الجمعة، 19 يناير 2018

إلى أين أذهب

لم تكن تشغلني رماح الغدر التي كانت تملأ صدري العاري. كنت أعرف جيدا أن الآخر البعيد ليس سوى عدو لدود به من الخسة والجبن ما يستحق الشفقة أكثر من النقمة. أنه ببساطة يظن أنني أزاحمه على فرصة البقاء في عالم متداعي بطبعه لا يرحم أحد، ولكن ما استوقفني بشدة هي تلك الطعنات التي توالت على ظهري من أقرب أقربائي.. كيف سولت لهم أنفسهم فعل كهذا، وفي بقائي بقائهم؟!

في الحقيقة لم يعد شيء في الحياة يثير دهشتي أكثر من اجتماع كل أشيائها على إيذائي رغم أني أضعف بكثير وأهون بكثير من كل هذا التصدي. أنه بحق لشيء مثير للسخرية أن يجتمع كل هؤلاء لقتل شخص مثلي تقتله نفسه كل يوم ألف مرة.

وها هي الطعنات لا زالت تتهاوى فوق قلبي المتهاوي حزنا، وكأنه غير موجود، أو كأنها لا تنتهي، أو كأن لازال في الحزن متسع يكفي لأشعر بها. الحياة تمعن في اختباري أصعب الاختبارات، وأنا المفرط بمعرفتي بجهلي، وقلة حيلتي، ولاجدواي.. تريد انتزاع اعتراف قسري مني بعجزي الذي لطالما أقررت به طواعية، واستسلاما بمناسبة، وبدون مناسبة. الأوجاع تتحدى نفسها فيَّ، ويكأني خصمها الوحيد، ويكأنها لا تستطيع أن تتثبت من وجودي إلا بالألم.

يبدو أن هذا الاستسلام اللامبالي الذي أواجه به نفسي هو ما يستثيرها ضدي. يملؤها بالبغضاء حيالي.. أعتقد أن حياديتي تجاهها تملؤ قلبها باحتقاري.. احتقار لا تبديه من باب المكابرة، ولكنه يظهر جليا في هلاوس عبث وأسئلة تضج مضجعي.. منها مثلا هذا السؤال الذي يؤرقني..

إلى أين أذهب وأنا أمامي الجدار الذي هو خلف ظهري؟!

الخميس، 14 ديسمبر 2017

سلطنة عمان ومعلومات تثبت مدى سطحية الترندات الشائعة

صورة لعلم ولة سلطنة عمان

لا يعرف الكثير من المتهكمين الساخرين أرباب الترند أن سلطنة عمان التي يتهكم على سياساتها اللي رايح واللي جاي كانت في مطلع القرن التاسع عشر امبراطورية كبيرة تمتلك أسطولا حربيا وتجاريا ضخما مكنها من بسط نفوذها على بحر العرب وصولا لسواحل شبه القارة الهندية وسواحل ايران بل امتد نفوذها ليصل إلى الساحل الشرقي الافريقي.. وليس هذا فحسب، بل كانت فرنسا وبريطانيا في محاولات جدية لعمل معاهدات واتفاقيات معها لحماية تجارتهم المارة من تلك السواحل، بل وامتد النفوذ العماني مهيمنا على أراضي كثيرة واقعة في شبه الجزيرة مثل الأمارات والبحرين وقطر وأجزاء من اليمن.. بل استطاع العمانين تجاوز حدود قارتهم ليبسطوا نفوذهم على سواحل افريقية مثل زنجبار وكينيا وتنزانيا ومدغشقر وجزر القمر.. بل واستطاعت سلطنة عمان قبل بناء تلك الأمبراطورية الضخمة  من طرد الغزو البرتغالي في القرن السابع عشر من على أراضيها، بل ولازالت هناك اثار لقبور الجنود البرتغاليين على أرضها خير شاهد على ذلك.. 

