الأربعاء، 3 أغسطس 2016

شيطان السياسة الرجيم

لا شك أن السياسة تستطيع أن تمتطي ظهر كل نتاجات الحضارة من أجل أن تبرر قذارتها. الأمر لا يتعلق فقط بالتلاعب بالأفكار الأصولية الدوجماتية التي تكرس للعبودية كأساس لها بين الجماهير. نازية هتلر مثلا لم تتأسس على أية أبعاد أصولية أو دينية بل على العكس تماما كانت التنقية العرقية مبنية على نظرية علمية "نظرية التطور" لداروين، و فلسفة "السوبرمان" لنيتشه.

وبالطبع أتفهم جيدا طرحا كالانتخاب الطبيعي في ضوء نظرية التطور بعيدا عن هذا الالتواء النازي تماما، كما أتفهم نوعا ما فلسفة نيتشه التي أرها ليست عرقية بهذا الشكل الدموي، وإن كنت أراها جامحة بعض الشيء. ولكن ما أردت قوله أن السياسة في النهاية تبقى هي التطبيق الحاكم القذر المتلاعب المستغل لكل الأفكار والظروف سواء دينية أو فلسفية أو حتى علمية.

 والأمر لا يتوقف عند هذا الحد من التلاعب بالأفكار، بل يتجاوز ذلك للتلاعب بسيكولوجية الشعوب عن طريق استغلال غريزة الخوف فيهم من خلال جدلية خيار الأمن أو الحرية. فالخائف تحت وطئة خوفه لن يكون حر ولا واعيا أبدا، ولهذا لا أجد ثمة دهشة عندما يلبس الخائفون قيد القمع السياسي طوعا ويبرروه، أو يهرلون إلى السجون عن طيب خاطر ويجدون في ذلك منطقا عظيما، أو حتى يتغنون بحياة الديكتاتور، ويرقصون على لحن طغيانه المستبد حتى وإن سحق كرامتهم، وأنتهك آدميتهم، حيث أنهم ببساطة يظنون أنهم بمثل هذه الطريقة يسددون كلفة الأمن الباهظة التي تسوقها لهم السياسة الاستبدادية من خلال سؤال مغلوط جدا وشائع ألا وهو: ما قيمة الحرية أن بات الجميع مهدد وغير آمن؟؟

البشر عموما جبلوا على الخوف، بل أن دافعهم أصلا لبناء الحضارة والنظام كان هو الخوف. أن أولوية الخائفين الأولى هي الأمان المتمثل في الحفاظ على النظام الذي ألفوه حتى وإن كان نظاما ديكتاتوريا مستبدا فاشلا. إن تبرير القمع والقهر ما هو إلا وسيلة وحيلة دفاعية لا إرادية تقوم بها المجتمعات، وخاصة القطاع العريض من البسطاء عندما يتهدد أمنهم واستقرارهم. أو حتى عندما تلوح في الأفق أي بادرة من بوادر التغيير للنظام الذي كفل لهم الأمن الذي تأقلموا عليه حتى وإن كان أمنا منقوصا وفاتورته باهظة من حساب حريتهم وكرامتهم. إنهم ببساطة لن يغامروا بهذا المقدار المنقوص الموجود فعليا من أجل مقدار أكبر هو في علم الغيب حتى وإن اشتمل على الحرية ومنع القهر والقمع. أن المغامرة من أجل الحرية بالثورة تحتاج جنونا بالأساس غالبا ما يكون دافعه الغضب الذي لا يدرك فيه الناس ما يفعلوه؛ لأنهم لو أدركوا ما يفعلون لأخمدوا ثورتهم بأيديهم. 

ولا تكتفي النظم السياسية باستغلال غريزة الخوف الإنسانية الضعيفة تلك فقط من أجل بقائها وتسويق نفسها، بل تنمي في جموع شعبها مشاعر شوفينية متطرفة تدفعهم للموت زمرا تحت لواء قيم مطاطة ومعاني فضفاضة مثل الوطن والأرض وغيرها من تلك المهازل التي يحسن الاستبداد استغلالها أحسن استغلال كي يواري بها سوءة فشله في تحقيق الأمن ناهيك عن الحرية التي أهدرت تماما من أجل هذا الأمن المنشود. هنا يأتي دور الجموع المغيبة من جديد لسداد مزيدا من كلفة وجود هذا النظام الذي يستعبدهم. كلفة من الجوع والصبر والكد والعرق والدم من أجل بقاء النظام.

