الخميس، 23 أبريل 2020

عن الشك والوحدة والذاكرة


في الذاكرة تدمج الأعوام في حيز ضيق تختلط فيه كافة الحواس دون حدود فاصلة بينها؛ ليبقى من الصوت بقايا عطر، ومن العطر بقايا نكهة، ومن النكهة بقايا لون، ومن اللون بقايا ملمس لنسمات خفيفة تلفح عقولنا بحيث نتمكن من أن نسترجع كامل حياتنا جميعها في لحظة.. خاصة تلك التي تسبق خروجنا من الحياة.. تلك اللحظة التي عندها نشك أصلا في مدى حقيقة وجودنا وذكرياتنا، بل وحقيقة صنعنا لها، وصنعها لنا.

شك وجودي جدلي كهذا أفهمه جيدا الآن على أعتاب الكهولة غير مكترث أن يفاجئني بغتة لحظة الرحيل، ولكن يبقى أشد ما يحزنني بحق سؤال ملح لا يمكنني تجاهله.. هل كنت حقا بحاجة لثلاثين عاما من الشك؛ لأتيقن أنه لا شيء مما سبق كان قد سبق ومنح اليقين؟؟ هل فعلا نهدر كل هذا الشك في الشك لنشك هادئين متقينين مطمئنين في النهاية؟؟ يا له فعلا من عبث مطلسم..  يا لها مرارة.. مرارة تملأ حلقي في كل مرة أستقيظ فيها من جديد لمواجهة نفس الشكوك.. يا له من جفاف يشق حلقي كل صباح كتحذير مسبق من جفاف كل ما سوف أراه من جفاف الطباع والحظوظ والأيام والأقدار، وحتى المخاوف والشكوك.. يا له من سوء يمارس الشك، وشك يتمادى في السوء.. هل بوسعنا صنع أي شيء هنا غير الشك؟؟ هل بوسعنا هنا أن نشعر إلا بالاستياء جراء هذا الشك؟

الأحداث هي من تصنع لنا ما نصنعه حيث ليس بوسع هنا أن يكون أفضل من ذلك على أية حال.. حيث نحن لا مكان للخير ولا للحق ولا للعدل.. مجرد ادعاءات فارغة، وشكوك مريبة، وأماني واهمة نخفي بها سوءة العالم، وسوءة قهرنا فيه.. العالم الذي لا يستحق شيئا سوى أن نستمني في وجهه كل يوم هباء كي نحفظ النسل الجديد من معضلة الشر الكبرى التي ورطتنا فيها "التجربة" عن طريق الشك.

حتى الوحدة لم تعد ملاذا آمنا.. مجرد بركة آسنة من الشكوك والأسئلة التي لا تجاب.. الآخرين وحل أوساخ يتمادى قبحا.. الحياة طريق ممتد من الحظ العاثر الممتد بين تلك البركة الآسنة، وهذا الوحل القذر.. حتى محاولات الفهم والمعرفة المجردة بائسة.. العلم رغم تراكمه الذي يصعب الإلمام به، ليس أكثر من نور عود ثقاب ضئيل يجابه ظلام لانهائي ممتد.

قد ترى كل ما سبق مأساوي النزعة.. يهدر قيمة الحياة اللطيفة التي نتمناها جميعا، ولكن بنظرة أخرى أكثر تفحصا ستجد في كل ما سبق سلوان عظيم يثمن قيمة الموت الذي يتهيبه الجميع. تلك هي معضلة الوجود المفرغة. الفكرة التي تجرحك تطببك، كي تجرحك من جديد، لتطببك.. وهكذا يصير الشك هو مدخل اليقين بالشك.

الخميس، 16 أبريل 2020

لماذا ‏تسيطر ‏السردية ‏الدينية ‏على ‏وعي ‏الجموع؟


على الرغم من أن العلم كسردية تحاول شرح الكون والعالم هو أفضل مجتهد يحاول على مر العصور، بل وعلى الرغم من أن ربطه بالفلسفة يجعله أكثر ثباتا ورسوخا وجدية في سرديته تلك للوصول بها إلى معاني أعمق كالإنسان والغاية.. إلا أنه تبقى السرديات الدينية على اختلاف أشكالها وأطورها وتطوراتها، ورغم بساطتها وبدائيتها وافتقارها للأدلة هي السبيل الذي لا تزال الجموع إلى هذا الوقت تسير في رحابه قانعة متشبثة ممسكة بتلابيبه عاضة عليه بالنواجذ، رغم كونه لا يعدو في مضمونه أكثر من افتراضات مليئة بالأساطير والخرافات لا ثمة دليل عقلي أو عملي أو منطقي عليها.

ولفهم هذا التشبث علينا الرجوع للبداية حيث اللحظة التي يعي فيها الإنسان ذاته لأول مرة.. لا يورث الوعي بالذات شيئا أكثر من الخوف.. الخوف من الهلاك.. من العجز.. من الضعف.. من قوى الطبيعة.. من الجهل.. إلخ.. من كل تلك المخاوف بدأت السردية الدينية الأولى في التكون لتطمئن وتهدأ روع هذا الخوف الشديد الذي ألم بالإنسان جراء وعيه. أخذت بالتشكل والتشكيل للإنسان في عملية جدلية طويلة من التطور والأخذ والرد.. هذا التطور الذي في أحدى حقبه ظهرت منه الفلسفة بمباحثها ومعارفها، ليستقل منها مبحث الطبيعيات في حقبة لاحقة ليتحول بدوره إلى العلوم بشكلها الحديث.. وأثناء ذلك كله لم تتوقف السردية الدينية عن الاشتباك مع ما أنجبت من صغار (الفلسفة، والعلم).. وعلى هذا النحو أصبحت السردية الدينية في شكلها الأخير الحالي تحمل فلسفتها الخاصة، بل أصبح لها علومها التي تحتكم إلى بعض قواعد العلم وأنساقه حتى وإن بدا يتضح فيها شيء من التهافت والعوار تحت وطئة مرور الزمن. إلا أنها تتطور تبعا لذلك، ولا تموت.. فلماذا إذا لا تنتهي أو تموت رغم جهد وعناء الفلسفة والعلم في البحث؟؟ وللأجابة لابد أن نفهم سر التشبث الإنساني الجمعي بالسردية الدينية.

