الخميس، 19 مايو 2016

ليسيد (قصة قصيرة)


في هذه المرة بدا وكأنه لا يراني من الأساس، بل لا يرى شيئا على الأطلاق. مستغرقا كعادته في تفكيره العميق، لكن عيناه المثبتتان نحوي واللتان تتطابقان تماما مع أعين الموتى كانتا مخيفتين جدا أكثر من أي وقت مضى. كعادته متخشبا تماما مثل الكرسي الذي يجلس عليه، ينظر نحوي في ذهول لا يرتد إليه طرفه. 
منذ ثلاثة أعوام وأنا أراقبه كل مساء في محطة الانتظار تلك. منذ ثلاثة أعوام وهو يحدق نحوي كأني فراغ يرى فيه كل شيء يفكر فيه. منذ ثلاثة أعوام وأنا كل يوم أجلس أمامه في ساحة الأنتظار في نفس الموعد تقريبا، وأفكر.. فيما يفكر هذا العجيب الباهت الشاحب. لكن هذه المرة بدا الموقف وكأنه أكثر جلالا وهيبة وحسما.. لم أفكر من قبل أن أتحدث إليه.. ربما أخشى على نفسي منه.. ربما أخشى عليه مني.. ربما أشفق عليه أو أشفق على نفسي.. ربما أخشى أن تنكسر صورته أمامي بالحديث أو أن تنكسر صورتي أمامي حينما أذهب إليه ولا أجد ما أقول.. الاحتمالات كعادتها لانهائية وجميعها واردة. 
لكن هذه المرة كانت تحدثني نفسي أن أقوم إليه وأقطع حبل مشنقة تفكيره التى تنعكس في عيونه.. هذه المرة كانت تستدرجني تلك المغامرة الغير محسوبة.. وبينما كنت أفكر في أن أذهب إليه وأحادثه.. إذا به قام منتفضا فجأة، فارتبكت.. وكأنه قد علم بفضولي الذي يحاصره منذ ثلاثة أعوام.. حك رأسه للحظات.. أخرج قلما واِلتقط ورقة من سلة المهملات.. حك رأسه من جديد بطرف القلم، ثم دون شيئا ثم مشى إلي في ثبات. 
كانت دقات قلبي تتسارع مع كل خطوة يخطوها نحوي، وكأنه الموت.. اِبتسم بسمة شاحبة، فابتسمت ارتباكا.. ثم جذب كفي، ووضع فيها الورقة، وأطبقها وأطلقها.. ثم ربت على كتفي بحزم، وأدار ظهره بهدوء وانصرف. 
وبينما كان يتابع خطواته مبتعدا كنت أحاول السيطرة على ارتباكي وفضولي.. كنت أشعر أن الحقيقة أصبحت كلها في قبضتي، لا ينقصني إلا أن أنقلها إلى عقلي ليدركها ويكمل ما بقى منه من تفكير في ضوئها.. فهل يتسع عقلي لما اتسعت له قبضتي؟؟ 
ربما نتاج ثلاثة أعوام من التأمل في هذا المجهول لابد أن تفضي إلى الحقيقة.. قطعا أنها الحقيقة.. كنت أشعر أني نجوت من موت محقق لتوي، ومعي ما منحني هذا الموت من الحقيقة. وبينما كان يبتلعه طول المسافة مبتعدا.. كانت دقات قلبي تنتظم تدريجيا إلى أن غاب تماما، وعادت هي سيرتها الأولى.. وعندها لسبب غير معلوم وجدتني أحك رأسي بشدة مثله، ثم فتحت كفي لأجد الورقة.. تذكرة قطار بتاريخ اليوم ولكن من ثلاثة أعوام مضت.. كتب في ظهرها بخط منمق "ليسيد".

الأربعاء، 11 مايو 2016

محاورة الحرية


- لا تغامر بنفسك .. ما أكثر من ماتوا من أجل الحرية، ولم يتغير شيء
-- الحرية أغلى ما في الوجود، وعلى قدر عظمة الشيء يكون الثمن.. لم ندفع الثمن بعد.