وخارج هذا السياق التاريخي للسلطنة القديمة.. فعمان اليوم دولة فيها تعايش حقيقي بين كل الطوائف الأسلامية الرئيسية من سنة وشيعة أباضية والذي هو مذهب الحاكم.. هذا فضلا على تعايش هائل بين أعداد كبيرة من العمالة الوافدة من الهنود والبنجلاديش والباكستانين والفلبينين والأنجليز والأمريكان والأوروبيين والمصريين والشوام والمغاربة وغيرهم.. وكل هؤلاء يعيشون على أ رض السلطنة وفقا لقانون بيتم تطبيقه على الجميع بعدالة ونزاهة وشفافية.. 

تبقى سلطنة عمان رغم نظام حكمها السلطاني، ورغم مذهبها الديني الأباضي دولة مدنية حديثة بها دارا للأوبرا وبها مسارح وقاعات للسينما ومنتجعات وحرية وانفتاح وعدم تحرش وعدم عنصرية واحترام للقانون.. بل أزيد عن هذا وأقول أن سلطنة عمان فيها شعب هو أكثر الشعوب العربية احتراما وأدبا وأخلاقا وتحضرا هذا من واقع معيشتي هناك لأكثر من ستة أعوام حيث درست وعملت وعايشت كل حرف أقوله على أرض الواقع..  

تبقى سلطنة سلطنة عمان من وجهة نظري بالنسبة للعالم العربي والشرق الاوسط تماما مثل سويسرا بالنسبة لأوربا والغرب مع الاحتفاظ بالفارق طبعا.. لكن تبقى السلطنة هي أنظف ما رأيت في العالم العربي تماما مثلما تسمع أن سويسرا هي أنظف ما في العالم الغربي.. بل كل الدولتين رغم الفوارق يتبعون نفس سياسة الحياد وعدم التدخل في شئون الآخرين وعدم التورط في المشاكل الدولية والأقليمية.

الجمعة، 8 ديسمبر 2017

وصار يأنفنا الهوان



خُنْتُمْ.. وَخنَّا..
خنَّا.. وَخَانُوا..
كُنْتُمْ.. وَكُنَّا..
كُنَّا.. وَكَانُوا..
سَبْعُونَ عَامًا
نَتَبَادَلُ التُّهَمَ الرَّخِيصَةَ،
وَالْحَقَ أَنَّ الكُلَّ هَانُوا.
هَكَذَا اِعْتَادَنَا الهَوَانَ
حَتَّى صَارَ يَأْنَفُنَا الهَوَانُ.
وَاليَوْمَ تُلُفِّظْنَا الشَّتَائِمُ
يُنْكِرُنَا السِّبَابُ،
وَيَعْتَلِينَا كُلِّنَّا
هِرٌَ جَبَانُ.
سَبْعُونَ عَامًا
يُفِيضُ مِنْ دَمِنَا الزَّمَانُ،
فَمَا حَنَّ الخسيسُ،
وَلَا قَوْمَيْ اِسْتَبَانُوا.
وَاليَوْمَ يَسْلُبُنَا الذُّبَابُ
كُلٌّ مَا نَسْتَنْقِذُهُ،
وَيَقُولُ مُبْتَسِمٌ
بِكُلٍّ فَظَاظَةٍ
عُذْرًا..
فَقَدْ فَاتَ الآوانُ.
سَبْعُونَ عَامًا
نَتَسَوَّلُ الأَنْجَاسَ فِي الأَنْفَاس
فَمَا شَعَرُوا بِنَا،
وَلَا حَتَّى اِسْتَبَانُوا.
سَحْقًا لِكُلِّ مَنْ اِسْتَهَانُوا بِجُرْحِنَا
فَدنوًّا وَدَانُوا.
سَحْقًا لِكُلِّ مَنْ اِسْتَعَانُوا بِعَدُوِّنَا
كِي يَعْفُو عَنَا تَفَضُّلًا
ضَرَبَتْ مذلتهم عَلَيْنَا
فَاِسْتَكَنَا بقدر ما اِسْتَكَانُوا.
وَاليَوْمَ..
اليَوْمَ قَدْ فَاتَ الآوانُ.
حَتَّى الهَوَان..
قَدْ صَارَ يَأْنَفُنَا الهَوَانُ.

