الجمعة، 13 يوليو 2018

إشكال التناقض والوعاظ الجدد


إن التناقض بين المظهر والجوهر سمة بشرية تكاد تكون مطلقة. فلو اطلعت على نفوس أرقى الناس من داخلها لوليت منهم فرارا، ولملئت منهم رعبا. وليس هذا لسوء طباع البشر، وتدنيها، وحسب؛ بل نظرا لشناعة كذب الإدعاء الذي يملأ أقوالهم. ستظل مثاليا طالما كنت تتحدث عن أفعال الآخرين، فأذا ما تورطت في مواقفهم كنت أسوأ منهم جميعا.. نعم.. جميعنا مدعون سيئون على قدر تناقضنا بين ما نظهر، وما نبطن. 

الأسوأ من تناقضنا هم هؤلاء الذين ينكرون في نفوسنا مكون التناقض الذي ينبني عليه وعينا، ويحاولون جاهدين تبريره كذبا، وزورا، وبهتانا.. المتوافقون مع تناقضهم دونما محاولة للتبرير هم الأصلح، والأنفع، والأكثر خيرية، وجدوى. 

الداعية معز مسعود ليس بدعا من البشر.. هو مجرد انسان عادي كسائر البشر متورط بين نفسه، وأفكاره، وبين أقواله، وأفعاله.. ربما لو صمت بعد واقعة زواجه من الفنانة الشابة السافرة الحاسرة الرأس، ونأى بجانبه عن الخوض في تبرير أفعاله، لكان خيرا له رغم أن أشك في ذلك نظرا لكونه يقتات أصلا من عمل أعلامي خطابي وعظي هش يحتاج لأن يتمثل صاحبه دور الملاك المثالي المنزه عن كل نقيصة، وتناقض من أجل الحفاظ على جمهور المهللين مهلهلي الفكر. 

أن المثالية ذاتها المبنية على قيم مطلقة ما هي إلا فكرة بدائية طفولية تآكلت مع الوقت نظرا لتراكم الوعي، وارتفاع سقفه الذي جعل من نسبية كل فكرة، ومعنى، وقيمة هي المطلق الوحيد الآن الكفيل باستمرار العيش من الأساس، ولهذا ستجد من يعتلون عرش الإنسانية الآن تعايشا، وتحضرا هي الحضارات العملانية التى لا تقيم للمثالية وزنا، ولا أعتبارا.. بينما من لازالوا يتمسكون بقيم مثالية لا يقومون بمثاليتهم المدعاة تلك إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس مسوخا سلطت عليهم نفوسهم، وأرهقهم إدعائهم، وبددهم تناقضهم بحيث لا يستطيعون لسلام العيش، ولا للتحضر سبيل.

والخلاصة أنه لا يوجد في العالم الآن ثمة مساحة للوعاظ، والخطباء، ومن على شاكليتهم ذلك لأن الإنسان اليوم أصبح يدرك بديهية بسيطة جدا، وهي أنه لن يدرك العالم، ونفسه إلا من خلال معايشته لنفسه وللعالم بتناقضهما، ونقائصهما قبل مثاليتهما، وكمالهما، وفي تجربة ذاتية كتلك لا حاجة لأحد في من يتمثل دور المرشد والدليل خاصة وإن كان هو نفسه متخبطا في نفسه بحيث لا يستطيع أن يدلها أو يرشدها أو أن يرغمها على ما يريد أرغام الناس عليه.

الثلاثاء، 10 يوليو 2018

أنت وحدك جميعهم، رغم أنك وحدك

الأرض من تحتي خطوة.. السماء من فوقي مجرد نقطة، والمدى كل المدى سراب. كافة الأشياء تكف عن كونها نفسها. كأن عقلي أصابه خلل ما.. صدري يضيق، بينما الكون لازال يتمادى إتساعا مثل الأحمق.. ثم سرعان ما أبتسم ببلاهة من المفارقة.. أضحك حتى تتلف أمعائي.. لا تغرك تلك الفرحة الهيستيرية التي تتنامى سريعا بحيث كادت أن توقف القلب.. ها هي انكسرت قشرتها، ففاض الحزن من جديد في كل مكان.. كأن الفرح ممتلأ عن أخره بالحزن.. أو كأني ممتلأ بغيابي.. تنامى الغياب سريعا، وأنكسر ففاضت الروح مني وجودا في كل مكان. 