- و لماذا يجب أن ندفعه نحن؟؟
-- الموقف يفرض نفسه،،

- ولماذا لا نتجاهله؟؟
-- المبدأ.. الحق.. نصرة القضية..

- لم أعد أصدق في مثل تلك الحماقات.. أشرح لي الأمر من باب المصلحة.. المصلحة فقط..
-- إذن.. من أجل مستقبل أفضل،،

- وهل هكذا فعلا تصدق نفسك؟؟ أي مستقبل يا عزيزي؟؟ المستقبل الذي إن مت من أجله فلن أحياه أم المستقبل الذي إن عشت في انتظاره ربما لا أدركه. صدقني لا شئ يجدي نفعا هنا.. مجرد قضايا خاسرة تتراكم بمرور الأيام تماما كما تتراكم ملفات القضايا المؤيدة ضد مجهولين في المحاكم.. المشكلة ليست في المجهولين، ولا في القضاء، ولا في القانون، ولا الشهود، ولا المحامين.. المشكلة هي في الحياة التي لا تستقيم إلا بوجود ضحايا.. فلا تضحي مرتين كل من هنا ضحايا لن تتغير أحوالهم بمزيد من التضحيات.. صدقني كل الأشياء هنا تتغير وفق هواها، وهواها في الغالب ما يعاندنا ليبقينا ضحايا لتستمر بنا الحياة. ما نفع الحرية يا عزيزي لمن أتوا للحياة دونما خيار، ورحلوا عنها في اضطرار، وكان عيشهم فيها مرار في مرار صدقني الحرية كذبة قديمة لن يصدقها أحد في المستقبل.

الخميس، 5 مايو 2016

الهراء المفيد

هذا الكلام لا يفهمه عابر، ولا حتى مدقق. هذا الكلام لا يفهمه سوى من لم يفهمه، ويتفهم ذلك. أشياء كثيرة تلك التي لا تحتاج منا أن نفهمها على قدر ما تحتاج منا أن نتفهم عدم تفهمنا لها بأريحية ورضا وعدم سخط، ولهذا لا تطلب من قراءة كلام كهذا شيئا سوى تلك الدقائق الضائعة في المطالعة؛ لأن ضياعها في مطالعة شيء لا حكمة فيه، ولا طائل منه، ولا يمنحك شيئا يعد أمرا صحيا ومفيدا. 

الوقت يا عزيزي داء عضال لا خلاص منه إلا بمهاترات لا جدوى منها كتلك التي تطالعها. الوقت الذي هو تماما على وزن الموت.. هل يا ترى نعرف داء أصعب منه؟؟ هل يوجد داء أسوأ من حساب وعد اللامحسوب واللامعدود؟؟ هل هناك ما هو أكثر حمقا وجنونا من أن نعد السراب، ونتتبع حساب ما لا نعرف له نهاية؟؟ هل يوجد مفسدة هنا أكبر من الوقت؟؟ لو توقفت لتمرره أدركت أنه سيفا مثلوما لا يقطع أي شيء، ولا حتى نفسه.. ولو مررت نحوه لتوقفه مضى فيك تقطيعا من كل جانب.
وعلى نحو هذا تكون أنت نسبي تماما مثله، بل وستبقى غير قابل للحسم والفهم ما دام باقيا في عقلك. أوتفهم تلك الرغبة الملحة التي تدفعنا لحسم الأمور وفهمها؟؟ 

أعرف هذا الخلل الذي تقاسمه البشر جميعا هنا في تلك الورطة.. وأعرف أيضا أنه في رحلة سير طويلة قصيرة كتلك التي بالحياة لا مفر من أن تقودك قدمك المنهكة الحائرة دون أن تشعر لترتاح على مقعد الأمل الموسد بعبث أحلام الخلود، وفوضى أوهام التمني، ولكن عليك هنا أن تعرف شيئا لا أهمية له على الأطلاق.. أمام مقعد الأمل يختلف الناس كثيرا في البداية ليستوا في النهاية بنتيجة واحدة.. فمن لا يستسلمون للجلوس طويلا، وينهضون سريعا لمجابهة الواقع على حاله يموتون كمدا.. ومن يطيلون الجلوس متأملين في أمنيات خيالهم متشبثين بالمقعد يقتلهم الإنتظار.. وحتى من يتقلبون جلوسا ووقوفا يموتون متمزقين بين أمانيهم ويأسهم.

