الخميس، 14 ديسمبر 2017

سلطنة عمان ومعلومات تثبت مدى سطحية الترندات الشائعة

صورة لعلم ولة سلطنة عمان

لا يعرف الكثير من المتهكمين الساخرين أرباب الترند أن سلطنة عمان التي يتهكم على سياساتها اللي رايح واللي جاي كانت في مطلع القرن التاسع عشر امبراطورية كبيرة تمتلك أسطولا حربيا وتجاريا ضخما مكنها من بسط نفوذها على بحر العرب وصولا لسواحل شبه القارة الهندية وسواحل ايران بل امتد نفوذها ليصل إلى الساحل الشرقي الافريقي.. وليس هذا فحسب، بل كانت فرنسا وبريطانيا في محاولات جدية لعمل معاهدات واتفاقيات معها لحماية تجارتهم المارة من تلك السواحل، بل وامتد النفوذ العماني مهيمنا على أراضي كثيرة واقعة في شبه الجزيرة مثل الأمارات والبحرين وقطر وأجزاء من اليمن.. بل استطاع العمانين تجاوز حدود قارتهم ليبسطوا نفوذهم على سواحل افريقية مثل زنجبار وكينيا وتنزانيا ومدغشقر وجزر القمر.. بل واستطاعت سلطنة عمان قبل بناء تلك الأمبراطورية الضخمة  من طرد الغزو البرتغالي في القرن السابع عشر من على أراضيها، بل ولازالت هناك اثار لقبور الجنود البرتغاليين على أرضها خير شاهد على ذلك.. 

وخارج هذا السياق التاريخي للسلطنة القديمة.. فعمان اليوم دولة فيها تعايش حقيقي بين كل الطوائف الأسلامية الرئيسية من سنة وشيعة أباضية والذي هو مذهب الحاكم.. هذا فضلا على تعايش هائل بين أعداد كبيرة من العمالة الوافدة من الهنود والبنجلاديش والباكستانين والفلبينين والأنجليز والأمريكان والأوروبيين والمصريين والشوام والمغاربة وغيرهم.. وكل هؤلاء يعيشون على أ رض السلطنة وفقا لقانون بيتم تطبيقه على الجميع بعدالة ونزاهة وشفافية.. 

تبقى سلطنة عمان رغم نظام حكمها السلطاني، ورغم مذهبها الديني الأباضي دولة مدنية حديثة بها دارا للأوبرا وبها مسارح وقاعات للسينما ومنتجعات وحرية وانفتاح وعدم تحرش وعدم عنصرية واحترام للقانون.. بل أزيد عن هذا وأقول أن سلطنة عمان فيها شعب هو أكثر الشعوب العربية احتراما وأدبا وأخلاقا وتحضرا هذا من واقع معيشتي هناك لأكثر من ستة أعوام حيث درست وعملت وعايشت كل حرف أقوله على أرض الواقع..  

تبقى سلطنة سلطنة عمان من وجهة نظري بالنسبة للعالم العربي والشرق الاوسط تماما مثل سويسرا بالنسبة لأوربا والغرب مع الاحتفاظ بالفارق طبعا.. لكن تبقى السلطنة هي أنظف ما رأيت في العالم العربي تماما مثلما تسمع أن سويسرا هي أنظف ما في العالم الغربي.. بل كل الدولتين رغم الفوارق يتبعون نفس سياسة الحياد وعدم التدخل في شئون الآخرين وعدم التورط في المشاكل الدولية والأقليمية.

الجمعة، 8 ديسمبر 2017

وصار يأنفنا الهوان



خُنْتُمْ.. وَخنَّا..
خنَّا.. وَخَانُوا..
كُنْتُمْ.. وَكُنَّا..
كُنَّا.. وَكَانُوا..
سَبْعُونَ عَامًا
نَتَبَادَلُ التُّهَمَ الرَّخِيصَةَ،
وَالْحَقَ أَنَّ الكُلَّ هَانُوا.
هَكَذَا اِعْتَادَنَا الهَوَانَ
حَتَّى صَارَ يَأْنَفُنَا الهَوَانُ.
وَاليَوْمَ تُلُفِّظْنَا الشَّتَائِمُ
يُنْكِرُنَا السِّبَابُ،
وَيَعْتَلِينَا كُلِّنَّا
هِرٌَ جَبَانُ.
سَبْعُونَ عَامًا
يُفِيضُ مِنْ دَمِنَا الزَّمَانُ،
فَمَا حَنَّ الخسيسُ،
وَلَا قَوْمَيْ اِسْتَبَانُوا.
وَاليَوْمَ يَسْلُبُنَا الذُّبَابُ
كُلٌّ مَا نَسْتَنْقِذُهُ،
وَيَقُولُ مُبْتَسِمٌ
بِكُلٍّ فَظَاظَةٍ
عُذْرًا..
فَقَدْ فَاتَ الآوانُ.
سَبْعُونَ عَامًا
نَتَسَوَّلُ الأَنْجَاسَ فِي الأَنْفَاس
فَمَا شَعَرُوا بِنَا،
وَلَا حَتَّى اِسْتَبَانُوا.
سَحْقًا لِكُلِّ مَنْ اِسْتَهَانُوا بِجُرْحِنَا
فَدنوًّا وَدَانُوا.
سَحْقًا لِكُلِّ مَنْ اِسْتَعَانُوا بِعَدُوِّنَا
كِي يَعْفُو عَنَا تَفَضُّلًا
ضَرَبَتْ مذلتهم عَلَيْنَا
فَاِسْتَكَنَا بقدر ما اِسْتَكَانُوا.
وَاليَوْمَ..
اليَوْمَ قَدْ فَاتَ الآوانُ.
حَتَّى الهَوَان..
قَدْ صَارَ يَأْنَفُنَا الهَوَانُ.

الأحد، 12 نوفمبر 2017

العدم قط أسود بعينين صفراوين


وحيدًا في المقهى الوحيدِ بعزلتِهِ..
قطٌ أسودٌ يتَفَحَّصُني بعينينِ صفراوين
يَسقطُ الكأسُ من يدي؛ ليتناثرَ الرذاذ
دماءٌ تصيبُ قدمايَّ بالشلل!!
ما أشبهَ الماءَ بالدماء..
بل ما أشبهَ الدماءَ بالماء
هكذا تختلطُ المعاني مني في فخِ اللغة،
الكونُ لغةٌ شاسعةٌ فارغةٌ من المعنى
بينَ السماءِ والأرض..
بينَ الحقِ والباطل...
بينَ كلِ الأضداد، وبينَ كلِ بين..
ضجيجٌ متواصلٌ من حوارِ الطُرشِ والعميان
العالمُ كلهُ ملتاعٌ على صفحاتِ الجريدة،
العالمُ بذاتهِ ملقى على الطاولة
بينَ السطورِ والكلامِ والورقِ الرديء
زيفٌ من صدى زيف..
سيفٌ من بعدِ سيف..
كلُ تلكَ الحروبِ كانت
كلُ هؤلاءِ القتلى لازالوا يسقُطون
لأن الحياةَ لا تكونُ إلا بالقتل.
يا لسوءِ حظِ قلبي المسكين
عالمٌ منحط.. وجودٌ رث..
ومقهى كئيبٌ غريبٌ يلفظني..
قهوتي برُدَت، وطاولتي تُغَني للفراغ
الجرسونُ يرمقُني باستخفافٍ
والمقهى فارغٌ من كلِ شيء
من انتظرتها عاندتها الظروف
صديقي ترك مقعدهُ أمامي
بحثاً عن لقمةِ العيش
وأهلي بطبيعتِهم لا يرتادونَ المقاهي
وحدي،، ومأساةُ العالمِ نتواصل
يتسربُ العمرُ من بينِ أصابعي
هالةُ الدخانِ حولي قداسةٌ كاذبة
وكأن أعقابَ السجائرِ
تتكاثرُ ذاتياً في بئرِ المنفضة
الرمادُ هو الحقيقةُ التي تبقي
بعدما أغادر
الرمادُ هو هذا العالمُ المبعثرُ في الهباء
الوجودُ هالةُ دخانٍ كاذبة خَلّفها العدم
العدم.. قطٌ أسودٌ
يتفحصني بعينينِ صفراوين..
في مقهى وحيدٍ بعزلتِهِ.