لكن لا ضير.. يمكننا أن نواسي أنفسنا بأشياء بسيطة.. المجهول على رحابته مثلا.. الموت الملطخ بالحياة أو حتى صورا مصغرة للعدم نعلقها في جدار الوعي كي لا ينقض فجأة على رؤوسنا.. قد ترى كلامي يضج بالجنون.. المجنون يفعل الصواب عندما لا يصدق عقله.. هذا لأن الصواب هنا جنوني ونرجسي وأحمق وضجر إلى هذا الحد وأبعد.. الصواب مثلي تماما ممتلأ عن أخره بالخطأ.. الصواب هو هذا الحد الذي بتجاوزه حدث كل هذا دون بداية واضحة وبلا نهاية واضحة وبغير سبب واضح.. الصواب مع الأسف هو خلل نفسه الوحيد.. يمكن أعتباره مختل نفسي يحتاج إلى مصحة مثلنا جميعا رغم كونه صادق وحقيقي جدا غير مصطنع وبعيد.. بعيد جدا..

عن هذا الصواب البعيد الذي انعكس ظله فيَّ، فانعكس من خلفي ظلي يلاحقني بحيث لا أستطيع الفكاك. عن الفكاك، والاشتباك، والارتباك في كل شيء، ومن كل شيء. عن الأشياء، والأسماء، والأعباء التي تتطلبها الأرواح، والأجساد.. عن الأجساد، والأصفاد، والأبعاد، والإبعاد، والقلب الذي لا يحتمل غير الحب في عالم يتنفس كرها، وحقدا، ونفاقا وشرا.. عن الشر.. عن علة كل ما يضر. عن انتظار الحكمة، وحكمة الانتظار.. عن الانتظار والانهيار والانكسار والطريق الذي فرض علينا حتى النهاية.. عن النهاية التي لا نعرف لها بداية، والبداية التي لا نعرف لها نهاية.. عن الضعف، والهباء، والخواء، واللاشيء الذي يحوط كل شيء.. عن هراء الضجيج، وضجيج الهراء.. عن الناس.. عن تعالي الصوت خوفا من سكوت الموت.. وحتى عن الموت.. عن المجهول حيا، وميتا، وحين يبعث كل مرة من العدم؛ لتعاد الكرة من جديد.. عن الضجر كنتيجة محسومة لكل هذا.. عن الاستسلام للاستلام.. عن التكون تدريجيا، والتماهي تدريجيا، والتلاشي تدريجيا.. عن الرغم رغم أرغامنا على الاختيار الذي لم نختاره.. عن الاختيار الذي تركته مرغما نظرا للاجدواه.. عن أخر الشكوى التي تسكت عن الشكوى.. عن تجاوز الكلام.. عن الصمت.. عن أخر، وأول، وأصدق، وأغرب ردة فعل للبعيد الذي أبتدأ منه الكلام، وإليه يعود الكلام بكل الكلام، وبلا كلام.. البعيد المحفوظ بصمته من الكلام والإفهام والأفهام.. البعيد الذي تجاوز الوجود، والعدم.. أيها البعيد أنت وحدك جميعهم، رغم أنك وحدك.

الأحد، 17 يونيو 2018

مجرد مغفل عظيم

طلقة في منتصف جبين هذا العالم، ربما ابتسم.. تقول لي الخيبة: لا تقاتل حتى أخر رصاصة.. استبق الأخيرة لنفسك. من لا يؤذي غيره يؤذي نفسه بالأساس. الهاوية الحقيقية هي ألا تسقط، بل تظل عالقا دوما بين هاويتين أو أكثر. هكذا يكسرني الحلم؛ ليرممني حلم آخر ليكسرني، رغم أني لا أحلم من الأساس، لكنها الدائرة.. لكنها الحياة.. لكنه الوجود.. تلفظه بكل طاقتك.. وأنت هو، وهو هو أنت.

