الضحك واحد من أهم الظواهر الإنسانية في مواجهة الإنسان لوجوده. يفسره سقراط مثلا كظاهرة نابعة من تجاهل الذات. ويذهب به هيغل إلى أنه مفارقة ناجمة من تناقض بين المفهوم الأولي والمعنى الحقيقي المستدرك. وينتهي به إميل سيوران إلى أنه أكبر ظاهرة عدمية في الوجود.
ولا شك أنه لم يكتمل نضج الوعي الإنساني في بدايته إلا حينما مارس الإنسان ميكانيزم السخرية حيال وجوده، وكافة المشكلات التي نجمت عن هذا الوجود. فالسخرية برأيي هي أكثر ردة فعل جادة وحقيقة ومثمرة قام بها الإنسان على مدار وجوده ووعيه، حيث أنها بمعناها الجوهري ما هي إلا سخرية الإنسان من نفسه.. من عجزه ويأسه، بل وحتى من دهشته وخوفه.
إن السخرية تنزع عن الإنسان تلك العدسات المكبرة التي يرى بها نفسه محور الوجود ومنتهاه، فتزيل عن عقله ثوب قدسيته، وتنزع عن إداركه قناع هيبته التي يختال بها على سائر الكائنات؛ ليرى أفكاره هزلا عاريا تماما بكل سوءاتها فتعود أمامه لحجمها الطبيعي المخزي المثير للإستهزاء في خضم هذا الكون اللانهائي.
السخرية هي المفارقة الناتجة من التناقض الذي هو الخام الأولي الذي تنبني عليه الحياة.. المعادل الحقيقي لمحاولة الإنسان للحرية، وكسر القيود باعتراضه على مكون التناقض الذي ينبني عليه كل شيء. إنها بلا ريب معول هدم بناء يكسر قيد الحياة فينا؛ ليطهر الأفكار من تضاربها من أجل تنقيحها وتطويرها وتحسينها. إنها واحدة من أهم صور الجدل الإنساني مع وجوده.. محاولة لتجاوز المحدود المتضارب بالتعالي عليه والاستهزاء به كونه على حالته هذه يعد هزلا لا طائل منه. ردة فعل تجتهد في التسلق صوب ما هو أرقى بنقدها ونقضها للحالي. طموح في اللانهائي.. ديالكتيك ناجم بالأساس من الإستهزاء بالمأساة عن طريق تحويلها لملهاة ترسم البسمة على الوجوه، وتحرك الأفكار في العقول.. نتألم لنسخر فنضحك لنستطيع أن نتألم من جديد.