بالطبع لا يتشبث غالبية الناس بالسرديات الدينية نظرا لاقتناعهم بتلك الرحلة التاريخية السالفة الذكر، ولا حتى لكون الدين هو نقطة بدء الحضارة مثلا.. ولا شك أيضا أنهم لا يتشبثون بها كونها سردية منطقية أو عقلية قاطعة، فهم يعتقدون فيها ذلك فقط من باب الإيمان الغيبي لا أكثر ولا أقل. 
ولكن ينشأ التشبث من وجهة نظري جراء انعدام البديل، بل واستحالة وجوده.. الأمر محسوم إذا لصالح الدين حيث تشتت العلم وقصوره، وغموض الفلسفة وعجزها يجعلهما لن يستطيعا بأي حال أن ينتجا بديلا منافسا.. فالعلم كعادته شكي المنهج يمضي لهثا وتخبطا هنا وهناك خلف الأدلة المادية التي لم ولن تنتهي، يثبت ما نفاه بالأمس لينفيه في الغد وهكذا.. بل أنه في أحسن أحواله لا يستطيع الوصول إلى كنه الإنسان أو تكوين معنى واضح للغاية من وجوده.. وأما الفلسفة فلا يجد فيها الإنسان العادي غير غموض مربك مرهق يستحيل به إلى احتمالات لا يستطيع معها الإلمام بتباينها أو فهم أنساقها.. وبهذا تبقى السرديات الدينية على اختلاف اشكالها وصورها هي البديل الوحيد المتاح حيث التصور الواضح الكامل البسيط الذي يمكن الإنسان من المرور من حياته في سلام وهدوء دون كثير لغط وتشتت، ودونما محاولات مضنية من الإدراك لا تفضي لشيء بالنهاية. 

إن آلية عمل العقل والحواس حيال البيانات الأكثر ضخامة وتعقيدا تدفع الناس رغما للتمسك بالسرديات الدينية المبسطة.. فبنفس الطريقة التي تتجاهل بها الحواس المعطيات المعقدة الضخمة المتابينة نظرا لقصورها فتركز فيها على جانب واحد في الغالب يكون هو الجانب الأبسط فيها.. يعمل العقل بنفس الميكانيزم على تبسيط البيانات المعقدة الضخمة فيحولها إلى بيانات أقل تعقيدا وتضخيما وأكثر سطحية وتبسيطا ليتمكن من استيعابها.. فالبشر يستطيعون مثلا استيعاب تطبيقات العلوم المعدة وفقا لقدرات عقولهم للاستفادة منها، رغم أنهم في الغالب لا يفهمون العلوم التي أنتجت هذه التطبيقات أصلا.. وفي نفس الصدد قد يستمتع الإنسان بمعزوفة موسيقية تملأ روحه بالنشوة رغم جهله التام بمبحث القيم الفلسفي أو علوم الجمال والاستاطيقا.. من هذا المنحى نجد أن السردية الدينية على بدائيتها هي الأكثر ملائمة للعقل البشري الجمعي من حيث ميكانيزم عمله وتفاوت قدراته في استيعاب نتاجاته الحضارية.

شيء آخر من الممكن أن يشرح هذا التشبث بالسرديات الدينية ألا وهو قصر أعمار الإنسان ونمط معيشته حيث الإنسان ليس بوسعه من خلال عمر قصير كهذا مليء بالعمل والكد من أجل تكسب الرزق، أن يتفرغ لوقت كاف ليجد ويكد ويجتهد لتكوين تصور يخصه عن نفسه والعالم.. ولهذا يكتفي بالتصور الموروث.. أو حتى في أحسن في الأحوال يعدل عليه بعض الأشياء البسيطة بما يوافق عقله وبيئته وعصره.. ويمضي به مطمئنا قانعا هادئا، حيث السردية الدينية في أغلبها مطاطة وفضفاضة تتحدث أصلا إلى العاطفة التي تداعب روح الإنسان وخيالاته بعيدا عن قوانين الكون الجامدة، ومحركات الحياة الجافة.. إنها ببساطة تشكل اليد التي تربت على كتف الإنسان في خضم واقع قاس موحش يتمادى سوءا وصعوبة على قدر إدراكه.
إن الجموع بطبيعتها كسولة وغير مبدعة ومتواكلة ومن يحملون عبء التفكير وعناء التأمل شرذمة قليلة جدا في كل عصر.. وبهذا يعيش اللاحقون من الكسالى في هناءة ما مهده السابقون بعنائهم وأفكارهم.. وهذا ليس عيبا في الجموع، بل هو حيلة جماعية ملحة تتطلبها الحياة كوسيلة للاستمرار والبقاء فيها.. فطالما أن عناء التفكير لا يصل بنا في النهاية لبناء تصور قاطع عن أنفسنا وعن الوجود.. فإن اشتغال الجميع بهذا العبء لهو سفاهة لا تسمن ولا تغني من جوع.. لا شك أن ما ينفقه البعض في الاجتهاد في العلوم والفلسفة ينعكس على حياتنا بشكل يجعلها أفضل وأرقى وأكثر رفاهية وسهولة، لكنه برغم هذا الكد وثماره لن يستطيع -من وجهة نظري- أن يقضي على الدين بإجاباته البسيطة الشافية الوافية التي ترضي الجموع وعواطفهم خاصة تلك العاطفة الطامحة في السعادة الأبدية المتمثلة في جنة الخلود، حيث أنه ليس بإمكاننا بناء تصور كامل مبسط قطعي وعقلي عن الإنسان والوجود عن طريق الفلسفة والعلم.. ناهيك على أن يكون هذا التصور تصورا عاطفيا ينتهي بمكافأة الخلود.

ومما يجدر ذكره أيضا أنني لم أتحدث عن القيم بكونها سببا لتشبث البشر بسردياتهم الدينية.. ذلك أن القيم في حقيقتها ليست حكرا للسردية الدينية كما يروج أو يشاع، بل هي في حقيقتها نتاجات معقدة لتدافعات وتعاملات البشر مع بعضهم البعض وفق تفاعلهم مع متطلبات ومتغيرات واقعهم.. فهي نسبية متغيرة مدفوعة للتطور بما يسهل على البشر حياتهم، حيث الإنسان كائن اجتماعي رغم أنفه.

وفي الختام من الممكن أن نخلص إلى أن السردية الدينية بكل أساطيرها وخرافاتها باقية بقاء الإنسان، ربما تتطور أو تتحور مدفوعة في ذلك بتفاعلها مع النتاجات الحضارية الأخرى، لكنها أبدا لن تختفي أو تضمحل.. كون المباحث الجادة للحضارة مثل العلم والفلسفة ليس بمقدورهما أنتاج بديل يتضمن تصور شامل كامل عن الوجود والإنسان ليس فقط لقصورهما ولعجزهما، بل لاستحالة وجود هذا التصور من الأساس.

الجمعة، 3 أبريل 2020

أين سيذهب العالم بعد كورونا؟



بعد أن تخطي العالم حاجز المليون حالة من الأصابة تقف الحكومات والأنظمة عند الاختيار بين أمرين أحلاهما  مر. الأول: مزيد من إجراءات العزل الصحية المشددة في مواجهة الوباء. الثاني: إجراءات اقتصادية سريعة تدفع بالجميع إلى الشوارع؛ ليديروا عجلة الإنتاج التي أوشكت بتوقفها أن تسحق من تحتها الجميع. فهل نضحي بحياة الأم من أجل الجنين أم نضحي بالجنين من أجل حياة الأم؟ والحقيقة التي يفرضها كل من نظامنا الاقتصادي المثقل بالديون، وأنظمتنا الصحية المهترئة تؤكد على أننا اخترنا مسبقا من قبل الأزمة بوقت طويل التضحية بكليهما معا، حيث كل ما يحدث الآن ليس سوى حصادا مأساويا لما زرعناه سابقا طيلة عقود متلاحقة من السفه والحمق والخبل، بل وأحيانا الغباء.