لا، لم أكن أفكر في النهاية حين أغرتني البداية بالأمل.. ما كنت لأرى الغد يأكلني ويذوب مني في غده كموجة تضرب؛ لتسحب أختها ميتة نحو الغرق. لم أك أعرف أن الفوات إلى الفوات لا يكل ولا يمل. لم أك أدرك أن الوقت أحجية تفسر نفسها بالوقت، وتصير لغزا حائرا يُنسى كأن لم يزل.

لم أك أدرك أن العتمة داخلي تمتد حولي؛ لتبتلعني، لكني كنت أتفهم جيدا كم هي جبانة.. تختبئ من نفسها في نفسها. رغم ذلك لا أرى أن منطقا كهذا من الممكن أن يصب بأي حال من الأحوال في كافة مدح النور، حيث أنني بنفس المنطق لا يمكنني إلا أن أرى النور مجرد فضيحة.. فضيحة تفضح نفسها بنفسها أيضا. ولهذا من الممكن وباستقراء أكثر رحابة أن تصل معي إلى فكرة أن الأشياء جميعها لا تستحق المدح ولا الذم. حق الأشياء علينا فعلا أن نصمت.. أن نحتفظ بآرائنا الحمقاء لأنفسنا، وندع كافة الأشياء وشأنها كما هي كما لا نعرف.

ربما هذا وحده هو ما يجعلني أنفخ في وجهي دخان سجائري بتكبر وبتمعن؛  لأمقتني، فتنكسر مرآتي، ولا أرى مثل تلك الحقائق مجددا، وأعود إلى صفوف المغفلين من جديد مجرد مغفل عظيم يحب نفسه أو يظن أنه يفعل.

الأحد، 13 مايو 2018

ما تبقى مني

على الضفة الأخرى التي لا أرها. هناك من تلوح لي بمنديل وردي. على الضفة هنا أنا أقتلها مررا كي لا أموت، أو بالأحرى كي أموت. لا فرق طالما ظل البحر خيبة، والخيبة خيبة وجود. لطالما قالت لنا الطبيعة: لا تقتربوا جدا فتنصهروا، ولا تبتعدوا جدا فتتجمدوا. أحترموا صدفة المسافة الآمنة طالما سنحت لكم الجاذبية بذلك، لكننا حمقى ساذجون لدرجة جعلتنا نصدق أكذوبة وعينا التي تقول: أنتم النجوم، بل أنتم الجاذبية ذاتها. لسنا أكثر من ريشة تتلاعب بها رياح الأيام والأقدار والحيل. حتى الراسخين المتثبتين من أنفسهم ومن الحياة يدركون تلك الحقيقة القائلة:  ما أسوأ أن تكون صخرة في مهب الريح.. ما أقسى أن تتفتت ببطئ.

أما أنا فكنت أعرف أنه لم يبقي مني شيء غير وحدتي في انتظار الموت على أنه الحل الوحيد والأخير الذي سوف يفك شفرة اللغز الكبير-لغز نفسي- حل سحري، هكذا أتصوره سوف يتركني في راحة تنسيني طعم الألم المصاحب لفراغي الناتج عن فشلي في فكرة الزحام.

ماذا تبقى لي سوى ذكريات من فشلي المكرر في الحب والمتعة واقتناعي بغريزة البقاء مثلكم أو حتى التلهى عن استعادة فشل الذكريات. وكأنني أفسدت لعبة الموت المباغت بانتظاري له. ربما سيفشل أن يفاجئني وأنا جالس على باب بيته منتظرا من سنين. لم يبقى لي أي شيء كي ما أمر كما مر العابرون إلى النسيان سالما غانما بتخلي كل شيء عني، وبتخلي روحي عن كل شيء.
 
لم يبقى لي أي شيء يبقيني سوى دقات لا إرادية بقلبي تأبى أن تكف، ودم يجري في عروق جسدي الساكن الذي لا يجري نحو أي شيء، ولا يجري أي شيء نحوه. ماذا تبقى لهذه الحياة فيَّ كي تبقي عليَّ؟؟ وأنا الذي أصب عليها لعناتي ليل نهار من باب التسلية والتسرية. لماذا تبقي عليَّ وهي تكرهني إلى حد أجبرني أن أكرهها كل هذا الكره؟؟ وكأنني بقيت هكذا لأن ما تبقى مني لا يكفي لأن يشتري موتا، ولا أن يبيعني عبدا كي أعيش الحياة.

