الاثنين، 11 أبريل 2016

مونولوج لعنة الحكام

يا ولدي.. 
سهم الجوع الطائش في كبدي 
أشهى عندي من طعم خراف الذل 
على مائدة السلطان 

رفقة فقري 
خير لي من رفقة أوساخ الحاشية 
جبناء المجلس 
ممن تبتل مقاعدهم إذا غضب السلطان
 
موتي مجهولا لا يدري بي الناس 
أفضل عندي من أن يصبح اسمي مجلبة للنقمات، 
ودعوى مجانية للعنات، 
أو أن يمسي عرضي علكة 
يبصقها الناس مكان تبرزهم 
كي لا تعلق بنعال المارة في الطرقات

يا ولدى.. 
لا يعلو كراسي الحكم سوى الأوساخ 
نتاج فراش العهر 
أرباب الخسة والجبن الأنذال
مالي في صحبة أقوام 
جعلهم الله خرقا بالية يمسح فيها العامة 
وسخ الدنيا، وعناء الأيام، وظلم مرار الأحوال

مالي في رفقة من خلقوا للعن، 
ومنحوا أعراضا هي للناس حلال 
مالي فيهم، 
ومسبتهم سلوان المضطهدين، 
وخزائنهم ملأى بشكاية المقهورين،
 ودعاوى المظلومين معدومي الحال

الجمعة، 1 أبريل 2016

بكيتك


بكيتكِ طفا طيفكِ في دموعٍ أغرقتني
الحبُ ينتحُر غرقا 
في كأسي الفارغةِ من نشوةِ السكر 
فأختل حزناً وأكسرها

قلبي أنهكهُ نظمُ الشعرِ صمتاً في غيابك
آهٍ كم وددت لو أمحوكِ من روحي؛ لتنمحي روحي
كأنكِ خطأٌ إملائي فادحٌ في قصيدةِ قلبي
دونكِ ينكسرُ وزنُ الدقات، 
وتضيعُ قافيةُ النبض
كأنكِ خللٌ لا يصلحهُ إلا الصمت
أو بالأحرى لن يصلحهُ إلا الموت

عيناكِ غائمتان، وسمائي عاريةٌ
خلعت جميعً غيومها حينما أمطرت وجعاً
أفلا يطهرني المطر؟؟
أفلا يحالفني القدر؟؟
أم أن وردَ العمرِ كان يذبلُ بيننا يوماً فيوماً
دون أن ندري؛ لنموتَ بغتة شاردين؟؟

الأربعاء، 16 مارس 2016

ولا ‏شيء ‏يبقى


من خلفِ هذا العمرِ بابٌ أغلقني خلفهُ سهوًا، 
فمضيتُ في الصحراءِ مجذوبًا بلا مفتاح 
شططٌ يغري قدمي نحو السير
خرقٌ يذهبُ بي حيثُ ذهبت.

تتقفى أثري الكلمات 
أتلثمُ بالصمتِ وأهرب
أتخفى ليلاً كالليل،
والليلُ غطاءٌ يستمطرُ 
من عقمِ الوحدةِ كلَ معاني الحزن.  

في الحزن.. 
يتلعثمُ فيَّ الخوف فلا أكمل
قد كنت أخافُ الخوف، 
والخوفُ ألهٌ يمهلُ لا يهمل
الخوفُ ضنينٌ يا أبناءَ الخوف
الخوفُ ضنين
يستلذذُ بالقتلِ فلا يقتل

هذا الذي يقف مسترخيًا 
على حافة عمرهِ 
طاردهُ الخلودُ وبدده
لا شيء يبقى.. لن يبقى شيء

الأربعاء، 17 فبراير 2016

في ظلال انتظار غودو

بينما كنت مسترخي في سريري أقرأ خطبة "لاكي" العصماء التي ألقاها "في إنتظار غودو" الذي لم يأتي، ولن يأتي. استشعرت أن سقف الوعي منخفض إلى حد لا يسمح لعقولنا إلا أن تبقى منحنية.. وأن محاولة صمويل بيكيت لرفع عقولنا فوق حد العقل بالعبث لم ينتج عنها سوى ارتطام مدوي لرؤوسنا بهذا السقف المنخفض جدا للوعي. ارتطام مؤلم بحق. 

