الجمعة، 4 مايو 2018

النسيان

عندما يكون سبيل تجاوز الألم هو ألم أكبر، حينها يكون النسيان هو أكبر نقمة؛ لأن ألم الماضي مع حزن ذكراه سيكون أرحم وألطف من ألم الحاضر الذي تجاوزنا به ألم الأمس، والذي سوف نتجاوز به ألم الغد؛ وكأننا ندور في دائرة مفرغة من الألم اللانهائي الذي ننساه. 

إن حتى ما يتركه فينا النسيان ناسيا من أفراح عابرة نسميه ذكرى، ونبالغ في تذكره كمجرد محاولة بائسة للتحايل على هذا الجبروت الذي يمحو أفعالنا يوم بعد يوم. 

إن النسيان الذي يعني فساد الموت، والذي يعطل محرك الوقت الذي يفسد فكرة الحياة لهو لغز يستعصي على الفهم. كل شيء من النسيان يأتي إلى النسيان يمضي.. لأننا ننسى نعيش؛ لنموت لأننا ننسى. ربما نحن هنا أصلا لأننا تمادينا في نسيان هذا العملاق المجهول -النسيان المطلق- العدم الذي لا يستقيم له وجود إلا على حافة الحافة الأخيرة من هامش الذكرى الباهت المتلاشي. كلمة واحدة تكفي جدا لتكون الحقيقة هي النسيان.

وبناءا على ما سبق لا ثمة داع للخوف على أسرارك لا تقلق، فقط ضع سرك في بئر أذني، ولا تخف مني، بل أولى بك أن تخاف علي وعلى سرك من النسيان.  فحتى أنت لابد لك من يوم تنسى فيه سرك مهما حفظته. فقط تأمل هذا الخلود العظيم الذي أرتاح فيه الأوائل، وأبتلع أسرارهم التافهة للأبد. هل ترى في هذا الخلود شيئا غير النسيان؟؟

الأحد، 8 أبريل 2018

هشاشة الموت

ضجر منك الحساب، فلم يزدك إلا خسارة.. ولو كنت عاقلا ما حسبت فما خسرت، لكنه الطمع محرك الإنسان الوحيد في مقامرة الحياة الخاسرة. لكن لا تقلق، مع الوقت سيخفت صوت النقمة في حديثك.. سيفقد الضجر ألمه بعدما يفقد مغزاه بالتدريج.. ستستسلم دون عراك.. ستنهزم ولكن مع نفس النشوة التي كانت تعتريك منتصرا.. ستتلاشى قيمة الأحداث في مخيلتك، ما حدث مع ما يحدث مع كل احتمالات ما سوف يحدث. جميعها تفاصيل تافهة.. استطراد مستهلك، وإطناب ممل كالذي يصادفك في راوية ركيكة أو في مقال رديء. مع الوقت تقترب أكثر من الموت، وبقدر ما تقترب تغمرك السكينة.. سكينة الحقيقة.. حقيقة الموت.. موت السكينة.

رغم هذا لن تجد أبدا أحدا يقسم بالموت رغم أنه كل الحقيقة، ولكن لا أحد هنا يا عزيزي يقول الحقيقة أو حتى يريد سماعها. الكل هنا لا يعرف ما يريده، تلك هي سمة الإنسان الأساسية التيه والتخبط والضلال. ستنتهي كل حقيقة مهما كانت حينما تكترث بشأنها حتى الموت ذاته. فالموت ليس عظيما كما يبدو، هو يبدو كذلك نظرا لفرط هشاشتنا هنا. تخيل إنتحار جماعي موحد.. إنتحار جماعي موحد سيقيل الموت إلي المعاش المبكر؛ ليتفرغ لرتق جوارب الفراغ الرثة أو التسكع كل ليل في مقاهي العدم الغير موجودة. حتى الحب ليس نبيلا كما يبدو، هو فقط يبدو كذلك كي نستمر بتناسل هشاشتنا هنا؛ لنحفظ للموت هيبة صورته العظيمة الزائفة. الموت هش للغاية لدرجة أنه لو أنتصر على الحياة لمات هو نفسه من فرط الزهو.

أعرف أنك ربما تسخر من نظرتي السوداوية للأمور، ولكن عندما أموت، صدقني سوف تسخر من نفسك كثيرا جدا إلى أن تموت.