الجمعة، 4 مايو 2018

النسيان

عندما يكون سبيل تجاوز الألم هو ألم أكبر، حينها يكون النسيان هو أكبر نقمة؛ لأن ألم الماضي مع حزن ذكراه سيكون أرحم وألطف من ألم الحاضر الذي تجاوزنا به ألم الأمس، والذي سوف نتجاوز به ألم الغد؛ وكأننا ندور في دائرة مفرغة من الألم اللانهائي الذي ننساه. 

إن حتى ما يتركه فينا النسيان ناسيا من أفراح عابرة نسميه ذكرى، ونبالغ في تذكره كمجرد محاولة بائسة للتحايل على هذا الجبروت الذي يمحو أفعالنا يوم بعد يوم. 

إن النسيان الذي يعني فساد الموت، والذي يعطل محرك الوقت الذي يفسد فكرة الحياة لهو لغز يستعصي على الفهم. كل شيء من النسيان يأتي إلى النسيان يمضي.. لأننا ننسى نعيش؛ لنموت لأننا ننسى. ربما نحن هنا أصلا لأننا تمادينا في نسيان هذا العملاق المجهول -النسيان المطلق- العدم الذي لا يستقيم له وجود إلا على حافة الحافة الأخيرة من هامش الذكرى الباهت المتلاشي. كلمة واحدة تكفي جدا لتكون الحقيقة هي النسيان.

وبناءا على ما سبق لا ثمة داع للخوف على أسرارك لا تقلق، فقط ضع سرك في بئر أذني، ولا تخف مني، بل أولى بك أن تخاف علي وعلى سرك من النسيان.  فحتى أنت لابد لك من يوم تنسى فيه سرك مهما حفظته. فقط تأمل هذا الخلود العظيم الذي أرتاح فيه الأوائل، وأبتلع أسرارهم التافهة للأبد. هل ترى في هذا الخلود شيئا غير النسيان؟؟

الأحد، 8 أبريل 2018

هشاشة الموت

ضجر منك الحساب، فلم يزدك إلا خسارة.. ولو كنت عاقلا ما حسبت فما خسرت، لكنه الطمع محرك الإنسان الوحيد في مقامرة الحياة الخاسرة. لكن لا تقلق، مع الوقت سيخفت صوت النقمة في حديثك.. سيفقد الضجر ألمه بعدما يفقد مغزاه بالتدريج.. ستستسلم دون عراك.. ستنهزم ولكن مع نفس النشوة التي كانت تعتريك منتصرا.. ستتلاشى قيمة الأحداث في مخيلتك، ما حدث مع ما يحدث مع كل احتمالات ما سوف يحدث. جميعها تفاصيل تافهة.. استطراد مستهلك، وإطناب ممل كالذي يصادفك في راوية ركيكة أو في مقال رديء. مع الوقت تقترب أكثر من الموت، وبقدر ما تقترب تغمرك السكينة.. سكينة الحقيقة.. حقيقة الموت.. موت السكينة.

رغم هذا لن تجد أبدا أحدا يقسم بالموت رغم أنه كل الحقيقة، ولكن لا أحد هنا يا عزيزي يقول الحقيقة أو حتى يريد سماعها. الكل هنا لا يعرف ما يريده، تلك هي سمة الإنسان الأساسية التيه والتخبط والضلال. ستنتهي كل حقيقة مهما كانت حينما تكترث بشأنها حتى الموت ذاته. فالموت ليس عظيما كما يبدو، هو يبدو كذلك نظرا لفرط هشاشتنا هنا. تخيل إنتحار جماعي موحد.. إنتحار جماعي موحد سيقيل الموت إلي المعاش المبكر؛ ليتفرغ لرتق جوارب الفراغ الرثة أو التسكع كل ليل في مقاهي العدم الغير موجودة. حتى الحب ليس نبيلا كما يبدو، هو فقط يبدو كذلك كي نستمر بتناسل هشاشتنا هنا؛ لنحفظ للموت هيبة صورته العظيمة الزائفة. الموت هش للغاية لدرجة أنه لو أنتصر على الحياة لمات هو نفسه من فرط الزهو.