فهل كان ينتظر اقتصاد العالم -الغير مقتصد بالمرة- فيروس كورونا المستجد كي ينهار؟؟ في الحقيقة يعرف الاقتصاديون أن الأزمة كانت ستحدث في هذا العام حتى وإن لم يخرج هذا الفيروس إلى حيز الوجود. فالاقتصاد على شكله الحالي يمر بدورات متعاقبة من الانتعاش والركود بمرور الوقت. مدة الدورة فيهم تتراوح بين ثمانية أعوام إلى اثنتي عشر عاما.. فإذا كانت أخر أزماتنا الاقتصادية الحادة قد حدثت عام ٢٠٠٨ إذا فعام ٢٠٢٠ كان هو موعد التكرار الموسمي للأزمة التي ربما استطاعنا تأجيل حدوثها بشق الأنفس في الأعوام التي سبقته. لا شك أن الوباء قد فاقم من سرعة تأزم الأمور واحتدامها، ذلك أن المصائب كعادتها لا تأتي فرادى، لكن ماذا بوسع العالم أن يفعل الآن بعدما صار الوباء من خلفه، والإفلاس من أمامه؟؟ لا شك أنه لا مندوحة عن التغيير الشامل للنظام حتى يحق لنا شيء من الأمل في المستقبل؟؟

ولكن يتأتى الإشكال من أن التغيير الذي ننشده في محاولة منا لبعث شيء من دم الحياة في جسد هذا العالم المحتضر، لا تكمن صعوبته فحسب في وضع مقوماته وأسسه وأطره وسياساته، ولا حتى في توافق دول وحكومات العالم عليه.. قد يستطيع خبراء العالم صياغة ذلك الأمر وإعداده على أحسن ما يكون، بحيث يكون شأن توافقي لا تجد الدول والحكومات بديلا له للخروج من تلك الأزمة. ولكن يكمن الإشكال من وجهة نظري في أمور أكثر تعقيدا وصعوبة من ذلك. 
أولها: أن التغيير سيواجه بعنف شديد من أصحاب رؤوس الأموال الحاليين، بل لن يسمح به أصلا من قبل تلك الزمرة التي تدير كل شيء في العالم إبتداء من السياسات العليا، وأنظمة الحكم.. انتهاء بأصغر تفصيل يخص أبسط فرد في المنظمومة. إنهم وبكل وضوح وبساطة يمتلكون كل شيء في العالم.. العلم.. التكنولوجيا.. الاكتشافات والاختراعات.. ديون الحكومات.. القوانين والتشريعات.. الصناديق والانتخابات.. وربما حتى الأديان والروحانيات، بل وحتى أبسط العادات اليومية التي يمارسها شخص ما مهمش يعيش على أطراف العالم يسيطرون عليها.. يمتلكون ساندوتش الهامبرجر رخيص الثمن المعد في خمس دقائق.. يمتلكون الإنترنت.. يمتلكون الترفيه.. وسائل النقل.. شبكات الكهرباء والمياه والغاز.. حتى المصنع الذي ينتج ملابسك الداخلية.. وفوق هذا كله يمتلكون الوظيفة التي تعطيك ثمن هذا كله. من الحمق أن نظن أن تخلي أصحاب رؤوس الأموال عن هذا النظام الحالي الذي أصلوه في العالم على مدار عقود سيكون طوعيا ولحظيا وبسهولة، فالعالم بفطرته مجبول على الصراع حيث لا عزاء للضعفاء المتواكلين، ولا دايم إلا رأس المال.  لهذا ربما نحتاج إلى عدة كوارث متلاحقة على مدار عقود متوالية عل ذلك يثني الرأسمالين عن غيهم، ويفيق المستضعفين من سباتهم، وعل هذا الوباء الحالي كشف للأغنياء درسا بسيطا مفاده: أن عشرة أصفار على يمين الواحد في حساب بالدولار في أحد بنوك سويسرا قد لا يعني الكثير حين يداهمنا فيروس مميت حيادي عادل ونزيه، لا يهتم كثيرا لأمر الثروة، ولا يلقي بالا بالملايين المكدسة هنا أو هناك. 

الإشكال الثاني هو الصين.. وما أدراك ما الصين.. حيث أنها ولا شك سوف تستخدم تغييرا كهذا لصالح حلم تسيدها للعالم. إن تغييرا كهذا سيتداعى على إثره بنيان الولايات المتحدة الأمريكية وقوتها وسياساتها ونظمها، وعليه تتقدم الصين لتصبح هي واجهة العالم بسياساتها ونظمها ونظامها، وبناء على ذلك سوف يتغير شكل العالم متأثرا بسيده الجديد سياسيا واجتماعيا، وذلك على نحو فيه مزيد من الشمولية والاستبدادية والقمع مبتعدا بهذا كل البعد عن كل طموحات الديمقراطية أو أحلام الحرية أو أي شيء يتعلق بحقوق الإنسان. إن تسيد الصين للعالم لا يمكنني أن أراه إلا بمثابة خطوة للوراء في ما كل يتعلق بالقيم الإنسانية الحديثة، وبديهيات حقوق الإنسان. يمكن لأي شخص ببحث عابر على الانترنت عن حقوق العامل في الصين، أو عن الخصوصية في الصين، أو عن أي شيء يتعلق بحقوق الإنسان في الصين أن يفهم جيدا ما أعنيه، لأنه وبكل تأكيد سوف يجد ما لا يسره، بل أحيانا ما لا يتوقعه حتى. الصين أصلا ككيان شمولي لا تعترف بأية حقوق سوى حقوق النظام، فلا قيمة لفرد أو لفكرة أو لمعنى أو لقيمة أو لشيء في العموم طالما لا يخدم النظام. وعلينا أن لا ننسى أن نهضة الصين الاقتصادية الحالية، وتقدمها التقني الفائق اليوم ما هو إلا نتاج عقود  منصرمة من الغش التجاري، وسرقة حقوق الملكية الفكرية للاختراعات، واستعباد مروع للعمالة، وإفساد ممنهج للبيئة ذلك من أجل الوصول إلى كم هائل من المنتجات المضروبة ذات الأسعار الزهيدة التي لا يمكن منافستها. 

هكذا نخلص إلى أن التغيير على الصورة التي ينشدها أمثالنا من العاديين المتكئين على آرائكهم ينظرون حيث العدالة، والتوزيع المنطقي للثروات، والسعادة للجميع بلا استثناء، وكل تلك الأحلام الوردية الساذجة هو درب من دروب المستحيل، ذلك أنه حتى وإن حدث التغيير بشكل جذري، وانهارت الرأسمالية على رؤوس أصحابها ستسوء الأمور بشكل أكبر بصعود الصين لتعتلي القمة، ليتحول العالم بدوره إلى سجن قمعي كبير لا يملك فيه الفرد أبسط قدر من الحرية، ولا حتى أدنى قدر من  القيمة. 