تلك هي الحقيقة التي لا تعلمها الجموع تحت وطئة خوفهم، واستغلالهم الممنهج المدروس من قبل سياسات لا تتورع من أن تستغل كافة الظروف والأفكار من أجل بقائها وبقاء مصالحها. فوالله ما حدثوهم عن حرمة الأرض والعرض إلا ليموتوا أولا، و يأخر هؤلاء المستغلين ساعة موتهم. أي أرض وأي عرض هذا الذي يدفع صاحبه أن يكون أما قاتلا أو قتيلا. ما نفع الأرض والعرض إذا ما تم تركها لمثل هؤلاء الحمقى الجبناء المستغلين. ففي الحقيقة هم لا يدفعونكم دفعا لتموتوا إلا ليأخذوا نصيبكم من الأرض، ويحل لهم هتك عرض ليس له صاحب بشكل شرعي مقبول. الأرض لا تفهم كل هذا الهراء الفارغ. والوطن مجرد كيان اعتباري ليس له طلبات.. هاهي الأرض لا تستحي من أن تأكل أجساد من ماتوا من أجلها، ولا تخجل حتى من شرب دمائهم. هاهو ترابها تحت الأقدام يدهس بالأحذية، ولا يعطي خيره إلا لهؤلاء الجبناء المستغلين. هذا التراب الذي نمسحه من على أحذيتنا ليس أكثر من هؤلاء الذين ماتوا لأجل الأرض يوما ما ظنا منهم أنها تستحق. ما أبخس عمر الانسان عندما يدفعه ثمن لتراب بخس كهذا، يمسحه الناس بتأفف من على أحذيتهم. أي مستغل دنيء هذا الذي أقنع كل هذه الجموع بهذه الفكرة، بل أي محتال عبقري، بل أي شيطان رجيم؟؟ لا شك أنه شيطان السياسة الرجيم الذي يعتلي ظهر الجميع بسلطان الزيف والاستغلال والتلاعب.

الجمعة، 22 يوليو 2016

لا نموت فيها ولا نحيى

سورة الأعلى واحدة من أوائل السور المكية نزولا، ولهذا نجد لها حضورا طاغيا في العقل الجمعي الاسلامي، وعلى الرغم من آياتها التسعة عشر الموجزة القصيرة إلا أنها تحوي معان عميقة قد يطول شرحها وفهمها. ومن تلك المعاني الآية الثالثة عشر والتي طالما استوقفتني أمامها كثيرا.

فمما لا لبس فيه أن اجتماع نفي الأضداد فيها "ثم لا يموت فيها ولا يحيى" فيه دلالة واضحة بتعريف حال العدم، ولكن هذا الملمح رغم ما فيه من دلالات يطول الحديث عنها ليس بمقدوره أن يجعلنا نغض الطرف عن جوهر الدلالة الذي يكمن في مبدأها "ثم" التى تدفعنا للنظر فيها مليا وفيما قبلها؛ لنستسلم مذعنين للسقوط في فخ تعقيد التراتبية المتراخية الزمن المفعم بدوره وجودا وكينونة بقياس أبسط وجه له يتمثل في لغة أبجديتها تبعد فيها الميم تسعة أحرف عن الثاء بينما يتزايد البعد ليصل لتسعة عشر حرفا في ترتيبنا الألفبائي ناهيك عن اختلاف التراتبية الصوتية للحروف.

أن الزمن في ذاته بعيدا عما ترتب عليه وبعيدا حتى عن نسبيته يعد بعدا مفسدا لدلالة العدم؛ لأنه يجعل منه شيئا مدركا موجودا في أطاره النسبي المحسوب، وفي هذا فساد ظاهر لحقيقة معنى العدم الباطن كمطلق. خلل كهذا يجعل من العدم مجرد مسوغ نظري لا غنى عنه عقليا تم أيجاده من باب الحفاظ على أساس بنيان الضدية الأصيل لمنشأ الوجود ليس أكثر. 
والزمن كبعد وجودي ليس حاضرا فقط في تلك الآية، بل هو خط مسار السورة بأكملها.. فهو حاضر منذ بدايتها في تراتبية الخلق ثم القدر ثم الهداية ثم القراءة فالمعرفة فالنسيان فالتذكر. ويظهر هذا بصورة أشد وضوحا وجلاء في ختام السورة باستدعائها للبعد التأريخي لسردية الميتافزيقا الدينية برمتها، والمتصلة بعضها من بعض بذكر صحف إبراهيم وموسى وصولا للقرآن.