في الحقيقة نحن انعدمنا من العدم.. كنا.. عدم أفسد نفسه؟! عدم أصلح نفسه؟! لا فرق. نعم ولا؟! لا ينفصلان، نعم. الوجود على كل حال هو إبتداء العدم، وعلى هذا النحو بدأ الإنتظار، وبمثل هذا انتصر السأم. لاشك أنك إذا نظرت إلى داخلك بنظرة سريعة سترى الصورة واضحة نوعا ما، لكن كلما توغلت.. أمعنت.. تعمقت.. ستجد أن الصورة تزداد قتامة وصولا إلى عتمة حالكة وظلام دامس مجهول كهذا الذي سقط في صمويل بيكيت ليكتب لنا تلك المسرحية.. ربما هذا المجهول هو الذي يصدر لنا كل تلك الصور التي تطفو على السطح. الصور التي تظن أنها انت.. أنها أفكارك.. أبعادك.. معاييرك.. منطقك.. إرادتك.. كل هذه الأشياء هي من صنع المجهول المعتم الذي يملأك.. كل هذه الأشياء هي التي تصنع الصورة السطحية التي تطفو لاحتياجاتك التي تدفعك إلى الإستمرار للبحث عن أجابة للسؤال الضخم العظيم: ماذا أريد؟؟ 

كل القوى التي تدفعك إلى الأمام .. كل الافكار التي أنتجت هذا السؤال.. كل الاحتياجات التي تدفعك للاستمرار في الركض.. ما هي في الحقيقة إلا حيل المجهول الأكبر الذي ينتظرك بعد الموت.. كل ما في الأمر أنه قد حدد موعد المقابلة مسبقا، وأخترع هذا الطريق الطويل كي تصل إليه في الموعد الذي حدده. إن عدم خوفي من أن أموت وعدم لامبالاتي لا يعني عدم خوفي من الموت، بل على النقيض يعكس مدى رعبي منه، ومن سهامه الطائشة التي قد تنال أحبابي المحيطين الذين أتشكك أصلا في صدق حبي لهم، بل أتشكك أصل في لفظة الحب ذاتها وفي مغزاها، ولكن أقولها لأني لا امتلك الآن من الصبر ما يسعفني لأجد لفظة أخرى ملائمة.. على كل حال أنا مستعد أن اموت و انا في غاية الرضا و السعادة على أن أعيش بدونهم. تلك هي الحقيقة التي تتداعى على نفسها بالوقت.. أو بالأحرى هذا ما يحدث عندما يجابه صفرا مثلي الما لا نهاية على ضخمتها.. هكذا يحدث الخلل، وتصبح القيمة غير معرفة.

الأربعاء، 20 يناير 2016

باب الخديعة الكبرى

إمتلأت مسوداتك عن آخرها. انتظمت تلك الفوضى المبعثرة فيك على نحو يدفعك لإقتراف وجودٍ خاسرٍ مجددًا. لا بأس، لست وحدك.. جميعنا نستسلم أحيانا للكلمات التي تستدرجنا بنقوشها المزركشة، والمعاني التي تلمعُ في عيوننا باحتمالاتها اللانهائية الواهية. لا ضير، فقط دع تلك اللعنة تتملك منك حتى تجد نفسك لا تستطيع الإفلات، واطمئن .. أنت الآن على أعتاب بابِ الخديعةِ الكبرى التي منذ أن كانت لا تزول. 

لا ثمة داع للفزع من أعين المتربصين الفضوليين والمتحذلقين. كل ما ترى أعمى يراك مثله لا ترى. مرحبًا بك في عالم العميان الذين لا يرون إلا أنفسهم، ولا يفهمونها فيعزون أنفسهم بدعاوى فهم الآخرين. كل هؤلاء الحمقى المسئيين كانوا صغارا يوما ما.. ذوب الأمل في قلوبهم أحلاما طفولية بريئة سرعان ما تبخرت مع الأيام لتبقى قلوبهم كما ترى بلا قلوب. الحياة أحق بالحساب من هؤلاء المثقلين بعبأ خيباتهم. الحياة هي الشيء الوحيد الذي يستحق الجحيم.