ورغم هذا التصور، لا شك أن تغييرا ما يصعب التكهن بشكله ومضمونه وبجدواه الآن سوف يطرأ على العالم بعد مرور تلك الأزمة، لكنه كما قلت سابقا لا علاقة له بأحلام الفقراء الساذجة حيث السماء سوف تمطر ذهبا، أو أننا سوف نصادف الفردوس الضائع منا في الرماد الذي خلفته المحنة، أو أن العالم سوف يذهب نحو الأفضل هكذا من تلقاء نفسه. فلازال العالم والإنسان من ورائه في طور التجريب.. التجريب الذي لم يطال بعد عمق النفس الإنسانية في كينونتها وذاتيتها وتفردها، ومن هنا يتبدى إشكال آخر أكثر عمقا وصعوبة من كل مقومات الواقع الآنية وتفاعلاته اللحظية مما ذكرناه سابقا. هذا الإشكال هو إشكال يتعلق بمفاهمية الإنسان الفرد ووعيه بذاته وإدراكه لعالمه المحيط وقدرته على تغيير معنى الحياة في نفسه كي تنصلح له الحياة في معناها بعيدا عن خرافات أساطير الماضي، وسذاجة أحلام المستقبل. فها هو الإنسان الذي أغتر زيفا بقدرته على قياد وتطويع الطبيعة، وما فيها من ظروف لا يستطيع أن يحتمل مواجهة نفسه لعدة أسابيع في حجره المنزلي حتى يصبح في مكنة وسائله العلمية الهشة القدرة على الوصول إلى لقاح يحميه. أنه ببساطة لا يجد في مجالسة نفسه غير الملل والضجر.. فأنى لحياته أذن أن تكون سوى مجرد ملهيات خداعة أو أوهام براقة يهرب بها من نفسه؟؟ وأنى لعلمه ومعرفته اللذان يفاخر بهما أن يكونا سوى غرور زائف وتيه فج يواري بهما ضعف علمه ومعرفته بنفسه؟؟  ورغم أنني أدرك جيدا أن الإنسان لازال رغم كل هذا الصخب والزخم الذي يثيره حوله نفسه يخطو أول الخطوات في مسار وعيه وتطوره وحضارته إلا أن الأمل سيظل منعقدا دائما في المحن والمصاعب والكوارث والنقم في أن تسرع من وتيرة تطوره ووعيه وتحضره فبها وحدها لا غيرها من الممكن أن يأمل بحق في مزيد من الترقى في رحلة وعيه وحضارته. أن المحن والمصاعب هي الأثمان الحقيقة لأي تقدم أو رقي بعيدا عن أساطير الماضي الخرافية، وأحلام المستقبل الواهمة. فلا شيء في الوجود يأتي بلا ثمن. 
ولهذا ربما تكون المحنة القادمة -وأقصد بها الأزمة المناخية- والتي يتوقع الكثير من الخبراء بداية تأثيرتها القوية في نهاية العقد القادم هي السبيل نحو إنسان يستطيع أن يعي ما حوله من خلال وعي حقيقي بذاته، لأنه إن لم يفعل ذلك بكل الصدق والعزم والجهد والوسع، فلربما تسدل تلك الكارثة المناخية الستار على فصيلته، فلا تبقي لها أثرا.

الخميس، 2 أبريل 2020

فقدان الثقة في الموت


ها نحن البشر خلاصة ما أنتجه الوجود من الوعي.. نفعل كل شيء تافه لا جدوى منه بإتقان كبير، لكن قل لي لعمرك ماذا فعلنا حيال الموت؟؟ حيال سهامه الطائشة التى تملأ كل شبر في السماء؛ فتحجب عنا كل حقيقة.. وليناها الأدبار، وركضنا في الحياة متفرقين تاركين ظهورنا العارية لسهامه لتصيبنا بغتة.. بئس ما صنعنا.. وبئس ما قد يُصنع بالجبناء.. لا تحسبني أجيد حديث الموت.. الموت هو الذي يجيد كل شيء في الحياة.. إنه السوط الذي يسوقنا جميعا، ويدفعنا أمامه كقطيع من السوائم التي لا تجيد المواجهة، ولا حتى الهرب. 

هكذا نحن دائما.. منسيون في عبث وجودنا.. لم يكترث أحد بنا.. لا يلتفت شيء لنا، وكأن هذا الوجود سقط سهوا من حسبة العدم الكبير إلى الأبد. ونحن المحدثون التافهون المدعون زيفا بإمكانية الحقيقة، وبإمكانية معرفتها نتبدل الأوهام بالأوهام.. نتخبط في ظلام أنفسنا كمجرد عميان مختلين.. نتصارع حمقا على سبيل التسلية والتسرية.. نحن الخاسرون المرغمون على انتصار الهزيمة فيهم حيث لا شيء فعلا يستحق.. ماذا بوسعنا حقا أن نفعل هنا حيث لاشيء؟؟ نملأ مسامعنا بصراخنا!! نهلل لأنفسنا!! نصفق للحياة!! أو حتى نملأها سبابا، ولعنات!! هل ثمة شيء يجدي في سجن قيده الوعي؟وقضبانه سبكت من عبث الجنون؟؟ هل ثمة حل والسجن لانهائي المساحة والأيام؟؟

جميعنا أساطير تحك ظهر الغيب.. فالبشر عثة طفيلية ترعى في جسد الكون من آلاف السنين ربما لهذا نرى الوجود الآن مجرد شيء أجرب مقزز ومنبوذ.. فالموت الغائب ستظل حجته معه طالما ظل مجرد شأن شخصي.. الحياة بذاتها هي ذلك الشيء الحاضر الغائب حيث الحزن في منتهى السعادة، والملل في غاية الاستمتاع.. كل شيء مبتذل بحرفية شديدة حتى اللعنة.. أمثالنا ممن اعتادوا الجحيم لن تغريهم الجنة (حتى وإن كانت).. يكفينا جدا ما ننسجه حولها من أساطير.. يكفينا جدا أن نرتع صباحا كعثث، ونتشدق ليلا بالنقمة على الجرب. 

كدت حتى أن أفقد ثقتي في الموت.. أن أكفر حتى بالمجهول كحل.. أشعر وكأنه لا مخرج.. تلك الحياة العابرة ليست ذات شأن لتزول، أو حتى لتعود عدما من حيث جاءت.. نحن مجرد أكذوبة ليس بوسعنا إلا أن نصدقها لحظة بلحظة متجاهلين عبء الماضي، واحتمالات المستقبل.. هنا والآن فحسب.. الإنسان قضية نفسه الخاسرة التي لا داعي للنضال من أجلها.. هنا والآن.. الوجود بغير ذات محتوى، ونحن أكبر دليل على ذلك.. فلا ثمة داعي لأي شيء.