أعرف أن تأملا كهذا في الزمن والعدم من خلال نص ميتافزيقي مجاوز لم ولن يصل بعقولنا إلا للحد الذي تصطدم رؤسنا بسقفه بحيث لا نستطيع تجاوزه ولا حتى فهمه؛ لنبقى من خلف كلماته رهينة لحال ملتبس كالذي ابتدأ منه الوجود وأبتدأنا منه الكلام. حال تماما يشبه ما نحن فيه الآن بالحياة لا نموت فيه ولا نحيى، بل حتى لا نفهم حقيقة ماهية الضدين (الحياة والموت). فما بالنا بماهية اجتماع نفيهما معا كما ورد بالأية؟! حال يورطنا في جانب ميتافزيقي يستوجب التقديس والتنزيه للميتافزيقي المجاوز من باب ضعف وعجز وقصور وعيينا، وهذا أصلا هو ما أبتدأت به السورة.

الخميس، 30 يونيو 2016

خاطرة أرق دامية

سكين يملأ خاصرتك كل ليل.. يوقظك صوت سقوط قطرات الدم على الأرضية.. كفك التي تمسك بالجرح ثقبها الألم. تلك مجرد خيالات تعكس شعورا ما بالذنب أو بالظلم.. كلاهما واحد.. الخيال قد يظلم الواقع الذي بدوره يظلم نفسه فينا واحدا واحدا. ستسدد ثمن الخيال فشلا فادحا في الواقع، فالخياليون لابد أن يكون الفشل حليفهم على أرض الواقع.

يقولون أن من اعتاد أن يري المشهد كاملا وفق هواه ورؤيته حتما سيفشل عندما يوكل له دور واحد ليؤديه، حتى وإن كان دور البطولة. يبدو هذا منطقي بعض الشيء، فكل الأدوار في حقيقتها ثانوية بما في ذلك أدوار البطولة؛ لأن البطل الحقيقي الوحيد هو من تخيل المشهد كاملا قبل وجوده. البطل الحقيقي هو من أوجد المشهد في خياله. البطل الحقيقي خيالي وغير حقيقي، لكنه ليس مثلي  ومثلك؛ لأنه لا يمت للواقع بأدنى صلة. البطل الحقيقي لن يتورط أبدا في وحل الواقع مهما ساء، لأنه يعرف الحد الفاصل بين الخيال والواقع. 

الواقع يضج بالحياة، والحياة حية تنفث سمومها وهمومها في قلوبنا؛ كي نغوص أكثر في وحل الواقع. كل يوم يجعلك أسوأ من اليوم الذي كان قبله.. نسوء ونسوء إلى أن ننتهي.. نفسد إلى أن نغرق في الوحل تماما، ونذوب فيه.. قد يثير هذا شيئا من التعجب، ولكن ما يستحق التعجب فعلا ليست تلك المفارقة.. إنما ما يثير الدهشة بحق هو أنني رغم كل هذا السوء الذي يعتريني لازالت هنا أحدث نفسي فيك، وأنت رغم حفيف الحية التي تلتف حول عنقك تسمعني جيدا، ولا تسمع حفيفها. تلك هي اللعنة إذن.. حينما ينعدم الخيال قد نتوهم سرابا في الوحل.. سرابا مثل الحكمة والحب والمنطق وأشياء أخرى ذات صلة. 

فالحب -مثلا- مجرد فقاعة ممتلئة بالوحل.. قشة تتخيل فيها النجاة وهي في واقعها القشة التي ستقسم ظهرك.. لا تستسلم أبدا للحب.. لا تدع الظروف تدفعك لتسقط في هذا الفخ الذي يسقط فيه الجميع طوعا وكرها.. هذا الفخ الذي من لم يساق إليه مرغما بداعي الغائية والمبرر والمعنى مشي إليه مختارا بداعي الجدوى والهدف والقيمة .. كن حجرا.. حجرا لا تلهب ظهره سياط الغائية التي تتكالب عليها العقول، ولا تغري عينيه بهرجة الجدوى التي يعيش الناس في ضوء آمالها الزائفة.