لا يغرك الضجيج هذه مجرد لعبة قمار تحاول أن تجابه الملل السائد لتدربنا على قانون الخسارة. لا شأن لك بها، غض الطرف، ولا يغرك غيرك أبدا مهما كثروا.. فالغالبية امتهنوا خطاياهم و احترفوا شهواتهم فاستحالت طقوسا مقدسة يروج لها من بابِ قلةِ الحيلة وملء الفراغ.. لا تلتفت حتى لهؤلاء الذين جعلوا للهراء نصوصا محكمة، و انهمكوا خاشعين يتعبدون بها في محراب الزيف طلبا لسلوى واهمة. لا يغرك صدقهم .. معظم الجهلة صادقين جدًا، ولا شيء محكم غير وثاقك. صدقيني لا شيء يعنيك سوى قيدك. كل ما يُفصح عنه لن يُصفح عنه أبدا. فالوجود خطيئة لا تجدي معها التوبة نفعا، ولا شئ يستحق الرهان هنا سوى رهانك على خسارتك للرهان.. هكذا قد تدركك الفرصة الوحيدة. ربما إن خسرت الرهان ربحت.. سيقولون لك أن الرابح يبقى صامتًا ووحيدًا للنهاية فقط لكي يضحك كثيرا.. الضحك هو سخرية الحقيقة الغير ممكنة من أمثالنا فلا تكترث باللاشئ الرحب حولك حتى وإن حاصرك وضيق خناقه وابتلعك كاملًا.  

لن تذكر أبدا أين ومتى وكيف ضعت؟؟ لأنك كنت تظن حينها أنك تمضي في الطريق الصحيح أوتدري لماذا توقفت الآن؟؟ لأن العودة للوراء لاجدوى منها تماما كالمضي قدما. دع الورطة تجرفك حيث شاءت؛ لأن البحث عن حلول سيكون ورطة أكبر. 

لست أفضل من أي شيء هنا فلا تحتمي من عتمة نفسك إلا في عتمة ظلك، وحاول أن تراقب أنفاسك طوال الوقت فربما بهذا تتمكن من أن تواسي ضجر قلبك من رتابة دقاته. ولا تنتظر مني شغفا أكثر.. أنا لست موجودا من الأساس مثلي مثل الحب.. أنت كنت وحدك منذ البداية، وأنا لست أكثر من مجرد وهم.. وهم يدفعك للانخراط في مزيد من الأوهام.. فلا تعول إلا على وهم وحدتك، وزيف عشقك لذاتك.. هذا لو استطعت عشقا ووحدة، وصدقتني فصدقت نفسك.

السبت، 9 يناير 2016

الكلمات الفارغة من المعنى

على مقهى حياتي في انتظار ما لا أعرفه تلمست حلا لخيبتي في قهوة نسيتها فبردت؛ لأتلمس حلا لخيبتها في سخونة دخان سيجارة أكتشفت حين أشعلتها أنها الأخيرة، لأني نسيت أن أشتري علبة جديدة، فشعرت بمزيد من الخيبة، فنسيت وأشعلتها مقلوبة.

ربما ما سبق ليس استهلال مناسبا لما أريد أن أقوله، ولكن هل تبقى معنى لم يقال كي أتحمس وأقوله لكم؛ كي تتحمسوا لتسمعوه أم أن كل المحاولات ستفشل وكأن كل الكلمات قد أفرغت من معانيها، ولم يتبقى منها سوى هياكل منقوشة و أصوات مزعجة.. يا لها حقا من ورطة عندما يكون كل ما أقوله لكم يحول بيني وبين ما أريد قوله.. يا لها من خيبة عندما لا يكون بوسعنا شيئا إلا الكلام، ولا نجده .. 

أقرأ في عيونكم انتظار المغزى وتلمس المعني، و أعرف أنه حتى غمغماتي الجادة جدا لن تساعدها جديتها كي تعني أي شئ بالنسبة لكم، ولا أن تصل بكم إلي مغزى تفهموه. ربما لست أكثر من أوراق بيضاء تملؤها سطور تنتهك بياضها تتطاير في وجوهكم دون قصد، ودون معنى على وقع صدى ضجيج مكرر لم يعد يتحمله أحد، ولا حتى أنا. ربما.. ولكن لاشك أنني أنا الآن أمامكم أحاول جاهدا أن أبدو كمعنى جديد لأننا جميعا لم نعد نقوى على التكرار، وهذا شيء يُوجب عليكم أن تمدوا حبال صبركم إلي منتهاها فلربما يجدي الصبر نفعا.. ربما ينكسر المستحيل، وينضح شيئا جديدا.. 