أعرف أنك ربما تسخر من نظرتي السوداوية للأمور، ولكن عندما أموت، صدقني سوف تسخر من نفسك كثيرا جدا إلى أن تموت.

الجمعة، 9 مارس 2018

فرضية اللاحقيقة



في المتاهة لا ثمة داع للتذمر والسخط.. جل خيبات العالم أوهام.. هاهو العالم منزو في الوجود، ويكأنه صفر.. هاهو الوجود بأسره منزو في العدم، ويكأنه بلاجدوى.. هاهو العدم منزو في قلبي ويكأنني تبلدت.. أنكسر كأس الحياة فارغا في يدي.. لم يسقط، ولم أسقط حين أُسقط في يدي.

سيقولون العدم نقيض الوجود بنقيضيه الحياة والموت، وأقول المستحيل هو الحقيقة.. حقيقة بلا نقيض. مالنا نحن والحقيقة والضد يملأ عيوننا زيفا ووعينا نزفا؟! ما أبعد الحقيقة عن دائرة العدم والوجود.. ما أبعد الحقيقة حتى عن ما هو أبعد من كل هذا.. ما أبعد الحقيقة عن الحقيقة.. ما أعصاها حتى على نفسها.

كل هذه الأسئلة.. كل هذه الإجابات.. هي محاولات للإنشغال عن مرارات الحقيقة الأم، حيث الإجابة هي السؤال بصيغة أخرى، والسؤال هو العدم دائما. الوجود استقراء فاسد لعدم غير موجود بالأساس، ولهذا فالحياة لن تلائمنا، ولن نلائمها مهما حدث. هناك خلل ما ضارب بين السبب والنتيجة.. فالنتيجة أكثر تأثيرا في السبب المحرك لها منه في تسبيبها. النتائج بتراكمها وتداخلها وتفاعلها بوسعها أن تلاشي الأسباب الأولى كونها تصبح بحد ذاتها أسباب مستقلة مع الوقت، بل مع الوقت أيضا تلاشيها نتائجها، وهكذا هلم جرا. 

السببية ليست القانون الوحيد كما يوهمنا الوعي كي ينطلق بنا زمرا في الشتات.. العلية بذاتها هي جدلية وعينا المفرغة التي تجبرنا على الاستسلام لها، والتأقلم مع العبث كونه المنطق الوحيد المتاح. المتأقلمون مع هذا الهراء جبناء يخشون مواجهة الحقيقة؛ لأن المواجهة والاعتراف أيضا لا ينتج عنهم أي شيء سوى هراء كالذي تقرأه.. اللاجدوى هي الحقيقة؛ لأن الحقيقة بلا أي جدوى.

الضفة التي تقف عليها ليس بالضرورة أن تعني وجود ضفة أخرى مقابلة، طالما لم تصل إليها. محاولتك لإيجاد رابط يجمع شتات ما تناثر في وعيك من أفكار سيشتتك أكثر مما تتصور، بل ستتيقن من هذا أكثر عندما تكتمل محاولتك. المشكلة تكمن فينا؛ لأننا صدقنا عقولنا التي لا نمتلك عليها أي دليل.. لا وجودها يعني أنها صادقة، ولا تكذيبها حتى يؤدي بنا إلى دليل بديل. ربما ما كان بعد لم يكتمل، ولازال في طور التكوين، بل ربما التكوين ذاته لا ينتهي أبدا ليكتمل، بل ربما يكون لم يبتدأ أصلا ليكون. من يستطيع أن يثبت أن الوجود هذا ليس عدما محضا، أو العكس؟! هذا على أفتراض أن العدم والوجود منتهى أضداد الحقائق كما نتصور. فما بالك بفرضية أن الحقيقة متجاوزة أصلا كل ما هو عدم وكل ما هو وجود؟! ماذا لو كان لا يوجد حقيقة في الأساس؟! إلى ماذا كنا سنصل لو كنا أبتدأنا بحثنا أصلا بفرضية "لا حقيقة".