الجمعة، 9 مارس 2018

فرضية اللاحقيقة



في المتاهة لا ثمة داع للتذمر والسخط.. جل خيبات العالم أوهام.. هاهو العالم منزو في الوجود، ويكأنه صفر.. هاهو الوجود بأسره منزو في العدم، ويكأنه بلاجدوى.. هاهو العدم منزو في قلبي ويكأنني تبلدت.. أنكسر كأس الحياة فارغا في يدي.. لم يسقط، ولم أسقط حين أُسقط في يدي.

سيقولون العدم نقيض الوجود بنقيضيه الحياة والموت، وأقول المستحيل هو الحقيقة.. حقيقة بلا نقيض. مالنا نحن والحقيقة والضد يملأ عيوننا زيفا ووعينا نزفا؟! ما أبعد الحقيقة عن دائرة العدم والوجود.. ما أبعد الحقيقة حتى عن ما هو أبعد من كل هذا.. ما أبعد الحقيقة عن الحقيقة.. ما أعصاها حتى على نفسها.

كل هذه الأسئلة.. كل هذه الإجابات.. هي محاولات للإنشغال عن مرارات الحقيقة الأم، حيث الإجابة هي السؤال بصيغة أخرى، والسؤال هو العدم دائما. الوجود استقراء فاسد لعدم غير موجود بالأساس، ولهذا فالحياة لن تلائمنا، ولن نلائمها مهما حدث. هناك خلل ما ضارب بين السبب والنتيجة.. فالنتيجة أكثر تأثيرا في السبب المحرك لها منه في تسبيبها. النتائج بتراكمها وتداخلها وتفاعلها بوسعها أن تلاشي الأسباب الأولى كونها تصبح بحد ذاتها أسباب مستقلة مع الوقت، بل مع الوقت أيضا تلاشيها نتائجها، وهكذا هلم جرا. 

السببية ليست القانون الوحيد كما يوهمنا الوعي كي ينطلق بنا زمرا في الشتات.. العلية بذاتها هي جدلية وعينا المفرغة التي تجبرنا على الاستسلام لها، والتأقلم مع العبث كونه المنطق الوحيد المتاح. المتأقلمون مع هذا الهراء جبناء يخشون مواجهة الحقيقة؛ لأن المواجهة والاعتراف أيضا لا ينتج عنهم أي شيء سوى هراء كالذي تقرأه.. اللاجدوى هي الحقيقة؛ لأن الحقيقة بلا أي جدوى.

الضفة التي تقف عليها ليس بالضرورة أن تعني وجود ضفة أخرى مقابلة، طالما لم تصل إليها. محاولتك لإيجاد رابط يجمع شتات ما تناثر في وعيك من أفكار سيشتتك أكثر مما تتصور، بل ستتيقن من هذا أكثر عندما تكتمل محاولتك. المشكلة تكمن فينا؛ لأننا صدقنا عقولنا التي لا نمتلك عليها أي دليل.. لا وجودها يعني أنها صادقة، ولا تكذيبها حتى يؤدي بنا إلى دليل بديل. ربما ما كان بعد لم يكتمل، ولازال في طور التكوين، بل ربما التكوين ذاته لا ينتهي أبدا ليكتمل، بل ربما يكون لم يبتدأ أصلا ليكون. من يستطيع أن يثبت أن الوجود هذا ليس عدما محضا، أو العكس؟! هذا على أفتراض أن العدم والوجود منتهى أضداد الحقائق كما نتصور. فما بالك بفرضية أن الحقيقة متجاوزة أصلا كل ما هو عدم وكل ما هو وجود؟! ماذا لو كان لا يوجد حقيقة في الأساس؟! إلى ماذا كنا سنصل لو كنا أبتدأنا بحثنا أصلا بفرضية "لا حقيقة".

الخميس، 1 مارس 2018

استحالة المعرفة

في الحقيقة لا تفضي المعرفة إلا لاستحالتها، لكن ما يبقينا رهن المحاولة هو معرفتنا بأن المستحيل قد كان فعلا من قبل، مما سمح بوجودنا على هذا النحو. معرفة كتلك لم تجعل لنا خيارا آخر. ليس بوسعنا سوى أن نضرب رؤوسنا في حائط جهلنا الفولاذي، لا كي يلين، بل لننزف أكثر وأكثر، ويستحيل المستحيل مجهولا على أيدينا كما كان، فتكتمل الدورة. 