على أية حال فلتعرفوا أولا أن كلماتي حقيقية على ما أظن، وربما لهذا السبب تبدو عارية تماما من المعنى.. ولهذا أمنحوا المعنى الراكد داخلي وقتا كي يتخير لنفسه حروفا يرتديها أمامكم تليق بخط الرقعة -الذي أعتدته في الكتابة- ربما ملائمة كتلك تدفعه للخروج.. أمنحوا صمتي الراكض خلف نفسه مهلة كي يتبضع بعض مخارج صوت تلائم بحة صوتي وحشرجتي التى تلازمني جراء صمتي الطويل فقط كي أبدو أكثر جدية وتأثيرا وأقناعا لكم. 

أو فلتعتبروني أميا أخرسا لا يعرف نطقا أو قلما.. بدائيا لا يعرف لغة غير وجوده، ولا يعرف زيفا غير نفسه.. اعتبروني وحيدا أزليا أبديا سرمديا لا يحتاج شرح نفسه، ولا حتى تبريرها في وحدتها.. أعتبروني إلها مثلا كمثل كل هؤلاء الألهة الذين فعلوا كل هذا دون أن ينطق أي منهم بكلمة واحدة.. 

ربما تلك الموائمات تساعدكم على أن تفهموا تلك المفارقة التي دفعتني لقول كل هذا فقط لأنني لا أملك شيئا لأقوله.. وتتفهموا هذا الشتات الذي يخلق مثل تلك المفارقات، وهذا التناقض الذي يدفع المعنى كي يستمر، وتلك الأضداد التى تستند بعضا لبعض كي تمنحكم شعورا بالفهم.. قدروا الفوضى التي تنتج كلاما لا يعني شيئا، و احتقروا كل كلام لا ينتج فوضى حتى وإن بدا لكم أنه يعني كل شيء. ففي منتصف الوهم تكمن الحقيقة، وفي منتصف الحقيقة سنموت لأننا فعلا لا نصلح إلا للأوهام.

الاثنين، 28 ديسمبر 2015

الحقيقة المفضية إلى اللا حقيقة


هل الحقيقة التي تصل بنا إلى اللا حقيقة تظل حقيقة؟؟

بالطبع لست تافها لدرجة أن أبحث عن الحقيقة.. فالمنتجات التي أنتجها هذا البحث منذ البداية إلى الآن كفيلة أن تجبر أي عاقل على أن ينأى بنفسه بعيدا عن مثل هذه الحماقات. كل ما الأمر أنه باغتني سؤال ما نبت من فراغي وقادتني محاولتي للإجابة عنه إلى لفظة (الحقيقة). 

كان السؤال الذي ابتدأت منه.. ما هو الشيء الذي لا ضد له؟؟ ربما باغتني سؤال كهذا نظرا لحنقي الشديد من التفكير في التناقض الذي تنبني عليه الحياة، فتظهر بسببه معقدة جدا وعبثية جدا في نفس الوقت. فالتناقض في وجه نظري هو خلل الوجود الأكبر الذي لا يستقيم معه أي شيء. 
وبعد تأمل ليس بالقصير وجدت الإجابة. أنت لا ضد لك.. أنا لا نقيض لي.. ولكن ماذا أقصد بأنت وأنا؟؟ بعد تفكير وصلت أني أقصد بـ -أنا وأنت- الحد الفاصل الذي جعلني إنسانا، وجعلك إنسانا آخر. إنه الوعي، "الانسان هو الموجود الوحيد الذي يعي ذاته". إذن فالشيء الذي لا نجد له ضد هو الوعي، وعينا بذاوتنا.

ولكن ما علاقة هذا بالحقيقة؟؟ في واقع الأمر العلاقة نشبت من أن التناقض والمتناقضات لم توصلنا إلا للأوهام والضلالات والحماقات، وبالتالي فالحقيقة كي تكون حقيقة لابد أن لا يشوبها نقيض، ولا يقابلها ضد. ومن هنا أفترضت أن الوعي هو الحقيقة. 
كي نعي تلك الحقيقة لابد أن نعي الوعي ذاته، وتلك متاهة لانهائية لن نستطيع الخروج منها إلا بالمتناقضات، ولن توصلنا إلا للمتناقضات التي لن توصلنا إلا إلى الأوهام والضلالات والحماقات واللاحقيقة. ومن هنا لاح السؤال ملحا.. هل الحقيقة التي تصل بنا إلى اللاحقيقة تعد حقيقة فعلا؟؟