عالم من الكومبارسات المغرر بها

صورة مجمعة لأشهر كومبارسات السينما المصرية

الحياة فيلم تلعب فيه دور البطولة أمام نفسك، ودورا مهما لأبويك، ودور أهم لحبيبتك وأبنائك، ودور ثاني مساعد لأخوتك وأصدقائك ومن هم في دائرتك المقربة، ثم كومبارس تقل مساحة وأهمية دوره إلى أن تتلاشى تماما بالنسبة للبقية الباقية التي تملأ العالم.. الفيلم مستمر بينما يتغير غالبية الممثلون من وقت لآخر.. يحالون للتقاعد عندما تنتهي أدوارهم.. يرتاحون في النسيان بعيدا عن الأضواء والكاميرات والأحداث.. يبقى فقط ذكرى الذين أجادوا لعب أدوارهم.. من تقمصوها حد التماهي.. من أجتهدوا في تصديق أنفسهم، واعتبروا أن الفيلم حقيقة جدية تتطلب قدرا من العناء والجهد متناسين أن السيناريو قد كتب مسبقا، وأن المخرج يتحكم في كل التفاصيل حتى عدد أنفاسهم، وأن أدائهم مهما كان صادقا ومؤثرا ومقنعا لن يبقي منه المونتاج إلا ما يخدم استمرار فيلم الحياة الكبير وراوجه..

سينما الحياة صناعة كبيرة لها أهداف أخرى غير الفن والأمتاع والقيمة والمعنى.. الاستمرار هو الهدف الرئيسي لها؛ لأنه دونه لا يمكن الحديث عن أي شيء، ولهذا ستظل الحياة تلعب على حبال المجهول معتمدة على تيمة التشويق تلك لضمان بقائها.. 
وهكذا تكون النتيجة.. أننا جميعا مغرر بنا فيها تحت دعاوى أشياء زائفة كثيرة مثل البطولة والفن والتشويق، والفضول الناتج عنه، والتنافس فيما بيننا.. والحقيقة هي أننا لا نعرف أصلا للفيلم جدوى أو غاية، بل لا نعرف أصلا من سوف يشاهده.. في حال إذا كان هناك أحد مهتم أصلا لمشاهدة هراء كهذا.

الجمعة، 10 نوفمبر 2017

رسالة لها

صورة من فيلم One Day

أعرفُ جيدا أن الدنيا أسوأ بكثيرٍ من أن يُصلحها الحب، لكنكِ من خارجِ الدنيا أتيتِ؛ليبقى لي فيما بقى ثَمّة بقاءُ.. كأنكِ سماءٌ هبطَت إلى أرضي المتعبة؛ لتمشي السكينةُ إلى قلبِي المنهكِ بالخيباتِ، ولوعاتِ الشك.. هكذا ودونما أن أشعر في غمضةِ عين صرتِ اليقين.. صرتِ الحقيقةَ كلَها.. سنداً يدفعُني لاحتمالِ نفسي، والعالم.. أتوكأ حبك الصادق؛ لأخطو نحو غدٍ أعرف جيدا أنه لن تكلله الورود، ولن تزينه الزنابق، لكني أصدقُ في عيناكِ عمراً كنتُ قبلكِ لا أريدُ لهُ بأن يطول.. ربما الوجود أقبحُ بكثيرٍ من أن يطاوعنا، لكنني وعداً لأخرِ رمقٍ سأناضل.. فما أهونَ أن أحتملَ عمري لأجلكِ، بل لكم هو قصيرٌ -مهما طالَ- لأحتملهُ من أجلكِ.. وتبقي تستحقين دائماً أكثرَ مما في وسعي، بل أكثر مما في وسعِ الدنيا بأسرها.

الأحد، 22 أكتوبر 2017

خريف الوجود

   

الخريف.. حيث كل شيء مشحون بالخفوت.. مسحة رمادية تعلو ملامح الأشياء والأرجاء.. العام يتقادم باهتا في أخر شهوره.. ما أسوأه من عام، بل ما أسوأ الأعوام.. ها هو العام كما كل شيء ينطفأ وهجه.. تأفل ألوانه.. يعصف به الوقت.. هاهي الأحداث كعادتها تضيق خناقها من حولنا.. تحاصرنا لترغمنا أن نواجه عذابات الحقيقة مَرارًا ومِرارًا.. هاهو عالمنا الصغير يترنح على حبل الخطر المشدود بين السياسة والاقتصاد حيث الجوعى يبكون القتلى، والعدل يلعق حذاء الظلم كي يبقيه في واقع يسوقه الباطل إلى الهاوية.. هاهي حضاراتنا.. حيث النظم تدفعنا للفوضى، والأديان تجبرنا على الكفر، ولقمة العيش تستعبد ما بقى من فتات إنسانيتنا.. ها هو الغد يبصق في وجه الأمل قائلا: أبدا لن أكون أفضل. 

هاهو الوجود على حاله يا سادة يتغير بصخب.. هاهو أهوج نشط.. مصاب بفرط الحركة يضرب هنا وهناك غير مكترث بأمانينا المرتبة ولا ببحثنا على الحقيقة.. ربما المعرفة مستحيلة؛ لأنها غير ذات أهمية..

ماذا نفعل هنا حقا؟؟

نتبدل عصر "الجهل بالجهل" بعصور "العلم الجهل".. نملأ فراغ وعينا هراء.. نحشو خواء أرواحنا بمشاعر غامضة يتسيدها الحزن.. نحمل عبأ الوجود على عاتقنا دون أن يطلب منا، وأيضا دونما أن نريد..  
لربما حقا ما يؤرقني هو مزاج خريفي الطابع والهوى.. لا أستطيع معه أن أتمم عبارة واحدة قبل أن أمحوها.. ولا يسعني فيه أن أتأمل فكرة ما قبل أن يشتتني حدسي.. وربما تلك هي الحقيقة التي لا أقوى على مواجهتها فأعزو ذلك إلى مزاجي..

الأمر هنا أشبه بمتاهة.. كنا نسير فيها، ولا نعرف، ولكن على قدر ما كنا نسير كنا نعرف، وعلى قدر ما كنا نعرف كنا نضل، وعلى قدر ما كنا نضل كنا نكابر خوفا من أن يضيع جهد الماضي هدرا.. هكذا نستسلم للحاضر على أمل زائف بالمستقبل المخيف. 

لا تبكوا من أجل الموتى.. ما يحدث لا يصلحه الحزن، ولن تسترحمه الدموع مهما كانت صادقة.. الحياة موتة صغرى مضنية، بينما الموت جوهر يتنفس أرواحنا معنا.. يحصيها أكثر منا.. هي لنا نتنفسها حينا، بينما هو يتنفسها للأبد.. المعضلة أكبر من تفاصيلها، وتفاصيلها أكبر منا بكثير.. قدرنا أن نتخبط في المأساة إلى ما تشاء دون مشيئة أو إرادة أو خيار منا.. عزوا أنفسكم بالعجز.. روحوا عن نفسكم بالتجاهل، واعتصموا باللامبالاة ما استطعتم لذلك سبيلا.