الأحد، 12 نوفمبر 2017

العدم قط أسود بعينين صفراوين


وحيدًا في المقهى الوحيدِ بعزلتِهِ..
قطٌ أسودٌ يتَفَحَّصُني بعينينِ صفراوين
يَسقطُ الكأسُ من يدي؛ ليتناثرَ الرذاذ
دماءٌ تصيبُ قدمايَّ بالشلل!!
ما أشبهَ الماءَ بالدماء..
بل ما أشبهَ الدماءَ بالماء
هكذا تختلطُ المعاني مني في فخِ اللغة،
الكونُ لغةٌ شاسعةٌ فارغةٌ من المعنى
بينَ السماءِ والأرض..
بينَ الحقِ والباطل...
بينَ كلِ الأضداد، وبينَ كلِ بين..
ضجيجٌ متواصلٌ من حوارِ الطُرشِ والعميان
العالمُ كلهُ ملتاعٌ على صفحاتِ الجريدة،
العالمُ بذاتهِ ملقى على الطاولة
بينَ السطورِ والكلامِ والورقِ الرديء
زيفٌ من صدى زيف..
سيفٌ من بعدِ سيف..
كلُ تلكَ الحروبِ كانت
كلُ هؤلاءِ القتلى لازالوا يسقُطون
لأن الحياةَ لا تكونُ إلا بالقتل.
يا لسوءِ حظِ قلبي المسكين
عالمٌ منحط.. وجودٌ رث..
ومقهى كئيبٌ غريبٌ يلفظني..
قهوتي برُدَت، وطاولتي تُغَني للفراغ
الجرسونُ يرمقُني باستخفافٍ
والمقهى فارغٌ من كلِ شيء
من انتظرتها عاندتها الظروف
صديقي ترك مقعدهُ أمامي
بحثاً عن لقمةِ العيش
وأهلي بطبيعتِهم لا يرتادونَ المقاهي
وحدي،، ومأساةُ العالمِ نتواصل
يتسربُ العمرُ من بينِ أصابعي
هالةُ الدخانِ حولي قداسةٌ كاذبة
وكأن أعقابَ السجائرِ
تتكاثرُ ذاتياً في بئرِ المنفضة
الرمادُ هو الحقيقةُ التي تبقي
بعدما أغادر
الرمادُ هو هذا العالمُ المبعثرُ في الهباء
الوجودُ هالةُ دخانٍ كاذبة خَلّفها العدم
العدم.. قطٌ أسودٌ
يتفحصني بعينينِ صفراوين..
في مقهى وحيدٍ بعزلتِهِ.

عالم من الكومبارسات المغرر بها

صورة مجمعة لأشهر كومبارسات السينما المصرية

الحياة فيلم تلعب فيه دور البطولة أمام نفسك، ودورا مهما لأبويك، ودور أهم لحبيبتك وأبنائك، ودور ثاني مساعد لأخوتك وأصدقائك ومن هم في دائرتك المقربة، ثم كومبارس تقل مساحة وأهمية دوره إلى أن تتلاشى تماما بالنسبة للبقية الباقية التي تملأ العالم.. الفيلم مستمر بينما يتغير غالبية الممثلون من وقت لآخر.. يحالون للتقاعد عندما تنتهي أدوارهم.. يرتاحون في النسيان بعيدا عن الأضواء والكاميرات والأحداث.. يبقى فقط ذكرى الذين أجادوا لعب أدوارهم.. من تقمصوها حد التماهي.. من أجتهدوا في تصديق أنفسهم، واعتبروا أن الفيلم حقيقة جدية تتطلب قدرا من العناء والجهد متناسين أن السيناريو قد كتب مسبقا، وأن المخرج يتحكم في كل التفاصيل حتى عدد أنفاسهم، وأن أدائهم مهما كان صادقا ومؤثرا ومقنعا لن يبقي منه المونتاج إلا ما يخدم استمرار فيلم الحياة الكبير وراوجه..