هنا فعلا توقفت عن التفكير، ولم أبحث عن إجابة؛ لأن كل سؤال يتورط في إجابة، وكل إجابة تورطنا في مئات من الأسئلة الأصعب.. السؤال في حقيقة الأمر قيد عظيم، قد يكذب علينا في البداية، فيصدر نفسه على أنه قيد غير محكم مريح؛ لنتمادى نحن في تصديقه، ونعتبر أنفسنا أحرارا فيه، لكن الحقيقة أننا مسجونون في زنزانة وعينا تقيدنا الأسئلة بالبحث عن الإجابات التى تحكم وثاقنا بمزيد من الأسئلة.. وهكذا إلى ما لا نهاية. ولهذا يبقى الموت هو الأمل حيث أنه هو الباب الوحيد الذي يحجب المجهول من خلفه.. المجهول الذي قد يكون الحقيقة.

الحقيقة التي قد لا تجدي نفعا هنا، حيث لا شيء فعلا يجدي نفعا.. فلا الذين يغلقون الماضي على أنفسهم حفظهم ماضيهم، ولا الذين غلقوا من خلفهم باب ماضيهم دون رجعة طمئنهم حاضرهم، ولا حتى الذين راهنوا على المستقبل المجهول وقفت بصفهم حظوظ الاحتمالات.. في النهاية تجد هذه الدنيا الرحبة مكانيا يحجمها الزمان؛ لتبدو ضيقة جدا أمام عيوننا، جاثمة بكل رحابتها فوق صدورنا. الأضداد تضفي براحا خانقا لا تجد فيه شيء صافي استطاع أن ينجو ويتخلص من نقيضه.. لا يوجد للأسف شيء بلا نقيض. فحتى رحابة المكان التى تتسع يوما بعد يوم يحاوطها مثلث الزمان بأضلاعه الماضي والحاضر والمستقبل.. وبالنهاية تدفعنا تلك الرحابة إلى الموت مختنقين في الزوايا الضيقة، وتلك هي الحقيقة.

لا أحد هنا يتحيز للحقيقة، ولا حتى للوهم.. كل منا يتحيز لنفسه بطريقة أو باخرى، وكل هذا التخبط يحدث؛ ﻷنه لا يوجد أحد يستطيع أن  يفهم نفسه جيدا.كل تلك الأحكام التي تسمعها الآن ليست قاطعة؛ لأنه لا يمكن البت في قضية الحياة إلا بالموت. وتلك هي أهم بديهية يتجاهلها الناس؛ ليتمكنوا من ممارسة الحياة المليئة بالعوائق. حيث العدم أحد عوائق الوجود، والوجود أحد عوائق المعنى، والمعنى أحد عوائق العقل، والعقل أحد عوائق الإدراك، والإدراك أحد عوائق الفهم، والفهم بحد ذاته عائق. ليس باستطاعتك شيء هنا سوى تقديس العوائق والتسليم لها؛ لأنك مهما تحايلت حتما ستصل في النهاية إلي عائق لا يمكن تجاوزه، ألا وهو عائق الحقيقة.

الأحد، 8 نوفمبر 2015

صناعة تفسير المجهول

صادقا حتى وإن خسرت، فليكن.. ربما فعلا أرى الحياة قبيحة ومزرية كردة فعل تبريرية لأوجاعي المتلاحقة، وسأمي الدائم. وربما أيضا تكون نظرتي تلك غير حقيقة، لكني لن أستطيع أن أتعامى عن نزيف ذاتي أو أن أصم آذاني عن صريخ الروح. سأظل صادقا حتى وإن خانني عقلي عن رؤية الحقيقة. لن أختار الحقيقة "أي حقيقة" على حساب الصدق. فلتصب الطبيعة نقمتها على الحقائق اللينة اللطيفة المريحة العقلانية المنطقية المرضية المتداولة المثبتة المطلقة والنسبية "كل الحقائق". وليبقى الصدق حتى وإن كان متبجحا فظا غليظا متعبا صادما عبثيا باطلا. جل الحقائق هو أن تكون صادقا أمام نفسك دون حيل أو مواربة، ودون طول كلام.

