الأربعاء، 14 نوفمبر 2018

أي عالم هذا



أي عالم هذا الذي يثير كل هذا الضجيج؟!
العالم يا سيدي أنا أنفخه في سيجارة
أبصقه رغما عني في سعلة قوية
أكتبه ضجرا في قصيدة
أطويها كورقة ذات أهمية في محفظتي
ثم ألقيها إلى سلة المهملات
عندما تكتظ المحفظة بالورق

أسمعه في معزوفة تنبض ألما..
فأنتشي.. وأشعل سيجارة..
فأنفخه دخان لا يبقى من أثره شيء..
فأبصق ذلك في قصيدة..
تخرج كسعلة قوية لا تعني شيئا سوى أني
أصبحت مدخنا شرها في الحقيقة

الخميس، 11 أكتوبر 2018

كعبة قلبي

صورة من فيلم Seven pounds


بنيتك كعبة في قلبي
مليتي الكعبة بالأصنام
ووليت قبلتك حبي
قتلتي القلب ف الإحرام
وخدتي القلب وسافرتي
وسبتي الشك والأوهام
ورغم ضياعي من بعدك
ورغم الحيرة والآلام
لازالت بشوفك الجنة
وعمري ما هوصفك بكلام
وقلتي البعد بينسي وبيقسي
وقلت بأني هبقى تمام
طلعت بتوه كل يوم أكتر
كأني غريب في بحر زحام


ألوم وجعي؟! ألوم حبك؟!
مانيش عارف مين اللي يلام
خلقتك في الخيال سموات
وكنت في غاية الإحكام
لمحت ضباب وجيت أفهم
لاقتني يأست م الإبهام
وغاب عني الأمل تاني
وودعني كأنه ما كان
أتاري الفرح كان كذبة
ونكتة سخيفة للأحزان
عاندت الدنيا في حبك
عاندت البعد والحرمان
أتاري الحب كان كارثة
وحكم نهائي بالأعدام
بشك بنفسي في نفسي
وأكذب وحيي والإلهام
كتير كدبوا كتير هانوا
وفضلوا يكملوا الأحلام
لكن حظك وقع فيا
فوقعت كل حاجة أوام
لا عارف أعود كما الأول
ولا لاقي لنفسي زمام
وعمر العيب ما كان منك
دا عيب الدنيا والأيام
دا عيب الحزن في قلبي
حصان جامح ملهوش لجام
دا عيب العشق لو يصفى
وتيجي تعكره الصدفة
فيطلع صدقه أي كلام
يموت طبعا على الواقع
يعيش جدا بدون مانع
ولكن بس في الأفلام

السبت، 15 سبتمبر 2018

من مثلك في حبك غيرك؟



في صمتها تقبل الكلمات نحوي فأدير ظهري لي، ولا أعقب.. لا شهوة لي في التهكم على المعني، ولا رغبة لي في استجواب روحي.. فقط كسل طفولي برئ ساذج يملأ ساحتي أعرف أنه لن يدوم. تقفز صورتك على حين غرة في مخيلتي من حيث لا أحتسب. أبتسم وأضمها لأتأملها.. وبينما كنت أطالعها مسندا رأسي إلى كفي تسائلت: كيف لكف واهنة كتلك أن تسند جبلا كهذا لا يحتمل أحدا حمل ما فيه. لم أجيب، كان في صورتك الجواب والعزاء.. فحتى هذا النهار الذي يتكسر سخطا بين ضجيج اللهاثين، والذي لا يعرف شيئا عن نفسه. قلبه ملطخ بالحياة، وجبينه غابر.. يشبه كل نهار لا تكوني فيه معي. بك وحدك تتعرف الأيام على نفسها وتمر أقل ضجرا، ولكن يا للأسف ما أقل الأيام التي تعرف نفسها في حياتي.

أو تعرفين حقا لماذا نحب؟؟ نحن نحب فقط؛ ليكتمل مجاز العالم في وعينا، وتنتصر البلاغة في إثبات قيمة لنا باللغة فقط. ولهذا فالموت المفروض علينا منطقي جدا ومبرر؛ لينهي تلك المغالطات للأبد، ودون حتى أن يستخدم كلمة واحدة. كمجرد إثبات بسيط بأن اللغة التي نفكر بها مجرد هراء.