الجمعة، 20 أكتوبر 2017

رذيلة الفضيلة



لا يوجد مبادئ على الأطلاق، بل ولن توجد مبادئ على الإطلاق -مهما بلغ التحضر- إلا من باب الإدعاء.. فالحضارة في ذاتها ليست أكثر من خدعة نستعلي بها على الحيوانات التي لا تفهم هرائنا، ولا تكترث لتعجرفنا الهش، حيث أنها تعيش الغريزة كما وجدت فيها بهدوء، وتموت في سلام دون كثر لغط أو ضجيج.

نعم كل أصحاب المبادئ من البشر مدعون ومزيفون منذ الأزل، وإلى الأبد.. ففي رأيي لا شيء أفسد الكون أكثر من وضع المبادئ وادعاء المثالية، وزحف البشر الوضيع حبوا في ركابها كونها هي الحقيقة.. أن أقذر رذيلة يرتكبها الإنسان هي إدعائه الفضيلة في حين تمضي الحياة بقوانين أكثر صرامة لا تكترث لمثل هذا الهراء الذي يملؤها بكل هذا الضجيج.

الآن يسقط الليبراليون المدافعون عن الحريات والمبادئ واحد تلو الآخر تماما كما سقط قبلهم من سنوات رجال الدين حماة الأخلاق والفضيلة.. وكأن الشأن العام للبشر نبع آسن لا يورده سوى القذارى المقززين، وهاهو الواقع في تفاصيل مجرياته يثبت ذلك طوال الوقت هنا في الشرق حيث التخلف أو حتى في أقصى بقاع الغرب راعي حمى الحرية والديمقراطية الحديثة المصطنعة.

من بضع سنوات واقعة لشيخ معمم وعضو برلماني عن التيار السلفي المحافظ يمارس فعلا فاضحا على طريق عام، بعده بأسابيع يطل علينا شيخا يخطب الجمعة باكيا متأثرا، ليظهر له بعدها سيلا من الأفلام الأباحية مع نساء متزوجات.. تتنتشر المقاطع هنا وهناك، ثم تتوالى من بعد ذلك مثل تلك الوقائع، بعدما ألتفت إليها الجميع، وأولاها المجتمع اهتماما.

هكذا سقطت العمائم البيضاء الناصعة في وحل الرذائل الدنيوية.. وهكذا أيضا سقطت من عيون الناس.. ومن أجل حفظ ماء وجه ما تبقى من مبادئ الدين والأخلاق تم تبرير مثل تلك الأوضاع على أنها مجرد حالات فردية تخص أصحابها، ولا تمثل الدين الصحيح..حينها صب المجتمع جام غضبه على هؤلاء كونهم اتخذوا الدين والفضائل ستارا للوصول إلى الحكم لتحقيق مصالحهم الدنيوية القميئة، وغرائزهم الشيطانية الوقحة، ليتم اسقاط التيار الأسلامي كله من سدة الحكم بعد أن كان قد وصل إليها بالكاد. 

والآن ينقلب الوضع على الليبراليين والنخبة المثقفة.. منذ عدة أيام فيمنست شهيرة من أولئك الداعمين لفكرة -الاسترونج اندبندنت وومن- تتسول على الملأ وتجمع التبرعات من أجل نفقاتها الشخصية، وبعدها مثقف ومتحرر يتضح بأنه متحرش مدعي جبان.. بعدها يتهافت المثقفون الأفتراضيون واحدا تلوا الآخر هلعا على صفحاتهم لتبرئة ساحاتهم من تهم التحرش.. ولتبرئة ما تبقى من مبادئ الحرية تخرج الفيمنست المتسولة ببيان توضيحي توسلي يستجدي شفقة المتابعين شارحة فيه صعوبة الظروف، وقصر ذات اليد..  ويخرج المتحرش الجليل باعتذار مقيت يتصارع على آثره آخرون دفاعا وهجوما كون هذا الشخص المتحرر المتنور لا يمثل حقيقة الحرية النبيلة، ولا كنه الليبرالية السمحة، ولا روح الثقافة الناضجة، وأن قلة مندسة مدعية كاذبة قد تستخدم تلك الأمور ستارا للوصول إلى غرف النوم أو للشحاتة.. وأن الخطأ على كل حال وارد، ويترك الجميع أصل الفكرة، ويهرعون إلى الأختلاف حول قيمة الأعتذار وجدواه.. وتفاصيل البيان الآخر ومنطقية وصدق ظروفه.

وها هي الحقيقة في رأيي تتضح جلية -ما بين طرفي النقيض في المجتمع يمينا ويسارا.. حفاظا وتحررا- وهي أنه لا توجد مبادئ.. لا يوجد شيء أصلا سوى افتضاح حقيقة النفس الإنسانية بمرور الوقت أكثر وأكثر.. تلك النفس التي تجيد الحديث عن المبادئ -أيا كانت سواء كانت أصولية رجعية أو تحررية تنويرية أو حتى فلسفية منطقية مجردة- فقط لتصل الى مصالحها، وتلبي حاجة غرائزها، وتجمل بشاعة طباعها الأنانية الفجة.

نعم الكل يتحدث عن المبدأ، وهو في قرارة نفسه يتمنى لو كان بوسعه أن يكسره، بل هو في كل الأحوال سرا يكسره.. فها نحن البشر منذ القدم نضع القوانين لنتحايل عليها.. نجتمع على قيمة الفضائل؛ لنبقي للرذيلة وهجها وجمالها بالتجريم، ونزكي قيمتها بالمنع وعدم الإتاحة.. نعم نحن الممعنون في تناقضنا المهوسون بأنفسنا المستغرقون في تحسين صورة الحياة، ونحن أقبح وأقذر ما فيها.. لم نرتضي بحيوانيتنا فلم ترتضينا؛ لنصبح في النهاية مسوخا تضيق بنا أنفسنا، ونضيق بها في وجود لا يستحق عناء المعرفة لاستحالتها وعدم أهميتها.. وتبقى قذارة النفس البشرية وتناقضها التي ابتدعنها بوعينا نبراسا في كل مكان وزمان للهراء والإدعاء واللاطائل واللافائدة واللاجدوى في خضم وجود هو رذيلة العدم الكبرى التي لا يستطيع أن يمحوها بكل فضائله التي لا يعلمها هو نفسه.

السبت، 16 سبتمبر 2017

خوارزمية الجنون


عمر الكون يساوي تقريبا ٧٠ ألف ضعف عمر البشرية على الأرض، ويساوي أيضا حوالي ٢٠٠ مليون ضعف لأعلى متوسط عمر بلغه الإنسان في خضم كل هذا التقدم العلمي والطبي الحالي.  إذا ما كانت تلك للأرقام حقيقة خلاصة ما اكتشفنا بوعينا، وبرغم هذا لا نفهمها، ولا نشعر بها على حقيقتها نظرا لضخامة تصورها على إدراكنا.. فما بالك بالوضع معكوسا كيف يرانا الكون داخله على هذا النحو من الضآلة التي تؤول للا شيء تقريبا؟؟ هذا على فرض صحة الأرقام من الأساس. 

أعتقد أنه من جهة الكون الأمر أشبه أنك تضيع مثلا نصف دقيقة خلال خمس سنوات للتفكير في تفاهة لانهائية التفاصيل، ليست ذات معنى أو شأن.. تماما محض لحظة عابرة تمر عليك تشتت تركيزك دون جدوى؛ لتسهو عنها فتنساها، لتبدأ شيء جديد. أما من جهتنا ليس بوسعنا إلا أن نبالغ في الاحتفاء بالعلم؛ لنواري سوءة جهلنا بالحقيقة رغم كونه ليس أكثر من آلية رصد حسية ظاهرية، ومجرد محاولة عقلية منهجية قاصرة للتفسير.. لكنه يعد مع ذلك آلية هروب جيدة نسبيا من مرارات الخواء واللا معنى. 