لا شك أن المحرك الرئيس هو أنت، وأنت هو ما يعرفه الجميع حولك من حتمية موتك الذي لا تعرفه أنت لنفسك إلا بمرور الوقت.. في كل الأحوال لا أحد يموت من أجلك، ولا حتى أنت.. الناس يموتون لأجل أنفسهم التي لن يعرفوها إلا بانعدام الوقت فيها.. أنفسهم التي قد تفضل السير أو الجلوس أو حتى تتقلب بين هذا وذاك تمنيا ويأسا حقيقة ووهما أمام مقعد الأمل المغري جدا.

وبهذا تكون النفس كمطلق غير مطلقة على الأطلاق حيث أنه لا نستطيع في حال كهذا تعريف الحياة "أو ما قد تبدو حياة" سوى أنها تفهمنا لعدم فهمنا للأمر برمته.. وعند ذلك يكون تمريرها دقيقة دقيقة ويوما يوما هو رأس الحكمة وعينها، وهذا أمر يحتم عليك شكري لأني ساعدتك في مرور دقائق منها بمطالعتك لهذا الهراء المسهب الذي لا طائل من ورائه.

الجمعة، 29 أبريل 2016

براوز حزين


كان حر عايش بين عبيد
بأسه مكنش شديد.. 
يأسه مكنش جديد
كان قلبه جامد 
لكن مكنش حديد
كان ضحكه عالي 
لكن مكنش سعيد
كان عمره ينقص كل يوم 
فالموت يزيد
من طلته الزحمة تبلع دوشته
فيعود بنفسه لجوا نفسه وحيد
يبقاله ايه بعد اللي صار؟؟ 
يبقاله ايه؟؟
غير انتحار.. 
غير انتصار حالة انهيار
غير ضل باهت بقعة غامقة على الجدار
وعلى الجدار مقبلش أنه يكون مجاز لصورة 
محبوسة في إطار
مقبلش بالبراوز 
مقبلش أنه يصير في يوم حبة أزاز
متبعترين حوالين مجاز
"حالة انهيار" 

براوز حزين 
دابت دوبارته م الانتظار
والانتظار حالة ابتزاز.. 
العمر صعب الاجتياز
والموت انجاز إن جاز 
والواحد مهما إن عاز
تمشي حياته على مزاجها 
بهدؤها كدا بإزعاجها
يخسرها في يوم لو فاز
الصبح نشاز لكن ينعاز 
والحزن انحاز لليل الغاز
العتمة توسع واحدة واحدة 
تحضن الليل اللي ساكنك
تحتوي الضلمة اللي فيك
يا هل ترى كل شيء بتحن له
هيحن ليك
ولا الوجع كدا بيفاديك
يا ليل طويل ملوش أخر
القلب زاهد ولا صابر؟؟
الكون دا ساحر ولا ساخر 
ولا انا مبقتش قادر؟؟
أنا غاوي ليل 
ولا الليالي بتغوي روحي؟؟
ولا الليالي دي كاس نبيت 
نشوة جروحي؟؟

الخميس، 28 أبريل 2016

رسالة منها

هل لكَ أن تخبرني كم مرةً سمحت لكَ عيناك أن ترى شيئًا غيرَ تلك العتمة التي تملؤك.. تلك العتمة التي لا تجد فيها حتى نفسك؟؟ صدقني لا شيء يجدي نفعًا إن لم ينتفع الحبُ بنا.. صدقني لا شيء، ولا حتى الحقيقة التي تلهثُ خلفَ السراب،ِ و تلهثُ أنت خلفها. أو لازالت تلهثُ فعلًا أم إستسلمت قدماكَ لأوحالِ الضياع، وانتظرت ضياعي في جملةِ الأشياء التي تضيع منكَ كلَ يوم؟؟