ربما هذا شأن عدمي مجاوز تدركين من خلاله أني لا أعترف بالحب، لكنني رغم هذا لا أستطيع أن أنكر أنك حينما أحببتني أرغمتني على تصديقك طوعًا وقهرًا دون حيلةٍ أو جهد.  ببساطة لقد فضحتي كذبَ كلِ السابقين، وسددتي البابَ أمام جميعِ اللاحقين. لقد كنت خيرَ شفيع للحب أمامَ قلبٍ منهكٍ مثلي أفسدته الحماقات والترهات والأكاذيب.. من مثلك في حبك غيرك يا لينة القلب والحب؟؟

لكنني في الحقيقة لا أخشى عليكِ إلا من نفسي.. نفسي التي أفسدتني حتى أخر رمق فيها وفي.. أخشى عليك من الأيام.. من دورتها فينا بالتكرار كدوائر مفرغة تفرغ الناس من عواطفهم وأحاسيسهم. أخشى على الحب الصادق الذي يملؤك من أن يستحيل كفرا بكل شيء. 

لقد خسرت الكثير والكثير، ولا أريد أن أفسد أجمل شيء صنعته في حياتي. أنتِ أجمل أثر سأتركه في الحياة إن رحلت، وأجمل حلم أراقبه عن بعد إن بقيت. لا أريد أن أتمادى أكثر كي لا ينهد المعبد فوق رأسي. أعرف نفسي جيدا.. لا يكتمل لي فرح إلا بمأساة.. أريدك أن تبقي سعيدة.. ولا أستطيع أن أغامر بهذا، ولو حتى من أجل نفسي. يكفي كئيب مثلي أنه كان بوسعه أن يجعل طفلة مثلك سعيدة.

المخاوف تحوطني لدرجة أني أخشى عليك حتى من الأفصاح بمثل هذا الكلام. أخشى عليك من الخروج عن حياديتي المعتادة، وصمتي الطويل، وتعرية ضبابي وغموضي الناجم عن ارتباكي في مشاعري حيال نفسي والعالم. أنا دائما كما تعرفين أتأرجح على هذا الوتر المشدود بيني وبين الأشياء في انتظار أن أسقط أو ينقطع. وأنتِ لا ذنب لك في هذا العطب الذي لا ذنب لي فيه أيضا.

الجمعة، 10 أغسطس 2018

هل كان بوسع المستسلم إلا أن يستسلم؟؟


نضبت الآه، لكن الألم لم ينضب.. لطالما كنا على قدر الحدث، ولكنه أبدا لم يكن.. هكذا تكتمني شكوى خيبة لا تحكى.. تنطوي الأيام صمتا.. سخطا مركزا أطوي به الأشياء شيء بعد شيء لدرجة أصبح فيها كل شيء ولا شيء. أقف هنا الآن حيث لا شيء فعلا سوى اللاشيء.. ضجر كضجر العدم الأول الذي أنفجر عنه الوجود متناثرا زمنا، ومكانا، وخيبة لا نعرف لها غاية، ولا فيها حقيقة.

ركام رمادي قاتم يملؤ المشهد الأبيض الأسود. كأن غرابا يحجب السماء بجناحين كبيرين.. كأن الألوان فرت من وهجها بلا عودة.. كأن الطرق لملمت أوراقها ورفاقها، وسافرت حيث لا رجوع. كأني لم أعد أقوى على الوجود أو كأن الوجود ذاته لم يعد يستطيعني. بلا دموع أبكي مثل حطام يبكي حطاما يبكيه. هل هذا يكفي لأرحل نحو السكينة أم بقى شيء أسوأ لم يصادفني لتكتمل المأساة فتنتهي؟!