الاشكال من وجهة نظري يكمن في كون الإنسان يرى الأمور من جهته فقط، ولا شيء في الكون يراجعه في تلك النظرة.. ربما لا يراجعه أحد لسفاهته، وقلة شأنه، وغباء تصوره.. وربما يكون لا شيء أصلا يكترث، والإنسان هو من يتعب نفسه دون جدوى.

بناءا على ما تقدم وعلى مستوى وجودي مجاوزا للكون والإنسان.. لا يمكن اعتبار الوجود حدثا مدهشا حيث أن ذلك مجرد افتراض يدحض نفسه، ذلك لأننا ببساطة في خضم الوجود لا يمكننا اختبار العدم الذي ربما يكون مدهشا بطريقة أكبر وأعظم.. بمثل تلك الفكرة يمكن دحض كل ادعاءات الدقة والنظام والأبداع في الكون، بل وكل تلك الصفات العظيمة التي نلصقها به حيث لا يمكننا تصور أي شيء خارج عن وجودنا فيه.

فالوجود بشكل عقلي مجرد يطفو على سطح بحر هائج من الأضداد بطريقة مريبة نرى فيها جواهر الأشياء مبعثرة جدا، بحيث لا يمكن ترتيبها إلا إذا أنتظمت في خيط عقل كادح يتهيب أصلا من حقيقة إنفراط عقده عبثا.

وكنتيجة لذلك لا يمكننا غير الاستسلام لفكرة أن الحياة ليس بوسعها أن تكون أفضل نظرا لوجودنا، وليس بوسعنا أن نكون بحال أفضل من ذلك نظرا للحياة.. جدلية تتغذى من نقيضيها.. نظام معزول ومحكم.. آلي الحركة.. ذاتي التأثير والتأثر.. ثابت السوء.. يتمادى في الحفاظ على نفسه.. الحياة محنتنا الأولى، وفي نفس الوقت هي عزاؤنا الوحيد في تلك المصيبة.. نحن أبنائها العاقين الذي تبقي عليهم حبا فيهم تحت وطئة الأمومة، وعقابا لهم بداعي العقوق.. خلل جذري ضارب في عمق كل الماهيات نظرا لاستقرارها رغم تضاربها.. ونظرا لتضاربها المؤدي لاستقرارها.. خوارزمية جنون معقدة تستعصي على الجنون فضلا على العقل.

الخميس، 14 سبتمبر 2017

مكتسبات ما بعد الثلاثين


لازالت هناك أشياء جيدة في حياتي.. يكفي جدا أنني في الثلاثين، لكن مازالت بصحة جيدة.. نظري ليس حادا، لكنه إلى الآن لم يرغمني لارتداء نظارة.. ألتقط صورا ضبابية مشوشة، ولكن هذا يقيني الأثار السلبية للتدقيق في الوجوه العكرة.. أسناني منتظمة بيضاء تميل إلى الاصفرار مع ضروس جميعها محشوة بحشو صناعي له نفس اللون المصفر. اقتلعت منهم ضرسين للعقل؛ لتخفيف حدة التفكير، وتجنبا لحشو العصب.. أمتلك أيضا ظهرا خربا أفسدته "عفشة" سيارتي التي أفسدها الصنايعية حينما حاولوا مرارا إصلاحها بعدما أفسدتها الحفر والمطبات المنتشرة في طرقات ربوع هذا الوطن المتآكل.. لا أنكر أن ظهري يفسد علي كل شيء تقريبا.. يقض مضجعي.. يقاطع أحلامي؛ لأستيقظ منها متألما فزعا.. لكن لا ضير أيضا يكفي أنه صديق صدوق تصاحبني آلامه الحادة في الليالي الهادئة كي لا أبقى وحدي أمام آلام تذكر خيبات الوطن، وخيباتي.. لازال جهازي التنفسي جيدا نسبيا يتجاهل ثلاثين لفافة من التبغ يوميا لمدة تتجاوز العشرة أعوام.. لازال يعمل بكفاءة مع أعطال بسيطة تظهر من حين لأخر رغم أجواء هذا الوطن الغارقة في العوادم، والتراب الناعم المثير للحساسية.. جهازي الهضمي حوله الكثير من علامات الاستفهام التي لم يجد الأطباء لها تفسيرا.. وجبة واحدة تكفي في اليوم دون مشاكل، وهذا شيء يضمنه لي عدم حبي لتكرار فقرة الأكل المملة ثلاث مرات يوميا.. شعري يتساقط بانتظام مع تناثر أعداد بسيطة من الشعرات البيضاء في الأرجاء.. أيضا وفي هذا السن لازالت بعض البثور تظهر في وجهي تاركة من خلفها ندوبا لطيفة، لكنني أعتبر ذلك تنفيسا جيدا لحالتي النفسية المزرية، وتقلب مزاج هرموناتي.. كما قلت لك في حياتي لازالت هناك أشياء جيدة.. ما أروع أن تعيش ثلاثين عاما في الجحيم، وتظل بصحة جيدة لتصلح للألم.

الأحد، 10 سبتمبر 2017

الوجو الأعور


على جثث ما تبقى أريد أن أكتب شيئا لا أعرفه.. حقيقي لدرجة أني لا أجده في اللغة.. صادق لدرجة تتجاوز ألاعيب البلاغة، وحيلها.. موجع بدرجة تشبه صمت الموتى، وخواء الفراغ.. شيء أشعر أنه يفلت مني كلما هممت بالإمساك به؛ لدرجة جعلتني لا أريد حتى أن أعرفه. 


السائل الأزرق قد يغري الحمقى، أما أنا فلم يبق لي شيئا لأمحوه فضلا على أن أكتبه.. بياض.. كفن ناصع من الصفحات.. لا أعرف تحديدا من كتب اسمي في تلك المهزلة؟؟

ما أشبه ما لا أعرفه بما أريده، بل ما أشبه ما لا أريده بكل ما أعرفه.. المكان هنا ينزف وقتا.. وقتا.. ينزف مكانا ما هناك. من حيث تدخل تغلق عليك الدائرة؛ لتبحث عما لا تعرف هربا مما عرفت، وتهرب مما لا تعرف بكل ما عرفت.. هكذا يتلاعب بي الخيال.. تتجاذبني الظلال.. كهوف بعضها من بعض.. كذبة واحدة تكفى جدا لأن نكذب إلى ما لانهاية دون مبرر أو قصد.

العدم أعمى.. أطفأ سيجارته المشتعلة في عين الوجود.. يالها من صدفة.. ياله من سوء حظ تناثر على إثره الرماد بعيدا في وجود أعور.. بعيدا حيث أنفخ الدخان متتبعا أثر ما لا أعرف أثره.. ظنا مني أنه سيؤثرني على نفسه كي لا تمتلأ الصفحة فلا تمتلأ المنفضة.. ظنا منه أنني لن أكتب ما جاء عبثا رماد وهذيان.

السبت، 26 أغسطس 2017

على المحك




(1)

على المحك
ثلاثون دهراً،
والسرابُ كما هو..
غيمتان، وظلٌ واحدٌ،
والأرضُ مرآةٌ..
ترابٌ معتمٌ يعكسُ
عتمةَ الأشياءِ والأحزان.
غموضٌ مربكٌ يشحذُ
إنثلامَ ذهنٍ ثملٍ تشتتهُ
الهلاوسُ والظلال.