الأربعاء، 1 أبريل 2020

كورونا وتبادل الأدوار بين الصين وأمريكا.. حروب الدوائر المفرغة


سي إن إن: الجيش الروسي يرسل حزمة مساعدات طبية إلى أيطاليا لمواجهة فيروس كورونا.
روسيا اليوم: مكالمة هاتفية بين الرئيس الصيني ونظيره الأمريكي يعرض فيها الأول حزمة من المساعدات بشأن فيروس كورونا، بينما يصفها الرئيس الأمريكي بالمكالمة الجيدة، ويؤكد على أهمية العمل الوثيق.
فاينانشيال تايمز: زعماء الاتحاد الأوربي يتنازعون بشأن الاستجابة لفيروس كورونا.
فرانس ٢٤: بوتين وماكرون يبحثان التعاون ضد كورونا.
موسكو: كورونا لن يؤثر على التبادل التجاري بين روسيا والصين.

ففي تبادل صريح للأدوار.. ها هو تمثال الحرية يسقط في هاوية الوباء لاحقا بحلفائه الأوربيين البيض المحفلطين بينما الصين وروسيا بمناجلهما ومعاولهما يمدان أيادي العون والمساعدة للعالم.. عاد سيف الشمولية الشيوعية ليثأر، ولكن هذه المرة بأيدي ناعمة، ونظرات حانية، وبطريقة دعائية تعلمها جيدا من غريمه الرأسمالي المدعي الذي كاد أن يشحذ في سنواته الأخيرة، مما اضطره لأستخدام بلطجته العسكرية في ابتزاز حلفاؤه، ولم الأتاوات بطريقة فجة انكسرت معها كل دعاويه الغابرة المتعلقة بحماية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.. من المحتمل أن يعود العالم كله إلى حيث كان.. حيث اللون الواحد والصوت الواحد والبيجامات الكستور والعمل مقابل لقمة العيش والتخلف العقلي حيث الأخ الأكبر يراقب الجميع من داخل سراويلهم.. ويرفرف العمر الجميل الحنون لمأساة جورج أوريل الخالدة (١٩٨٤) في الأرجاء.. وتهفهف أرواح لينين وستالين وماو تسي تونج وبقية الرفقاء في الأجواء.. ليتراجع آدم سميث هادئ الملامح بعينيه الماكرتين، ليتقدم  كارل ماركس من جديد بلحيته المخيفة، ووجهه المتجهم ليقهرنا كعادته دون قصد من جديد، بعد أن هتك غريمه سميث عرض جيوبنا ونفوسنا وما تبقى من إنسانيتنا.. العالم كعادته يخرج من رحم ديستوبيا ليدخل ديستوبيا جديدة وقودها كما كل عصر أمثالنا من المعذبين البوساء، وهذا فقط لنظل نسأل نفس السؤال العدمي الخالد.. لماذا لا تذهب أيها العالم إلى الجحيم دفعة واحدة؟!

المضحك المبكي في العالم أنه ثمل لا ينفعه مزيدا من السكر، ولا أمل في استفاقته حتى وإن تاب عن الشراب، ثم حج واعتمر.. يدور في دوائر مفرغة لا تفضي إلا لنفسها أو تسوء.. وعلى هذا النحو لا سبيل لجموع البشر إلا التمسك بأفيون معتقداتهم حيث الحياة في حقيقتها ليست أكثر من مجرد رحلة للموت الذي لابد أن نؤمن أنه بوابة العبور نحو الحياة التي لم نصادفها في الحياة.. ما أكثر الأحياء الذين لم يصادفوا الحياة على عين حياتهم، بل وينتظروها بموتهم.. هل بوسعك أن تتخيل حجم المهزلة حين تعيش كل هذه الجموع شيئا لا تجده، وتعتقد في شيء لا تعرفه على سبيل التعويض؟!

هاهو العالم كعادته بأيدلوجياته باقتصاده بمعاركه بتحالفاته بيمينه بيساره لا يستحق شيء سوى صندوق كبير للقمامة، وهذا ليس شيء طارئا نظرا للأزمة التي تمر به الآن، بل هو في هذا الاحتياج المسيس منذ آدم الأول حيث أنه لا شيء يجدي، ولا شيء سيجدي أمام هذا الخلل الطبيعي الذي أصاب الوجود والمسمى الإنسان..الإنسان الظالم لنفسه.

السبت، 21 مارس 2020

كورونا السجان المستجد.. ومفارقة الوحدة حيث الجحيم هو الآخرون



لا يخفى على أحد أن الإجراء الوحيد المتاح حتى الآن للتصدي لجائحة كورونا هو إجراء العزل لكافة الأفراد.. "عامل الآخرين جميعا ويكأنهم مصابين أو اعتبر نفسك مصابا، ومارس الحجر المنزلي على نفسك" هذه ببساطة خلاصة توصيات منظمة الصحة العالمية. وعلى هذا يجدر بالجميع حكومات وشعوب ومنظمات ومؤسسات أن يتكاتفوا لتنفيذ هذا العزل بشكل طوعي في كل أنحاء العالم، قبل أن تتفاقم الأمور بزيادة أعداد المصابين، فيتحول الأمر لعزل أجباري وحظر قهري للتجول كما يحدث حاليا في ايطاليا بعدما تفاقمت الأمور، وانهار النظام الصحي أمام تسونامي حالات الأصابة.. الأمر يبدو وكأننا أمام فيروس يحمل طبع سجان غشيم لا يستطيع مسجونيه إلا البقاء في زنازينهم هادئين خوفا من بطشه وغضبه.

ومن العجيب بحق أنه من خلف هذا التكاتف المنشود تطل علينا مفارقة عبثية بامتياز تلائم عبث الوضع الراهن، حيث على الجميع الآن أن يتكاتف -معنويا- على ألا يتكاتف الناس أو يتخالطوا -جسديا-.. على الجميع أن يتوحدوا في أن يتوحد كل واحد منهم في عزلته.. نتوحد "بمعنى نتحد" على أن نتوحد "بمعنى أن نبقى وحيدين". كلمة الوحدة هي مفارقة في حد ذاتها، من حيث أنها لفظة تحتمل المعنى وضده في نفس الوقت. فما بالك حين تكون المفارقة هي الوحدة الناجمة عن حبس قهري يمارسه سجان غاشم غشيم لا سبيل الخلاص منه ولا مقاومته إلا بالبقاء في السجن.