فقط عندما خسرنا ما يكفي لنربح، ربحنا ما يكفي لنخسر.. عليك دوما أن تعيد التفكير في خطواتك المستقبلية كضامن منطقي ووحيد لعدم الحركة. خسران شبر الأرض الذي تحتله بين قدميك لن يدفعك لشيء سوى خسارة مزيد من الجهد المشتت في الحركة التي تكون دائما بإتجاه الموت الذي ربما تصل إليه بشكل أسرع وأسهل وأضمن عندما تتوقف عن الحياة.. عند انتصاف الشيء يكتمل نصاب اللاشيء؛ ليتكون شيء من جديد وهكذا إلى مالانهاية.. دوائر تتسع بعضها من بعض لا تفضي إلا لنفسها في النهاية بلانهاية .

أدرك جيدا أن تشبث قدمي بالأرض لا يوقف دوارنها، وأن وقوفي أمام الأمس طويلا طويلا لا يعطل الغد، ولكن ما حيلة الإنسان حينما يمتلأ من داخله رفضا، فيدخل عقله في حالة من حالات الإضراب المفتوح؟؟ كيف نعاند أنفسنا كي نستمر فاعلين، بعدما تيقنا أننا جميعا مفعول بنا؟؟ هل كان بوسع المستسلم إلا أن يستسلم؟؟

كل الموجودين هنا لا يعجبهم الحال. علينا جميعا فقط بذل الوسع في أن نجد مكانا فارغا على الحائط -أي حائط- لنضرب به رؤوسنا.. ليست مزحة.. إنها مع الأسف حقيقة.. حيث كل الحوائط مكتظة بالمعترضين.. وجميعها تقطر دما حيث أنه على قدر ما يتحسن العالم يسوء ليظل كما هو، ونظل نركض.. فقط لو وعينا هذا القدر الهائل من الأمور التي حدثت وتحدث وستحدث كي لا يحدث شيء في النهاية؛ لوعينا معنى الحياة الحقيقي.

الجمعة، 20 يوليو 2018

قيثارة تلهو

قِيثَارَةٌ تَلْهُو، وَيَرْتَجِلُ المغني:
مَا أَبْعَدُ الأفراح وَالْأحْزَانَ عَنِّي!!
مَا أَوَجَعَ الشَّعْرَ الْجَمِيل..
لَوْ خَيَّبَتْ عَيْنَاكِ يَوْمَ الْوَصْلِ ظَنِّي.
عَيَّنَاكِ حُلُمٌ مُسْتَحِيل،
وَمَا نَيْلُ الْمَطَالِبِ بالتمني.
عَيَّنَاكَ تَلْمَعُ فِي وَرِيدَي،
وَيَوْمَ وَصْلِكَ لَوْ تُرِيدِي
لِوَجَدَتْهَا تَلْمَعُ بِعَيِّنَي
.
 لَا تتركيني لِلسَّرَابِ فَرِيسَةً
بِقَدْرٍ مَا أَخْطُو إِلَيْهِ يَلْتَهِمُ الْخُطَى
كَيْمَا تَكِلْ خُطَّاي، وَيَلْتَهِمُنِي.
مَا أَضِيعَ الْعَمْرَ الْمُبَدِّدَ فِي اِنْتِظَارٍ
يَأْبَى الْوُصَّالَ، وَيَحْتَرِفُ التجني.

مَا أقْبَحَ الصَّبِرَ الطَّوِيل..
لَوْ ظَلَّ يَمْتَحِنُ اِحْتِمَالِيَّ، ويمتهني..
الصَّبْرُ يُلَقِّي بِي شَرِيدَا فِي الْعَذَابِ
يَخْنُقُ دُموعُي حَسْرَةً، وَيُعْمِي عَيِّنِي
لَا تَحْسَبِي صَبْرَي جَمِيلَا لَوْ بَدَا
ضَجَرَي يُرَافِقُنِي عَلِيلَا سَاخِطَا
مَا عُدْتُ اِحْتَمَلَ اِعْتِلَالَيْ كَيْ يَحْتَمِلَنِي

أَنَا الْمُسَجَّى بِالسُّكُوتِ مَهَابَةً
وَلِرُبَّمَا عَجْزَا سُكُوتِي، أَوْ لِأَنِي..
لَا شَيْءَ أعْرَفِهِ يَقِينَا غَيْرُ حُبُّكِ..
لَا الْمَعْنَى يَقْصِدُنِي، وَلَا الْكَلَاَمُ يَدْلُنِي،
وَلَا الْأَفْكَارُ عَادَتْ تستبنِي