كثقب أسود لامبالي أبتلع كل ما يدور حولي وداخلي بسرعة عظيمة متأنية، بعبثية وقورة كل الأشياء تنهار هنا داخلي دون أدنى مقاومة، ودون أدنى جهد.. ربما يوما ما أبتلع نفسي كاملا، ولا يبقى شيء.

صدقني، لن أستطيع أن آخذك إلى ما هو أبعد من هذا الإبهام والغموض التي تستشعره، ربما ﻷنه لا يوجد في قاموسنا الآن كلمات أبعد.. ولكن أستطيع بسهولة جدا أن أتركك هنا وحيدا الآن مع تأملك (هذا إذا كان عندك وقت للتأمل) لتسئل إلى أين كان يريد أن يأخذني هذا الأحمق؟؟

الحقيقة ليس عندي إجابة، بل ولا أريد استهلاكك في تلاعب الكلمات، إنما فقط أريد أن أقول لك أنك تستطيع أن تعرف الإجابة الغير موجودة، وتحدد هذا المكان الذي أريد أن آخذك إليه، وأنا أجهله.. نعم، تستطيع فقط أن بذلت الوقت، وعزمت على فعل ذلك، وأردته باخلاص وتفاني ينتصر على الملل.  
أنت مصنع هائل متطور لصنع المعاني.. كل ما تحتاج إليه فقط خامة أولية هي المجهول، وعامل محفز كالذي فعلته أنا، وإرادة وعزيمة ووقت.. بعدها سوف تستطيع أن تنتج كل شيء.. المعاني.. الغايات.. الأهداف.. المنطق.. إلى آخره.

كل ما تراه حولك الآن من التعقيدات والتركيبات نشأ بنفس الطريقة، ولو حاولت تفكيكه لأوصلته لخام المجهول، وعوامل كالوقت والعزيمة والارادة وتحدي الملل، وعوامل التدافع المحفزة.
عند هذا ستكتشف تفاهة الأسئلة التي من عينة ما الغاية؟؟ ما المعنى؟؟ ما الهدف؟؟ ﻷنك بأسئلتك المجهولة تلك ستمد نفسك بالخامات وبالتفكير وبالتأمل  الذين تتم  بهم عملية الصناعة تلك. وكل هذا يقود حتما إلى المنتج النهائي، وحتى إن كان منتجك بلا معنى، فهذا في حد ذاته معناه. وإن لم يكن بلا غاية، فتلك هي غايته..  أنت تكون مصنع مستقل بذاتك هذا أمر مرهق ومتعب جدا..  لهذا سوف تجد كثير منا يتساهل ويفضل أن يصبح مجرد سن في ترس في ماكينة لمصنع ما، لكنه رغما عن ضألة حجم الدور التافه الذي أختاره يظل جزء من الصناعة.. صناعة  تفسيرالمجهول.

الخميس، 22 أكتوبر 2015

العدمية في القرآن



"هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا"


عن هذا العدم الذي تنتفي عنه الكينونة والشيئية والذكر. هذا العدم الذي أتى من براح فيضه الجميع إلى ضيق سجن هذا الوجود المحكم، وتحديدا أقصد هذا الحنين المغروس فينا نحو البدايات "الحنين للعدم". الرغبة في الخلاص من فكرة الوجود.. عندما يضيق الوجود فلا مفر لبني الإنسان سوى هذا الحنين الغريزي للعدم.. تلك النوستالجيا القصرية للبداية التي ربما نغفل عنها طويلا في أحيان كثيرة، أن غريزة البقاء وهي أقوى الغرائز يلزم لأثباتها غريزة تقابلها أقوى منها هي غريزة العدم.

ضاقت الدنيا بمريم في مخاضها فقالت"يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا" ضاقت الدنيا على النبي محمد، وفتر عنه الوحي فأخذ في خلوته ينتقل بين الجبال، وتحدثه نفسه بإلقاء نفسه من أي قمة خلاصا من ضيقه وحزنه، ورغم تشيكك الكثير في صحة تلك الواقعة رغم ورود ذكرها في صحيح البخاري بإتصال مع واقعة الوحي، إلا أن النص القراني في سورة الكهف يقطع كل تشكيك بكلامات مبينة واضحة "فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا" والباخع هو من قتل نفسه خلاصا من حزنها وضيقها.