سينما الحياة صناعة كبيرة لها أهداف أخرى غير الفن والأمتاع والقيمة والمعنى.. الاستمرار هو الهدف الرئيسي لها؛ لأنه دونه لا يمكن الحديث عن أي شيء، ولهذا ستظل الحياة تلعب على حبال المجهول معتمدة على تيمة التشويق تلك لضمان بقائها.. 
وهكذا تكون النتيجة.. أننا جميعا مغرر بنا فيها تحت دعاوى أشياء زائفة كثيرة مثل البطولة والفن والتشويق، والفضول الناتج عنه، والتنافس فيما بيننا.. والحقيقة هي أننا لا نعرف أصلا للفيلم جدوى أو غاية، بل لا نعرف أصلا من سوف يشاهده.. في حال إذا كان هناك أحد مهتم أصلا لمشاهدة هراء كهذا.

الجمعة، 10 نوفمبر 2017

رسالة لها

صورة من فيلم One Day

أعرفُ جيدا أن الدنيا أسوأ بكثيرٍ من أن يُصلحها الحب، لكنكِ من خارجِ الدنيا أتيتِ؛ليبقى لي فيما بقى ثَمّة بقاءُ.. كأنكِ سماءٌ هبطَت إلى أرضي المتعبة؛ لتمشي السكينةُ إلى قلبِي المنهكِ بالخيباتِ، ولوعاتِ الشك.. هكذا ودونما أن أشعر في غمضةِ عين صرتِ اليقين.. صرتِ الحقيقةَ كلَها.. سنداً يدفعُني لاحتمالِ نفسي، والعالم.. أتوكأ حبك الصادق؛ لأخطو نحو غدٍ أعرف جيدا أنه لن تكلله الورود، ولن تزينه الزنابق، لكني أصدقُ في عيناكِ عمراً كنتُ قبلكِ لا أريدُ لهُ بأن يطول.. ربما الوجود أقبحُ بكثيرٍ من أن يطاوعنا، لكنني وعداً لأخرِ رمقٍ سأناضل.. فما أهونَ أن أحتملَ عمري لأجلكِ، بل لكم هو قصيرٌ -مهما طالَ- لأحتملهُ من أجلكِ.. وتبقي تستحقين دائماً أكثرَ مما في وسعي، بل أكثر مما في وسعِ الدنيا بأسرها.

الأحد، 22 أكتوبر 2017

خريف الوجود

   

الخريف.. حيث كل شيء مشحون بالخفوت.. مسحة رمادية تعلو ملامح الأشياء والأرجاء.. العام يتقادم باهتا في أخر شهوره.. ما أسوأه من عام، بل ما أسوأ الأعوام.. ها هو العام كما كل شيء ينطفأ وهجه.. تأفل ألوانه.. يعصف به الوقت.. هاهي الأحداث كعادتها تضيق خناقها من حولنا.. تحاصرنا لترغمنا أن نواجه عذابات الحقيقة مَرارًا ومِرارًا.. هاهو عالمنا الصغير يترنح على حبل الخطر المشدود بين السياسة والاقتصاد حيث الجوعى يبكون القتلى، والعدل يلعق حذاء الظلم كي يبقيه في واقع يسوقه الباطل إلى الهاوية.. هاهي حضاراتنا.. حيث النظم تدفعنا للفوضى، والأديان تجبرنا على الكفر، ولقمة العيش تستعبد ما بقى من فتات إنسانيتنا.. ها هو الغد يبصق في وجه الأمل قائلا: أبدا لن أكون أفضل. 