فلتكن دنيا بلا غاية.. بلا معنى.. ما شأنك أنت؟؟ عش فيها دونما هدف، وبلا جدوى. عش بحدودك في حدودها هذا أفضل كثيرا وأيسر من أن تخترع غاية أو أن تختلق جدوى، وتذكر دوما أنك لست إلها يا صديقي.. لا يوجد إله يرتع في وحل كهذا.. لا يوجد إله يظن نفسه إله يبحث عن غاية أو مبرر.. مساحة عمرك ضيقة جدا لا تتسع كي تورط نفسك في حل لغز كهذا.. قد تنتهي وحيدا مسجونا في نفسك.. قد تصاب بوسواس الأوهام.. قد يصبح خوفك منها قيد ينمو في أطرافك فيلجمك .. يمسك قدمك عن السير قدما.. قد يمسي قلقك من خيبات الملل جدارا تبنيه أيام العمر يوما بعد يوم.. قد يتمكن القيد منك ويتطاول البنيان حولك، وتصرخ في نفسك ماذا عساني أن أفعل في هذا السجن؟؟ ماذا عساني أن أفعل سوى أن أعد الأيام كسجين يرى في الموت حرية؟؟ 

قد يحدث حتى أكثر من هذا ولكن سيتبقى لك شيئا تفعله طالما لازالت عالقا في الوحل. طالما لم تذوب.. حتى و إن نفذت كل الأشياء. الحزن أبدا لا ينفذ.. قد يبدو الحزن مشوشا ضبابيا في البداية. قد لا تفهمه في أوله.. قد تتشت كما الجميع بين كلمات العزاء والاحضان ومشهد تشييع الجثمان والصمت والعجز ورهبة الفراق والدموع التي تملأ العيون، ومحاولة إدراك اللحظات التي تتفلت في انعدام الشعور بالوقت.. قد يبدو الحزن تائها سرحا في البداية.. درويشا مجذوبا يترنح في روحك هنا وهناك دونما وجهة.. هائما لا يعرف سببا لهيامه، ولا يرجى من ضياعه وصول.. تستشعر به كسمفونية يغالبها وجعها تعزفها اوركسترا تشيع قائدها بأقوى ألحانه في ثبات.. موسيقى فخمة أخاذة مهيبة في خلفية مشاهد صامتة تتوالى لتحكي الحكاية.. مشاهد صامتة تضج بالأصوات.. بالحركة.. بالدعاء وبالبكاء.. أرضية بيضاء تتحرك فيها كل الأحداث والشخوص في هوس عجيب محموم غير مبرر، لكنه يبدو منطقيا جدا في حبكة ملامح وجوه الناس.. 

فراغا يملؤك لا يوجد شيئا غيره من الممكن أن يتسع لكل تلك الفوضى التي تدور في نفسها.. وقد يستمر هذا الحال يوما.. يومين.. ثلاثة.. عاما.. عشرة.. خمسين.. ستين عاما أو يزيد.. ولكن في القبر ينعدم الوقت وتأخذ بواقي الأشياء في الخفوت تدريجيا.. تتلاشى.. تنقرض.. تماما.. ويستبد بك النسيان.. يطغى.. يتمكن.. يكون.. كان.. ويبقى الحزن.. وحده.. سوادا.. بياضا.. يتردد.. صمتا.. لا شئ غيره.. إلى ما لا نهاية.. حزن.. وكأنه أول الأشياء وأخر الأشياء.. كأنه كل الأشياء.. حزن.. أبدا يعانق أزلا.. عدما لا يزول مهما زال.. حزن يليق بذوبان خيالك في وحل الحقيقة للأبد.

الجمعة، 10 يونيو 2016

حجر الحياة



لماذا كل هذا ؟!
حجرُ الحياةِ فيهِ قساوةٌ تكفي
لقبرٍ مظلمٍ قابعٍ على بعدِ رمية
كفى وعيدًا بحقِ هذا الجحيم
فـ بفعل الحياةِ نسي الغريبُ
أن يرثي غرابتَهُ وغربتَه ُ
بددتُه قساوتَهما ربما،
فنسى نظمَ المراثي
وأسقطَ سهوًا عزاءَ نفسه

هناك أخيرًا..
استقرت كلُ الحجارةِ
على رؤوسِ أصحابها
الذين رمتهم أيدي الحياة
بعيدًا عن جحيمها
فهل ثمة داع للمراثي؟!