أَنَا لَسْتُ مَني فِي غَيَابَكِ..
هَكَذَا الْأَوْجَاعُ تَكْسُونِي هَبَاءً
لِأَبْدُو غَيْرَ آبه.. أَوْ كَأَنَّيْ..
الْوَجْدُ يأكلني عَلَى مَهْلِ التَّلَذُّذِ شَاهِدًا
طَعْمَ الْجَوَى مَرٌّ، وَالْقَلْبَ يُؤَلِّمُهُ التأني
الشَّوْقُ بَعْثَرَنِي غياما بِالسَّمَاءِ،
وَالْبَيِّنُ فَرَقَنَيْ شَتَاتًا مَا بَيْنَ بَيِّنَي

هَوَاَكِ نَاصِيَةُ اِشْتِغَالِي، وَاِنْشِغَالَي،
وَالْحَقِيقَةُ، وَالطَّرِيقَةُ، وَالْهَوَى
أكرم بِحَبٍّ رَغَّمَ زُهْدِيَّ فِيهِ
ظَلَّ مُرَابِطَا حَرَا شجَاعًا.. لَمْ يَبِعْنِي

إنْي أحبك يَا مُرِيبَةُ الْعَيْنَيْنِ،
وَالْحَبُّ مِثْلُ الْمَوْتِ لَا يُكَرِّرُ مرَّتَيْن
فَقَري عَيْنِيَّ بِالْوِصَالِ،
وَقَرِّي عَيِّنَا، وَاِطْمَئِنِّي
أَوْصِلِينِي كَيْ يَتَّصِل
قَلْبَي الْمُمَزِّق بِالْجَوَى قِيثَارَةً
تَشْدُو بِلَحْنٍ مِنْ قَبْلَ حَتَّى 
سَمَاعِهِ يَعْلُو بِروحَيْ يَفْتَتْنِي
وَاصِلِينِي وَوَاصِلِي لِي الصَّلَاَةَ
لِيُسْتَجَابَ دعَائهَا كَيْمَا أَعَوَّدَ أُغْنِي

الجمعة، 13 يوليو 2018

إشكال التناقض والوعاظ الجدد


إن التناقض بين المظهر والجوهر سمة بشرية تكاد تكون مطلقة. فلو اطلعت على نفوس أرقى الناس من داخلها لوليت منهم فرارا، ولملئت منهم رعبا. وليس هذا لسوء طباع البشر، وتدنيها، وحسب؛ بل نظرا لشناعة كذب الإدعاء الذي يملأ أقوالهم. ستظل مثاليا طالما كنت تتحدث عن أفعال الآخرين، فأذا ما تورطت في مواقفهم كنت أسوأ منهم جميعا.. نعم.. جميعنا مدعون سيئون على قدر تناقضنا بين ما نظهر، وما نبطن. 

الأسوأ من تناقضنا هم هؤلاء الذين ينكرون في نفوسنا مكون التناقض الذي ينبني عليه وعينا، ويحاولون جاهدين تبريره كذبا، وزورا، وبهتانا.. المتوافقون مع تناقضهم دونما محاولة للتبرير هم الأصلح، والأنفع، والأكثر خيرية، وجدوى. 

الداعية معز مسعود ليس بدعا من البشر.. هو مجرد انسان عادي كسائر البشر متورط بين نفسه، وأفكاره، وبين أقواله، وأفعاله.. ربما لو صمت بعد واقعة زواجه من الفنانة الشابة السافرة الحاسرة الرأس، ونأى بجانبه عن الخوض في تبرير أفعاله، لكان خيرا له رغم أن أشك في ذلك نظرا لكونه يقتات أصلا من عمل أعلامي خطابي وعظي هش يحتاج لأن يتمثل صاحبه دور الملاك المثالي المنزه عن كل نقيصة، وتناقض من أجل الحفاظ على جمهور المهللين مهلهلي الفكر. 