هاهو الوجود على حاله يا سادة يتغير بصخب.. هاهو أهوج نشط.. مصاب بفرط الحركة يضرب هنا وهناك غير مكترث بأمانينا المرتبة ولا ببحثنا على الحقيقة.. ربما المعرفة مستحيلة؛ لأنها غير ذات أهمية..

ماذا نفعل هنا حقا؟؟

نتبدل عصر "الجهل بالجهل" بعصور "العلم الجهل".. نملأ فراغ وعينا هراء.. نحشو خواء أرواحنا بمشاعر غامضة يتسيدها الحزن.. نحمل عبأ الوجود على عاتقنا دون أن يطلب منا، وأيضا دونما أن نريد..  
لربما حقا ما يؤرقني هو مزاج خريفي الطابع والهوى.. لا أستطيع معه أن أتمم عبارة واحدة قبل أن أمحوها.. ولا يسعني فيه أن أتأمل فكرة ما قبل أن يشتتني حدسي.. وربما تلك هي الحقيقة التي لا أقوى على مواجهتها فأعزو ذلك إلى مزاجي..

الأمر هنا أشبه بمتاهة.. كنا نسير فيها، ولا نعرف، ولكن على قدر ما كنا نسير كنا نعرف، وعلى قدر ما كنا نعرف كنا نضل، وعلى قدر ما كنا نضل كنا نكابر خوفا من أن يضيع جهد الماضي هدرا.. هكذا نستسلم للحاضر على أمل زائف بالمستقبل المخيف. 

لا تبكوا من أجل الموتى.. ما يحدث لا يصلحه الحزن، ولن تسترحمه الدموع مهما كانت صادقة.. الحياة موتة صغرى مضنية، بينما الموت جوهر يتنفس أرواحنا معنا.. يحصيها أكثر منا.. هي لنا نتنفسها حينا، بينما هو يتنفسها للأبد.. المعضلة أكبر من تفاصيلها، وتفاصيلها أكبر منا بكثير.. قدرنا أن نتخبط في المأساة إلى ما تشاء دون مشيئة أو إرادة أو خيار منا.. عزوا أنفسكم بالعجز.. روحوا عن نفسكم بالتجاهل، واعتصموا باللامبالاة ما استطعتم لذلك سبيلا.

الجمعة، 20 أكتوبر 2017

رذيلة الفضيلة



لا يوجد مبادئ على الأطلاق، بل ولن توجد مبادئ على الإطلاق -مهما بلغ التحضر- إلا من باب الإدعاء.. فالحضارة في ذاتها ليست أكثر من خدعة نستعلي بها على الحيوانات التي لا تفهم هرائنا، ولا تكترث لتعجرفنا الهش، حيث أنها تعيش الغريزة كما وجدت فيها بهدوء، وتموت في سلام دون كثر لغط أو ضجيج.

نعم كل أصحاب المبادئ من البشر مدعون ومزيفون منذ الأزل، وإلى الأبد.. ففي رأيي لا شيء أفسد الكون أكثر من وضع المبادئ وادعاء المثالية، وزحف البشر الوضيع حبوا في ركابها كونها هي الحقيقة.. أن أقذر رذيلة يرتكبها الإنسان هي إدعائه الفضيلة في حين تمضي الحياة بقوانين أكثر صرامة لا تكترث لمثل هذا الهراء الذي يملؤها بكل هذا الضجيج.

الآن يسقط الليبراليون المدافعون عن الحريات والمبادئ واحد تلو الآخر تماما كما سقط قبلهم من سنوات رجال الدين حماة الأخلاق والفضيلة.. وكأن الشأن العام للبشر نبع آسن لا يورده سوى القذارى المقززين، وهاهو الواقع في تفاصيل مجرياته يثبت ذلك طوال الوقت هنا في الشرق حيث التخلف أو حتى في أقصى بقاع الغرب راعي حمى الحرية والديمقراطية الحديثة المصطنعة.