على كلِ قبرٍ حجرٌ شاهدٌ
و على كلِ حجرٍ إسمٌ بائدٌ
كلُ إسمٍ مرثية
من كلمتين أو ثلاث
أسماءٌ خرساء
أكثر من حجارتِها
تسئلنا بصمت غيابها
لماذا كل هذا؟؟
ألم يكن حجرُ الحياةِ
فيه قساوةٌ أكثر جحيمًا
كفى وعيدًا

الخميس، 19 مايو 2016

ليسيد (قصة قصيرة)


في هذه المرة بدا وكأنه لا يراني من الأساس، بل لا يرى شيئا على الأطلاق. مستغرقا كعادته في تفكيره العميق، لكن عيناه المثبتتان نحوي واللتان تتطابقان تماما مع أعين الموتى كانتا مخيفتين جدا أكثر من أي وقت مضى. كعادته متخشبا تماما مثل الكرسي الذي يجلس عليه، ينظر نحوي في ذهول لا يرتد إليه طرفه. 
منذ ثلاثة أعوام وأنا أراقبه كل مساء في محطة الانتظار تلك. منذ ثلاثة أعوام وهو يحدق نحوي كأني فراغ يرى فيه كل شيء يفكر فيه. منذ ثلاثة أعوام وأنا كل يوم أجلس أمامه في ساحة الأنتظار في نفس الموعد تقريبا، وأفكر.. فيما يفكر هذا العجيب الباهت الشاحب. لكن هذه المرة بدا الموقف وكأنه أكثر جلالا وهيبة وحسما.. لم أفكر من قبل أن أتحدث إليه.. ربما أخشى على نفسي منه.. ربما أخشى عليه مني.. ربما أشفق عليه أو أشفق على نفسي.. ربما أخشى أن تنكسر صورته أمامي بالحديث أو أن تنكسر صورتي أمامي حينما أذهب إليه ولا أجد ما أقول.. الاحتمالات كعادتها لانهائية وجميعها واردة. 
لكن هذه المرة كانت تحدثني نفسي أن أقوم إليه وأقطع حبل مشنقة تفكيره التى تنعكس في عيونه.. هذه المرة كانت تستدرجني تلك المغامرة الغير محسوبة.. وبينما كنت أفكر في أن أذهب إليه وأحادثه.. إذا به قام منتفضا فجأة، فارتبكت.. وكأنه قد علم بفضولي الذي يحاصره منذ ثلاثة أعوام.. حك رأسه للحظات.. أخرج قلما واِلتقط ورقة من سلة المهملات.. حك رأسه من جديد بطرف القلم، ثم دون شيئا ثم مشى إلي في ثبات. 
كانت دقات قلبي تتسارع مع كل خطوة يخطوها نحوي، وكأنه الموت.. اِبتسم بسمة شاحبة، فابتسمت ارتباكا.. ثم جذب كفي، ووضع فيها الورقة، وأطبقها وأطلقها.. ثم ربت على كتفي بحزم، وأدار ظهره بهدوء وانصرف. 
وبينما كان يتابع خطواته مبتعدا كنت أحاول السيطرة على ارتباكي وفضولي.. كنت أشعر أن الحقيقة أصبحت كلها في قبضتي، لا ينقصني إلا أن أنقلها إلى عقلي ليدركها ويكمل ما بقى منه من تفكير في ضوئها.. فهل يتسع عقلي لما اتسعت له قبضتي؟؟ 
ربما نتاج ثلاثة أعوام من التأمل في هذا المجهول لابد أن تفضي إلى الحقيقة.. قطعا أنها الحقيقة.. كنت أشعر أني نجوت من موت محقق لتوي، ومعي ما منحني هذا الموت من الحقيقة. وبينما كان يبتلعه طول المسافة مبتعدا.. كانت دقات قلبي تنتظم تدريجيا إلى أن غاب تماما، وعادت هي سيرتها الأولى.. وعندها لسبب غير معلوم وجدتني أحك رأسي بشدة مثله، ثم فتحت كفي لأجد الورقة.. تذكرة قطار بتاريخ اليوم ولكن من ثلاثة أعوام مضت.. كتب في ظهرها بخط منمق "ليسيد".

الأربعاء، 11 مايو 2016

محاورة الحرية


- لا تغامر بنفسك .. ما أكثر من ماتوا من أجل الحرية، ولم يتغير شيء
-- الحرية أغلى ما في الوجود، وعلى قدر عظمة الشيء يكون الثمن.. لم ندفع الثمن بعد.

- و لماذا يجب أن ندفعه نحن؟؟
-- الموقف يفرض نفسه،،

- ولماذا لا نتجاهله؟؟
-- المبدأ.. الحق.. نصرة القضية..