كل هؤلاء المتراكمة أسمائهم في سجلات الموت.. الممسوحة أسمائهم من سجلات الحياة بممحاة النسيان فعلوا هذا سواء علموا به أم لم يعلموا. نحن ببساطة أبناء المستحيل.. شهداء الجهل.. أسرى النسيان.. يبتلعنا المجهول بشكل لانهائي ليسترد نفسه.

الأشياء مشحونة بمعناها المتوارث بفعل التراكم. متى أفرغناها من معانيها بالبحث والتأمل والتفكير والتجربة سيصعب علينا أن نعيد ملئها بأي معنى من جديد مهما حاولنا. حجم الطاقة مهما بلغ في محاولة كتلك سوف يذهب هدرا؛ لأن حقيقة السراب إذا ما ظهرت، تماما كما الجرة إذا انكسرت لا يمكن أن تعود لما كانت عليه.

يقول الفيلسوف والروائي الإيطالي الشهير -أمبرتو إكو- موجزا هذا الأمر في كتابه -بندول فوكو- العالم لغز أليف، لا أذى فيه. فقط محاولاتنا المحمومة لتفسيره كما لو أنه ينطوي بداخله على حقيقة هي ما تجعله مروعا ومخيفا ولا يطاق. 

ربما فعلا لو كانت هناك ثمة حقيقة لما كنا هنا على هذا النحو محاولين رصد وتتبع السراب اللانهائي ويكأنه الحقيقة. لا شك أن غواية التأويل المدموغة في الوعي هي ما تدفعنا لفعل ذلك رغم ما قد يطالنا جراء هذه التأويلات المتباينة المتخبطة من الشر المتمثل في الفرقة والصراع، لكن مع الأسف هذا هو  السبيل الوحيد لمعايشة الوجود الذي لا نقوى على استيعابه. ليس بوسعنا حيال هذا الوجود المبهم المستعصي المطلسم سوى أن ننتقم من أنفسنا بالفرقة والتشرذم.

الثلاثاء، 27 فبراير 2018

مشهد النهاية

السماء تتسيد المشهد كعادتها. لا شيء يخفي الشمس.. قبة فضية يتوجها هلال صغير. تنحدر الجموع هبوطا من على السلم المرتفع إلى الباحة.. يتراصون كتف لكتف إلى خارجها وعلى طول المسار المؤدي للنهاية. ثم فجأة يظهر النعش محمولا يتبختر على الأكتاف يسوقه النفير.. تمتمات داكنة.. همهمات ساكنة ينساق من خلفها الجميع خلف النعش في مشهد سريالي محكم.. أصابع مرفوعة تشير للسماء يتحركون بها مبتعدين عن القبة.. نحو الزقاق الضيق.. تتباطئ الحركة نظرا لضيق المكان.. عشرة آلاف مشيع يتناثرون في تلك الأزقة الضيقة تحوطهم المقابر بأبوابها المعدنية الخضراء الصدئة، وبأقفالها الكبيرة المغمودة في الخرق المتربة. 

يستقر بي المطاف فوق تبة من أوراق الشجر المتساقطة. ربما لم يتذكر أحدا تلك الشجرة منذ وقت ليسقيها، أو ربما ماتت أورقها حزنا على الموتى. صوت يظهر جليا بعربية فصحى لا أستبين صاحبه من مكاني.. يخطب خطبة قصيرة ثم يطلب منا الدعاء سرا.. فأتذكر الراحل الذي لم أعرفه جيدا.. كان علما.. لم يكتفي من روث الحياة إلا بخمسة وسبعين عاما عرف فيهم بشرا أكثر ممن شيعوه. 

أنظر إلى يداي المبسوطتان.. إلى كومة الأوراق الجافة التي أعتليها.. إلى الصبار المتناثر.. إلى الأبواب الموصدة.. إلى الاقفال المكفنة في الخرق.. فأتفهم ضعف الموت أمام جبروت الموتى.. وأدرك جبروته على أمثالنا من الأحياء.. ثم يتعالى صوت بعد عدة ثواني مجلجلا.. شكر الله سعيكم.. ربما يقولها للناس أذانا لهم بالانصراف.. يكررها عدة مرات.. فينفض الناس تدريجيا وأبقى كعادتي وحدي.. أتنقل بين الأزقة الضيقة متفحصا اللوحات الرخامية للأسماء وصولا إلى اسم جدي.. يرقد هنا إلى جانب أبنه إلى جانب أخيه وأخته و..... جميعهم استراحوا هنا أخيرا من زمن بعدما أغلقوا على أنفسهم باب من النسيان يزيد صلابة مع الوقت.. تركوا دنيا النسيان إلى نسيان الدنيا واستراحوا.