(2)

على المحك
أبعثرُ الأيامَ بحثاً
عما لا أعرف.
ألملمُ ذكريات الحلمِ عبثاً،
مع ما تناثرَ من مهملات.
أتركُ أغنيةً في المنتصفِ
مع كوبٍ من الشاي،
وأنهضُ للزحامِ
جسوراً غير عابئٍ
بالضجيجِ وبالرهاب.


(3)

على المحك
أخونُ الوقت
بقدرِ ما تخونني الكلمات.
أكتبُ ما جاءَ عبثاً
وأمحو عن الأوراقِ
كلَ من بددوني،
هكذا أطربُ لفوضايَّ الرتيبة،
وأبتسمُ من اللاشيء..
وأشعلُ سجائري من بعضها
مستهتراً بالعمرِ وبالقلبِ
وباكتشافِ النار.


(4)

على المحك
أقرأ؛ لأنسى.. أعرف؛ لأهذي
لأغضُ طرفي عن عالمٍ
في كل يومٍ
يفيضُ ضجراً بالبشر
يضيقُ ذرعاً بالقدر.
عالمٍ بقدرِ ما أعرفهُ
يوردني الخطر،
فأخذُ من تفاهاتي البسيطة
حكمتي وعبرتي،
وألوذُ بالترحال.
أمرنُ مهجتي وبصيرتي
على ألمِ الضياع/
على طعمِ الوداع
بلا شقاقٍ أو جدال.


(5)

على المحك
أصدقُ من أحبتني
من آمنت بخيباتي
من صدقت بكلماتي،
فسامحتني على البعدِ
والصمتِ واللامبالاة.
أصدقها..
بعدد من خانوا.. ومن هانوا،
ومن لشرورِ كذبِهم استكانوا
أصدقها، وأبرأ إليها
من ضجري، ومن بأسي
ومن نفسي، ومن يأسي
ومن خمرٍ كعينيها
تهادت في رؤى كأسي.


(6)

على المحك
تقسو الحياةُ/ أقسى حتى
مما كنتُ أعدُ نفسي له.
تتمادى في عنفوانها
تدفنُ كلَ بقايا المشاعر
في بئر الصبر،
فلا يوخزني قلبي،
ولا يؤنبني ضميري،
ولا ينزغني الألم..
لأعود لحضن أمي
غريقًا يطلب طوقًا..
وليدا ينشد رفقا/
فيطربُ خفقاً في حماه.


(7)

على المحك
لا أدققُ في وجوهِ العابرين
لا أذكرُ الأسماء..
لا أتبين الطرقات..
مشوشاً أتناسى كل شيء،
كي أتلاشى الخوف.
هكذا أهزأُ بالحياةِ
على أملِ الحياة.
وأمضي وقورًا في مشيتي
متمثلاً خطوات أبي،
الذي لطالما عاندتهُ
كي لا أسير على خطاه.


(8)

على المحك
يقينٌ زائفٌ على وَشْكٍ وشكّ
قلقٌ لم يعد يقلق
وسكينةٌ غامضةٌ تعتريني
إتزانٌ ينضجُ على لهبِ الارتباك.
استسلامٌ للأشياءِ يعلن بدايتهُ
لأنتهي لما أنتهى لهُ الجميع.
مجرد وهمٍ أجوف يتباهى
برضاهِ العاجزِ عن نفسه،
أو كذبٍ سطحي ساذج
يصدقهُ المشككُ
صاغرًا وحزين
بانقطاعِ حَيْله وحِيَله.

الاثنين، 21 أغسطس 2017

كابوس لا يمر




دون مبرر.
كحجر يسقط
من قمة الأحلام
إلى هاوية الوهم.
تعدو.. وتعدو.. وتعدو..
وأعدو واقفا في مكاني..
مستسلما ألهث..
أغمغم في لهاثي.
يوشك قلبي أن يتوقف
يوشك أن يصبح
حجرا لامبالي
يسقط من خلفي
دون مبرر
في هاوية نفسي
التي لا تكفي لأي شيء،
ولا حتى لأن أفهمها.
لتعاد الكرة كل مرة
من جديد بشكل آخر..
ككابوس محكم
بحيث لا يمر.
ياللعنة

الأربعاء، 9 أغسطس 2017

في فن اقتناص الذات




قلبي يخفق
في هدوء وحيرة
كنورس يحط
على قارب يتأرجح
مربوطا إلى المرفأ.
كقبو أجلس وحيدا
في ظلام البيت...
بمثل ما يتحسس
الخطوات...
أتحسس الدقات
أمعن فيها،
فتمعن في.
وقع أضيع
على إثره سابحا
فيما قبل البداية،
ليمتصني السواد
عن أخري
عن أخره
عن أخر كل شيء
في ضباب الفكرة،،
كغيمة عابرة
تمتص محاقا وليد
في ليل شتاء
بطيء جدا، وحالك.
كأنه لا شيء إلا النبض
في الخلفية..
صدى يتكرر لذاته
مقيدا في انتظامه،
ساكنا في انتظاره
إلى أن يحين الصمت،
ليغادر هذا القبو بيته
حيث أمواجا أكثر صخبا
تنتظر القارب،
وسماء صحو
تتثاءب عن بدرها،
يجول في مدارها
نورس حر جديد..
كنهاية واقعة
تمعن في بدايتها
فيما قبل البداية.
ليخفت نبضي،
فتسكت عني حيرتي
كي لا أتحسس شيئا..
أو ربما لأتحسس
كل شيء.

الثلاثاء، 8 أغسطس 2017

المعلوماتية والبرجماتية وحتمية الانكباب على الذات

في خضم هذا الزخم المعلوماتي العملاني التكنولوجي المادي المحموم هل في وسع الإنسان العادي شيء سوى الإنكباب بذاته على ذاته؛ ليلبى متطلباتها المادية النهمة بعملانية نفعية بحتة متناسيا عمق وجوده، والبحث عن مغزاه، بل ومتجاهلا تطوير مسلك وعيه، وتأصيل فلسفته في الحياة؟؟ هل بوسع شخص عادي أن يلم بكل تلك المعلومات والأخبار والمآسي أصلا وهو يدور كثور معصوب العينين في ساقية تسليع كل شيء، وتقنين الحياة في ذهنه كمصلحة، وتأطيره كمجرد مستهلك؟؟ هل بوسع أي عقل أن يفند كل هذا القدر الهائل من التراكم والتضارب بين نفسه وبقية البشر، وبين البشر والعالم، وبين العالم كوجود والعالم كماهية، وهو يدرك تدني قيمته من الأساس في خضم تلك الفوضى الحادثة؟؟ هل بوسع أي قلب أن يتعاطف أو يحب أو يتحمس أو يدعم أي فكرة مجردة لذاتها دون أن تثنيه مصلحته، أو انشغاله، أو حتى لا مبالاته وعدم قدرته؛ نظرا لاستشراء نسبية كل شيء وفقا للعلم والحاجة؟


أعتقد أن الانانية هنا، وتضييق دائرة المصلحة والمنفعة والتي يتقلص معاها أيضا ما تبقى من دائرة منظومة القيم والمبادئ المثالية القديمة أمر يفرضه الواقع لا خيار للناس فيه، لكن تكمن الخطورة من وجهة نظري في امرين..

