسير الحياة في المجمل. كل ضد خلق لضده حيث كل ضربة كان يضربها الفأس على الحجر كانت تكسر جزء من كلاهما.. كل معول هدم يهدم نفسه بالنهاية. في الحقيقة نحن لا ننحاز لمبحث العلم لأنه الحل المطلق للغز، ولكن نظرا لأنه أفضل من يحاول.. بمعني أدق أنه نتاج تراكم محاولات الفهم الإنساني علي سطح تلك الكرة المترنحة المصابة بالدوار. الكون في مجمله فوضى لا يمكن ترتيبها إلا بمحدودية عقولنا، ولهذا هناك أجابة واحدة صحيحة وحقيقية تصلح لكافة الأسئلة وهي لا أعرف. ستجد علوما في شتى المجالات، ولكن لن تجد علما واحدا في مجال الجهل رغم أنه أوسع المعارف التي يمتلكها البشر على الأطلاق.

ولكي نكون متصالحين مع ذلك.. لابد أن نترك الإحتمال القائل: بعدم وجود حل من الأساس، بل بعدم وجود لغز أصلا بديلا مطروحا للقضية. ذلك كونه احتمال لا يمكن دحضه نظرا لجبرية الورطة التي تورطناها هنا، وقصورنا في التحرر منها، أو الخروج من إطارها من أجل رؤية أفضل. وعلى هذا النحو تنسف الموائمة نفسها بتقارب الضدين وتعانقهما إلى هذا الحد، بحيث يصبح اللا اكتراث بالقضية بأكملها فيه قدر كبير من الحكمة والوعي بلاجدوى البحث والسؤال والإجابة، بل وتفاهة الباحثين، ومدى سذاجة النتائج التي يرزحون تحت وطئتها. 

فيوضات العبث