الخميس، 1 مارس 2018

استحالة المعرفة

في الحقيقة لا تفضي المعرفة إلا لاستحالتها، لكن ما يبقينا رهن المحاولة هو معرفتنا بأن المستحيل قد كان فعلا من قبل، مما سمح بوجودنا على هذا النحو. معرفة كتلك لم تجعل لنا خيارا آخر. ليس بوسعنا سوى أن نضرب رؤوسنا في حائط جهلنا الفولاذي، لا كي يلين، بل لننزف أكثر وأكثر، ويستحيل المستحيل مجهولا على أيدينا كما كان، فتكتمل الدورة. 

كل هؤلاء المتراكمة أسمائهم في سجلات الموت.. الممسوحة أسمائهم من سجلات الحياة بممحاة النسيان فعلوا هذا سواء علموا به أم لم يعلموا. نحن ببساطة أبناء المستحيل.. شهداء الجهل.. أسرى النسيان.. يبتلعنا المجهول بشكل لانهائي ليسترد نفسه.

الأشياء مشحونة بمعناها المتوارث بفعل التراكم. متى أفرغناها من معانيها بالبحث والتأمل والتفكير والتجربة سيصعب علينا أن نعيد ملئها بأي معنى من جديد مهما حاولنا. حجم الطاقة مهما بلغ في محاولة كتلك سوف يذهب هدرا؛ لأن حقيقة السراب إذا ما ظهرت، تماما كما الجرة إذا انكسرت لا يمكن أن تعود لما كانت عليه.

يقول الفيلسوف والروائي الإيطالي الشهير -أمبرتو إكو- موجزا هذا الأمر في كتابه -بندول فوكو- العالم لغز أليف، لا أذى فيه. فقط محاولاتنا المحمومة لتفسيره كما لو أنه ينطوي بداخله على حقيقة هي ما تجعله مروعا ومخيفا ولا يطاق. 

ربما فعلا لو كانت هناك ثمة حقيقة لما كنا هنا على هذا النحو محاولين رصد وتتبع السراب اللانهائي ويكأنه الحقيقة. لا شك أن غواية التأويل المدموغة في الوعي هي ما تدفعنا لفعل ذلك رغم ما قد يطالنا جراء هذه التأويلات المتباينة المتخبطة من الشر المتمثل في الفرقة والصراع، لكن مع الأسف هذا هو  السبيل الوحيد لمعايشة الوجود الذي لا نقوى على استيعابه. ليس بوسعنا حيال هذا الوجود المبهم المستعصي المطلسم سوى أن ننتقم من أنفسنا بالفرقة والتشرذم.

الثلاثاء، 27 فبراير 2018

مشهد النهاية

السماء تتسيد المشهد كعادتها. لا شيء يخفي الشمس.. قبة فضية يتوجها هلال صغير. تنحدر الجموع هبوطا من على السلم المرتفع إلى الباحة.. يتراصون كتف لكتف إلى خارجها وعلى طول المسار المؤدي للنهاية. ثم فجأة يظهر النعش محمولا يتبختر على الأكتاف يسوقه النفير.. تمتمات داكنة.. همهمات ساكنة ينساق من خلفها الجميع خلف النعش في مشهد سريالي محكم.. أصابع مرفوعة تشير للسماء يتحركون بها مبتعدين عن القبة.. نحو الزقاق الضيق.. تتباطئ الحركة نظرا لضيق المكان.. عشرة آلاف مشيع يتناثرون في تلك الأزقة الضيقة تحوطهم المقابر بأبوابها المعدنية الخضراء الصدئة، وبأقفالها الكبيرة المغمودة في الخرق المتربة. 