أولهما:- التناقض الحالي
حيث كم يستطيع أن يصمد الإنسان بين مثالية الماضي التي لازال يدعيها؛ لتحفظ للحياة ماء وجهها كفضيلة، بينما مادية الواقع تتفاقم في تسارع محموم؛ لتنتزعنا مرغمين من رحابة المعاني الفضفاضة للحياة؛ لتوردنا مقهورين محدودية الحسابات الدقيقة المجردة وضيقها، وكأن الوجود يعمل كآلة بلا أدنى هدف؟؟ هل يستطيع الإنسان أن يحتمل تناقضا كهذا تهرول فيه نفسه إلى كهف الماضي المثالي خوفا من انصهارها وانحلالها، بينما جسده يندفع كسهم في عالم المستقبل المتسارع ماديا ورقميا ليضمن لنفسه مكانا تحت مظلة العلم بينما يظل واقعه ديستوبيا غرائبية مريرة إلى ما لانهاية؟؟

ثانيهما:- التمادي المستقبلي
حيث ماذا يبقى للإنسان من قيمته الأخلاقية أصلا حين يصبح أناني نفعي مادي عملاني أجوف مفرغ من أي معنى بتلك الدرجة من السوء الذي يتمادى؟؟ وهل بهذا التدافع نحن بصدد تشكل إنسان جديد تماما بمعايير قيمية وأخلاقية جديدة؟؟ وإذا كانت فلسفتنا المثالية الطفولية اللطيفة البريئة أوصلتنا إلى هذه النقطة السوداء، فإلى ماذا سوف تصل بنا تلك المنظومة القادمة عند اكتمالها ورسوخها في العالم وفي نفوس البشر؟؟ هل ينتظرنا فعلا ما هو أكثر رفاهية، ولكن أكثر مللا وضجرا واكتئابا وجحيمية؟؟ هل سيكون انقراضنا بإيدينا حيث ينتظرنا في النهايه انتحار جماعي عظيم نستخدم فيه منتهى ما وصلنا إليه من تكنولوجيا لننهي هذا الأمر؟؟

الجمعة، 4 أغسطس 2017

مرآة مثلما تريها تريك



يقول: أشعر وكأن هذا الوجه الغامض الذي يطل في المرآة لينظرني خلفه الكثيرمن الفراغ البشع الذي يخفيني كلما أخفيه. 
يرد: أذن لا تحملق فيه كي لا تتيه.. هون عليك.. أن ما يحدث حولك ليس نهاية العالم.

يقول: تلك هي المأساة تحديدا.. العالم لا ينتهي.. لا يتحسن، ولا يسوء بينما كل شيء يتآكل.. 
يرد: لماذا أنت هكذا؟؟ أقصد لماذا أشعر كأنك تبالغ؟؟

يقول: أبالغ!!  كل شيء وارد.. الاحتمالات لانهائية لدرجة تنعدم فيها كل الاحتمالات ليبقى ما ترى.. فهل حقا يعجبك ما تراه؟؟ كن حياديا، ودع واقعك يجيب عنك.
يرد: نعم، أنا أيضا مثلك حياتي ليست جيدة بالمرة.. حياتي رديئة مملة وكئيبة ولكن...

يقول: معذرة على المقاطعة، لكني أبغض المواساة تماما كبغضي للوعظ والنصح، وأبغض "ولكن" أكثر من كل ما سبق، ولكن.. أسمع نصيحتي.. لا تشكو السيء إلى الأسوأ لأنه لن يرحمك.. أنا أسوأ من حياتك بكثير.
يرد: لا بأس، قل لي أذن ماذا تريد؟؟ ربما يكون في وسعي مساعدتك.

يقول: ربما أريد أن أفعل ما يحلو لي في عالم هادئ وجميل، لا أريد أن أعمل.. أريد ثروة طائلة، لا..لا.. لا، أريد المعرفة، أقصد الخلود.. ليس الخلود تحديدا فقط السكينة الناتجة عنه.. الرضا مثلا أو الحب.. ربما فعلا أريد أن أحب.. بالأحرى أن يحبني الجميع..... في الحقيقة أريد أن أكون حرا من كل ما سبق.. أريد أن أعرف تحديدا ما أريد، لا أن أحاول.
يرد: عذرا، ولكن كيف لي ان أعرف ما تريد، وأنت نفسك تحاوله، ولا تعرفه؟؟

يقول: فقط لا تكن مثلي ولا مثلك.. لا تكن مثل الجميع حينها حتما ستعرف.
يرد: وكيف لي ذلك؟
يقول: في الحقيقة لا أعرف طريقة، ولكن كمخرج مبدئي مؤقت..تجاهل المرايا.. لا تحملق فيها.. أنها دوما تعج بالأسئلة..
نهاية المناقشة... 
شظايا مرآة مبعثرة تملأ الأرجاء...

الأحد، 30 يوليو 2017

عن نشأة اللغة، وفجائيتها عند نعوم تشومسكي..

صورة للفيلسوف نعوم تشومسكي

مقدمة:
عندما سئل الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي عالم اللسانيات المشهور، كيف نشأت اللغة؟
أجاب باختصار أن طفرةً جينية ما حصلت عند إنسان سماه بروميثيوس Prometheus قبل حوالي 100,000 سنة كانت السبب الذي ظهرت به اللغة فجأةً.. ولا شك أن كلمة "فجأة" لا يمكن فهمها بسهولة احتكاما لفكرة التطور والطفرات التي هي قائمة أصلا على مبدأ التراكم.. نعم الطفرات تظهر فجأة.. ولكن كيف نطق الإنسان الأول أول مرة، وكيف فهمه إنسان آخر أيضا فجأة.. وكمحاولة لفهم هذا التصور اعتقد أنه علينا الاحتكام إلى آلية داخلية تعمل داخل الإنسان إلا وهي المشاعر.. وهذه الكلمات التي سوف تقرأها هي محاولة متواضعة مني لفهم هذا الفجائية من باب أن المشاعر الإنسانية تطورت في الإنسان قبل ظهور اللغة.

لا شك أن أي مصادفة مهما كانت درجة استحالتها تظل أحتمالا يقيني الحدوث في حال لانهائية الاحتمالات، ولانهائية المقياس الذي يتم به حساب عدد المحاولات. وطالما ظل هذا المقياس مفتوحا بشكل لا نهائي، فإن تراكم نتاجاته، وتعقيد مخرجاته يقلل بطريقة ذاتية من احتمالية إيقافه.

بشيء مما سبق أعتقد أنه يمكن إثبات وجود مستحيل كالعدم نظريا، وتبرير وتفسير الوجود كنتيجة تفاعلية له، بل واعتبار الوعي كحتمية وجودية لهذا التراكم. باعتبار أنه مع كل احتمال يحدث تزيد فرصة هذا التغيير المطرد وتصارعه وتسارعه وتطوره وتعقيده.

لكن رغم كل هذا تبقى اللغة الناجمة عن الوعي صعبة التصور والتفسير أكثر من الوعي ذاته، حيث أنه لولا ظهورها من الوعي لتدنى الوعي، بل وتبدد بمرور الوقت. فكيف إذن طور الوعي مصادفة هذه الأداة التي تحفظه من التراجع والتدني؟؟

وفي محاولة للإجابة.. أعتقد أنه لا يمكن تفسير ظهور اللغة بمعزل عن المشاعر.. أو بالأحرى وعي الإنسان بالخوف، حيث أن الخوف كماهية إدراكية بدائية تجتمع فيه عموم المشاعر البدائية للإنسان من حيرة ودهشة وألم.. وكي أكون أكثر تحديدا لم يكن الخوف ذاته هو الدافع الأصلي للكلام، بل كان شعورا مركبا أكثر تعقيدا نجم عنه ألا وهو "الحزن".