- لم أعد أصدق في مثل تلك الحماقات.. أشرح لي الأمر من باب المصلحة.. المصلحة فقط..
-- إذن.. من أجل مستقبل أفضل،،

- وهل هكذا فعلا تصدق نفسك؟؟ أي مستقبل يا عزيزي؟؟ المستقبل الذي إن مت من أجله فلن أحياه أم المستقبل الذي إن عشت في انتظاره ربما لا أدركه. صدقني لا شئ يجدي نفعا هنا.. مجرد قضايا خاسرة تتراكم بمرور الأيام تماما كما تتراكم ملفات القضايا المؤيدة ضد مجهولين في المحاكم.. المشكلة ليست في المجهولين، ولا في القضاء، ولا في القانون، ولا الشهود، ولا المحامين.. المشكلة هي في الحياة التي لا تستقيم إلا بوجود ضحايا.. فلا تضحي مرتين كل من هنا ضحايا لن تتغير أحوالهم بمزيد من التضحيات.. صدقني كل الأشياء هنا تتغير وفق هواها، وهواها في الغالب ما يعاندنا ليبقينا ضحايا لتستمر بنا الحياة. ما نفع الحرية يا عزيزي لمن أتوا للحياة دونما خيار، ورحلوا عنها في اضطرار، وكان عيشهم فيها مرار في مرار صدقني الحرية كذبة قديمة لن يصدقها أحد في المستقبل.

الخميس، 5 مايو 2016

الهراء المفيد

هذا الكلام لا يفهمه عابر، ولا حتى مدقق. هذا الكلام لا يفهمه سوى من لم يفهمه، ويتفهم ذلك. أشياء كثيرة تلك التي لا تحتاج منا أن نفهمها على قدر ما تحتاج منا أن نتفهم عدم تفهمنا لها بأريحية ورضا وعدم سخط، ولهذا لا تطلب من قراءة كلام كهذا شيئا سوى تلك الدقائق الضائعة في المطالعة؛ لأن ضياعها في مطالعة شيء لا حكمة فيه، ولا طائل منه، ولا يمنحك شيئا يعد أمرا صحيا ومفيدا. 

الوقت يا عزيزي داء عضال لا خلاص منه إلا بمهاترات لا جدوى منها كتلك التي تطالعها. الوقت الذي هو تماما على وزن الموت.. هل يا ترى نعرف داء أصعب منه؟؟ هل يوجد داء أسوأ من حساب وعد اللامحسوب واللامعدود؟؟ هل هناك ما هو أكثر حمقا وجنونا من أن نعد السراب، ونتتبع حساب ما لا نعرف له نهاية؟؟ هل يوجد مفسدة هنا أكبر من الوقت؟؟ لو توقفت لتمرره أدركت أنه سيفا مثلوما لا يقطع أي شيء، ولا حتى نفسه.. ولو مررت نحوه لتوقفه مضى فيك تقطيعا من كل جانب.
وعلى نحو هذا تكون أنت نسبي تماما مثله، بل وستبقى غير قابل للحسم والفهم ما دام باقيا في عقلك. أوتفهم تلك الرغبة الملحة التي تدفعنا لحسم الأمور وفهمها؟؟ 

أعرف هذا الخلل الذي تقاسمه البشر جميعا هنا في تلك الورطة.. وأعرف أيضا أنه في رحلة سير طويلة قصيرة كتلك التي بالحياة لا مفر من أن تقودك قدمك المنهكة الحائرة دون أن تشعر لترتاح على مقعد الأمل الموسد بعبث أحلام الخلود، وفوضى أوهام التمني، ولكن عليك هنا أن تعرف شيئا لا أهمية له على الأطلاق.. أمام مقعد الأمل يختلف الناس كثيرا في البداية ليستوا في النهاية بنتيجة واحدة.. فمن لا يستسلمون للجلوس طويلا، وينهضون سريعا لمجابهة الواقع على حاله يموتون كمدا.. ومن يطيلون الجلوس متأملين في أمنيات خيالهم متشبثين بالمقعد يقتلهم الإنتظار.. وحتى من يتقلبون جلوسا ووقوفا يموتون متمزقين بين أمانيهم ويأسهم.