المكان حقا موحش لكنه هادئ.. مخيف لكنه مريح.. موجود ولكن لا أحد يفكر فيه.. حقيقي لكن لا أحد يريده.. فانصرف محترما المجهول إلى الانشغال بالنسيان على أمل العودة قريبا.. أو ربما لا داعي للعجلة يوما ما سآخذ نصيبي كاملا من المجهول

الجمعة، 19 يناير 2018

إلى أين أذهب

لم تكن تشغلني رماح الغدر التي كانت تملأ صدري العاري. كنت أعرف جيدا أن الآخر البعيد ليس سوى عدو لدود به من الخسة والجبن ما يستحق الشفقة أكثر من النقمة. أنه ببساطة يظن أنني أزاحمه على فرصة البقاء في عالم متداعي بطبعه لا يرحم أحد، ولكن ما استوقفني بشدة هي تلك الطعنات التي توالت على ظهري من أقرب أقربائي.. كيف سولت لهم أنفسهم فعل كهذا، وفي بقائي بقائهم؟!

في الحقيقة لم يعد شيء في الحياة يثير دهشتي أكثر من اجتماع كل أشيائها على إيذائي رغم أني أضعف بكثير وأهون بكثير من كل هذا التصدي. أنه بحق لشيء مثير للسخرية أن يجتمع كل هؤلاء لقتل شخص مثلي تقتله نفسه كل يوم ألف مرة.

وها هي الطعنات لا زالت تتهاوى فوق قلبي المتهاوي حزنا، وكأنه غير موجود، أو كأنها لا تنتهي، أو كأن لازال في الحزن متسع يكفي لأشعر بها. الحياة تمعن في اختباري أصعب الاختبارات، وأنا المفرط بمعرفتي بجهلي، وقلة حيلتي، ولاجدواي.. تريد انتزاع اعتراف قسري مني بعجزي الذي لطالما أقررت به طواعية، واستسلاما بمناسبة، وبدون مناسبة. الأوجاع تتحدى نفسها فيَّ، ويكأني خصمها الوحيد، ويكأنها لا تستطيع أن تتثبت من وجودي إلا بالألم.

يبدو أن هذا الاستسلام اللامبالي الذي أواجه به نفسي هو ما يستثيرها ضدي. يملؤها بالبغضاء حيالي.. أعتقد أن حياديتي تجاهها تملؤ قلبها باحتقاري.. احتقار لا تبديه من باب المكابرة، ولكنه يظهر جليا في هلاوس عبث وأسئلة تضج مضجعي.. منها مثلا هذا السؤال الذي يؤرقني..

إلى أين أذهب وأنا أمامي الجدار الذي هو خلف ظهري؟!

الخميس، 14 ديسمبر 2017

سلطنة عمان ومعلومات تثبت مدى سطحية الترندات الشائعة

صورة لعلم ولة سلطنة عمان

لا يعرف الكثير من المتهكمين الساخرين أرباب الترند أن سلطنة عمان التي يتهكم على سياساتها اللي رايح واللي جاي كانت في مطلع القرن التاسع عشر امبراطورية كبيرة تمتلك أسطولا حربيا وتجاريا ضخما مكنها من بسط نفوذها على بحر العرب وصولا لسواحل شبه القارة الهندية وسواحل ايران بل امتد نفوذها ليصل إلى الساحل الشرقي الافريقي.. وليس هذا فحسب، بل كانت فرنسا وبريطانيا في محاولات جدية لعمل معاهدات واتفاقيات معها لحماية تجارتهم المارة من تلك السواحل، بل وامتد النفوذ العماني مهيمنا على أراضي كثيرة واقعة في شبه الجزيرة مثل الأمارات والبحرين وقطر وأجزاء من اليمن.. بل استطاع العمانين تجاوز حدود قارتهم ليبسطوا نفوذهم على سواحل افريقية مثل زنجبار وكينيا وتنزانيا ومدغشقر وجزر القمر.. بل واستطاعت سلطنة عمان قبل بناء تلك الأمبراطورية الضخمة  من طرد الغزو البرتغالي في القرن السابع عشر من على أراضيها، بل ولازالت هناك اثار لقبور الجنود البرتغاليين على أرضها خير شاهد على ذلك.. 