للأسف سأظلُ عبًأ لا يضيع لأني قد ضعت فيكَ بالفعل. فهل من ضاع فيكَ يمكن له أن يضيعَ منكَ يومًا ما؟؟ هل لكَ أن تخبرني ما نفعُ الحقيقة إذا كانت متعبة؟؟ ما نفعُ أي شيء إن بددنا الرضا بالشك، وربحنا معرفةَ الأوهام، فخسرنا السكينة؟؟ ما نفعُ الحياةِ التي تنبض في عروقنا إن لم نتحايل ونمررها؛ كي تنبضَ في عقولنا أيضا؛ لتخضر قلوبُنا وتزهر؟؟ ما قيمةُ الموتِ إن لم نبالي به؟؟ ما جدوى الموت أصلًا إن لم نتشبث بالحياة؟؟ حتى ولو كذبًا.. حتى لو بلا معنى.. حتى لو محض تحايل.. حتى لو أي شيء كان هو المجهولُ الذي سيلتهمنا في الغد..

حتى العدم.. كيف لكَ أن تكونه، وأنتَ لا تستطيعُ الوجود؟؟ وكيفَ تستطيع الوجودَ إذا لم تحب؟؟
ها أنت تنظر لي فلا تستطيع نفي الحياةِ عن نفسك، ولا حتى أثبات الموتِ لها.. ها أنت تقفُ وحيدًا في منتصفِ كل المسافات المتقاطعة ترتضي دورَ الصفرِ الحائر بينَ كلِ اللانهايات.. فهل يرضيك صفرًا كهذا تمزق في البدءِ، و يتلاشى كل يوما بعيدا بعيدا في المالانهاية؟؟

ها أنا أخاطب كلَ هذا السراب الذي تحتويه، وأراهن على المستحيلِ فيكَ.. فهل سيغريك الرهان لتربحني أم ستكتفي أن تجري الأمور على هواها لتغتال هواي؟؟ ها أنا ذا أمامكَ.. عبأتُ لكَ البحرَ كلهُ ملء عيوني فلماذا تحتجب عني بالتفكيرِ في اللاشيء، وتتمطى كسلًا على رمالِ الشط، ولا تجيب موجَ البحرِ في عيوني إلا بقذفِ الحصى مع الخيبات.. أو تخاف ألا تطفو؟؟ وكيفَ تطفو طالما عاندتَ مائي الذي داعبَ قدميك؟؟ كيف ينجو غريقُ البرِ إن لم يغتسل بالملحِ والزرقة؟؟

أو تدري كم أحبُ هذا الزهدَ المتعبَ المستريح في أركانِ أحداقك؟؟ أو تدري كم أتمناكَ إبنًا لنا لوإكتمل نصابنا يومًا، وصرنا ثلاثة؟؟ أو تدري كم أعيش فيكَ لكَ فقط كي أعيش؟؟

الاثنين، 25 أبريل 2016

مسخ على هيئة امرأة


ما عدت أكترث لإغراء غموضك التافه. ما عاد يزعجني غباء صمتك الشبيه بخواء الموتى والتراب. أن أكثر شيء يقتلني أني لم أقتلك إلى الآن. قد أكون واحدا من هؤلاء الذين ساعدوك كي تنتفخ ذاتك إلى هذا الحد، ولكن صدقيني أنا غيرهم تماما. فلقد فعلت هذا فقط كي أرى فقاعتك، وهي تنفجر أمام عيني في النهاية.

لا تصدقي أوهامك عن نفسك، أنتِ لست أكثر من قطعة جحيم تعثرت بها في هذا الكم الطائل من الحمق الذي أعيش رهن وضاعته. ربما لا أعرف الحب تماما مثل إلهك الشيطاني المقيت الذي أرسلك صدفة لتصادفيني. ربما أيضا محاولتي الوحيدة لأبدو إنسانا كانت هي الصواب الوحيد الذي أدفع ثمنه خطيئة لن تغتفر. ليتني أمتثلت لقاعدة حياتي كما هي دونما استثناء "لا تضرب إلا لتؤلم وإلا....."