من بضع سنوات واقعة لشيخ معمم وعضو برلماني عن التيار السلفي المحافظ يمارس فعلا فاضحا على طريق عام، بعده بأسابيع يطل علينا شيخا يخطب الجمعة باكيا متأثرا، ليظهر له بعدها سيلا من الأفلام الأباحية مع نساء متزوجات.. تتنتشر المقاطع هنا وهناك، ثم تتوالى من بعد ذلك مثل تلك الوقائع، بعدما ألتفت إليها الجميع، وأولاها المجتمع اهتماما.

هكذا سقطت العمائم البيضاء الناصعة في وحل الرذائل الدنيوية.. وهكذا أيضا سقطت من عيون الناس.. ومن أجل حفظ ماء وجه ما تبقى من مبادئ الدين والأخلاق تم تبرير مثل تلك الأوضاع على أنها مجرد حالات فردية تخص أصحابها، ولا تمثل الدين الصحيح..حينها صب المجتمع جام غضبه على هؤلاء كونهم اتخذوا الدين والفضائل ستارا للوصول إلى الحكم لتحقيق مصالحهم الدنيوية القميئة، وغرائزهم الشيطانية الوقحة، ليتم اسقاط التيار الأسلامي كله من سدة الحكم بعد أن كان قد وصل إليها بالكاد. 

والآن ينقلب الوضع على الليبراليين والنخبة المثقفة.. منذ عدة أيام فيمنست شهيرة من أولئك الداعمين لفكرة -الاسترونج اندبندنت وومن- تتسول على الملأ وتجمع التبرعات من أجل نفقاتها الشخصية، وبعدها مثقف ومتحرر يتضح بأنه متحرش مدعي جبان.. بعدها يتهافت المثقفون الأفتراضيون واحدا تلوا الآخر هلعا على صفحاتهم لتبرئة ساحاتهم من تهم التحرش.. ولتبرئة ما تبقى من مبادئ الحرية تخرج الفيمنست المتسولة ببيان توضيحي توسلي يستجدي شفقة المتابعين شارحة فيه صعوبة الظروف، وقصر ذات اليد..  ويخرج المتحرش الجليل باعتذار مقيت يتصارع على آثره آخرون دفاعا وهجوما كون هذا الشخص المتحرر المتنور لا يمثل حقيقة الحرية النبيلة، ولا كنه الليبرالية السمحة، ولا روح الثقافة الناضجة، وأن قلة مندسة مدعية كاذبة قد تستخدم تلك الأمور ستارا للوصول إلى غرف النوم أو للشحاتة.. وأن الخطأ على كل حال وارد، ويترك الجميع أصل الفكرة، ويهرعون إلى الأختلاف حول قيمة الأعتذار وجدواه.. وتفاصيل البيان الآخر ومنطقية وصدق ظروفه.

وها هي الحقيقة في رأيي تتضح جلية -ما بين طرفي النقيض في المجتمع يمينا ويسارا.. حفاظا وتحررا- وهي أنه لا توجد مبادئ.. لا يوجد شيء أصلا سوى افتضاح حقيقة النفس الإنسانية بمرور الوقت أكثر وأكثر.. تلك النفس التي تجيد الحديث عن المبادئ -أيا كانت سواء كانت أصولية رجعية أو تحررية تنويرية أو حتى فلسفية منطقية مجردة- فقط لتصل الى مصالحها، وتلبي حاجة غرائزها، وتجمل بشاعة طباعها الأنانية الفجة.