ربما من تلك المفارقات والملابسات طفق رأسي يستدعي عبارة جان بول سارتر الشهيرة -الجحيم هو الآخرون- والتي ببساطة تلخص واحدة من أشهر مسرحياته الوجودية "مسرحية لا مخرج".. وعلى الرغم من أن أحداث تلك المسرحية لم تك تتحدث عن جائحة أو وباء إلا أنني أجد العبارة ذاتها عبارة محتملة فيها من المفارقة ما فيها.. فمن ناحية هي عبارة موجزة ذكية حمالة أوجه كثيرة ومعان وفيرة، ومن ناحية أخرى فهي تكاد تكون ملائمة بغرابتها وغربتها ووجعها لهذا الظرف الموجع المستغرب الذي قد ألم بالعالم. 
فهاهو الجحيم فعلا يتسيد المشهد بكامله.. جحيم الهلع.. جحيم التهديد.. جحيم الجهل.. جحيم المرض.. جحيم الهلاك.. كل هذا مجتمعا ومتمثلا في الآخر سواء إن كان هذا الآخر هو أعدى غريب أو أعز قريب.. بل لا ينتهي الأمر عند هذا.. فليس الجحيم هو الآخرون فحسب، بل هو أنت بينهم في غمار الجائحة، حيث أنك أيضا مصدر تهديد وهلع واحتمال مرض للجميع. فالجحيم هو الآخرون الذين أنت جحيمهم أيضا ومن هنا تتضح عدالة هذا السجان القاسي ونزاهته أو ربما عدم عقلانيته وعبثه.
أن العلاقة بالآخرين في ذاتها علاقة ديالكتيكية يطول الحديث فيها، ولكن هذا الديالكتيك يبدو هذه المرة أكثر جلاء ووضوحا ومفارقة أيضا.. فمن جانب رياضياتي نحن أمام فرد واحد -وبشكل احتمالي واحصائي بحت- من الممكن أن يسبب هلاكا للجميع، وكل فرد من الجميع يمثل نفس العبء على المنظومة جميعها.. فعلى الرغم من ضألة تأثير الفرد كرقم بالنسبة لأعداد المجموع -وهذه طريقة رياضياتية بلا شك- إلا أنه يظهر مؤثر جدا من طريق رياضياتي آخر هو الاحتمال ومن هنا تتأتي المفارقة الفارقة.
أما على صعيد فلسفي وجودي فتتأتى مفارقات أخرى كثيرة في نفس العبارة منها مثلا أن ما يأسس له سارتر بعبارته أصلا مرده الفردانية والتي هي قاعدة أساس للوجودية كفلسفة ولليبراليبة كنظام أجتماعي وسياسي.. ولطالما نافحت الوجودية ودافعت الليبرالية عن قيمة الفرد على حساب قيم المجموع.. ولكن في غمار الجائحة تنقلب الفردانية والوجودية والليبرالية كل منها على نفسها، بل وعلى حساب قيمة الفرد وحقوقه لصالح المجموع، حيث لا نجاة أصلا للفرد في شبكة الهلاك الاحتمالية تلك إلا بنجاة المجموع.. فعلى قدر ما يقترب جحيم الهلاك من الآخر الذي قد تظنه الجحيم على قدر ما قد يأكلك الجحيم.. فلا نجاة فردية هذه المرة.. أما أن تتنازل كفرد عن متطلباتك من أجل متطلبات الغالبية فينجوا فتنجو.. وأما أن تتمسك بفرادنيتك الوجودية فيهلكوا فتهلك أنت تباعا. 
ربما نجد لذلك انعكاسا واضحا في أنموذجين بارزين للأزمة هما الصين أيطاليا.. الصين وهي دولة اشتراكية شمولية بامتياز وعلى الرغم من كل ملاحظاتنا السيئة عليها فيما يتعلق بالحريات وحقوق الإنسان إلا أنها تعد أكثر الدول احتواء للأزمة واستيعاب لها رغم أنها أول المتضررين، وهذا تماما على عكس الحال في أيطاليا والتي هي جمهورية برلمانية ديمقراطية يمارس أفرادها قدرا أكبر من الحرية مع قسط أوفر من الحقوق إلا أنها أنهارت تماما أمام الأزمة، وها هي الجائحة تحصد أرواح مواطنيها بكل حقوقهم وحرياتهم بكل حريتها. فهل انقلبت الوجودية على نفسها وبالا.. وقتلت الليبرالية نفسها بديمقراطيتها وحريتها.. أما أن الجحيم وجودي والوجود جحيمي وجميعنا نصطلي بنارهما طوال الوقت؟! 

وبالختام يبقى لي رجاء عند من تصله تلك الكلمات.. ابتعد عن من تحب بقدر حبك له.. وابتعد عن من تكره بقدر كرهك له.. وابتعد عن من لا تعرف بقدر ما لا تعرفه عنه.. كل فرد هو نقطة احتمالية في منحنى دالة أسية تتزايد فيها أعداد المصابين بطريقة سرطانية لا يمكن تخيلها.. كل مخالطة هي تهديد يوشك أن يهلك الجميع.. أنه بحق اليوم الذي لابد فيه أن يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا لعل ذلك ينجيهم وينجيه.

الاثنين، 16 مارس 2020

جائحة كورونا وانهيار النظام العالمي

   

ها هو العالم الذي طالما ظننا أننا نسيطر عليه تمام السيطرة، وأنه طوع قيادتنا يخرج عن السيطرة، فنتخبط فيه كالعميان أو المجانين.. البناء العالمي الضخم سواء العلمي أو الصحي أو الاقتصادي أو الاجتماعي يثبت لنا أنه مهترئ للغاية، ومن السهل جدا أن يتداعى فوق رؤوسنا في عدة أسابيع.. كل نتاجات الحضارة الانسانية المتراكمة على مر عشرات القرون تبدو الآن هشة جدا ضعيفة المناعة من الممكن أن تنهار في لحظة..

لا يرجع ذلك الضعف والعجز لعظم جائحة الكورونا وسرعة انتشارها فحسب، بل يرجع في الأساس لهشاشة البناء الحضاري الذي ابتنيناه لنعيش فيه معتقدين في قوة امكانياته.. مؤمنين بعظم تحصيناته وقدراته.. أن هذا التمركز الأحمق الساذج حول نتاجات الحضارة لم يورطنا إلا في انتفاخ ذواتنا التي هي في حقيقتها لا تمثل أي شيء..

فعلى الصعيد العلمي أثبتت لنا الجائحة مدى بطىء العلم في مواجهة الكارثة، وعدم قدرته على مجاراة تسارعها بنفس الوتيرة، ناهيك عن فشله التام في التنبؤ.. لا يمتلك الكورونا مؤسسات محكمة ولا أجهزة مسؤولة ولا تمويلات ولا دراسات حين أعلن حربه الضروس علينا.. ها هو يزحف علينا في صمت ويقتلنا كالذباب دون قصد أو إرادة أو هدف.. مجرد كائن دقيق وبسيط ظهر فجأة.. ويخطو أولى خطواته في الوجود دون أدنى وعي منه.. فبماذا فادنا الوعي والإرادة الحرة والعقل والغاية وكل هذه الهراءات التي طالما زعمنا بها لأنفسنا الأفضلية..

