بعد أن تخطي العالم حاجز المليون حالة من الأصابة تقف الحكومات والأنظمة عند الاختيار بين أمرين أحلاهما مر. الأول: مزيد من إجراءات العزل الصحية المشددة في مواجهة الوباء. الثاني: إجراءات اقتصادية سريعة تدفع بالجميع إلى الشوارع؛ ليديروا عجلة الإنتاج التي أوشكت بتوقفها أن تسحق من تحتها الجميع. فهل نضحي بحياة الأم من أجل الجنين أم نضحي بالجنين من أجل حياة الأم؟ والحقيقة التي يفرضها كل من نظامنا الاقتصادي المثقل بالديون، وأنظمتنا الصحية المهترئة تؤكد على أننا اخترنا مسبقا من قبل الأزمة بوقت طويل التضحية بكليهما معا، حيث كل ما يحدث الآن ليس سوى حصادا مأساويا لما زرعناه سابقا طيلة عقود متلاحقة من السفه والحمق والخبل، بل وأحيانا الغباء.
فهل كان ينتظر اقتصاد العالم -الغير مقتصد بالمرة- فيروس كورونا المستجد كي ينهار؟؟ في الحقيقة يعرف الاقتصاديون أن الأزمة كانت ستحدث في هذا العام حتى وإن لم يخرج هذا الفيروس إلى حيز الوجود. فالاقتصاد على شكله الحالي يمر بدورات متعاقبة من الانتعاش والركود بمرور الوقت. مدة الدورة فيهم تتراوح بين ثمانية أعوام إلى اثنتي عشر عاما.. فإذا كانت أخر أزماتنا الاقتصادية الحادة قد حدثت عام ٢٠٠٨ إذا فعام ٢٠٢٠ كان هو موعد التكرار الموسمي للأزمة التي ربما استطاعنا تأجيل حدوثها بشق الأنفس في الأعوام التي سبقته. لا شك أن الوباء قد فاقم من سرعة تأزم الأمور واحتدامها، ذلك أن المصائب كعادتها لا تأتي فرادى، لكن ماذا بوسع العالم أن يفعل الآن بعدما صار الوباء من خلفه، والإفلاس من أمامه؟؟ لا شك أنه لا مندوحة عن التغيير الشامل للنظام حتى يحق لنا شيء من الأمل في المستقبل؟؟
ولكن يتأتى الإشكال من أن التغيير الذي ننشده في محاولة منا لبعث شيء من دم الحياة في جسد هذا العالم المحتضر، لا تكمن صعوبته فحسب في وضع مقوماته وأسسه وأطره وسياساته، ولا حتى في توافق دول وحكومات العالم عليه.. قد يستطيع خبراء العالم صياغة ذلك الأمر وإعداده على أحسن ما يكون، بحيث يكون شأن توافقي لا تجد الدول والحكومات بديلا له للخروج من تلك الأزمة. ولكن يكمن الإشكال من وجهة نظري في أمور أكثر تعقيدا وصعوبة من ذلك.
أولها: أن التغيير سيواجه بعنف شديد من أصحاب رؤوس الأموال الحاليين، بل لن يسمح به أصلا من قبل تلك الزمرة التي تدير كل شيء في العالم إبتداء من السياسات العليا، وأنظمة الحكم.. انتهاء بأصغر تفصيل يخص أبسط فرد في المنظمومة. إنهم وبكل وضوح وبساطة يمتلكون كل شيء في العالم.. العلم.. التكنولوجيا.. الاكتشافات والاختراعات.. ديون الحكومات.. القوانين والتشريعات.. الصناديق والانتخابات.. وربما حتى الأديان والروحانيات، بل وحتى أبسط العادات اليومية التي يمارسها شخص ما مهمش يعيش على أطراف العالم يسيطرون عليها.. يمتلكون ساندوتش الهامبرجر رخيص الثمن المعد في خمس دقائق.. يمتلكون الإنترنت.. يمتلكون الترفيه.. وسائل النقل.. شبكات الكهرباء والمياه والغاز.. حتى المصنع الذي ينتج ملابسك الداخلية.. وفوق هذا كله يمتلكون الوظيفة التي تعطيك ثمن هذا كله. من الحمق أن نظن أن تخلي أصحاب رؤوس الأموال عن هذا النظام الحالي الذي أصلوه في العالم على مدار عقود سيكون طوعيا ولحظيا وبسهولة، فالعالم بفطرته مجبول على الصراع حيث لا عزاء للضعفاء المتواكلين، ولا دايم إلا رأس المال. لهذا ربما نحتاج إلى عدة كوارث متلاحقة على مدار عقود متوالية عل ذلك يثني الرأسمالين عن غيهم، ويفيق المستضعفين من سباتهم، وعل هذا الوباء الحالي كشف للأغنياء درسا بسيطا مفاده: أن عشرة أصفار على يمين الواحد في حساب بالدولار في أحد بنوك سويسرا قد لا يعني الكثير حين يداهمنا فيروس مميت حيادي عادل ونزيه، لا يهتم كثيرا لأمر الثروة، ولا يلقي بالا بالملايين المكدسة هنا أو هناك.
