ها نحن البشر خلاصة ما أنتجه الوجود من الوعي.. نفعل كل شيء تافه لا جدوى منه بإتقان كبير، لكن قل لي لعمرك ماذا فعلنا حيال الموت؟؟ حيال سهامه الطائشة التى تملأ كل شبر في السماء؛ فتحجب عنا كل حقيقة.. وليناها الأدبار، وركضنا في الحياة متفرقين تاركين ظهورنا العارية لسهامه لتصيبنا بغتة.. بئس ما صنعنا.. وبئس ما قد يُصنع بالجبناء.. لا تحسبني أجيد حديث الموت.. الموت هو الذي يجيد كل شيء في الحياة.. إنه السوط الذي يسوقنا جميعا، ويدفعنا أمامه كقطيع من السوائم التي لا تجيد المواجهة، ولا حتى الهرب.
هكذا نحن دائما.. منسيون في عبث وجودنا.. لم يكترث أحد بنا.. لا يلتفت شيء لنا، وكأن هذا الوجود سقط سهوا من حسبة العدم الكبير إلى الأبد. ونحن المحدثون التافهون المدعون زيفا بإمكانية الحقيقة، وبإمكانية معرفتها نتبدل الأوهام بالأوهام.. نتخبط في ظلام أنفسنا كمجرد عميان مختلين.. نتصارع حمقا على سبيل التسلية والتسرية.. نحن الخاسرون المرغمون على انتصار الهزيمة فيهم حيث لا شيء فعلا يستحق.. ماذا بوسعنا حقا أن نفعل هنا حيث لاشيء؟؟ نملأ مسامعنا بصراخنا!! نهلل لأنفسنا!! نصفق للحياة!! أو حتى نملأها سبابا، ولعنات!! هل ثمة شيء يجدي في سجن قيده الوعي؟وقضبانه سبكت من عبث الجنون؟؟ هل ثمة حل والسجن لانهائي المساحة والأيام؟؟
جميعنا أساطير تحك ظهر الغيب.. فالبشر عثة طفيلية ترعى في جسد الكون من آلاف السنين ربما لهذا نرى الوجود الآن مجرد شيء أجرب مقزز ومنبوذ.. فالموت الغائب ستظل حجته معه طالما ظل مجرد شأن شخصي.. الحياة بذاتها هي ذلك الشيء الحاضر الغائب حيث الحزن في منتهى السعادة، والملل في غاية الاستمتاع.. كل شيء مبتذل بحرفية شديدة حتى اللعنة.. أمثالنا ممن اعتادوا الجحيم لن تغريهم الجنة (حتى وإن كانت).. يكفينا جدا ما ننسجه حولها من أساطير.. يكفينا جدا أن نرتع صباحا كعثث، ونتشدق ليلا بالنقمة على الجرب.
كدت حتى أن أفقد ثقتي في الموت.. أن أكفر حتى بالمجهول كحل.. أشعر وكأنه لا مخرج.. تلك الحياة العابرة ليست ذات شأن لتزول، أو حتى لتعود عدما من حيث جاءت.. نحن مجرد أكذوبة ليس بوسعنا إلا أن نصدقها لحظة بلحظة متجاهلين عبء الماضي، واحتمالات المستقبل.. هنا والآن فحسب.. الإنسان قضية نفسه الخاسرة التي لا داعي للنضال من أجلها.. هنا والآن.. الوجود بغير ذات محتوى، ونحن أكبر دليل على ذلك.. فلا ثمة داعي لأي شيء.