أما على الصعيدان الصحي والأقتصادي فكلاهما أسوأ من بعض، ومنهما يفتضح وعي البشر الجمعي بأسره.. العالم البشري مفلس تماما اقتصاديا.. لا تستوعب موارده تنامي سكانه المطرد المهول.. مدين لمستقبله الأغبر بثلاث أضعاف دخله الحالي وناتجه القومي الأجمالي.. بل يهدر موارده في خزعبلات على مر قرون.. فعلى الرغم من عظم الجوائح الوبائية التي واجهها -على الأقل- في الخمسة قرون الماضية لم يتعلم الدرس.. وها هو يواجه جائحة أكثر شراسة وضراوة بنظام صحي فقير الموارد ضعيف الاستيعاب.. حيث لا تستوعب مستشفياته أكثر من ١٥% من سكانه.. ولا تستوعب غرف العناية المركزة فيه فائقة التجهيز أكثر من ١.٥% منهم.. أين كان العالم وهو ينفق أكثر من ربع موارده على اشياء لا تجدي من أنتاج مواد رياضية وفنية و عسكرة و... إلخ.. وربما لهذا يدفع العالم الآن ثمن حمقه واستهتاره.. فترى صناع قراره ملتاعين مثلهم مثل الذي يتخبطه الشيطان من المس.. شيطان الحماقة والغفلة..

أما على الصعيد الأجتماعي فالأمر أكثر تعقيدا وسوء.. فبعد أن أصبح كل إنسان منا جزيرة معزولة في ذاتها، لا يربطه بالآخرين سوى بعض نقرات على شاشة ملساء مضيئة في عوالم كلها افتراضية صنعها جميعا باختياره فأحبها وأدمن عليها.. ها هو يرغمه هلعه الآن لينعزل جبرا لا طواعية ليواجه نفسه التي أفسدها بتضخيمها الزائف.. ها هو يرى نفسه بلا أدنى شأن حيث من الممكن أن تتحول لرقم تافه في حصيلة وفيات الجائحة الحالية..  رقم تافه يمر سريعا على شريط أخباري صامت أو كخبر عاجل سرعان ما يختفي ليظهر الذي يليه.. ها هو الإنسان الذي طالما ظن نفسه محور الأشياء يتعارك مسعورا من أجل عبوة من المطهرات أو بضع معلبات من الطعام دون أدنى تحضر أو عقل ظنا منه أنه قد يفر من الموت.. الموت الذي كان قد نساه تماما في خضم حياته المحمومة المتسارعة الأحداث.. ها هو يواجه الحقيقة التي أهدر موارده كلها كي يتلهى عنها ويشوش عليها.. ها هي تظهر أمامه جلية واضحة كالشمس مع كل عطسة أو كحة أو بصقة.. ها هو يواجهها وحده.. وحده تماما كجزيرة منعزلة حيث الآخر هو احتمال للموت لا النجاة..

الأحد، 15 مارس 2020

مبدأ تضارب المصالح.. لا يمكن أن تحب نفسك والآخر..


وكأن الأمر بأكمله قائم على مبدأ تضارب المصالح.. المصلحة هي المحرك الأول لكل شيء،  والتي هي أيضا بتزايدها واستشرائها سوف تعطل كل شيء.. فمثلا لابد أن أكون إنسانا بكل ما تحمل الكلمة من سوء في تعاملاتي معكم؛ لأظهر في صورة جيدة تلبي رغباتي واحتياجاتي.. ولو صرت على النقيض إنسانا بكل ما حمل الكلمة من لطف وجمال في أعينكم.. فإن هذا لا يمكن له أن يحدث إلا بأن أتجاهل رغباتي واحتياجاتي، بل أحيانا بأن أحمل نفسي فوق ما تطيق. 

لفظة الانسانية محتملة ومتضاربة ومختلة فلا أحد هنا يستطيع إرضاء نفسه والآخر معا.. لاشك أن هذه الفكرة بحد ذاتها في تلك الصورة تبدو متضاربة ومختلة، ويمكن الطعن فيها.. فأنا مثلا بنسبة كبيرة أشعر أن المشكل الحقيقي في حياتي أني منعدم المصلحة.. لا أنشد غاية أو هدف من وراء ما أقول أو أكتب أو أفعل أو أحس.. رغم هذا أبدو في نظر كثيرين حيوانا مملا لا يطاق، وفي نظر آخرين شخصا يستحق الشفقة، وفي نظر آخرين مثيرا للأعجاب والدهشة.. وفي نظر نفسي أبدو في كل هذه الصور على تضاربها.
ربما كثير ممن يحبونني الآن يحبونني ﻷني لا أحب.. أعرف أنهم ينتقدون وحدتي بشفاههم طوال الوقت، ولكني أتفهم أيضا أن وحدتي تلمع في عيونهم، وتغريهم.. الغريب أن تصبح مثيرا فقط ﻷنك صادق الألم..

أما عن الحب.. فمن سنوات قليلة مضت كلما كان يسكرني الحب بنشوته كان التفكير في الغد وملله لا يمهلني ﻷنتشي.. كان ينقض على قلبي سريعا، ولا يتركني إلا وقد أستفقت تماما.. نعم.. أستطيع أن أصف نفسي بأني كنت خياليا يقبع على خلفية واقعية لا تدع للخيال فرصة ليستمر، ولا حتى تدع الواقع ينتصر.. هكذا فعلا عشت سنين لا أعرف معنى التضارب، ولا أفهمه.. ربما الآن كبرت وفهمت واستفقت ولم أعد أقوى على سكر مشين كهذا.. ولكنني لازالت متورط في عالم المخمورين السكاري بوجودي بينهم كل ما تطور في الأمر أني متضارب، وأعرف بذلك.. لا أبرر تضاربي أو تضاربهم، بل وأعتبر التضارب شئ عادي، بل أظنه هو طبيعة الأمر كله.. ولربما نظرا لهذا التطور أصبحت أكثر تأقلما مع أشياء كثيرة منها مثلا عبارات والدي القاسية من عينة  "لقد أنفرط عقدك" أو "أنت قضيتي الخاسرة"  أو "لم أنصف بك يوما". أتفهم جدا قساوة تعبيراته، ومدى الحب الصادق الذي ينبض في حروفها.. أن أبي ببساطة يريد أن يعبر عن رسالة ملحة داخله، وهي أنه ليس سعيد؛ لأني لست سعيد.. أتفهم أنه لن يكون سعيدا إلا إذا رآني سعيدا بالطريقة التي يريدها ويرضاها.. وهذا ايضا تضارب آخر يطعن في كل الاشياء..

الأربعاء، 15 يناير 2020

عصر ولكن

لاشك أن عصر الحقائق الثابتة والأفكار المطلقة، والمعني ذا المقصد الواحد، والطرق ذات الإتجاه الواحد ينحسر يوما بعد يوم. فلا يغفل مبصر أن عصر الاستمبة والقالب والنموذج والقواعد والأصول والموروث يحتضر في سرير الموت. 