أن المثالية ذاتها المبنية على قيم مطلقة ما هي إلا فكرة بدائية طفولية تآكلت مع الوقت نظرا لتراكم الوعي، وارتفاع سقفه الذي جعل من نسبية كل فكرة، ومعنى، وقيمة هي المطلق الوحيد الآن الكفيل باستمرار العيش من الأساس، ولهذا ستجد من يعتلون عرش الإنسانية الآن تعايشا، وتحضرا هي الحضارات العملانية التى لا تقيم للمثالية وزنا، ولا أعتبارا.. بينما من لازالوا يتمسكون بقيم مثالية لا يقومون بمثاليتهم المدعاة تلك إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس مسوخا سلطت عليهم نفوسهم، وأرهقهم إدعائهم، وبددهم تناقضهم بحيث لا يستطيعون لسلام العيش، ولا للتحضر سبيل.

والخلاصة أنه لا يوجد في العالم الآن ثمة مساحة للوعاظ، والخطباء، ومن على شاكليتهم ذلك لأن الإنسان اليوم أصبح يدرك بديهية بسيطة جدا، وهي أنه لن يدرك العالم، ونفسه إلا من خلال معايشته لنفسه وللعالم بتناقضهما، ونقائصهما قبل مثاليتهما، وكمالهما، وفي تجربة ذاتية كتلك لا حاجة لأحد في من يتمثل دور المرشد والدليل خاصة وإن كان هو نفسه متخبطا في نفسه بحيث لا يستطيع أن يدلها أو يرشدها أو أن يرغمها على ما يريد أرغام الناس عليه.

الثلاثاء، 10 يوليو 2018

أنت وحدك جميعهم، رغم أنك وحدك

الأرض من تحتي خطوة.. السماء من فوقي مجرد نقطة، والمدى كل المدى سراب. كافة الأشياء تكف عن كونها نفسها. كأن عقلي أصابه خلل ما.. صدري يضيق، بينما الكون لازال يتمادى إتساعا مثل الأحمق.. ثم سرعان ما أبتسم ببلاهة من المفارقة.. أضحك حتى تتلف أمعائي.. لا تغرك تلك الفرحة الهيستيرية التي تتنامى سريعا بحيث كادت أن توقف القلب.. ها هي انكسرت قشرتها، ففاض الحزن من جديد في كل مكان.. كأن الفرح ممتلأ عن أخره بالحزن.. أو كأني ممتلأ بغيابي.. تنامى الغياب سريعا، وأنكسر ففاضت الروح مني وجودا في كل مكان. 

لكن لا ضير.. يمكننا أن نواسي أنفسنا بأشياء بسيطة.. المجهول على رحابته مثلا.. الموت الملطخ بالحياة أو حتى صورا مصغرة للعدم نعلقها في جدار الوعي كي لا ينقض فجأة على رؤوسنا.. قد ترى كلامي يضج بالجنون.. المجنون يفعل الصواب عندما لا يصدق عقله.. هذا لأن الصواب هنا جنوني ونرجسي وأحمق وضجر إلى هذا الحد وأبعد.. الصواب مثلي تماما ممتلأ عن أخره بالخطأ.. الصواب هو هذا الحد الذي بتجاوزه حدث كل هذا دون بداية واضحة وبلا نهاية واضحة وبغير سبب واضح.. الصواب مع الأسف هو خلل نفسه الوحيد.. يمكن أعتباره مختل نفسي يحتاج إلى مصحة مثلنا جميعا رغم كونه صادق وحقيقي جدا غير مصطنع وبعيد.. بعيد جدا..