لا شك أن المحرك الرئيس هو أنت، وأنت هو ما يعرفه الجميع حولك من حتمية موتك الذي لا تعرفه أنت لنفسك إلا بمرور الوقت.. في كل الأحوال لا أحد يموت من أجلك، ولا حتى أنت.. الناس يموتون لأجل أنفسهم التي لن يعرفوها إلا بانعدام الوقت فيها.. أنفسهم التي قد تفضل السير أو الجلوس أو حتى تتقلب بين هذا وذاك تمنيا ويأسا حقيقة ووهما أمام مقعد الأمل المغري جدا.

وبهذا تكون النفس كمطلق غير مطلقة على الأطلاق حيث أنه لا نستطيع في حال كهذا تعريف الحياة "أو ما قد تبدو حياة" سوى أنها تفهمنا لعدم فهمنا للأمر برمته.. وعند ذلك يكون تمريرها دقيقة دقيقة ويوما يوما هو رأس الحكمة وعينها، وهذا أمر يحتم عليك شكري لأني ساعدتك في مرور دقائق منها بمطالعتك لهذا الهراء المسهب الذي لا طائل من ورائه.

الجمعة، 29 أبريل 2016

براوز حزين


كان حر عايش بين عبيد
بأسه مكنش شديد.. 
يأسه مكنش جديد
كان قلبه جامد 
لكن مكنش حديد
كان ضحكه عالي 
لكن مكنش سعيد
كان عمره ينقص كل يوم 
فالموت يزيد
من طلته الزحمة تبلع دوشته
فيعود بنفسه لجوا نفسه وحيد
يبقاله ايه بعد اللي صار؟؟ 
يبقاله ايه؟؟
غير انتحار.. 
غير انتصار حالة انهيار
غير ضل باهت بقعة غامقة على الجدار
وعلى الجدار مقبلش أنه يكون مجاز لصورة 
محبوسة في إطار
مقبلش بالبراوز 
مقبلش أنه يصير في يوم حبة أزاز
متبعترين حوالين مجاز
"حالة انهيار" 

براوز حزين 
دابت دوبارته م الانتظار
والانتظار حالة ابتزاز.. 
العمر صعب الاجتياز
والموت انجاز إن جاز 
والواحد مهما إن عاز
تمشي حياته على مزاجها 
بهدؤها كدا بإزعاجها
يخسرها في يوم لو فاز
الصبح نشاز لكن ينعاز 
والحزن انحاز لليل الغاز
العتمة توسع واحدة واحدة 
تحضن الليل اللي ساكنك
تحتوي الضلمة اللي فيك
يا هل ترى كل شيء بتحن له
هيحن ليك
ولا الوجع كدا بيفاديك
يا ليل طويل ملوش أخر
القلب زاهد ولا صابر؟؟
الكون دا ساحر ولا ساخر 
ولا انا مبقتش قادر؟؟
أنا غاوي ليل 
ولا الليالي بتغوي روحي؟؟
ولا الليالي دي كاس نبيت 
نشوة جروحي؟؟

الخميس، 28 أبريل 2016

رسالة منها

هل لكَ أن تخبرني كم مرةً سمحت لكَ عيناك أن ترى شيئًا غيرَ تلك العتمة التي تملؤك.. تلك العتمة التي لا تجد فيها حتى نفسك؟؟ صدقني لا شيء يجدي نفعًا إن لم ينتفع الحبُ بنا.. صدقني لا شيء، ولا حتى الحقيقة التي تلهثُ خلفَ السراب،ِ و تلهثُ أنت خلفها. أو لازالت تلهثُ فعلًا أم إستسلمت قدماكَ لأوحالِ الضياع، وانتظرت ضياعي في جملةِ الأشياء التي تضيع منكَ كلَ يوم؟؟

للأسف سأظلُ عبًأ لا يضيع لأني قد ضعت فيكَ بالفعل. فهل من ضاع فيكَ يمكن له أن يضيعَ منكَ يومًا ما؟؟ هل لكَ أن تخبرني ما نفعُ الحقيقة إذا كانت متعبة؟؟ ما نفعُ أي شيء إن بددنا الرضا بالشك، وربحنا معرفةَ الأوهام، فخسرنا السكينة؟؟ ما نفعُ الحياةِ التي تنبض في عروقنا إن لم نتحايل ونمررها؛ كي تنبضَ في عقولنا أيضا؛ لتخضر قلوبُنا وتزهر؟؟ ما قيمةُ الموتِ إن لم نبالي به؟؟ ما جدوى الموت أصلًا إن لم نتشبث بالحياة؟؟ حتى ولو كذبًا.. حتى لو بلا معنى.. حتى لو محض تحايل.. حتى لو أي شيء كان هو المجهولُ الذي سيلتهمنا في الغد..