ربما خسرتك فعلا بشذوذي عن شذوذي الذي طُبع في، وأرتضيته بمرور الأيام. لا شيء أهديه لك أيتها البغيضة سوى صوت هذا الغراب الجائع الذي ينعق على نافذتي جائعا، وكأنه يلعن هذا الصباح البارد الذي ذكرني بك. كأنه يلعنك بدلا عني متمنيا لك خالص الألم، ولكن لا ضير يوما سأنتقم لنفسي من نفسي التي ورطتني وتورطت.. يوما سيقتص منك العبث لتتعادل تلك الفوضى من جديد. 

أنتِ مجرد مسخ على هيئة امرآة.. مسخ حقير ما عدت أهتم لسوء طباعه العاهرة. مسخ يلائم جدا هذه الدنيا الدنية الوضيعة التي أمقتها بقدر ما أحتقرك. مسخ سيصير يوما ما ترابا؛ ليمسحه مسخا أخر مثله من على حذائه بأنف شديد. تلك هي النهاية التي تستحقينها، وفي مثل هذا أجد عزاء كاف على كل لحظة كذبت فيها على نفسي، وصدقتك.

الاثنين، 11 أبريل 2016

مونولوج لعنة الحكام

يا ولدي.. 
سهم الجوع الطائش في كبدي 
أشهى عندي من طعم خراف الذل 
على مائدة السلطان 

رفقة فقري 
خير لي من رفقة أوساخ الحاشية 
جبناء المجلس 
ممن تبتل مقاعدهم إذا غضب السلطان
 
موتي مجهولا لا يدري بي الناس 
أفضل عندي من أن يصبح اسمي مجلبة للنقمات، 
ودعوى مجانية للعنات، 
أو أن يمسي عرضي علكة 
يبصقها الناس مكان تبرزهم 
كي لا تعلق بنعال المارة في الطرقات

يا ولدى.. 
لا يعلو كراسي الحكم سوى الأوساخ 
نتاج فراش العهر 
أرباب الخسة والجبن الأنذال
مالي في صحبة أقوام 
جعلهم الله خرقا بالية يمسح فيها العامة 
وسخ الدنيا، وعناء الأيام، وظلم مرار الأحوال

مالي في رفقة من خلقوا للعن، 
ومنحوا أعراضا هي للناس حلال 
مالي فيهم، 
ومسبتهم سلوان المضطهدين، 
وخزائنهم ملأى بشكاية المقهورين،
 ودعاوى المظلومين معدومي الحال

الجمعة، 1 أبريل 2016

بكيتك


بكيتكِ طفا طيفكِ في دموعٍ أغرقتني
الحبُ ينتحُر غرقا 
في كأسي الفارغةِ من نشوةِ السكر 
فأختل حزناً وأكسرها

قلبي أنهكهُ نظمُ الشعرِ صمتاً في غيابك
آهٍ كم وددت لو أمحوكِ من روحي؛ لتنمحي روحي
كأنكِ خطأٌ إملائي فادحٌ في قصيدةِ قلبي
دونكِ ينكسرُ وزنُ الدقات، 
وتضيعُ قافيةُ النبض
كأنكِ خللٌ لا يصلحهُ إلا الصمت
أو بالأحرى لن يصلحهُ إلا الموت

عيناكِ غائمتان، وسمائي عاريةٌ
خلعت جميعً غيومها حينما أمطرت وجعاً
أفلا يطهرني المطر؟؟
أفلا يحالفني القدر؟؟
أم أن وردَ العمرِ كان يذبلُ بيننا يوماً فيوماً
دون أن ندري؛ لنموتَ بغتة شاردين؟؟

الأربعاء، 16 مارس 2016

ولا ‏شيء ‏يبقى


من خلفِ هذا العمرِ بابٌ أغلقني خلفهُ سهوًا، 
فمضيتُ في الصحراءِ مجذوبًا بلا مفتاح 
شططٌ يغري قدمي نحو السير
خرقٌ يذهبُ بي حيثُ ذهبت.