إن الحزن كسمة خاصة جدا وفريدة ومتطورة للأنسان دون غيره من الكائنات هو ما أنطق الأشياء في وعيه؛ لينطق بها دفعة واحدة كطفرة لم يسبقها الكثير من التفاصيل والتغييرات. فرسوخ الحزن كمعنى أصيل في نفس الإنسان -حتى وإن لم يعي عمق فلسفته حينها- كان هو النقطة التى أبتدأ منها ضجيجه بالكلام كسلوان وعزاء.. ومنه تطور وعيه متسارعا وصولا للتدوين، ومنه لما نحن عليه الآن من تراكم المعارف.

نعم تبدو مآلات الأشياء أكثر تعقيدا من كونها وليدة الاحتمال والتراكم.. ولكن بتتبع دؤوب صبور للعدد اللانهائي للاحتمالات ولانهائية مقياس عدد المحاولات حيث أزلية الوقت والمكان.. يمكن فك التشابك، وبناء تصور طبقا لمنهجية العقل في حدود قدرته وإمكاناته وسقفه.. وتبقى مثل هذه التصورات هي أفضل محاولات التفسير الممكنة رغم قصورها وعدم تماسكها، ولكن مع الأسف لا سبيل سواها.

الجمعة، 28 يوليو 2017

مناجاة




معذرة،،
ولتغفر لي فجاجتي وقلة حيلتي،
لكنني لم أعد أعتد 
بهذا الحب المسجي بالسحاب
لا، ولا بتلك الورد المبتلة بدمع نداها،
ولا حتى بهذا الليل الوقور
الذي يتمعن في سيره.
لم تعد تبصر عيناي شيئا؛
لترى الحقيقة فيه أو به.
ربما فقد السؤال شغفه
بطول البحث عن الجواب.
ربما حتى أموت..
قبل أن يصادفني اليقين.
تعبت، ولم يعد في مقدوري
أن أتجسس خلسة على الصمت،
أو حتى أن أتتبع عورة الكلام.
المعاني جرار فارغة..
أكسرها واحدة تلو الأخرى؛
لأهدأ من روع ظمأي.
فلا تترك خديعة ابتسامتي
تمكر بي عندك فتصدقها.
لا، ولا تدع صبري يبهرك بجماله.
هذا ليس صبرا.. أنه محض عجز
عجز تام.. استسلام لا قبل لي به،
ولا خيار لي فيه.
نعم، لست نبيا لأفهم المغزى،
لكنني أيضا لست غبيا لأصدق
أن القدر تفرغ لي وحدي؛
ليمارس مؤامرته المحكمة ضدي.
ربما كل ما حدث ليس أكثر
من سوء حظ صادف سوء حظ.
شرك نصبته الظروف من حولي
كي لا أستطيع الفكاك، ولا الهرب.
فلا تتفحص قلبي غيبا..
أنه هش.. هش جدا..
أفسدته التجارب بالخيبات..
بدده الماضي بذكرياته،
والحاضر بوحدته،
والمستقبل
بخوف مرتعش من المجهول.
الخذلان يطوقني،
والشامتون يتخذون من مأساتي
ملهاة يسرون بها عن أنفسهم.
حتى نفسي خرجت عن طوعي..
تمردت علي مللا ويأسا،
وضاقت بي على حين غرة.
هل هكذا فعلا تختبرني لأنك تحبني،
وتريد مكافأتي
أم تختبرني لأرسب،
وتجد مبررا لتغضب مني وتكرهني؟؟
قل لي ماذا بوسعي أن أفعل،
وأنا لا أملك شيئا،
ولا أعرف شيئا
سوى الحزن والحيرة ؟؟

الخميس، 29 يونيو 2017

حديث الثلاثين


لم أكن أعد الأعوام.. وُلدت لبيت واقعي لا يعيرون فيه اهتماما كبيرا لتواريخ الصدف.. صدفة أتت بي يوما ما إلى الدنيا دون قصد.. بها أيضا منحت عرضا مجانيا مؤجلا للموت، وهذا أمر جدا عادي لا يستدعي الاحتفال. لا أعرف حقيقة كيف صرت ما أنا عليه الآن؟؟ كهلا بثلاثين دهرا من السراب.. بعقل يعربد فيه الشك والشك في الشك كطفلين متشاكسين، وبقلب ترتع فيه الخيبات كل ليل مرحة.. لا أدري أيضا كيف صار الليل صديقا مخلصا إلى هذا الحد.. يربت على كتفي كل ليل، بينما الحزن صار  منقذي الوحيد الذي يمد لي كلتا يديه؛ لينتشلني من غياهب نفسي؟؟

لقد كانت الحياة كعادتها تمر مني إلى شأنها في هدوء؛ لتتركني وشأني في النهاية -كما كل السابقين- حفنة تراب هادئة.. لم يستوقفني أي شيء فيها.. كنت مثل الغالبية مستسلم للحياة كرحلة، وللعمر كسفر محدد الوجهة.. بكل جسارة كان الطريق يمشيني لنهايتي، وأنا في غاية اليقين والثبات أنني من أقطعه بخياري إلى نهايته.
مستسلما للقطارات التي كنت أركبها واحدا تلو الأخر.. لم يفوتني أي شيء.. دوما في الصف الأول في كل القطارات.. كنت أبذل قصارى جهدي كي أكون أول الراكبين.. وفي خضم هذا السعي المحموم، لم أعرف أي شيء عن نفسي.. ربما لأني كنت أعتبرني مُسلَمة لا تستدعي الفحص، وأعتبر النهاية بديهية لا تسترعي التدقيق والسؤال.
نعم، كنت مغفلا مجتهدا يحفظ فروضه المدرسية أول بأول دون أن يفهمها.. مغفلا لا يتخيل أبدا سؤالا دون جواب، ولا جوابا من الممكن أن يخلق من خلفه ألف سؤال.. كنت مغيبا بقناطير منقطرة من الإجابات الغير منطقية والتصورات الخرافية عن نفسي، وعن الأشياء، وعن البداية والنهاية.
ثم فجأة وجدتني مضطربا شاردا على أحدى الأرصفة في أحدى المحطات.. أتلفت من حولي.. كمن استفاق لتوه من كابوس.. أتأمل وجوه من يمرون.. أتسائل عن جدوى السفر، وعن جدوى الوصول.. لا أعرف تحديدا سببا لما حدث، بل حتى ربما إلى الآن لم أحاول.. لكنني أعرف جيدا هذا الشعور.. شعور الانعدام واللاقيمة واللاوزن الذي يشعر به شخص يفتح عينه لأول مرة على دُمى مسيرة تحركها الأقدار، والصدف، والحظوظ، والظروف، والغيب المبعثر هنا وهناك.. قطعان من الدُمى وعرائس الماريونت يمضون إلى حيث يأمرون؛ لأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان.. يغضون الطرف عن المجهول الذي يحدق بهم، بل يغضون الطرف عن كل شيء.. يتعامون.. بل هم في سكرتهم يعمهون.. إنهم ببساطة نتاج خوفهم من المجهول.
المجهول.. هذا المارد الذي أختبرته لاحقا فعرفت بأنه مشنقة الحياة المزركشة التي يشدها الموت بغتة.. رباط عنق حريري مزركش بالأمل ومرصع بالأماني، لكنه يضيق بالوقت؛ ليفضي إلي الموت.. من يخلعه من عنقه يرمي بنفسه تحت عجلات أول قطار يصادفه في ثبات.
حينها فقط أدركت أن الحقيقة -أو ما كنت أعتقدها الحقيقة- ملت من كونها حقيقة فاستحالت زيف فكنا هنا على نحو بصق فيه العدم وجودا قميئا كهذا مجرد ردة فعل خزعبلاية لا فائدة منها، كمن تتفل في صدرها فزعا من اللاشيء.. حينها خلعت الرباط عن عنقي، ولم ألقي بنفسي إلى العجلات.. رأيت الانتحار تماما كالاستمرار مجرد أمل زائف في الموت بدلا عن أمل زائف في الحياة.
الحياة ملطخة بالموت.. والإنسان جدل الله والشيطان الذي لن ينتهي أبدا.. الفضيلة محاولة بائسة لإيجاد مغزى في عالم عاهر يتعرى يوما بعد يوم دون حياء.. والدنيا بكل ما فيها أدنى من أن نتأملها.
هكذا وجدتني فجأة على أحد الأرصفة في أحد المحطات في أحد الأماكن لا أعرف شيئا سوى أني ذرة في غبار في هباء.. صرخت فلم يكترث أحد.. بح صوتي، وانصرف القطار، وتركني من خلفه وحيدا.. وحيدا يحرس وحدتي ظلي بشك نهم يبتلع كافة الأشياء؛ ليتقيأ نفسه في وجوهها من جديد.
رغم هذا كنت أشعر أن المعادلة بعد لا تساوي صفرا، حتى وإن كانت تبدو كذلك.. كان صوت أبي لازال يتردد في أذني بنبرته الصوفية الخالصة: "يا بني أركب معنا.. يا بني من تلفت تشتت، ومن تشتت تفلت، ومن تفلت سقط". اخترت السقوط.. وها هي الأعوام تمضي.. وأنا لازالت أسقط.. وكأن الهاوية بلا نهاية.. أسقط دون موت، ولكن دون حياة أيضا.. أرى العالم آيلا للسقوط، لكنه ليس مثلي.. إنه عاجز لا يستطيع أن يسقط لأنه الهاوية التي لا قرار لها.
كون بأكمله كما غرفة باردة مظلمة تغلق بابها بإحكام شديد على من هم في داخلها، وكأنه لا شيء خلف الباب.. وكأنه لا شيء خلف الباب من الجهتين.. يتلاشى قلبي وحشة مع كل لحظة تمر بحيث لم يعد في وسعي أن أستمني حب أي شيء.. شبق البقاء والخلود تبدد يأسا في كل شيء، ومن كل شيء.. أملي دهسته عجلات القطار ليفتديني، ويتركني حيا من خلفه بلا أمل.. وحيدا على الرصيف ينهكني صوت خطوي المنهك، وأنا أتجول الحقائق لأحيلها إلى حقيقتها أوهام وزيف.. كل الحقائق متضاربة هنا؛ لتصبح جميعها صحيحة متسقة هناك!! حتى هناك لم يعد يغريني هكذا لم أعد أتذمر من نقمتي على الحياة، ولا حتى من نقمتها علي. يمكنني إيجاز حياتي في تساؤل واحد لا يحتاج إلى إجابة.. كيف لمن لا يقوى على الحياة أن يقوى على الموت؟؟