نعم الكل يتحدث عن المبدأ، وهو في قرارة نفسه يتمنى لو كان بوسعه أن يكسره، بل هو في كل الأحوال سرا يكسره.. فها نحن البشر منذ القدم نضع القوانين لنتحايل عليها.. نجتمع على قيمة الفضائل؛ لنبقي للرذيلة وهجها وجمالها بالتجريم، ونزكي قيمتها بالمنع وعدم الإتاحة.. نعم نحن الممعنون في تناقضنا المهوسون بأنفسنا المستغرقون في تحسين صورة الحياة، ونحن أقبح وأقذر ما فيها.. لم نرتضي بحيوانيتنا فلم ترتضينا؛ لنصبح في النهاية مسوخا تضيق بنا أنفسنا، ونضيق بها في وجود لا يستحق عناء المعرفة لاستحالتها وعدم أهميتها.. وتبقى قذارة النفس البشرية وتناقضها التي ابتدعنها بوعينا نبراسا في كل مكان وزمان للهراء والإدعاء واللاطائل واللافائدة واللاجدوى في خضم وجود هو رذيلة العدم الكبرى التي لا يستطيع أن يمحوها بكل فضائله التي لا يعلمها هو نفسه.

السبت، 16 سبتمبر 2017

خوارزمية الجنون


عمر الكون يساوي تقريبا ٧٠ ألف ضعف عمر البشرية على الأرض، ويساوي أيضا حوالي ٢٠٠ مليون ضعف لأعلى متوسط عمر بلغه الإنسان في خضم كل هذا التقدم العلمي والطبي الحالي.  إذا ما كانت تلك للأرقام حقيقة خلاصة ما اكتشفنا بوعينا، وبرغم هذا لا نفهمها، ولا نشعر بها على حقيقتها نظرا لضخامة تصورها على إدراكنا.. فما بالك بالوضع معكوسا كيف يرانا الكون داخله على هذا النحو من الضآلة التي تؤول للا شيء تقريبا؟؟ هذا على فرض صحة الأرقام من الأساس. 

أعتقد أنه من جهة الكون الأمر أشبه أنك تضيع مثلا نصف دقيقة خلال خمس سنوات للتفكير في تفاهة لانهائية التفاصيل، ليست ذات معنى أو شأن.. تماما محض لحظة عابرة تمر عليك تشتت تركيزك دون جدوى؛ لتسهو عنها فتنساها، لتبدأ شيء جديد. أما من جهتنا ليس بوسعنا إلا أن نبالغ في الاحتفاء بالعلم؛ لنواري سوءة جهلنا بالحقيقة رغم كونه ليس أكثر من آلية رصد حسية ظاهرية، ومجرد محاولة عقلية منهجية قاصرة للتفسير.. لكنه يعد مع ذلك آلية هروب جيدة نسبيا من مرارات الخواء واللا معنى. 

الاشكال من وجهة نظري يكمن في كون الإنسان يرى الأمور من جهته فقط، ولا شيء في الكون يراجعه في تلك النظرة.. ربما لا يراجعه أحد لسفاهته، وقلة شأنه، وغباء تصوره.. وربما يكون لا شيء أصلا يكترث، والإنسان هو من يتعب نفسه دون جدوى.

بناءا على ما تقدم وعلى مستوى وجودي مجاوزا للكون والإنسان.. لا يمكن اعتبار الوجود حدثا مدهشا حيث أن ذلك مجرد افتراض يدحض نفسه، ذلك لأننا ببساطة في خضم الوجود لا يمكننا اختبار العدم الذي ربما يكون مدهشا بطريقة أكبر وأعظم.. بمثل تلك الفكرة يمكن دحض كل ادعاءات الدقة والنظام والأبداع في الكون، بل وكل تلك الصفات العظيمة التي نلصقها به حيث لا يمكننا تصور أي شيء خارج عن وجودنا فيه.

فالوجود بشكل عقلي مجرد يطفو على سطح بحر هائج من الأضداد بطريقة مريبة نرى فيها جواهر الأشياء مبعثرة جدا، بحيث لا يمكن ترتيبها إلا إذا أنتظمت في خيط عقل كادح يتهيب أصلا من حقيقة إنفراط عقده عبثا.