عن هذا الصواب البعيد الذي انعكس ظله فيَّ، فانعكس من خلفي ظلي يلاحقني بحيث لا أستطيع الفكاك. عن الفكاك، والاشتباك، والارتباك في كل شيء، ومن كل شيء. عن الأشياء، والأسماء، والأعباء التي تتطلبها الأرواح، والأجساد.. عن الأجساد، والأصفاد، والأبعاد، والإبعاد، والقلب الذي لا يحتمل غير الحب في عالم يتنفس كرها، وحقدا، ونفاقا وشرا.. عن الشر.. عن علة كل ما يضر. عن انتظار الحكمة، وحكمة الانتظار.. عن الانتظار والانهيار والانكسار والطريق الذي فرض علينا حتى النهاية.. عن النهاية التي لا نعرف لها بداية، والبداية التي لا نعرف لها نهاية.. عن الضعف، والهباء، والخواء، واللاشيء الذي يحوط كل شيء.. عن هراء الضجيج، وضجيج الهراء.. عن الناس.. عن تعالي الصوت خوفا من سكوت الموت.. وحتى عن الموت.. عن المجهول حيا، وميتا، وحين يبعث كل مرة من العدم؛ لتعاد الكرة من جديد.. عن الضجر كنتيجة محسومة لكل هذا.. عن الاستسلام للاستلام.. عن التكون تدريجيا، والتماهي تدريجيا، والتلاشي تدريجيا.. عن الرغم رغم أرغامنا على الاختيار الذي لم نختاره.. عن الاختيار الذي تركته مرغما نظرا للاجدواه.. عن أخر الشكوى التي تسكت عن الشكوى.. عن تجاوز الكلام.. عن الصمت.. عن أخر، وأول، وأصدق، وأغرب ردة فعل للبعيد الذي أبتدأ منه الكلام، وإليه يعود الكلام بكل الكلام، وبلا كلام.. البعيد المحفوظ بصمته من الكلام والإفهام والأفهام.. البعيد الذي تجاوز الوجود، والعدم.. أيها البعيد أنت وحدك جميعهم، رغم أنك وحدك.

الأحد، 17 يونيو 2018

مجرد مغفل عظيم

طلقة في منتصف جبين هذا العالم، ربما ابتسم.. تقول لي الخيبة: لا تقاتل حتى أخر رصاصة.. استبق الأخيرة لنفسك. من لا يؤذي غيره يؤذي نفسه بالأساس. الهاوية الحقيقية هي ألا تسقط، بل تظل عالقا دوما بين هاويتين أو أكثر. هكذا يكسرني الحلم؛ ليرممني حلم آخر ليكسرني، رغم أني لا أحلم من الأساس، لكنها الدائرة.. لكنها الحياة.. لكنه الوجود.. تلفظه بكل طاقتك.. وأنت هو، وهو هو أنت.

لا، لم أكن أفكر في النهاية حين أغرتني البداية بالأمل.. ما كنت لأرى الغد يأكلني ويذوب مني في غده كموجة تضرب؛ لتسحب أختها ميتة نحو الغرق. لم أك أعرف أن الفوات إلى الفوات لا يكل ولا يمل. لم أك أدرك أن الوقت أحجية تفسر نفسها بالوقت، وتصير لغزا حائرا يُنسى كأن لم يزل.

لم أك أدرك أن العتمة داخلي تمتد حولي؛ لتبتلعني، لكني كنت أتفهم جيدا كم هي جبانة.. تختبئ من نفسها في نفسها. رغم ذلك لا أرى أن منطقا كهذا من الممكن أن يصب بأي حال من الأحوال في كافة مدح النور، حيث أنني بنفس المنطق لا يمكنني إلا أن أرى النور مجرد فضيحة.. فضيحة تفضح نفسها بنفسها أيضا. ولهذا من الممكن وباستقراء أكثر رحابة أن تصل معي إلى فكرة أن الأشياء جميعها لا تستحق المدح ولا الذم. حق الأشياء علينا فعلا أن نصمت.. أن نحتفظ بآرائنا الحمقاء لأنفسنا، وندع كافة الأشياء وشأنها كما هي كما لا نعرف.

ربما هذا وحده هو ما يجعلني أنفخ في وجهي دخان سجائري بتكبر وبتمعن؛  لأمقتني، فتنكسر مرآتي، ولا أرى مثل تلك الحقائق مجددا، وأعود إلى صفوف المغفلين من جديد مجرد مغفل عظيم يحب نفسه أو يظن أنه يفعل.