عندما يضيق الوجود لا بديل أمامنا سوى العدم حيث هو الخلاص الأبدي الناجز من كل هذه المهاترات التي لا تنتهي، بل أن تمني العدم في هذه الحالة يحمل في كنهه اعتراض صارخ على فكرة الوجود، وإثبات دامغ على تفاهته بكل تفاصليه، ودليل قاطع على لاجدوى عبثية كل مكوناته من حزن وفرح وشقاء وراحة  و ... إلخ.

وربما على هذا المعنى الأخير من الممكن أن نفهم الآية التي يسردها القرآن على لسان الكافر يوم الحساب حين يقول "وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا" ففي ظاهر المعنى يُتوهم أنه تمني للعدم من أجل الخلاص من الجحيم على سبيل فيه إشارة للندم، ولكن بنظرة أكثر عمقا ربما تستشعر معي أنه يحمل في طياته وجه من وجوه الاعتراض على فكرة الوجود والحساب. إن البحث عن خلاص عدمي بتلك الكيفية يحمل في باطنه شكلا كبيرا من أشكال الاعتراض على الفكرة. وكأنه يقول: من غير العادل أن تعاقبني على خطأ حدث في عمر أقصاه مائة عام بجحيم أبدي لا نهائي.. فأجعلني ترابا أذن لأتخلص من لعنة وجودي للأبد. 

إنك بعملية حسابية بسيطة وهي قسمة أي رقم على ما لا نهاية ستكتشف أن النتيجة رياضيا صفر.. أي أن عمرك بالنسبة للابد ما هو إلا صفر، ومن هنا من الممكن أن نتفهم منطقية هذا الاعتراض ودافعه، بل من الممكن أن نستشف فكرة عدم عدالة الوجود والحساب من الأساس. إن أسلوب تمني العدم هنا رغم أنه يؤول على أنه أسلوب تمني بلاغي يفيد الندم، إلا أنه يحمل ضمنيا سؤالا منطقيا كبيرا، وهو كيف تعاقبني على أخطاء عمر -نسبته تساوي صفرا بالنسبة لأبدية الزمن- بجحيم زمنه -يساوي الأبد نفسه-؟؟

الأربعاء، 14 أكتوبر 2015

الله والحب والانتظار

أعتقد بأن الحس الإنساني الصوفي لم يبتدع فكرة الربط بين المجهولين "الله والحب". فالإنسان لا أراديا أبتدعهما؛ ليبتدع معنى لنفسه بالأساس، بل ليبتدع منهما داعٍ لانتظاره هنا مواكبا لنفسه. أنهما معا دلالة واحدة لتلك المرآة التي تراكمت داخلنا بالوقت، والتي يحاول كل منا أن يرى فيها نفسه بمقياس عظيم من التكبير "zoom in" ليبرر انتظاره. أنهما هما المقياس الذي يسمح لنا أن نكون مستحقين ﻷن نُرى في خضم هذا الكون اللا متناهي.

فالحب كالله من عرفه لابد أن ينكره، والله كالحب لا يمكن إنكاره إلا بالتمادي في معرفته. وكي يستقيم المعنى، وأكون أكثر وضوحا.. أقصد بأن التعبير عنهما معا لابد أن يكون حرا كما شاء على قدر عبث الانتظار، والفوضى التي تعكسها مرايانا. الفوضى الناتجة من لغزية عبثية نفوسنا نظرا "لبكسلة" الصورة من فرط التكبير "pixelated photo".

ولهذا قد أتعاطف مع الحب كنمط حياتي كونه فقط هو الخصم الأقوى للإنتظار الذي هو أصل الحياة، بل وأصل كل حقيقة فيها. الله مثلا ليس أكثر من حقيقة مؤجلة نستثمر في الانتظار لأجلها. والحب أيضا ليس أكثر من خلل في ضربات القلب بحيث لا تنتظر الدقة أختها التي تعاودها وتليها. بطريقة ما تتوالى الدقات متتابعة متلاحقة دون مسافة فراغ وصولا إلى اللحظة التي ننتظر فيها حدوث دقة  لا تأتي أبدا. هكذا يربح الإنتظار دوما للأبد ليظل الله احتمالا مؤجلا لا نختبره إلا بالموت، بينما الحب يكفيه شرف المحاولة في خضم تعنت الحقيقة. إنه على كل حال أشرف من يحاول في ظل غياب الله.

فيوضات العبث