السبت، 24 يونيو 2017

زهرة الخشخاش

لوحة فان جوخ الشهيرة


النشوة مقلوبة رأساً على عقب..
العدم على بعد خطوتين،
لكنك لا تكاد تطاله حتى يفلتك.
الوجود يحترق من خلف رأسك
كقبس مفعم يأخذك للنعيم.
أي نعيم يكفي؛
ليمطر جحيم مأساتك؟!!
أي نعيم هذا الذي
يرغمك أن تستسلم للاشيء؟!!
هاهي السعادة تغمز لك أخيرا..
هل تراها؟؟
هاهو الحزن نائم ثمل قتيل..
هل يراك؟؟
غفا عنك الوجع..
أسقطك الألم من حسبته..
أي فردوس هذا الذي يلوح
في أعماقك؟!
النشوة تضرب من جديد
خلل ما يعبث في خلل الوقت
أطرافك منغمسة في الثلج
المواضيع تتشعب من بعضها
في بعض بلا نهاية.. بلا بداية
لا تستطيع اللحاق بالأفكار
هاهي تمضي سكرى
في كل اتجاه
تبعثرك من خلفها
كورقة مزقها الشك
ثم ألقاها من شباك
سيارة تفكيرك المسرعة
الكرسي يحتضنك
كمومس محترفة
يهدهدك بتمرس
يدللك.. لتسأل..
عرش من هذا؟؟
جدية منقطعة النظير
على نحو هزلي منقطع النظير
النشوة تتغلغل فيك.. تتغلغل فيها..
صوت الكمانجات يغرق في أذنيك
النايات تذوب كالسكر في روحك
الأيقاع يقذف بك إلى السماء؛
لتسقط كريشة على سماء رحبة
من ريش النعام.
ما جدوى زهرة شبابك
لولا زهرة الخشخاش؟؟

الخميس، 1 يونيو 2017

عن طوق الحمامة ووهمية الحب العذري

غلاف كتاب طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي

قد نختلف حول إذا ما كان الحب يفقد قدرا من عذوبة روحانيته عند ممارسة الجنس كفعل مادي نتقاسم جزء كبيرا من سماته مع الحيوانات، لكننا بالرغم من ذلك نتفق بسهولة على أن الحب يفقد ذاته كاملة إذا تراكمت عليه الأيام دون تواصل جنسي محسوس لدرجة يستحيل فيها إلى لا شيء، وإلا تحول لمجرد ذهان مستغرق في الأوهام، وشبق مازوخي للتمتع بالحرمان، وذلك يحدث لاستثناءات بشرية من الممكن الحديث عنها فقط من باب التندر والطرافة ليس أكثر.فببساطة لا يمكننا الحديث عن الحب الإنساني بمعزل عن غريزة الإنسان وحبه لذاته مما يندرج منطقيا تحت غريزة البقاء الأم التي تجابه حقيقة الموت بالتناسل من أجل أماني الخلود. 

وأنه لما كان يصعب الفصل بين قيمة الحب المجردة ومنفعته وحاجتنا إليه على مستوى الشعور ناهيك على مستوى الوعي، لم يستطيع "طوق الحمامة" ولا غيره أن يثنيني عن حقيقة الحب كمجرد تبرير كلامي أجوف هش ممعن في الغموض والالتباس لتبرير الغريزة الواضحة الملحة المدموغة سلفا فينا دونما أختيار. ويبقى "طوق الحمامة" وما على شاكلته في نظري مجرد محاولات جيدة للرصد، لكنها محاولات بائسة جدا لخلق ماهية فيها أي قدر من العمق المتجاوز لصخب تكبر الإنسان الأجوف وتمركزه الساذج حول ذاته.

وطالما ظل الإنسان مفتقرا للدليل والبديل فلا عجب أذن أن يصبح النسق الشعوري للحب المتداول شعرا وأدبا وحتى فلسفة محض سذاجة طفولية فيها من السطحية والتضارب ما فيها بحيث نضيع بها لذة غريزتنا الحيوانية الثابتة بداعي الاحتقار، وتضيعنا لذته الروحانية الملتبسة في غياهب الخيالات الفرادنية وتخيلات التجربة الذاتية دونما دليل ثابت متفق عليه فتصبح النتيجة أن يصير الحب في أبهى أستعمالاته وأكثرها شيوعا بالنسبة للعوام مجرد بداية جميلة يتدافعون إليها زمرا على أمل السعادة، لتسوقهم ختاما إلى نهاية بشعة من لا معنى الملل بالتكرار، ولا جدوى اللذة بالاحتقار.. يا لها حقا من نهاية بشعة لا يمكن تفاديها إلا بإنكارها وذلك فقط ليترك الناس لأنفسهم مساحة للعودة من أجل تكرارها لإنعدام أي نسق شعوري بديل.

فيوضات العبث