حتى العدم.. كيف لكَ أن تكونه، وأنتَ لا تستطيعُ الوجود؟؟ وكيفَ تستطيع الوجودَ إذا لم تحب؟؟
ها أنت تنظر لي فلا تستطيع نفي الحياةِ عن نفسك، ولا حتى أثبات الموتِ لها.. ها أنت تقفُ وحيدًا في منتصفِ كل المسافات المتقاطعة ترتضي دورَ الصفرِ الحائر بينَ كلِ اللانهايات.. فهل يرضيك صفرًا كهذا تمزق في البدءِ، و يتلاشى كل يوما بعيدا بعيدا في المالانهاية؟؟

ها أنا أخاطب كلَ هذا السراب الذي تحتويه، وأراهن على المستحيلِ فيكَ.. فهل سيغريك الرهان لتربحني أم ستكتفي أن تجري الأمور على هواها لتغتال هواي؟؟ ها أنا ذا أمامكَ.. عبأتُ لكَ البحرَ كلهُ ملء عيوني فلماذا تحتجب عني بالتفكيرِ في اللاشيء، وتتمطى كسلًا على رمالِ الشط، ولا تجيب موجَ البحرِ في عيوني إلا بقذفِ الحصى مع الخيبات.. أو تخاف ألا تطفو؟؟ وكيفَ تطفو طالما عاندتَ مائي الذي داعبَ قدميك؟؟ كيف ينجو غريقُ البرِ إن لم يغتسل بالملحِ والزرقة؟؟

أو تدري كم أحبُ هذا الزهدَ المتعبَ المستريح في أركانِ أحداقك؟؟ أو تدري كم أتمناكَ إبنًا لنا لوإكتمل نصابنا يومًا، وصرنا ثلاثة؟؟ أو تدري كم أعيش فيكَ لكَ فقط كي أعيش؟؟

الاثنين، 25 أبريل 2016

مسخ على هيئة امرأة


ما عدت أكترث لإغراء غموضك التافه. ما عاد يزعجني غباء صمتك الشبيه بخواء الموتى والتراب. أن أكثر شيء يقتلني أني لم أقتلك إلى الآن. قد أكون واحدا من هؤلاء الذين ساعدوك كي تنتفخ ذاتك إلى هذا الحد، ولكن صدقيني أنا غيرهم تماما. فلقد فعلت هذا فقط كي أرى فقاعتك، وهي تنفجر أمام عيني في النهاية.

لا تصدقي أوهامك عن نفسك، أنتِ لست أكثر من قطعة جحيم تعثرت بها في هذا الكم الطائل من الحمق الذي أعيش رهن وضاعته. ربما لا أعرف الحب تماما مثل إلهك الشيطاني المقيت الذي أرسلك صدفة لتصادفيني. ربما أيضا محاولتي الوحيدة لأبدو إنسانا كانت هي الصواب الوحيد الذي أدفع ثمنه خطيئة لن تغتفر. ليتني أمتثلت لقاعدة حياتي كما هي دونما استثناء "لا تضرب إلا لتؤلم وإلا....."

ربما خسرتك فعلا بشذوذي عن شذوذي الذي طُبع في، وأرتضيته بمرور الأيام. لا شيء أهديه لك أيتها البغيضة سوى صوت هذا الغراب الجائع الذي ينعق على نافذتي جائعا، وكأنه يلعن هذا الصباح البارد الذي ذكرني بك. كأنه يلعنك بدلا عني متمنيا لك خالص الألم، ولكن لا ضير يوما سأنتقم لنفسي من نفسي التي ورطتني وتورطت.. يوما سيقتص منك العبث لتتعادل تلك الفوضى من جديد. 

أنتِ مجرد مسخ على هيئة امرآة.. مسخ حقير ما عدت أهتم لسوء طباعه العاهرة. مسخ يلائم جدا هذه الدنيا الدنية الوضيعة التي أمقتها بقدر ما أحتقرك. مسخ سيصير يوما ما ترابا؛ ليمسحه مسخا أخر مثله من على حذائه بأنف شديد. تلك هي النهاية التي تستحقينها، وفي مثل هذا أجد عزاء كاف على كل لحظة كذبت فيها على نفسي، وصدقتك.

فيوضات العبث