وكنتيجة لذلك لا يمكننا غير الاستسلام لفكرة أن الحياة ليس بوسعها أن تكون أفضل نظرا لوجودنا، وليس بوسعنا أن نكون بحال أفضل من ذلك نظرا للحياة.. جدلية تتغذى من نقيضيها.. نظام معزول ومحكم.. آلي الحركة.. ذاتي التأثير والتأثر.. ثابت السوء.. يتمادى في الحفاظ على نفسه.. الحياة محنتنا الأولى، وفي نفس الوقت هي عزاؤنا الوحيد في تلك المصيبة.. نحن أبنائها العاقين الذي تبقي عليهم حبا فيهم تحت وطئة الأمومة، وعقابا لهم بداعي العقوق.. خلل جذري ضارب في عمق كل الماهيات نظرا لاستقرارها رغم تضاربها.. ونظرا لتضاربها المؤدي لاستقرارها.. خوارزمية جنون معقدة تستعصي على الجنون فضلا على العقل.

الخميس، 14 سبتمبر 2017

مكتسبات ما بعد الثلاثين


لازالت هناك أشياء جيدة في حياتي.. يكفي جدا أنني في الثلاثين، لكن مازالت بصحة جيدة.. نظري ليس حادا، لكنه إلى الآن لم يرغمني لارتداء نظارة.. ألتقط صورا ضبابية مشوشة، ولكن هذا يقيني الأثار السلبية للتدقيق في الوجوه العكرة.. أسناني منتظمة بيضاء تميل إلى الاصفرار مع ضروس جميعها محشوة بحشو صناعي له نفس اللون المصفر. اقتلعت منهم ضرسين للعقل؛ لتخفيف حدة التفكير، وتجنبا لحشو العصب.. أمتلك أيضا ظهرا خربا أفسدته "عفشة" سيارتي التي أفسدها الصنايعية حينما حاولوا مرارا إصلاحها بعدما أفسدتها الحفر والمطبات المنتشرة في طرقات ربوع هذا الوطن المتآكل.. لا أنكر أن ظهري يفسد علي كل شيء تقريبا.. يقض مضجعي.. يقاطع أحلامي؛ لأستيقظ منها متألما فزعا.. لكن لا ضير أيضا يكفي أنه صديق صدوق تصاحبني آلامه الحادة في الليالي الهادئة كي لا أبقى وحدي أمام آلام تذكر خيبات الوطن، وخيباتي.. لازال جهازي التنفسي جيدا نسبيا يتجاهل ثلاثين لفافة من التبغ يوميا لمدة تتجاوز العشرة أعوام.. لازال يعمل بكفاءة مع أعطال بسيطة تظهر من حين لأخر رغم أجواء هذا الوطن الغارقة في العوادم، والتراب الناعم المثير للحساسية.. جهازي الهضمي حوله الكثير من علامات الاستفهام التي لم يجد الأطباء لها تفسيرا.. وجبة واحدة تكفي في اليوم دون مشاكل، وهذا شيء يضمنه لي عدم حبي لتكرار فقرة الأكل المملة ثلاث مرات يوميا.. شعري يتساقط بانتظام مع تناثر أعداد بسيطة من الشعرات البيضاء في الأرجاء.. أيضا وفي هذا السن لازالت بعض البثور تظهر في وجهي تاركة من خلفها ندوبا لطيفة، لكنني أعتبر ذلك تنفيسا جيدا لحالتي النفسية المزرية، وتقلب مزاج هرموناتي.. كما قلت لك في حياتي لازالت هناك أشياء جيدة.. ما أروع أن تعيش ثلاثين عاما في الجحيم، وتظل بصحة جيدة لتصلح للألم.

فيوضات العبث