الإشكال الثاني هو الصين.. وما أدراك ما الصين.. حيث أنها ولا شك سوف تستخدم تغييرا كهذا لصالح حلم تسيدها للعالم. إن تغييرا كهذا سيتداعى على إثره بنيان الولايات المتحدة الأمريكية وقوتها وسياساتها ونظمها، وعليه تتقدم الصين لتصبح هي واجهة العالم بسياساتها ونظمها ونظامها، وبناء على ذلك سوف يتغير شكل العالم متأثرا بسيده الجديد سياسيا واجتماعيا، وذلك على نحو فيه مزيد من الشمولية والاستبدادية والقمع مبتعدا بهذا كل البعد عن كل طموحات الديمقراطية أو أحلام الحرية أو أي شيء يتعلق بحقوق الإنسان. إن تسيد الصين للعالم لا يمكنني أن أراه إلا بمثابة خطوة للوراء في ما كل يتعلق بالقيم الإنسانية الحديثة، وبديهيات حقوق الإنسان. يمكن لأي شخص ببحث عابر على الانترنت عن حقوق العامل في الصين، أو عن الخصوصية في الصين، أو عن أي شيء يتعلق بحقوق الإنسان في الصين أن يفهم جيدا ما أعنيه، لأنه وبكل تأكيد سوف يجد ما لا يسره، بل أحيانا ما لا يتوقعه حتى. الصين أصلا ككيان شمولي لا تعترف بأية حقوق سوى حقوق النظام، فلا قيمة لفرد أو لفكرة أو لمعنى أو لقيمة أو لشيء في العموم طالما لا يخدم النظام. وعلينا أن لا ننسى أن نهضة الصين الاقتصادية الحالية، وتقدمها التقني الفائق اليوم ما هو إلا نتاج عقود منصرمة من الغش التجاري، وسرقة حقوق الملكية الفكرية للاختراعات، واستعباد مروع للعمالة، وإفساد ممنهج للبيئة ذلك من أجل الوصول إلى كم هائل من المنتجات المضروبة ذات الأسعار الزهيدة التي لا يمكن منافستها.
هكذا نخلص إلى أن التغيير على الصورة التي ينشدها أمثالنا من العاديين المتكئين على آرائكهم ينظرون حيث العدالة، والتوزيع المنطقي للثروات، والسعادة للجميع بلا استثناء، وكل تلك الأحلام الوردية الساذجة هو درب من دروب المستحيل، ذلك أنه حتى وإن حدث التغيير بشكل جذري، وانهارت الرأسمالية على رؤوس أصحابها ستسوء الأمور بشكل أكبر بصعود الصين لتعتلي القمة، ليتحول العالم بدوره إلى سجن قمعي كبير لا يملك فيه الفرد أبسط قدر من الحرية، ولا حتى أدنى قدر من القيمة.
ورغم هذا التصور، لا شك أن تغييرا ما يصعب التكهن بشكله ومضمونه وبجدواه الآن سوف يطرأ على العالم بعد مرور تلك الأزمة، لكنه كما قلت سابقا لا علاقة له بأحلام الفقراء الساذجة حيث السماء سوف تمطر ذهبا، أو أننا سوف نصادف الفردوس الضائع منا في الرماد الذي خلفته المحنة، أو أن العالم سوف يذهب نحو الأفضل هكذا من تلقاء نفسه. فلازال العالم والإنسان من ورائه في طور التجريب.. التجريب الذي لم يطال بعد عمق النفس الإنسانية في كينونتها وذاتيتها وتفردها، ومن هنا يتبدى إشكال آخر أكثر عمقا وصعوبة من كل مقومات الواقع الآنية وتفاعلاته اللحظية مما ذكرناه سابقا. هذا الإشكال هو إشكال يتعلق بمفاهمية الإنسان الفرد ووعيه بذاته وإدراكه لعالمه المحيط وقدرته على تغيير معنى الحياة في نفسه كي تنصلح له الحياة في معناها بعيدا عن خرافات أساطير الماضي، وسذاجة أحلام المستقبل. فها هو الإنسان الذي أغتر زيفا بقدرته على قياد وتطويع الطبيعة، وما فيها من ظروف لا يستطيع أن يحتمل مواجهة نفسه لعدة أسابيع في حجره المنزلي حتى يصبح في مكنة وسائله العلمية الهشة القدرة على الوصول إلى لقاح يحميه. أنه ببساطة لا يجد في مجالسة نفسه غير الملل والضجر.. فأنى لحياته أذن أن تكون سوى مجرد ملهيات خداعة أو أوهام براقة يهرب بها من نفسه؟؟ وأنى لعلمه ومعرفته اللذان يفاخر بهما أن يكونا سوى غرور زائف وتيه فج يواري بهما ضعف علمه ومعرفته بنفسه؟؟ ورغم أنني أدرك جيدا أن الإنسان لازال رغم كل هذا الصخب والزخم الذي يثيره حوله نفسه يخطو أول الخطوات في مسار وعيه وتطوره وحضارته إلا أن الأمل سيظل منعقدا دائما في المحن والمصاعب والكوارث والنقم في أن تسرع من وتيرة تطوره ووعيه وتحضره فبها وحدها لا غيرها من الممكن أن يأمل بحق في مزيد من الترقى في رحلة وعيه وحضارته. أن المحن والمصاعب هي الأثمان الحقيقة لأي تقدم أو رقي بعيدا عن أساطير الماضي الخرافية، وأحلام المستقبل الواهمة. فلا شيء في الوجود يأتي بلا ثمن.
ولهذا ربما تكون المحنة القادمة -وأقصد بها الأزمة المناخية- والتي يتوقع الكثير من الخبراء بداية تأثيرتها القوية في نهاية العقد القادم هي السبيل نحو إنسان يستطيع أن يعي ما حوله من خلال وعي حقيقي بذاته، لأنه إن لم يفعل ذلك بكل الصدق والعزم والجهد والوسع، فلربما تسدل تلك الكارثة المناخية الستار على فصيلته، فلا تبقي لها أثرا.