الأحد، 13 مايو 2018

ما تبقى مني

على الضفة الأخرى التي لا أرها. هناك من تلوح لي بمنديل وردي. على الضفة هنا أنا أقتلها مررا كي لا أموت، أو بالأحرى كي أموت. لا فرق طالما ظل البحر خيبة، والخيبة خيبة وجود. لطالما قالت لنا الطبيعة: لا تقتربوا جدا فتنصهروا، ولا تبتعدوا جدا فتتجمدوا. أحترموا صدفة المسافة الآمنة طالما سنحت لكم الجاذبية بذلك، لكننا حمقى ساذجون لدرجة جعلتنا نصدق أكذوبة وعينا التي تقول: أنتم النجوم، بل أنتم الجاذبية ذاتها. لسنا أكثر من ريشة تتلاعب بها رياح الأيام والأقدار والحيل. حتى الراسخين المتثبتين من أنفسهم ومن الحياة يدركون تلك الحقيقة القائلة:  ما أسوأ أن تكون صخرة في مهب الريح.. ما أقسى أن تتفتت ببطئ.

أما أنا فكنت أعرف أنه لم يبقي مني شيء غير وحدتي في انتظار الموت على أنه الحل الوحيد والأخير الذي سوف يفك شفرة اللغز الكبير-لغز نفسي- حل سحري، هكذا أتصوره سوف يتركني في راحة تنسيني طعم الألم المصاحب لفراغي الناتج عن فشلي في فكرة الزحام.

ماذا تبقى لي سوى ذكريات من فشلي المكرر في الحب والمتعة واقتناعي بغريزة البقاء مثلكم أو حتى التلهى عن استعادة فشل الذكريات. وكأنني أفسدت لعبة الموت المباغت بانتظاري له. ربما سيفشل أن يفاجئني وأنا جالس على باب بيته منتظرا من سنين. لم يبقى لي أي شيء كي ما أمر كما مر العابرون إلى النسيان سالما غانما بتخلي كل شيء عني، وبتخلي روحي عن كل شيء.
 
لم يبقى لي أي شيء يبقيني سوى دقات لا إرادية بقلبي تأبى أن تكف، ودم يجري في عروق جسدي الساكن الذي لا يجري نحو أي شيء، ولا يجري أي شيء نحوه. ماذا تبقى لهذه الحياة فيَّ كي تبقي عليَّ؟؟ وأنا الذي أصب عليها لعناتي ليل نهار من باب التسلية والتسرية. لماذا تبقي عليَّ وهي تكرهني إلى حد أجبرني أن أكرهها كل هذا الكره؟؟ وكأنني بقيت هكذا لأن ما تبقى مني لا يكفي لأن يشتري موتا، ولا أن يبيعني عبدا كي أعيش الحياة.

الجمعة، 4 مايو 2018

النسيان

عندما يكون سبيل تجاوز الألم هو ألم أكبر، حينها يكون النسيان هو أكبر نقمة؛ لأن ألم الماضي مع حزن ذكراه سيكون أرحم وألطف من ألم الحاضر الذي تجاوزنا به ألم الأمس، والذي سوف نتجاوز به ألم الغد؛ وكأننا ندور في دائرة مفرغة من الألم اللانهائي الذي ننساه. 

إن حتى ما يتركه فينا النسيان ناسيا من أفراح عابرة نسميه ذكرى، ونبالغ في تذكره كمجرد محاولة بائسة للتحايل على هذا الجبروت الذي يمحو أفعالنا يوم بعد يوم. 

إن النسيان الذي يعني فساد الموت، والذي يعطل محرك الوقت الذي يفسد فكرة الحياة لهو لغز يستعصي على الفهم. كل شيء من النسيان يأتي إلى النسيان يمضي.. لأننا ننسى نعيش؛ لنموت لأننا ننسى. ربما نحن هنا أصلا لأننا تمادينا في نسيان هذا العملاق المجهول -النسيان المطلق- العدم الذي لا يستقيم له وجود إلا على حافة الحافة الأخيرة من هامش الذكرى الباهت المتلاشي. كلمة واحدة تكفي جدا لتكون الحقيقة هي النسيان.

وبناءا على ما سبق لا ثمة داع للخوف على أسرارك لا تقلق، فقط ضع سرك في بئر أذني، ولا تخف مني، بل أولى بك أن تخاف علي وعلى سرك من النسيان.  فحتى أنت لابد لك من يوم تنسى فيه سرك مهما حفظته. فقط تأمل هذا الخلود العظيم الذي أرتاح فيه الأوائل، وأبتلع أسرارهم التافهة للأبد. هل ترى في هذا الخلود شيئا غير النسيان؟؟

فيوضات العبث