وخارج هذا السياق التاريخي للسلطنة القديمة.. فعمان اليوم دولة فيها تعايش حقيقي بين كل الطوائف الأسلامية الرئيسية من سنة وشيعة أباضية والذي هو مذهب الحاكم.. هذا فضلا على تعايش هائل بين أعداد كبيرة من العمالة الوافدة من الهنود والبنجلاديش والباكستانين والفلبينين والأنجليز والأمريكان والأوروبيين والمصريين والشوام والمغاربة وغيرهم.. وكل هؤلاء يعيشون على أ رض السلطنة وفقا لقانون بيتم تطبيقه على الجميع بعدالة ونزاهة وشفافية.. 

تبقى سلطنة عمان رغم نظام حكمها السلطاني، ورغم مذهبها الديني الأباضي دولة مدنية حديثة بها دارا للأوبرا وبها مسارح وقاعات للسينما ومنتجعات وحرية وانفتاح وعدم تحرش وعدم عنصرية واحترام للقانون.. بل أزيد عن هذا وأقول أن سلطنة عمان فيها شعب هو أكثر الشعوب العربية احتراما وأدبا وأخلاقا وتحضرا هذا من واقع معيشتي هناك لأكثر من ستة أعوام حيث درست وعملت وعايشت كل حرف أقوله على أرض الواقع..  

تبقى سلطنة سلطنة عمان من وجهة نظري بالنسبة للعالم العربي والشرق الاوسط تماما مثل سويسرا بالنسبة لأوربا والغرب مع الاحتفاظ بالفارق طبعا.. لكن تبقى السلطنة هي أنظف ما رأيت في العالم العربي تماما مثلما تسمع أن سويسرا هي أنظف ما في العالم الغربي.. بل كل الدولتين رغم الفوارق يتبعون نفس سياسة الحياد وعدم التدخل في شئون الآخرين وعدم التورط في المشاكل الدولية والأقليمية.

الجمعة، 8 ديسمبر 2017

وصار يأنفنا الهوان



خُنْتُمْ.. وَخنَّا..
خنَّا.. وَخَانُوا..
كُنْتُمْ.. وَكُنَّا..
كُنَّا.. وَكَانُوا..
سَبْعُونَ عَامًا
نَتَبَادَلُ التُّهَمَ الرَّخِيصَةَ،
وَالْحَقَ أَنَّ الكُلَّ هَانُوا.
هَكَذَا اِعْتَادَنَا الهَوَانَ
حَتَّى صَارَ يَأْنَفُنَا الهَوَانُ.
وَاليَوْمَ تُلُفِّظْنَا الشَّتَائِمُ
يُنْكِرُنَا السِّبَابُ،
وَيَعْتَلِينَا كُلِّنَّا
هِرٌَ جَبَانُ.
سَبْعُونَ عَامًا
يُفِيضُ مِنْ دَمِنَا الزَّمَانُ،
فَمَا حَنَّ الخسيسُ،
وَلَا قَوْمَيْ اِسْتَبَانُوا.
وَاليَوْمَ يَسْلُبُنَا الذُّبَابُ
كُلٌّ مَا نَسْتَنْقِذُهُ،
وَيَقُولُ مُبْتَسِمٌ
بِكُلٍّ فَظَاظَةٍ
عُذْرًا..
فَقَدْ فَاتَ الآوانُ.
سَبْعُونَ عَامًا
نَتَسَوَّلُ الأَنْجَاسَ فِي الأَنْفَاس
فَمَا شَعَرُوا بِنَا،
وَلَا حَتَّى اِسْتَبَانُوا.
سَحْقًا لِكُلِّ مَنْ اِسْتَهَانُوا بِجُرْحِنَا
فَدنوًّا وَدَانُوا.
سَحْقًا لِكُلِّ مَنْ اِسْتَعَانُوا بِعَدُوِّنَا
كِي يَعْفُو عَنَا تَفَضُّلًا
ضَرَبَتْ مذلتهم عَلَيْنَا
فَاِسْتَكَنَا بقدر ما اِسْتَكَانُوا.
وَاليَوْمَ..
اليَوْمَ قَدْ فَاتَ الآوانُ.
حَتَّى الهَوَان..
قَدْ صَارَ يَأْنَفُنَا الهَوَانُ.