يستقر بي المطاف فوق تبة من أوراق الشجر المتساقطة. ربما لم يتذكر أحدا تلك الشجرة منذ وقت ليسقيها، أو ربما ماتت أورقها حزنا على الموتى. صوت يظهر جليا بعربية فصحى لا أستبين صاحبه من مكاني.. يخطب خطبة قصيرة ثم يطلب منا الدعاء سرا.. فأتذكر الراحل الذي لم أعرفه جيدا.. كان علما.. لم يكتفي من روث الحياة إلا بخمسة وسبعين عاما عرف فيهم بشرا أكثر ممن شيعوه. 

أنظر إلى يداي المبسوطتان.. إلى كومة الأوراق الجافة التي أعتليها.. إلى الصبار المتناثر.. إلى الأبواب الموصدة.. إلى الاقفال المكفنة في الخرق.. فأتفهم ضعف الموت أمام جبروت الموتى.. وأدرك جبروته على أمثالنا من الأحياء.. ثم يتعالى صوت بعد عدة ثواني مجلجلا.. شكر الله سعيكم.. ربما يقولها للناس أذانا لهم بالانصراف.. يكررها عدة مرات.. فينفض الناس تدريجيا وأبقى كعادتي وحدي.. أتنقل بين الأزقة الضيقة متفحصا اللوحات الرخامية للأسماء وصولا إلى اسم جدي.. يرقد هنا إلى جانب أبنه إلى جانب أخيه وأخته و..... جميعهم استراحوا هنا أخيرا من زمن بعدما أغلقوا على أنفسهم باب من النسيان يزيد صلابة مع الوقت.. تركوا دنيا النسيان إلى نسيان الدنيا واستراحوا.

المكان حقا موحش لكنه هادئ.. مخيف لكنه مريح.. موجود ولكن لا أحد يفكر فيه.. حقيقي لكن لا أحد يريده.. فانصرف محترما المجهول إلى الانشغال بالنسيان على أمل العودة قريبا.. أو ربما لا داعي للعجلة يوما ما سآخذ نصيبي كاملا من المجهول

الجمعة، 19 يناير 2018

إلى أين أذهب

لم تكن تشغلني رماح الغدر التي كانت تملأ صدري العاري. كنت أعرف جيدا أن الآخر البعيد ليس سوى عدو لدود به من الخسة والجبن ما يستحق الشفقة أكثر من النقمة. أنه ببساطة يظن أنني أزاحمه على فرصة البقاء في عالم متداعي بطبعه لا يرحم أحد، ولكن ما استوقفني بشدة هي تلك الطعنات التي توالت على ظهري من أقرب أقربائي.. كيف سولت لهم أنفسهم فعل كهذا، وفي بقائي بقائهم؟!

في الحقيقة لم يعد شيء في الحياة يثير دهشتي أكثر من اجتماع كل أشيائها على إيذائي رغم أني أضعف بكثير وأهون بكثير من كل هذا التصدي. أنه بحق لشيء مثير للسخرية أن يجتمع كل هؤلاء لقتل شخص مثلي تقتله نفسه كل يوم ألف مرة.

وها هي الطعنات لا زالت تتهاوى فوق قلبي المتهاوي حزنا، وكأنه غير موجود، أو كأنها لا تنتهي، أو كأن لازال في الحزن متسع يكفي لأشعر بها. الحياة تمعن في اختباري أصعب الاختبارات، وأنا المفرط بمعرفتي بجهلي، وقلة حيلتي، ولاجدواي.. تريد انتزاع اعتراف قسري مني بعجزي الذي لطالما أقررت به طواعية، واستسلاما بمناسبة، وبدون مناسبة. الأوجاع تتحدى نفسها فيَّ، ويكأني خصمها الوحيد، ويكأنها لا تستطيع أن تتثبت من وجودي إلا بالألم.

يبدو أن هذا الاستسلام اللامبالي الذي أواجه به نفسي هو ما يستثيرها ضدي. يملؤها بالبغضاء حيالي.. أعتقد أن حياديتي تجاهها تملؤ قلبها باحتقاري.. احتقار لا تبديه من باب المكابرة، ولكنه يظهر جليا في هلاوس عبث وأسئلة تضج مضجعي.. منها مثلا هذا السؤال الذي يؤرقني..

إلى أين أذهب وأنا أمامي الجدار الذي هو خلف ظهري؟!

فيوضات العبث