تتقفى أثري الكلمات 
أتلثمُ بالصمتِ وأهرب
أتخفى ليلاً كالليل،
والليلُ غطاءٌ يستمطرُ 
من عقمِ الوحدةِ كلَ معاني الحزن.  

في الحزن.. 
يتلعثمُ فيَّ الخوف فلا أكمل
قد كنت أخافُ الخوف، 
والخوفُ ألهٌ يمهلُ لا يهمل
الخوفُ ضنينٌ يا أبناءَ الخوف
الخوفُ ضنين
يستلذذُ بالقتلِ فلا يقتل

هذا الذي يقف مسترخيًا 
على حافة عمرهِ 
طاردهُ الخلودُ وبدده
لا شيء يبقى.. لن يبقى شيء

الأربعاء، 17 فبراير 2016

في ظلال انتظار غودو

بينما كنت مسترخي في سريري أقرأ خطبة "لاكي" العصماء التي ألقاها "في إنتظار غودو" الذي لم يأتي، ولن يأتي. استشعرت أن سقف الوعي منخفض إلى حد لا يسمح لعقولنا إلا أن تبقى منحنية.. وأن محاولة صمويل بيكيت لرفع عقولنا فوق حد العقل بالعبث لم ينتج عنها سوى ارتطام مدوي لرؤوسنا بهذا السقف المنخفض جدا للوعي. ارتطام مؤلم بحق. 

في الحقيقة نحن انعدمنا من العدم.. كنا.. عدم أفسد نفسه؟! عدم أصلح نفسه؟! لا فرق. نعم ولا؟! لا ينفصلان، نعم. الوجود على كل حال هو إبتداء العدم، وعلى هذا النحو بدأ الإنتظار، وبمثل هذا انتصر السأم. لاشك أنك إذا نظرت إلى داخلك بنظرة سريعة سترى الصورة واضحة نوعا ما، لكن كلما توغلت.. أمعنت.. تعمقت.. ستجد أن الصورة تزداد قتامة وصولا إلى عتمة حالكة وظلام دامس مجهول كهذا الذي سقط في صمويل بيكيت ليكتب لنا تلك المسرحية.. ربما هذا المجهول هو الذي يصدر لنا كل تلك الصور التي تطفو على السطح. الصور التي تظن أنها انت.. أنها أفكارك.. أبعادك.. معاييرك.. منطقك.. إرادتك.. كل هذه الأشياء هي من صنع المجهول المعتم الذي يملأك.. كل هذه الأشياء هي التي تصنع الصورة السطحية التي تطفو لاحتياجاتك التي تدفعك إلى الإستمرار للبحث عن أجابة للسؤال الضخم العظيم: ماذا أريد؟؟ 

كل القوى التي تدفعك إلى الأمام .. كل الافكار التي أنتجت هذا السؤال.. كل الاحتياجات التي تدفعك للاستمرار في الركض.. ما هي في الحقيقة إلا حيل المجهول الأكبر الذي ينتظرك بعد الموت.. كل ما في الأمر أنه قد حدد موعد المقابلة مسبقا، وأخترع هذا الطريق الطويل كي تصل إليه في الموعد الذي حدده. إن عدم خوفي من أن أموت وعدم لامبالاتي لا يعني عدم خوفي من الموت، بل على النقيض يعكس مدى رعبي منه، ومن سهامه الطائشة التي قد تنال أحبابي المحيطين الذين أتشكك أصلا في صدق حبي لهم، بل أتشكك أصل في لفظة الحب ذاتها وفي مغزاها، ولكن أقولها لأني لا امتلك الآن من الصبر ما يسعفني لأجد لفظة أخرى ملائمة.. على كل حال أنا مستعد أن اموت و انا في غاية الرضا و السعادة على أن أعيش بدونهم. تلك هي الحقيقة التي تتداعى على نفسها بالوقت.. أو بالأحرى هذا ما يحدث عندما يجابه صفرا مثلي الما لا نهاية على ضخمتها.. هكذا يحدث الخلل، وتصبح القيمة غير معرفة.

فيوضات العبث