الأحد، 12 نوفمبر 2017

العدم قط أسود بعينين صفراوين


وحيدًا في المقهى الوحيدِ بعزلتِهِ..
قطٌ أسودٌ يتَفَحَّصُني بعينينِ صفراوين
يَسقطُ الكأسُ من يدي؛ ليتناثرَ الرذاذ
دماءٌ تصيبُ قدمايَّ بالشلل!!
ما أشبهَ الماءَ بالدماء..
بل ما أشبهَ الدماءَ بالماء
هكذا تختلطُ المعاني مني في فخِ اللغة،
الكونُ لغةٌ شاسعةٌ فارغةٌ من المعنى
بينَ السماءِ والأرض..
بينَ الحقِ والباطل...
بينَ كلِ الأضداد، وبينَ كلِ بين..
ضجيجٌ متواصلٌ من حوارِ الطُرشِ والعميان
العالمُ كلهُ ملتاعٌ على صفحاتِ الجريدة،
العالمُ بذاتهِ ملقى على الطاولة
بينَ السطورِ والكلامِ والورقِ الرديء
زيفٌ من صدى زيف..
سيفٌ من بعدِ سيف..
كلُ تلكَ الحروبِ كانت
كلُ هؤلاءِ القتلى لازالوا يسقُطون
لأن الحياةَ لا تكونُ إلا بالقتل.
يا لسوءِ حظِ قلبي المسكين
عالمٌ منحط.. وجودٌ رث..
ومقهى كئيبٌ غريبٌ يلفظني..
قهوتي برُدَت، وطاولتي تُغَني للفراغ
الجرسونُ يرمقُني باستخفافٍ
والمقهى فارغٌ من كلِ شيء
من انتظرتها عاندتها الظروف
صديقي ترك مقعدهُ أمامي
بحثاً عن لقمةِ العيش
وأهلي بطبيعتِهم لا يرتادونَ المقاهي
وحدي،، ومأساةُ العالمِ نتواصل
يتسربُ العمرُ من بينِ أصابعي
هالةُ الدخانِ حولي قداسةٌ كاذبة
وكأن أعقابَ السجائرِ
تتكاثرُ ذاتياً في بئرِ المنفضة
الرمادُ هو الحقيقةُ التي تبقي
بعدما أغادر
الرمادُ هو هذا العالمُ المبعثرُ في الهباء
الوجودُ هالةُ دخانٍ كاذبة خَلّفها العدم
العدم.. قطٌ أسودٌ
يتفحصني بعينينِ صفراوين..
في مقهى وحيدٍ بعزلتِهِ.

عالم من الكومبارسات المغرر بها

صورة مجمعة لأشهر كومبارسات السينما المصرية

الحياة فيلم تلعب فيه دور البطولة أمام نفسك، ودورا مهما لأبويك، ودور أهم لحبيبتك وأبنائك، ودور ثاني مساعد لأخوتك وأصدقائك ومن هم في دائرتك المقربة، ثم كومبارس تقل مساحة وأهمية دوره إلى أن تتلاشى تماما بالنسبة للبقية الباقية التي تملأ العالم.. الفيلم مستمر بينما يتغير غالبية الممثلون من وقت لآخر.. يحالون للتقاعد عندما تنتهي أدوارهم.. يرتاحون في النسيان بعيدا عن الأضواء والكاميرات والأحداث.. يبقى فقط ذكرى الذين أجادوا لعب أدوارهم.. من تقمصوها حد التماهي.. من أجتهدوا في تصديق أنفسهم، واعتبروا أن الفيلم حقيقة جدية تتطلب قدرا من العناء والجهد متناسين أن السيناريو قد كتب مسبقا، وأن المخرج يتحكم في كل التفاصيل حتى عدد أنفاسهم، وأن أدائهم مهما كان صادقا ومؤثرا ومقنعا لن يبقي منه المونتاج إلا ما يخدم استمرار فيلم الحياة الكبير وراوجه..

سينما الحياة صناعة كبيرة لها أهداف أخرى غير الفن والأمتاع والقيمة والمعنى.. الاستمرار هو الهدف الرئيسي لها؛ لأنه دونه لا يمكن الحديث عن أي شيء، ولهذا ستظل الحياة تلعب على حبال المجهول معتمدة على تيمة التشويق تلك لضمان بقائها.. 
وهكذا تكون النتيجة.. أننا جميعا مغرر بنا فيها تحت دعاوى أشياء زائفة كثيرة مثل البطولة والفن والتشويق، والفضول الناتج عنه، والتنافس فيما بيننا.. والحقيقة هي أننا لا نعرف أصلا للفيلم جدوى أو غاية، بل لا نعرف أصلا من سوف يشاهده.. في حال إذا كان هناك أحد مهتم أصلا لمشاهدة هراء كهذا.

فيوضات العبث