نحن الأن ببساطة نقف على باب عصر جديد اسمه "عصر ولكن".. عصر قوام أيدولوجيته هو الجمل الأعتراضية، والجانب الأخر من كل شيء، ومقابلة الضد بالضد، وأحترام الارتباك الذي يسببه التناقض، بل واعتباره صورة من صور الفهم. عصر تفهم الفوضى التى ينتجها الأختلاف، بل وتذوق الاضطراب الناتج عن المنهج الفرادني في التفكير. بحيث لا يستطيع عاقل متفهم اليوم أن يغفل الجانب الآخر من رؤيته أو فكرته أو موضوعه. 

ربما الصراعات الدائرة أصلا هي صراعات وجود بالنسبة للجهلاء والحمقي والأغبياء من المتجمدين، بل لربما هي صراعاتهم الأخيرة التي تزداد بها خسائرهم يوما بعد يوم وصولا إلى أن يتلاشوا للأبد. أعتقد أن البشر سيمرون قريبا إلى هذا العصر الذي سيتغير فيه كل شيء.. ففي الغالب مسيرة البشر تتعقد معنويا كلما تشيب، بينما تصبح أكثر أريحية ماديا على الجانب الآخر من الصورة. ولا أعرف ما إذا كان هذا التوازن سيكون كافيا في العصور المقبلة بما يضمن بقائنا أم أن الجانب المعنوي سيتقعد جدا ويتأزم تماما بحيث لا تستطيع ماديات الحياة من رفاهية وتطور وراحة وسهولة أن تجابهه. 

لكن تخيل أن تصبح الثوابت على الأرض بعدد البشر وتصبح الأفكارفي مثل ذلك. تخيل أن يصل بنا الحال يوما أن نتوافق على أنه لا حاجة للتوافق على أي شيء، و نقدم الفرد على الجماعة، بل ونقدس الاختلاف على حساب التوافق. ربما حينها تصبح الأمور فوضوية للغاية بحيث تصبح الحياة غابة من جديد محركها هو توافر القوة مع المصلحة، وربما تنتظم الحياة بسقوط فكرة القوة والمصلحة معا في خضم الأفكار التي تسقط يوما بعد يوما. ربما تدفعنا الفرادنية لحيوانية بدائية همجية، وربما تفتح لنا أفاق جديدة نحو عالم جديد تصبح فيه نفوسنا معقدة جدا بحيث تسقط غرائزها الحيوانية تلك، فنصبح كائنات جديدة تدور في دورة جديدة من التطور. 

علينا فقط أن لا نستهين بالتطور.. فالتطور أنتج وعيا يكتب لك هذا الكلام لتجد نفسه تفهمه. فربما تسير عجلة التطور نحو الأفضل، ونصبح كائنات أرقى مع الوقت بحيث يختفي القتل والعدوان ومحرك المصلحة المقيت. ولكن أعتقد أن هذا الرقي المنشود لا علاقة له بالسعادة التي تصبو إليها البشرية، لأنه ربما نصبح كائنات أرقى، ولكن أكثر حزنا وضجرا ومللا واكتئابا. ربما ليس كحزن اليوم ولا كملل اليوم الحاصلان بفعل ضغوط الواقع. ربما عندما يزيد وعينا بأنفسنا لدرجة أن نكسر فيها دوافعها الغريزية الحيوانية. ربما تصبح نفوسنا هكذا عبأ وحزنا واكتئابا ووجعا بذاتها.

إن تراكم التغييرات ليس شرطا أن يمضي بنا للأمام خاصة، وأن التغييرات تمضي وفق قوانين لا نسيطر عليها، بل حتى لا نفهمها، ولانعرف أبعادها؛ ولهذا نجد أنه في أحيان كثيرة تتعقد تلك التغيرات، وبدلا من أن تدفعنا للأمام تعيدنا للخلف، وكأن الأمر يمضي بعشوائية لا يمكن ضبطها، ولا حتى توقع ما قد تؤول إليه. ففيما نرى نجد مثلا أن الإرادة الحرة -الناتجة أساسا عن ظهور الوعي- تبدو الآن بعد تعقيدها وتحميلها بأفكار كثيرة معيبة أصبحت رادع للإنسان بدلا من أن تكون دافعا له، لدرجة أنها أصبحت تهدر قيمة الوعي ذاته.

الاثنين، 9 ديسمبر 2019

عن الضحك والسخرية


الضحك واحد من أهم الظواهر الإنسانية في مواجهة الإنسان لوجوده. يفسره سقراط مثلا كظاهرة نابعة من تجاهل الذات. ويذهب به هيغل إلى أنه مفارقة ناجمة من تناقض بين المفهوم الأولي والمعنى الحقيقي المستدرك. وينتهي به إميل سيوران إلى أنه أكبر ظاهرة عدمية في الوجود.

ولا شك أنه لم يكتمل نضج الوعي الإنساني في بدايته إلا حينما مارس الإنسان ميكانيزم السخرية حيال وجوده، وكافة المشكلات التي نجمت عن هذا الوجود. فالسخرية برأيي هي أكثر ردة فعل جادة وحقيقة ومثمرة قام بها الإنسان على مدار وجوده ووعيه، حيث أنها بمعناها الجوهري ما هي إلا سخرية الإنسان من نفسه.. من عجزه ويأسه، بل وحتى من دهشته وخوفه.

إن السخرية تنزع عن الإنسان تلك العدسات المكبرة التي يرى بها نفسه محور الوجود ومنتهاه، فتزيل عن عقله ثوب قدسيته، وتنزع عن إداركه قناع هيبته التي يختال بها على سائر الكائنات؛ ليرى أفكاره هزلا عاريا تماما بكل سوءاتها فتعود أمامه لحجمها الطبيعي المخزي المثير للإستهزاء في خضم هذا الكون اللانهائي.

السخرية هي المفارقة الناتجة من التناقض الذي هو الخام الأولي الذي تنبني عليه الحياة.. المعادل الحقيقي لمحاولة الإنسان للحرية، وكسر القيود باعتراضه على مكون التناقض الذي ينبني عليه كل شيء. إنها بلا ريب معول هدم بناء يكسر قيد الحياة فينا؛ ليطهر الأفكار من تضاربها من أجل تنقيحها وتطويرها وتحسينها. إنها واحدة من أهم صور الجدل الإنساني مع وجوده.. محاولة لتجاوز المحدود المتضارب بالتعالي عليه والاستهزاء به كونه على حالته هذه يعد هزلا لا طائل منه. ردة فعل تجتهد في التسلق صوب ما هو أرقى بنقدها ونقضها للحالي. طموح في اللانهائي.. ديالكتيك ناجم بالأساس من الإستهزاء بالمأساة عن طريق تحويلها لملهاة ترسم البسمة على الوجوه، وتحرك الأفكار في العقول.. نتألم لنسخر فنضحك لنستطيع أن نتألم من جديد.

فيوضات العبث